الأحد  13  يوليو  2014
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • حريات..سلام، وسلام عليك يا وراق!

    November 3, 2010 · 3 تعليقات  

    3 نوفمبر 2010 :

    هو مولد صعب في وقت وطني صعيب، لصحيفة إلكترونية ولكنها خرجت من رحم الصحافة الورقية. على يدي أستاذنا الحاج وراق  . خرج الحاج من الوطن طريدا تنتاشه محاكم الجور فكلما كتب مقالا رفعت ضده قضية كلفته أو كلفت تضامن الأحرار معه الملايين، لأنه لا يملك سوى قلمه وقلبه وحلم بالوطن. الظلاميون كما يسميهم أرادوا أن يكسروا قلمه وقلبه تماما مثلما ها هم يحطمون الوطن!

    لقد ربطتنا بتتبع الأستاذ سنين بدأت منذ خروجه من تحت الأرض للعمل العلني ومولد حق، كلماته المنشورة كانت تصلنا في منفانا الاختياري بالقاهرة فتنم عن رؤية ثاقبة وصدق ووطنية. نعم لاحقا نقمنا على وراق إثر مقابلة صحفية نشرت معه وكانت فاتحة كتاباتنا الصحفية مقالات فيها هجوم عنيف على وراق إثر تلك المقابلة الصحافية في أواخر العام 2001م.. مقالات سميناها (تأملات الحسرة على المآب) اعتبرنا فيها أن وراق قد آب عن البصيرة النافذة والتي فاحت من كتاباته كما يفوح الشذى عن الأزاهر وعاد للشنشنة البادية لدى كثير من قبائل اليسار في قرائتهم للواقع السوداني، وحينها غضب منا الأستاذ ولكنه لم يسع لحجب رأينا فنشر أعنف النقد وأحده على صفحات الجريدة التي كان رئيسا لتحريرها آنذاك (الحرية) ولم يكن ذلك ضروريا حتى بمقاسات حق الرد الصحفي لأن مقابلة وراق المذكورة لم تنشر في (الحرية) بل في (المستقلة) اللندنية. قبل وراق طعننا في رأيه وفي مواقفه ورد علينا من جنس عملنا لا عبر المحاكم أو التشهير الذي اتخذه كتاب آخرون في مقابل نساء عنفن عليهن في الرأي، ثم وجه من صفوف حزبه- وقد كان حينها رئيسا لحق- اثنين هما الأستاذان أمير صديق وقرشي عوض فكالا على رأسنا ما احتملناه قبولا للرأي الآخر، وهكذا يجب أن ندير خلافاتنا، لا بما نراه في ساحة الصحافة الآن.

    دالت الأيام فجمعتنا به تضامنيات الأحرار العصيبة في سودان “الإنقاذ” العصيب. ووجدنا أن وراق فعلا من أعمدة الاستنارة الوطنية، كما ظل حبيبنا الإمام الصادق المهدي يكرر أن في هذه البلاد أقلام هي أعمدة للاستنارة وكان يذكر منها وراقا وبروفسر الطيب زين العابدين والأستاذ عبد الله آدم خاطر والأستاذ محمد عثمان كبج، قال: كلما قالوا شيئا أو كتبوا فإنك منهم تستفيد!

    ولكن الحاج وراق لم يلج ساحة الصحافة الإلكترونية الزاهرة هذه إلا مضطرا، وكم عرضنا عليه أن نذلل له الدخول إليها عبر ما أتيح لنا من “توهط” في عالم الإنترنت بحثا وتنقيبا، ولكن للتكنلوجيا هذه “حرنة” جربناها وهيبة منعته. قال لي الأستاذ ثروت قاسم الكاتب الإسفيري العليم ذو القلم المنير إنه يعجب ممن تتاح له هذا المعلومات وهذه العلوم وهذه الفائدة وذلك النور المبصّر في الشبكة العنكبوتية وبدون مقابل تقريبا، ثم لا يعب منها عبا.. وإنه يرى من يحجم عن كل هذه المنن في مقام الأنعام الناطقة! قلت له: كلا، منهم من إنسانيته فاقت التصور، ومنهم وراق!

    إن أمامنا تحديا كبيرا أن ننشر هذه الهبة الإلهية التي جاءتنا بيدي الحضارة الغربية ونستفيد منها أقصى فائدة لتصبح آلية في النهوض بشعبنا، ولتقلل الفوارق التي صارت في عقدي الإنقاذ كما بين الثرى والثريا بين متخمي مجتمعاتنا ومحروميها.

    وأمامنا تحد أن نتخلص من ذهنية الصحافة الورقية التي تحكمنا كلنا لنستطيع عبر صحافة السايبر أن ننقل الأفكار اللازمة للنهوض بالوطن..

    وما أدراك ما الوطن؟

    الوطن في كفي عفريت إنقاذي سيء النية (كما تقول كلمات النداء- الكولنج- الشهير في الجامعات).. عفريت يحكم بالنبوت! نسب شعر لأستاذنا محجوب قبل 21 عاما حينما سطوا على البلاد لكني لم أتحقق منه، جاء فيه:

    يا اب دقنا تحت الكاب

    والإفك رباط البوت

    بين السونكي وحد الناب

    فلتحكم بالنبوت

    ما بتدي الناس القوت

    وترازي أخو البنـّوت!

    وهكذا، فعلا حينما كسر النظام قلم وراق الورقي، ها هو يسعى لكسر قلمه السايبري، وأنت ترى موقع حريات محجوبا عنا في السودان.. لكننا لن نقف.

    سنتضامن جميعا من أجل كسر القيود، هكذا تحلم حريات ونحلم معها. بلادنا تنتظر أن نتحرر وأن نسعى جميعا جميعا من أجل تجنب المصير الأسود الذي يحيط بالوطن:

    دارفور والقتل والتشريد والجياع في المعسكرات ومحاولات تصفية القضية بالسلاح الناري بعد الاستراتيجية التي قضت بأن كل شيء قد انقضى ودارفور انتخبت حكامها! في دارفور الآن الأمن عملة مفقودة والقتال لم يعد حكرا بين الحكومة وحملة السلاح كل دارفور الآن تقاتل كل دارفور فالفتنة القبلية وصلت مبلغا لم يحدث في التاريخ المنظور.

    بعض الأصوات الدولية تنادي بوضعها تحت الوصاية الأممية، وهمس اليوم يصير أمرا مفروضا باكر، ونظامنا “الميمون” لا يهمه سوى الكرسي في الخرطوم.

    الاستفتاء يأتي والانقسام بين الشريكين، والبؤر الملتهبة في أبيي وحفرة النحاس (كفيا كنجي) والجبلين، وبحر العرب، وجبل المقينص، وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، وغيرها تؤذن بفرقعة السلام..

    الانفصال كنتيجة حتمية للاستفتاء صار قاب قوسين أو أدنى ومع مرارته الحنظلية على أحلامنا الوطنية إلا أنه لو تحقق بسلام لكان مع ضرره مقبول دستوريا ومطلوب إنسانيا اعترافا بحق الشعوب في تقرير مصيرها، بيد أنه مع الغفلة البادية فإن تباشير الحرب تلوح في الأفق.. والشجر غابات تتحرك!

    والغفلة بين كثيرين في الوطن هي سيدة الموقف.. كأن ما يكون ليس كائنا!

    ملفات مصير الوطن مفتوحة، يكتب العفريت عليها: لا يهم أي شيء، لا يهم ، لا يهم.. الكرسي فقط هو المهم! ألم يقل الطلاب في ندائهم إنه سيء النية؟

    حريات.. بصّرينا، أزيحي نقاب الغفلة ليتبدى وجه الكائن ويسفر قبحه، دعينا نعمل من أجل وطن شامخ وطن عاتي.. وطن خيّر ديمقراطي! ونبنيه!

    حريات سلام.. وسلام على الحاج وراق!

    الحقيقة هي الأقوى

    November 2, 2010 · لا يوجد تعليق  

    هناك امثال كثيرة تتحدث عن حركة الحديث أو المعلومة.. يقول أهلنا في السودان ( الحديث بصل الريف وعند سيده يقيف) عندما يريدون التعبير عن ان صاحب الشأن آخر من يعلم بما يقال عنه لا سيما ان كان هذا الحديث في خانة السلب (شمارات) وهذا بدوره يقابل العبارة الشائعة الزوج اخر من يعلم في ذات سياق المعنى. كان هذا في زمان محدودية آليات نقل الحديث واندياح حركة الشمارات.

    ٭ الكل يتحدث عن أهمية تمليك المعلومة.. الحكام يتحدثون عن تمليك المعلومة لأهل الصحافة ولعامة الناس.. واهل الصحافة يشتكون مر الشكوى من عدم تمليك المعلومات أو منعهم من تركها لتأخذ طريقها للمتلقي.

    ٭ وفريق يرى المشكلة في ان بعض الوزراء وأهل الرأى والمعرفة يخفون من رؤسائهم المعلومات الحقيقية والضرورية ويبدلونها حتى لا يحاسبوهم ويكدروا عليهم حياتهم.

    ٭ تداولنا هذه الآراء بيننا وكان الحديث عن الصحافة وعن الهجمة عليها واتهامها بأنها تجنح للاثارة وتضخيم السلبيات.. بل وذهب البعض الى أنها تطعن في ثوابت الدين وتتحدى السلطة.. ودار الحديث طويلاً.

    ٭ حضرتني في تلك الجلسة واقعة حدثت في العهد العباسي للخليفة المكتفي وهى انه طلب ذات مرة من وزيره ان يأتيه ببعض الكتب ليقرأها في أوقات فراغه.. فأمر الوزير احد نوابه بتحصيل كتب للخليفة.. وجمع الرجل الكتب وعرضها على الوزير ليراجعها قبل ان يرسلها للخيفة.

    ٭ ورأى الوزير ان الكتب تتناول التاريخ وبعض الاحداث التي جرت في ايام سالفة واخبار وزراء في عهود سابقة وكيف كانوا يتحايلون في استخراج الاموال.. وهنا صاح الوزير في الذي احضر هذه الكتب 0 والله انكم اشد الناس عداوة لي.. انا قلت حصلوا للخليفة كتباً يلهو بها وينشغل بها عني وعن غيري فحصلتم له كتباً تعرفه مصارعة الوزراء والجلساء وتدله على طرق استخراج المال وتجعله يعرف خراب البلاد من عمارها.

    ٭ وقذف الوزير بالكتب قائلاً ردوها وحصلوا كتباً فيها حكايات تلهيه واخبار تطربه.

    ٭ عندما فرغت من الرواية لحظت نظرات الاستغراب من حولي كأنها تتساءل عن علاقة الواقعة بالحديث عن الصحافة والصحافيين، وعن المعلومة وتمليكها.. واختصرت الطريق وقلت لهم السياسة في معناها البسيط هى فن ادارة حياة الناس بفرضيات الواقع ومكوناته الحقيقية.

    ٭ والمعلومات في عصر الفضائيات والانترنت والصحيفة اسرع من الكتب.. كتب الوزير ومن يفكرون بعقليته.. ولكن المصيبة في ان البعض يتجاهل الواقع ويرمي بالصحافة بعيداً أو يرميها بالاتهامات ويشن عليها حرب الارهاب والتخويف.. ولكن حبل الكضب قصير.. وثورة الاتصال قوية والحقيقية هى الاقوى.

    هذا مع تحياتي وشكري

    محاولة اغتيال عرمان في كفة الإسلام

    November 1, 2010 · لا يوجد تعليق  

    علماء السودان يرمون عرمان ويحرضون عليه ويرد قائلا: إنهم علماء المؤتمر الوطني الحركة من أجل حرية الضمير: الرئاسة عليها أن تدرأ خطر الجماعات المتفلتة وأذاها على الدين والدنيا معا  :…… مكي علي بلايل: الهيئة إما جاهلة لو لم تكن تعلم أن الدستور يستثني غير المسلمين أو غير أمينة لو كانت تعلم ذلك وأثارت ما أثارته :….. محمد المهدي حسن: غلبنا التخيير في تطبيق الشرع على غير المسلمين حتى المرتد هناك فقهاء لا يقولون بقتله وقتله في زماننا الحاضر هزيمة للنهج المقاصدي

    الجمعة الجامعة- صحف- وكالات تعرض الأستاذ ياسر عرمان القيادي بالحركة الشعبية لمحاولة اغتيال حيث ضبطت قنبلة بمكتبه بمقر الحركة الشعبية بأركويت فجر الاثنين الماضي، وكان عرمان قد تحدث في المجلس الوطني في أبريل الماضي متحفظا على تطبيق العقوبات الحدية على غير المسلمين مؤكدا أن تطبيق حد الزنا لا يجب أن يكون على بعض الجماعات التي تبيحه أعرافها. وقد أثار حديثه لغطا داخل المجلس وأعقب ذلك إصدار بعض الجهات والأفراد لتصريحات تكفر عرمان وتهدر دمه. ولأهمية هذه القضية من ناحية حرية الفكر من جهة ومن ناحية الاهتمام بنفي الإرهاب عن ديننا الحنيف فإننا نقوم باستعراض بعض المواقف والآراء حول الأمر. خاصة وأن حادثة محاولة الاغتيال مربوطة ربطا حيويا بالآراء والتحريضات التي سبقتها. كانت هيئة علماء السودان قد أصدرت بيانا بعنوان (بيان من هيئة علماء السودان حول مفتريات ياسر عرمان) عرض البيان بعرمان باعتباره ممن (تربوا في أحضان الكفر ورضعوا من ألبان الجهل حيث خرجوا على الناس بأعظم فرية وأقبح قولة أن تطبيق حدود الله وإقامة شرع الله إهانة للإنسان السوداني).. رصد البيان عددا من الآيات التي تصف الذين يسارعون في الكفر والكافرين والذين لا يحكمون بما أنزل الله، معقبا بتحريض السلطات والشعب ضده. وبالرغم من حدة لغة البيان وعنفه وإساءته البالغة لعرمان إلا أن كاتبا مثل الأستاذ إسحق أحمد فضل الله رآه دون المطلوب وكتب معرضا بالهيئة وعلمائها ومحرضا على عرمان ما عرضه للمساءلة والإيقاف عن الكتابة. أما عرمان فقد رد على البيان بعنف وقال: هم في الحقيقة علماء المؤتمر الوطني وليسوا علماء السودان، ودرجوا على التدخل في العمل السياسي ولا أحد يحفل بالفتاوى السياسية الصادرة عنهم، ليس أنا فحسب بل حتى رئيس الجمهورية، حينما أفتوا بعدم سفره إلى الخارج. وقال إن البيان الذي أصدروه بيان سياسي من الطراز الأول لا علاقة له بالدين ومحاولة لحجر الرأي الآخر وهو خرق فاضح للدستور ولائحة البرلمان اللذان يمنعان أي جهة من تعويق عمل النواب أو محاسبتهم عن قول أو فعل صادر أثناء أداء أعمالهم. فهو محاولة لتكميم الأفواه واستخدام الدين في عمل سياسي مفضوح في الانتخابات ووقف تنفيذ اتفاقيات السلام، وعلماء السلطان ظاهرة قديمة. في المقابل دعت «الحركة من أجل حرية الضمير» الرئيس السوداني عمر البشير ونائبيه سلفا كير ميارديت وعلي عثمان محمد طه إلى اتخاذ إجراءات في مواجهة «هيئة علماء السودان»، التي اتهمتها بأنها تستنفر المجتمع إلى العنف والعنف المضاد، وإيقاف الفتاوى التي تكفر المواطنين. وطالبت الحركة، التي كونت إثر موجة تكفيرية عريضة سبقت في عام 2003م والتي تضم شخصيات حقوقية وسياسية مستقلة، وحزبية من قوى سياسية مختلفة معارضة ومشاركة في الحكومة، طالبت الرئيس بالعمل على صون وحدة السودان وكفل الحقوق والحريات وفي مقدمتها حرية الضمير داخل البرلمان وخارجه. كما طالبت مؤسسة الرئاسة بالعمل على لجم من وصفتهم «بالجماعات المتفلتة ليكف أذاها عن المجتمع ويدرأ خطرها الفادح يقينا على الدين والدنيا معا»، وتنظم الحركة كرنفالا للتضامن مع عرمان ورفض الإرهاب في مقر الحركة الشعبية لتحرير السودان بالمقرن مساء الأربعاء القادم. من جانبه كتب الأستاذ مكي علي بلايل القيادي بحزب العدالة بهذه الصحيفة تحت عنوان (رفقا بهذا الدين: محنة الإسلام مع المتعالمين المتقحمين باسمه) مستحضرا الضجة التي أثارتها السلطة عام 2003م إثر توصل كل من السادة الزعيم الراحل جون قرنق، الإمام الصادق المهدي ومولانا محمد عثمان الميرغني لتفاهم في العاصمة المصرية كان ضمن بنوده اتخاذ ترتيبات تضمن قومية العاصمة في إطار تسوية النزاع في السودان. ومذكرا بأن ذلك الاتفاق يشابه ما تم الاتفاق عليه من قبل السلطة نفسها في اتفاقية السلام الشامل في 2005م مع الزعيم قرنق نفسه. والتدابير فيها بشأن العاصمة القومية التي ضمنت في الباب العاشر (المواد 152-158) من الدستور الانتقالي لعام 2005م. ومستنكرا أن تثير هيئة علماء السودان الضجة التي أثارتها حول إفادات عرمان في البرلمان وفحواها عدم تطبيق العقوبات الحدية على غير المسلمين. وقال: إن الهيئة ستكون بلا شك جاهلة إذا كانت لا تعلم أن الدستور الذي يحكم البلاد يمنع تطبيق العقوبات الحدية على غير المسلمين ويعتبر ذلك مبدأ راسخا في الشريعة بغض الطرف عن أي خلاف ففهي حول هذه النقطة. وهي ستكون غير أمنية إذا كان تعلم ما ينص عليه الدستور ومع ذلك أثارت ما أثارته حول تصريحات لا يخرج مضمونها عن فحوى نصوصه. واعتبر أن القضية هي مشكلة استغلال الدين كأداة إرهاب ضد الخصوم السياسيين من كل ألوان لطيف. ويقول الشيخ محمد المهدي حسن عضو لجنة العلماء بمجلس الحل والعقد لهيئة شئون الأنصار هناك ثلاثة أنواع من الأديان: المسلمون، وأهل الكتاب واللادينيون أو أصحاب كريم المعتقدات كما سماهم المرحوم جعفر محمد علي بخيت. ونحن كأنصار حينما ناقشنا مسألة تطبيق الأحكام في العاصمة القومية داخل هيئة علماء السودان طرحنا رأيا واضحا. كان السؤال هل يكون التطبيق على أساس شخصي للمسلمين في كل مكان أم جغرافي للشمال؟ تكلمنا حينها عن مبدأ التخيير الوارد في الآية لدى التعامل مع أهل الأديان: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } أي يتركهم لديانتهم وتحدثنا عن ترك أهل الأديان لديانتهم والمشرع راعى ذلك حينما صاغ قوانين شخصية لغير المسلمين من أهل الكتاب أو أهل الأعراف فلم يفرض عليهم قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين. اتفقنا على ذلك مع هيئة علماء السودان في منزل دكتور محمد عثمان صالح بالمهندسين وأجيز هذا الكلام بوجود الجميع وخاطب الأستاذ علي عثمان في كينيا وقال له الآن العلماء معي اتفقنا على هذا الرأي. فمبدأ التخيير هو الذي أخذ به. أما حول إهدار الدماء حتى لو صح التكفير يقول الشيخ محمد المهدي: إن إهدار الدماء أصلا غير وارد لدى كثير من الفقهاء ومنهم الإمام إبراهيم النخعي قال إن المرتد حتى لو ثبتت عليه الردة يستتاب أبدا ويظل يستتاب ولا يقتل، صحيح موضوع قتل المرتد واردة فيه نصوص ولكن هناك أسباب كثيرة للقتل فرضتها السياسة الشرعية حينها، ولكن الفهم المقاصدي للإسلام يقول إن تطبيق حد الردة الآن فيه إشكاليات كثيرة يتضرر منه الإسلام أكثر مما ينتفع.

    ما عيب قانون الصحافة الحالي؟

    November 1, 2010 · لا يوجد تعليق  

    المجلس الوطني سيناقش قريبا قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009م الذي يفترض أن يعدل القانون الساري حاليا للصحافة والمطبوعات لسنة 2004م، وذلك بعد أن أجازت القانون الجديد اللجنة المشتركة بين الشريكين، ووصل القانون لعدة جهات وبدأ الناس يتناولونه، وقبل الحديث عن هذه المسودة وما لها وما عليها نود أن نشارك أولا بنقطتين هامتين: الأولى ما هي المعايير التي تعنينا في حرية الصحافة؟ والثانية: ماذا أضار القانون الحالي حتى نستبدله؟ النقطة الأولى هامة لمناقشة الحريات الصحافية إطلاقا، والثانية هامة لتحيد مدى إيفاء القانون الجديد لمتطلبات التغيير.
    معايير حرية الصحافة
    المعايير الوطنية:
    أهم المعايير الوطنية هو ما تم النص عليه في الدستور الانتقالي لسنة 2005م في المادة (39) حرية التعبير والإعلام، كالتالي:
    «1» لكل مواطن الحق في حرية التعبير، وتلقي المعلومات والمطبوعات والإطلاع على الصحافة دون مساس بالنظام والسلامة والأخلاق العامة وذلك وفقاً لما يحدده القانون.
    «2» تكفل الدولة حرية الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى بما في ذلك حق الحصول على المعلومات في مناخ تنافسي كما ينظمه القانون في مجتمع ديمقراطي.
    المعايير الدولية والإقليمية
    وهذه بدورها تعتبر معايير وطنية لنص الدستور في وثيقة الحقوق على تضمين المواثيق التي انضم لها السودان في الدستور. وتنقسم لقسمين: قسم معني بحرية الوصول للمعلومات، وقسم ينص على حرية التعبير والإعلام بشكل مباشر.
    كان الحديث عن حرية الوصول للمعلومات -وحرية الصحافة ركن أساسي فيها- سابق للإعلان العالمي لحقوق الإنسان إذ تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في جلستها الأولى سنة 1946م القرار رقم (1)59 الذي ينص على أن “حرية تداول المعلومات حق من حقوق الإنسان الأساسية وهي المعيار الذي تقاس به جميع الحريات التي تكرس الأمم المتحدة جهودها لها”.
    ثم جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948م) كأول الوثائق الدولية التي اهتمت بحرية التعبير في المادة 19 منه.  ومع أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كقرار عام صادر عن الجمعية العامة ليس ملزما بشكل مباشر للدول، إلا أنه وعلى أية حال، بعض أجزائه، بما في ذلك المادة (19)، تعتبر بشكل موسع قد اتخذت قوة كقانون دولي عرفي منذ تبينها في 1948م. تنص المادة 19 على التالي: “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”.
    العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: السودان طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ICCPR (1966) فقد صادق عليه في 1986م. والعهد يحدد المعايير كما له آلية هي (اللجنة المعنية بحقوق الإنسان) لمتابعة أداء الدول الأطراف فالعهد المذكور وثيقة ملزمة قانونيا وبه عدة بنود تتعلق بموضوعنا:
    المادة (19-2): “لكل إنسان حق في حرية التعبير ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها”.
    المادة (19-3): “يجوز إخضاع حقوق المادة (19-2) لبعض القيود شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
    (أ‌)    لاحترام حقوق الآخرين وسمعتهم.
    (ب‌)    لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة او الآداب العامة.
    وق تم تفسير المادة (19-3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بأن القيود على حرية التعبير لا بد من أن تمر باختبار ذي ثلاثة أضلع:
    أولا- يجب أن ينص القانون على هذه القيود.
    ثانيا-  لا يجوز أن تفرض إلا لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم أو حماية الأمن العام والنظام العام والصحة العامة والآداب العامة.
    ثالثا-  يجب أن تكون هذه القيود ضرورية لحماية مصالح الآخرين أو المجتمع ككل.
    مما يعني أنه يجب أن يرتبط  عدم كشف المعلومات بالهدف الشرعي المذكور في القانون (وأن يكون –أي القانون- ملتزما فقط بالقائمة المذكورة في المادة (19-3) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية باعتبارها قائمة مانعة بحيث لا يصلح اعتبار أي هدف خارجها مشروعا لفرض قيود. كما يكون القانون متاحا للجميع ومصاغا بتفصيل كاف يجعل المواطن قادرا على تنظيم الممارسة بنفسه). وأن على كشف المعلومات أن يهدد بالتسبب في إيذاء ملموس لهذا الهدف، وأن يكون التقييد ضروريا بشكل مثبت لتأمين واحد من تلك الأهداف. فكلمة “ضروري” تعني أن هنالك حاجة اجتماعية ماسة لذلك التقييد، وأن تكون الأسباب التي تقدمها الدولة لتبرير التقييد مناسبة وكافية وأن يكون التقييد بحجم يتسق مع الهدف المقصود.
    كما توجب جهات كثيرة شرطا إضافيا، فحتى مع تجاوز الشروط الثلاثة يجب أن يكون الضرر بالهدف أكبر من المصلحة  العامة في الحصول على المعلومات وكشفها.
    المادة 2-2 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تعنينا أيضا لأنها تنص على أنه “تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلا إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد بأن تتخذ طبقا لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد ما يكون ضروريا لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية”، بما يعني تعهد السودان بمصادقته على العهد بما أوردناه أعلاه من معايير لحماية حق التعبير، ولا يعقل أن يقوم بسن قانون جديد يتعارض فيه مع ذلك.
    المقرر الخاص بحرية الرأي والتعبير: وفي عام 1993، أنشأت لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة مكتب “المقرّر الخاص حول حرية الرأي والتعبير”. لمراقبة ضمان هذه الحقوق في العالم.
    الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981): صادق السودان على هذا الميثاق أيضا في العام 1986م. هذا الميثاق يضمن حرية التعبير في المادة (9) منه إذ تؤكد انه: (1) لكل فرد الحق في تلقي المعلومات و(2) الحق في التعبير ونشر آرائه وفق القانون. وقد اجتمعت اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان في أكتوبر 2002م وتبنت: إعلان المبادئ لحرية التعبير في أفريقيا. الذي توسع في هذين البندين مع تأكيده على ضرورة أن تبذل الدول الأطراف في الميثاق قصارى جهدها لإحداث أثر ملموس فيما يتعلق بتلك المبادئ.
    وضع حرية التعبير والتشريعات المتعلقة به غير مرض في أقاليمنا العربية والإفريقية ولكن حتى بالمقارنة بها نجد السودان في وضع سيء. وإن كانت الحالة في العالم العربي هي الأسوأ فنحن نستطيع القول إن الحالة في مصر أفضل مما لدينا. مثلا في مصر نجد أن محاكمة الصحافيين تتم جنائيا كما لدينا وهو شيء مذموم ولكن وكما قال الأستاذ فيصل محمد صالح في ندوة الحريات الصحافية قبل نحو عامين فإن :النص القانوني في قضايا النشر في مصر يعاقب بغرامة محددة ومعلومة هي 500 جنيها (أي أقل من مائة دولار أمريكي) وقال البعض إن هذا المبلغ بسيط وشرح د. محمد سليم العوا بأن العقوبة القصد منها تقرير المسئولية الجنائية فحسب، فإن تضرر الشخص المعني عليه أن يرفع قضية ويحصل على غرامة مسئولية مدنية لجبر الضرر الأدبي أو المادي، وفي هذا تطور أفضل من الحالة لدينا برغم أنها في الإطار الجنائي المرفوض.
    كذلك أشار آخرون لأن الوضع المصري مع تخلفه أفضل من ناحية تبعية المجلس الأعلى للصحافة لمجلس الشعب وليس لرئيس الجمهورية أو الوزير كما لدينا حيث المجلس تحت إشراف الوزير المختص (المادة 6) ورئيس الجمهورية راع له (المادة 7).
    قانون الصحافة والحريات الصحفية لسنة 2004م.. لماذا التغيير؟
    إن النصوص والمبادئ الواردة في هذا القانون أرقت مضجع الصحافيين السودانيين بشكل كبير، فشروط العمل بالمهنة وبرئاسة التحرير والتراخيص ومتطلباتها والعقوبات على الصحفيين في القانون وإتاحته معاقبتهم عبر قوانين أخرى كلها ظلت شوكة في حلقهم ولا غرابة أن هبوا حين سنه، وقد نشر في جريدة الرأي العام السودانية عشية إجازته في المجلس الوطني (أي يوم 1 يونيو 2004م) تقرير تحت عنوان “من تحت قبة البرلمان: غدا.. هل يعدل البرلمان قانون الصحافة أم يبصم بالعشرة..؟؟” وفي ذلك التقرير ما فيه من المخاوف التي لها ما يبررها في ضوء قمع الصحفيين واعتقالهم وفقا لقانون قوات الأمن الوطني لسنة 1999م أو حبسهم وفقا للقانون الجنائي لسنة 1991م.. والحقيقة لم يكن من تحت قبة البرلمان (فكي) انتظره الصحافيون يومها بلا جدوى، ولذلك فقد أجيز القانون بصما، وبعد أن استوفى الغضب الداخلي والإقليمي من القانون حدوده القصوى –حيث انضمت وتناغمت مع الصحفيين السودانيين المنظمة العربية لحرية الصحافة- ووجد القانون غضبة مضرية من منظمة (المادة 19: الحملة الدولية من أجل حرية التعبير)، وقد أصدرت ورقة حول سياسات الإعلام  في الفترة الانتقالية أكدت فيها أنه يلقي بقيود ثقيلة على حق التعبير عبر الإعلام بما يجعل الصحافة المستقلة والنقدية مستحيلة فهو يفرض تحكما شبه تجريمي على الإعلام السوداني، ثم أصدرت بعدها مذكرة تفصيلية حول القانون انتقدته في عدة نقاط مقايسة له بالمعايير العالمية لحرية الصحافة.
    وفقا للتجربة المرة التي عايشناها مع قانون الصحافة الحالي فإن مشاكله تكمن في:
    -    استخدام العقوبات الجنائية في مواجهة قضايا الرأي: الحبس والغرامات الباهظة للمكروهين من السلطة والمخففة للمحاسيب كعقوبات لنفس المخالفات عملت كسوط تخويفي.
    -    مصاريف التسجيل المتروكة للوائح صارت آلية للتحكم في الصحافة ومعلوم أن المصاريف المرتفعة قيد على حرية التعبير.
    -    اشتراط عدد كاف للصحافيين  قيد غير مأذون وهو قيد على حرية التعبير، كذلك شرط تسجيل الصحفيين غير مقبول.
    -    التعامل مع المتطلبات بمرونة (مثل المبالغ المطلوبة للتسجيل) مما يتيح للمجلس هامشا واسعا لرفض أو قبول المتقدمين مما يمكنه من إقصاء قطاعات كبيرة من المجتمع السوداني من حق التعبير ويتيحه لآخرين. في حين أنه يجب أن يصاغ القانون بعبارات واضحة محددة تنطبق على الجميع بدون فرز.
    -    الشروط لرئاسة التحرير مثل العمر والمؤهل الجامعي غير مشروعة ولا مقبولة دوليا، وخاضعة أيضا لتحكم المجلس (باستثناء من تتوفر له الميزة النوعية).
    -    التوسع في حجب المواد السرية، إذ يجب حدها وتعريفها بدقة، مع السماح بطغيان المصلحة العامة في النشر حتى لدى توفر شروط السرية. (والقانون الجديد أضل سبيلا).
    -    النصوص التي تمنع نشر المعلومات الكاذبة وكل النصوص حول نشر المعلومات الصحيحة ومراعاة القيم  وسائل للحد من حرية التعبير.
    -    إذا كان هناك من داع لمجلس للصحافة فيجب أن يدار ذاتيا بشكل كامل، وتكون مهمته تشجيع حرية الإعلام وتأكيد الثقة في الصحافة عبر استقبال الشكاوى من الجمهور والبت فيها، ولا يكون هناك أي تداخل حكومي معه وتعاد تسميته ليكون (المفوضية المستقلة للصحافة) واختيار المجلس يجب ألا تدخل فيه أية جهة سياسية كالمجلس الوطني أو تنفيذية كالمجلس القومي للتعليم العالي أو رئيس الجمهورية، بل يكون كامل الاستقلالية.
    مر القانون الحالي وكان مغضوبا عليه في سنة 2004م، وبلا أب حيث تبرأ منه الجميع حينها ورافقته حملة ضخمة كان لها صدى إقليمي، واعتبره البعض إجراء استباقيا لاتفاقية السلام ونصوصها التي تتضمن الالتزام بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وتعالت الأصوات الداعية لاستبداله وقد نصت اتفاقية السلام على ذلك في 2005م وسماه اتفاق التراضي في 2008م كقانون واجب الاستبدال الفوري. وقدمت له أكثر من مسودة كان أكثرها ذيوعا مسودة العام 2007م التي نوقشت على مستوى يمكن وصفه بالعريض.. ثم جاء قانون 2009م.
    ونحن نزمع بإذن الله أن نتطرق للقانون الجديد تفصيلا ولكنا نكتفي الآن بالقول:  إن قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2004م يتناقض مع المواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان التي انضم لها السودان، ويتناقض مع الدستور الانتقالي لسنة 2005م ومع اتفاقيات السلام لحجره على حرية التعبير وتكبيله للعمل الصحفي في عدة بنود، وأي حديث عن قانون جديد لا جدوى له إلا بإزالة هذه التناقضات وسن قانون يتناغم مع ما التزمنا به من مواثيق ومع (المجتمع الديمقراطي) الذي نسعى له، وأية خطوة مخالفة تأتي بقانون من قبيل أحمد وحاج أحمد لن يوصلنا إلا لحالة (ساقية جحا، الله ينجحها.. تشيل من البحر وتخت في البحر) ولات حين نجاح!
    وليبق ما بيننا

    هل نستيقظ… في بيت أم اليقظة؟! بأفواه المظاليم.. وآخرين

    November 1, 2010 · لا يوجد تعليق  

    في الحلقة الأولى من هذا المقال تعرضنا لبعض الكلمات التي جاءت في الاحتفال بالذكرى 18 لشهداء رمضان بمنزل السيدة نفيسة المليك (أم اليقظة) وأشرنا لمطلب أسر الشهداء و(الحملة القومية لرد قبور الشهداء لأهلها) في التعرف على قبور ذويهم. كما ذكرنا المطالب حول ضرورة صيغة للعدالة الانتقالية تتعامل مع مظالم الماضي منذ الاستقلال وليس فقط في عهد (الإنقاذ) الحالي ومن ضمن تلك المظالم الإعدامات الجزافية في 28 رمضان، وتلك كانت كلمات موضوعية ومطالب لا يمكن ردها لكل صاحب قلب أو سمع.. وقد وعدنا أن نواصل اليوم بالتعرف على خطاب (المظاليم) في حالة عدم الالتفات لمطالبهم والذي امتلأت به الذكرى ليلتها، وهو خطاب مختلف. تحدث في الليلة عدد من المتحدثين الذين أكدوا على معان متقاربة أهمها رفض أي نوع من التسوية أو المساومة أو المصالحة مع النظام الحالي. وأنه لا يمكن الوصول للعدالة إلا بإزالة أسباب غيابها المتمثلة فيه، وأن كل المحاولات الحالية للحل فاشلة لأنها تتم بالتفاوض مع والجلوس إلى النظام الحالي بينما يجب أن نبحث عن الحل بعيدا عنه، ولا يقولن أحد أن النظام ربط مصيره بمصير البلد فإذا ذهب سيذهب البلد معه لأن هذا تعجيز للهمة الوطنية، وأن الحل يكمن في تضافر جهود كل القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني بعيدا عن النظام الحالي لإعادة الاعتبار للبلد ولتحقيق العدالة، ولا بد من رفع وتيرة النضال اليومي لمواجهة السياسات غير المسئولة للنظام.. وقد أضافت القصائد بعدا حماسيا لهذه المطالب: شهداء رمضان حرّم ح نجيب التار بالدم! أو: أعلنت العفو العام أعلنا الرفض التام أرواح الشهدا تنادي لا رجعة لا استسلام أو: لو زول قال ليك بنخليك يمين كضّاب يبقى بغشّك! وبالرغم من هذه اللغة الحادة، فلم تتجاوز مطالب أسر الشهداء المعقول، وقد تمثلت بحسب كلمة الأستاذة نفيسة المليك في: • الاعتذار عما تم للشهداء. • رد الاعتبار لهم ورد حقوقهم ومساواتهم مع زملائهم والاعتراف بعدم قانونية المحاكمات التي أجريت لهم. • تسليم جثث ورفاة الشهداء. • محاكمة جميع من شارك في هذه الجريمة البشعة. إذن فإن هذا الخطاب برغم حدته الأدبية التي ذكرتنا برائعة الشاعر المصري المرحوم أمل دنقل (قراءة جديدة لحرب البسوس) وفيها وصية كليب لأخيه: لا تصالح ولو منحوك الذهب، أترى حين أفقأ عينيك وأثبّت جوهرتين مكانهما هل ترى؟ هي أشياء لا تشترى! وأقوال اليمامة عن شروط الصلح: (أبي لا مزيد!) بالرغم من التشابه في الخطاب الأدبي إلا أنه انزوى عن هذه الحدة ولم يبلغ شأوها حين تحديد المطالب. إن المطالبة بكشف القبور الجماعية أو الفردية في كامل تاريخ السياسة السودانية هو مطلب إنساني وديني أصيل. فمنذ ابتدعت الإدارة البريطانية مسألة إخفاء القبور في حادثة الشكابة حيث أخفت قبور الخليفة شريف وابني المهدي الفاضل والبشرى، وهناك عددا من القبور المجهولة. لقد أجرت حكومة الديمقراطية الثالثة تحقيقا حول مقتل الإمام الهادي المهدي وتعرفت على قبره وزميليه بالكرمك، وتم نقل الرفاة لقبة الإمام المهدي بأم درمان.. ولكن وكما أكد كثيرون فلا زالت قبور الكثيرين مجهولة: شهداء حركة 1971م- حسن حسين وعباس برشم ورفاقهما- ومحمد نور سعد ورفاقه- والأستاذ محمود محمد طه- شهداء 10 مايو 2008م. كذلك إن مطلب الكشف عن الحقائق وملابسات الأحداث يظل مطلبا إنسانيا أصيلا فلا زالت ملابسات قتل شهداء آخرين مغلفة بالضباب والمثل الأبلغ لذلك مقتل وليم دينق. أما المطالبة بالاعتذار عن انتهاكات الماضي فهي جزء أصيل من عملية المصالحة وبناء الثقة في المجتمع. وقد يرى البعض أن هناك تعارض بين المصالحة والعدالة (كما قالت إحدى المتحدثات يومها: يجب أن تطالهم المحاسبة وليس المصالحة) فالمصالحة تعني لدى البعض نسيان الماضي والبدء من جديد، بينما العدالة أو المساءلة حول تجاوزات الماضي تقتضي النظر في ذلك الماضي ونبشه. ولكن الكثير من الدراسات التي أجريت في مناطق النزاع، أثبتت أنه لا غنى عن نوع من المساءلة عن تجاوزات الماضي لكي تتم المصالحة على أسس سليمة ولكي تستدام. فمؤتمرات الصلح القبلية التي أجريت في دارفور على مدى العقود السابقة أثبتت أن وسائل الصلح التقليدية والتي لا تقوم بمساءلة الجاني وتتم على الترضيات المتبادلة كانت سببا في تراكم الغبن وإعادة تفجر النزاعات. ويمكن تشبيه هذا النوع من المصالحة بقفل الجرح بدون تنظيفه، حيث سيتجدد بشكل أعنف وأضر. والمصالحة المطلوبة كعملية تستند على أسس أخلاقية كثيرة لا بد أن تتوفر لدى الضحايا، ولدى منتهكي حقوقهم، ولدى الجهة المعنية بتنفيذ عمليتي المصالحة والعدالة (الحكومة الانتقالية). الأخلاقيات أو المواقف المعنوية اللازم توفرها لدى الضحايا هي: المقدرة على العفو والصفح والغفران والسمو على الجراحات الخاصة. أما الأخلاقيات اللازم توافرها لدى المنتهكين فجانب منها له بعد معنوي ورمزي وجانب له بعد عملي. الجانب المعنوي يتمثل في الاعتراف بالخطأ، والاستعداد للاعتذار. في ألمانيا الشرقية سابقا –مثلا- فإن محاولات المصالحة بين ضحايا عملاء التجسس (للستاسي) وبين العملاء، فشلت لأن الأخيرين رفضوا الاعتراف بخطأهم. والجانب العملي هو الرغبة في التكفير عن الذنوب. أما المطلوب من الجهة المعنية بتنفيذ المصالحة فيتمثل في الاستعداد للتعويض. ومهما قيل عن العلاقة بين المصالحة والعدالة، فإن الثابت أنه في حالة الحلول السلمية التفاوضية تكون محاكمة المسئولين عن الجرائم السابقة غير واقعية “لأن الثمن السياسي لهذا الإجراء يفوق المكاسب الأخلاقية منه” بتعبير الإمام الصادق المهدي، وفي التجارب الحديثة، فإن الكثير من الدول اتخذت آليات، مثل قوانين العفو، ولجان الحقيقة والمصالحة، مثلا: لجنة شيلي الوطنية للحقيقة والمصالحة (1990) ولجنة الحقيقة للسلفادور، وللجنة المصالحة والحقيقية في جنوب إفريقيا (1992) ولجنة القبول والحقيقة والمصالحة في تيمور الشرقية. تقوم هذه اللجان بالتحقيق في جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكب أثناء الحرب، وهي ليست محاكم قضائية، ولكنها تتيح للحقيقة أن تصير جزءا من تاريخ البلد المعني وتتيح فرصة لعملية المصالحة الوطنية. بناء الثقة مرتبط بالعدالة والمساواة الحالية والمنظورة في المستقبل. ويمكننا الحديث عن نوعين من أنواع العدالة: الهيكلية والثقافية. هيكليا يتم بناء الثقة عبر القسمة العادلة للسلطة والثروة بين الولايات المختلفة، والتنمية المتوازنة داخل كل ولاية فيما بين الريف والحضر، والإناث والرجال، إلخ، كما يتطلب بناء الثقة أيضا الالتزام بمشاركة الجميع، وكفالة الحريات العامة وحقوق الإنسان وكافة متطلبات التحول الديمقراطي. أما ثقافيا، فإن بناء الثقة يتطلب إنهاء الطاقم الثقافي القديم ذي الذهنية الاستقطابية المغلقة، وفتح الباب أمام الاعتراف بالتنوع الثقافي ثم التحول نحو التعددية الثقافية (مفهوم التحول من التنوع نحو التعددية، كان أحد أعمدة (الإعلان العالمي للتنوع الثقافي) الذي تبنته الجمعية العامة لليونسكو في نوفمبر 2000م). وبناء الثقة هنا يتطلب: - الاعتراف بالتعددية الثقافية والدينية واللغوية، وبالمواطنة أساس الحقوق والواجبات. - إبطال خطاب القيمة الثقافي القديم واعتبار أن لكل الثقافات قيمتها الذاتية غير الخاضعة للمقارنة أو التفضيل. - محاربة الصور النمطية والاكليشيهات المعطاة لثقافات بعينها أو لجماعات أو لنوع معين. وقد دعا السيد الصادق المهدي في ورقته المذكورة في الحلقة الأولى من هذا المقال إلى أن يتم التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في السودان تحت خمسة عناوين: الانتهاكات السياسية والدستورية- وجرائم الحرب- وجرائم ضد الإنسانية- وجرائم ضد الأشخاص- والاضطهاد الثقافي. إن الحاجة الآن ماسة للاستجابة لمطالب العدالة الانتقالية سواء أكانت في حالة شهداء رمضان أو في غيرها لأن الظلم هدّام، وإذا لم توجد مساع لرفع المظالم فإنها لن تموت بالتقادم بل ستتحول إلى أفواه نابضة بالجرح على نحو متعاظم وتكون بؤرة ملتهبة وسببا مستمرا لعدم الاستقرار. وليبق ما بيننا

    هل نستيقظ… في بيت أم اليقظة؟!… عدالة للجميع

    November 1, 2010 · لا يوجد تعليق  

    في أمسية الأحد 28 رمضان كانت الذكرى الثامنة عشرة لشهداء رمضان، وقد اشتملت على كلمات وقصائد قدمها المحامي الأستاذ ساطع الحاج وخلف المنصة لوحة إعلانية مكتوب عليها: الذكرى 18 لحركة 28 رمضان المجيدة- ما ضاع حق وراءه مطالب. أما مسرح الذكرى فكان منزل الأستاذ الفاتح يوسف والسيدة نفيسة المليك والدي الشهيد رائد طيار أكرم الفاتح. ووالدته السيدة نفيسة كما أشرنا من قبل في منبر صحفي مختلف هي الرائدة النسائية المعروفة وصاحبة مقال شهير في خمسينيات القرن العشرين بعنوان: (أما آن لنا أن نستيقظ؟). في تلك الليلة ساد خطاب طبيعي في محله ولكنه صادم من حيث وقوفه على طرف قصي من المتداول في المنابر السياسية الحالية.. خطاب يهز كل مستمع إليه ونحن نود لو نبادل قارئنا الكريم وقارئتنا الكريمة بعض ما دار وبعض الأفكار. أثار الأستاذ ساطع الحاج في كلمته التقديمية بعض النقاط حول طبيعة المحاكم التي قدم لها الشهداء، فلم تتح لهم حقوقهم في المحاكمة العادلة ولا أتيح لهم حق المحامي ولكن أعدموا ولم يتح لأي من أسرهم ملاقاتهم أو حتى معرفة مكان دفنهم. ووزّع على الحاضرين يومها مطبق يركز على هذه المسألة من قبل (الحملة القومية لرد قبور الشهداء لأهلها) تحت شعار: أوقفوا ثقافة مصادرة الجثث! في المطبق إشارة لأن الحملة قومية تهدف للكشف عن قبور الشهداء الذين تمت مصادرة جثثهم منذ الاستقلال وحتى الآن وتذكر منهم: قبر الشهيد مكي محمد مكي رئيس تحرير جريدة الناس 1969م- قبر الشهيد د. محمد صالح عمر الحركة الإسلامية الجزيرة أبا- قبور شهداء قرار الانقلابات العسكرية 19 يوليو 1971م- قبور شهداء انقلاب مناهضة الجبهة الوطنية (أي انتفاضة يوليو المسلحة في 1976م)- قبر الشهيد محمود محمد طه 1985- قبور شهداء ضباط حركة 28 رمضان- وقبور شهداء 10 مايو (أحداث أم درمان) 2008م. وأضاف الدكتور أمين مكي مدني قبور شهداء ما سمي بالمحاولة العنصرية في 1975م بقيادة حسن حسين، مشيرا لأن ما حدث في كل تلك المرات لا يقبل على أسس قانونية ولا أخلاقية ولا إنسانية ولا دينية، وأمن على ضرورة كشف قبور الشهداء لأسرهم في كل تلك الحالات: في الشجرة في 1971م- وفي انقلاب حسن حسين 1975- وفي حركة يوليو 1976م- وفي 28 رمضان- وفي 10 مايو 2008م- مؤكدا أن المسألة تخرج عن البعد السياسي ولا تعنى بالدفاع عن خط القائمين بتلك الحركات بقدر ما تعنى بأسس العدالة وحقوق الإنسان. ثم تطرق للانتهاكات التي تمت في أصقاع الدنيا وكيف تم التعامل معها في نيكاراغوا وتشيلي والأرجنتين في أمريكا اللاتينية، وفي تيمور الشرقية بآسيا، أو في أفريقيا بعد نهاية نظام الأبارثيد في جنوب أفريقيا، مركزا على التجربة المغربية لكشف أخطاء الماضي التي جرت تحت حكم الملك الحسن حيث أجبرت منظمات المجتمع المدني الملك الحالي (محمد الخامس) ليبحث عن الانتهاكات الماضية في عهد أبيه ولكشف القبور الجماعية وتوزيع التعويضات لأسر الشهداء. وقال إن تجارب الحقيقة والمصالحة التي جرت في كل تلك البلدان تثبت للأجيال القادمة مواضع الخطأ لكشفها وليعرف الناس من المسئول عنها ولكن العقوبة مسألة أخرى.. وقال إننا نحتاج في كل تلك الأحداث لأن نعرف كيف حوكم المحاكمون ومن حاكمهم؟ وكيف وما هو الحكم؟ وأين دفنوا؟ وقد أعقبه الأستاذ عبد الله آدم خاطر ملخصا ما عرض بأن مسألة الإعدامات الجزافية أصبحت نمط حياة لدينا في السودان وأنه يجب أن نبحث عن البداية الحقيقية للوصول لقبور الشهداء وليس الإدانة السياسية. ولعل من أبلغ ما قيل يومها وأشده مبعثا لليقظة كلمة وقصيدة الأستاذ الشاعر العملاق محجوب شريف، قال كلمة حاولنا التقاط بعضها جاء فيها: (كنت محرجا جدا لأنني لم أقف يوما من الأيام في هذا المنبر، قصّرت جدا حتى في واجب العزاء، لم يكن هذا إلا ذلك السلوك الذي يضيّق من فرص الرحابة، النظر إلى الآخر كأنه لا يعنيك. شهيد هنا ومرحوم هناك، كل من سقط في مواجهة الظلم هو شهيد. كتبت لهاشم العطا ولم أكتب لمحمد نور سعد- الرصاص هو الرصاص- علينا أن نتجاوز هذه الحزبية الضيقة).. ثم التفت إلى السيدة نفيسة المليك بجانبه وقال لها: (أمي العزيزة أنا أعتذر حقا، وأعتذر لفواز (ابن أحد الشهداء وقد تحدث باسم أبناء الشهداء في تلك الليلة) صار رجلا ولم أدخل بيته. أذكر حينها كم حزنّا وصار الحزن كالأسلاك الشائكة، كتبت قصيدة لم تكتمل وفيها: ما أرخص أرواح الناس إذا ما الحاكم بقى قناص الليلة الوقفة وبكرة العيد كعك العيد في الإيد اتحوّل بقى رصاص! العبرة الأساسية حقا أن نتجاوز ذلك. حسن حسين شهيد ومحمد نور سعد وهاشم العطا حتى شهداء رمضان. مجهولو القبور فضيحتنا الكبرى، أن يظل هذا مطلبا وأن نتنادى له لعقود ونتحدث عن التحول الديمقراطي ليتحول القتلة تلقائيا إلى جزء من الحياة السياسية).. وقال للسيدة نفيسة من جديد: أقبلت عذري. أشرب معاك الشاي؟ ثم تلا قصيدة رائعة فيها رشف من قصيد الحقيبة التليد اختتمها بقوله: البساوم قط ليس منا.. والبخون الشهدا الكرام ثم غادر المنصة وقد ملأ الحضور بعظمة اعتذاره، خاصة وقد حضر بعضهم أو سمع أو قرأ عما جاء في خيمة الصحفيين في رمضان المنصرم وتداولته الصحف حيث اعتذر عن تأييده لمايو ورفع لافتة مطبوعة فيها: لا حارسنا لا فارسنا ولا مايو الخلاص.. كما تحدث مولانا محمد الحافظ محمود مؤكدا أن قتل الشهداء كان في رمضان عن سوء نية ولاعتبارات لا يعتمدها شارع أو قانون، ومشيرا لضرورة العدالة ولكن ترسانة الحصانات الموجودة تمنعها. ونحن نزمع أن نتعرض لجانب آخر من كلمات الذكرى في مقالنا القادم بإذن الله. لكننا اليوم نود أن نركز على هذه الكلمات التي سقناها والتي تشير إلى شيئين: الأول: أن هناك مظالم طالت أقوام سودانيين كثر منذ الاستقلال، وأن هذه المظالم لا يمكن أن تترك كما هي تغذي الكراهية وتثمر الطحان وهذا ما ستؤكده الكلمات الواردة في الحلقة الثانية من المقال إن شاء الله. والشيء الثاني هو: أن النهج القديم في السياسة السودانية كان يقسّم الناس إلى أحزاب وجماعات وكل حزب بما لديهم فرحون (أو منشغلون) ولا يهتمون بالآخر على النحو الذي كان في كلمة شاعر الشعب بشكل بليغ.. ونحن محتاجون للتخلص من هذه الحالة التي تتجاهل الآخر وتقول: كلهم أبنائي، كما في مسرحية الكاتب الأمريكي الشهير آرثر ميلر.. لقد أشار لحقيقة انتهاكات الحقوق الإنسانية في السودان من قبل بتفصيل كبير السيد الصادق المهدي في ورقة قدمها في مؤتمر (حقوق الإنسان في فترة الانتقال) والذي نظمته منظمة (جستس أفريكا) في كمبالا في فبراير 1999م وكانت ورقته بالإنجليزية بعنوان: المولد الثاني للسودان في مهد حقوق الإنسان المستدامة. وقد ترجمت للعربية ونشرتها دار الأمين (القاهرة) في كتاب بعنوان: حقوق الإنسان في السودان (1999م). في ذلك الكتاب قال: خلال السنوات التسع التي قضتها الحكومات الديمقراطية في السودان كانت انتهاكات حقوق الإنسان هي الاستثناء، بينما انتهاكات حقوق الإنسان هي القاعدة في سنوات الحكومات الاستبدادية. ثم قدم قائمة من 43 انتهاكا لحقوق الإنسان مرتبة ترتيبا زمانيا ليست شاملة ولكنها تحوي أحداثا بقى تأثيرها في الذاكرة الوطنية على حد تعبيره، منها الأحداث الدامية في أغسطس 1955م، والموت الجماعي للمسجونين في عنبر جودة، والهجوم المسلح على المدنيين في احتفالات المولد 1961م، واضطهاد المدنيين الجنوبيين في جوبا وواو في 1965م، وحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان 1965م، وإقامة انتخابات بدون تنافس وإشراك المواطنين في الجنوب 1965م، وحل الجمعية التأسيسية بطريقة غير قانونية 1968م، ومقتل السيد وليم دينق 1968م (وهذه الحادثة ستكون موضوعا للتفصيل لنا لاحق بإذن الله)، ومجازر أبا وودنوباوي ومقتل الإمام الهادي 1970م، وهكذا. أورد السيد الصادق المهدي عددا من الانتهاكات كان من ضمنها إعدام الضباط الثمانية والعشرين في 28 رمضان. ثم دعا لسياسة فعالة وصحيحة تجاه انتهاكات حقوق الإنسان تهدف إلى أولا: إظهار الوقائع كما هي حتى يمكن تأسيس الحقيقة على إقرار رسمي وبصورة متفق عليها ولتكوّن رواية رسمية للأحداث تعلو على الاعتبارات الحزبية، وثانيا: يجب أن تعبّر هذه السياسة عن رغبة الشعب بطريقة صحيحة، وثالثا: لكل قطر ظروفه الخاصة التي تؤثر على تعامله مع هذه القضية، لا سيما بين الظروف التي تحتم اتخاذ إجراءات رحيمة وتلك التي تتطلب إجراء المحاكمات والعقوبات. وقال: إن لبيان وتثبيت الحقائق أثرا علاجيا وبحسب كلمات روجيه إيريرا، عضو مجلس الدولة الفرنسي فإن “الذاكرة صورة قصوى للعدالة” كما أن له دورا رادعا لأن “قول الحقيقة حل الماضي يقوّض الأساس الفكري لانتهاكات حقوق الإنسان”. ودعا لأن توضع تشريعات تحكم تكوين لجنة الحقيقة والاتهام ونصوص مرجعيتها وإجراءاتها والإطار الزمني، داعيا لأن تطال التحقيقات كل الانتهاكات منذ الاستقلال، ثم تطرق للعدالة الانتقالية في الحالة الراهنة متعرضا للسيناريوهات المحتملة: الإطاحة بالنظام- أو تحوله للديمقراطية من تلقاء نفسه- أو تحوله للديمقراطية نتيجة للاتفاق بينه وبين المعارضة.. ونحن لا نود الخوض في تفاصيل العدالة في كل حالة، وكيف يمكن أن تكون بشكل ثوري في حالة الإطاحة، أو يستبدل العفو بالحقيقة والتعويضات كما جرى في جنوب إفريقيا أو في المغرب بدرجات متفاوتة.. ولكننا نؤكد أن هذه المسألة هامة وكانت قيد التداول في المنابر السودانية منذ زمان بعيد، فكيف أغفلتها اتفاقية السلام (الشامل) بشكل شبه كامل؟ وحينما أشارت لما سمته المصالحة لم تجعل لها مفوضية ولا أشارت لقانون ولا لتوقيتات مجدولة على نحو ما فعلت في قسمة النفط أو في المقاعد الوزارية؟ هل يظن مهندسو الاتفاقية من الأجانب أو الوطنيين أن السودانيين بدعٌ من البشر وأن الأمور يمكن أن تسير لديهم هكذا بدون إيلاء مسألة المظالم حقها؟ وإلام تظل قضية المصالحة والحقيقية هذه تهمل وتظل آثار إهمالها تعمل بينما الحكومة السودانية سادرة في غيها غافلة ومتغافلة؟ ومتى نترك خطى الليل هذه تسوقنا أو (حمار النوم) كما يقول أهلنا بدون انتباه؟ وإذا تركناه فما هو المصير؟ وما هي نتيجة الخطاب الذي يسود بين (المظاليم) هذا بدون الالتفات له ولكن فقط السعي لتكميمه؟.. نواصل بإذن الله، وليبق ما بيننا

    وما أدراك ما المحكمة الجنائية؟

    November 1, 2010 · لا يوجد تعليق  

    كنا في شغل شاغل بحثا عن أفضل السبل التي توصلنا لانتخابات عامة حرة ولو بدرجة الهجين بين الديمقراطية والشمولية، وكان حل قضية دارفور أحد شروط المرور نحو الانتخابات لدى كثير من العقلاء، ثم جاء إعلان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في 14/7 الجاري باتهام السيد عمر البشير رئيس جمهورية السودان الحالي بتهم ثلاث خطيرة بالضلوع في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية، وينتظر أن يبت فيها قضاة المحكمة في سبتمبر القادم، ومنذها والساحة السياسية السودانية مشغولة عن مشاغلها تلك بالشاغل الجديد، بين مؤيد للاتهام، ورافض له.. ونحن نود تداول هذا الأمر بيننا من منطلق بعيد عن الوقوف إلى جانب الأشخاص والأحزاب، وقريب فيما نرى من الوطن.
    وأول صادم في المتداول، ليس اللغة التي صاغ بها المدعي العام بيانه فالفظائع التي جرت في دارفور معلومة وإنكارها لا يتم إلا مكابرة، والمواقف التي اتخذتها حكومة السودان في ردودها الانفعالية ورفض توجيه الاتهام لأي مسئول منذ توجيهه للسيدين أحمد هارون وعلي كوشيب في فبراير 2007م كانت نهايتها المنطقية أن تصعد الاتهامات في مدرّج المسئولية حتى تبلغ قمته. كذلك الصادم فيها ليس رفض البعض للاتهام بكل قوة وتأييد آخرين له بقوة مماثلة، ولكن أن يغرق الإعلام الرسمي في بحور من التيه ويلج في نوبات من الزار يسمعك ضجيجا ولا تخرج منه بما يغني جوع المنطق.. لقد بلغ الأمر درجة اتهام المدعي العام للمحكمة الجنائية بتهم مخجلة وشخصية ورميه بكلمات مستنكرة، وفتح ملفاته بالطريقة تلك التي يسميها أهلنا في مصر (الردحي من ع الشباك). هذا لا يستقيم، ويستقيم أن نبحث أمر هذا الاتهام بالوسائل الإجرائية والسياسية والدبلوماسية المتاحة للوصول لمعادلة تخرج البلاد من استقطابها الراهن.
    النظام السوداني أو قل المؤتمر الوطني اعتبر الاتهام سياسيا ومغرضا، ورآه يتخذ ازدواجية المعايير وإلا لماذا لا يحاكم بوش على المجازر في العراق وغيره؟ قال النظام إنه لم يصادق على نظام روما الأساسي وبالتالي لا تنعقد للمحكمة الجنائية ولاية عليه، واعتبر أنه لن يقدم أي سوداني للقضاء خارج السودان، وأن القضاء السوداني كفيل بالتعامل مع أي تجاوزات تمت، مع تأكيد أن الحال في دارفور عال العال. وقال كذلك إن القرار يمس السيادة السودانية وأن رؤساء الدول يحظون بحصانة ولا يمكن أن يطال الاتهام رأس الدولة.
    وقفت الحركات المسلحة في دارفور ومعها آخرون على رأسهم المؤتمر الشعبي بلسان بعض قياداته محتفين بالقرار، وهو موقف متسق مع مطالبات الحركات المستمرة بضرورة تنفيذ قرار مجلس الأمن 1593 حول تقديم المسئولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في دارفور للمحكمة الجنائية الدولية، والموافقة على هذا القرار مضمن في اتفاقية أبوجا التي وقع عليها النظام. ولكنه ينطلق كذلك من واقع التصعيد الحالي الذي يشمل الساحة الدارفورية باتجاه النظام، ومع الروح الانتقامية التي يتحرك بها بعض المطرودين عن السلطة الحالية.
    بعض الناشطين في حقول حقوق الإنسان يؤكدون على أولوية المساءلة وأن الفظائع التي جرت في دارفور لا يمكن تجاوزها، ويرون الاتهام – بتعبير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في بيانه الصادر لليوم التالي لإعلان الاتهام – (خطوة هامة من أجل وضع حد لسياسات الإفلات من العقاب في العالم العربي، والاقتصاص العادل لضحايا الأعمال الوحشية التي ارتكبها الجيش السوداني، وميليشيات الجنجويد التي حظيت بحصانة ودعم السلطات السودانية). وأن (السلطات السودانية تتحمل المسئولية عن المأزق الذي تواجهه الآن، فقد رفض النظام السوداني التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية).
    بعض الناشطين في الجسم السياسي السوداني رأوا للأمر تعقيدات أبلغ مما تفرضه المبادئ سواء للذين يتحدثون عن السيادة أو الذين يطالبون بالمساءلة، وأخطر على الوجود الوطني من أن ينزلق إلى رغبات الانتقام والتشفي أو يتردى إلى مجرد تثبيت المصالح الحزبية للحكام. وقال السيد سليمان حامد الناطق باسم الحزب الشيوعي إنه ينبغي ألا تحشر القوى السياسية في ركن الخيار بين أمرين هما القبول أو  الرفض. كذلك تحدث حزب الأمة في بيان صدر عنه عن ضرورة المساءلة وفي ذات الآن الاستقرار ملوحا بأن الاتهام سيؤدي لانهيار دستوري، مطالبا بالبحث عن آلية توفيقية بين هذين الشرطين بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية مع مراعاة أسس المحكمة الجنائية الدولية ونظامها.
    بعض المهتمين بالشأن السوداني رأوا المسألة بالتركيز على استحقاق المساءلة كما فعل ريشارد جولدستون في النيويورك تايمز في مقاله بعنوان (القبض على مجرم حرب عبر القانون) وأكد أن الحديث عن أن الاتهام يتجاوز الحسابات السياسية ليس صحيحا، ولكن آخرين  تحدثوا عن تلك التعقيدات السياسية، كما فعل أندرو ناستيوس المبعوث السابق للرئيس الأمريكي للسودان، حيث اعتبر أن السؤال الأجدى طرحه هو ما هي الخيارات السلمية للخروج من الأزمة التي تواجه البلاد وما هي المعايير التي تحرك البلاد باتجاهها بدلا عن إبعادها؟ مؤكدا أن (السودان بدون تسوية سياسية سيسلك طريق الصومال، أو رواندا قبل الإبادة الجماعية أو جمهورية الكونغو الديمقراطية، وستكون فيه قدرة حقيقية على الأعمال الوحشية وإراقة الدماء واسعة الانتشار، فالممسكون بالسلطة يريدون الإبقاء عليها بأي ثمن خوفا من البدائل التي تنتظرهم. إن اتهام البشير سيصعب مهمة أي بلد أو منظمة دولية في التفاوض حول تسوية سياسية مع الحكومة السودانية، وإن كانت بعض الضغوط تجبر الحكومة على التفاوض فإن بعضها سيجعل قادتها عنيدين أكثر وحسب: ومن الواضح أن هذا الاتهام من النوع الأخير.  فقادة النظام الآن سيتجنبون أية مساومة أو أي شيء يضعف موقفهم الضعيف أصلا، لأنهم لو طرودا من السلطة سيقدمون للمحكمة الجنائية الدولية، وهذا يجعل الانتخابات الحرة والعادلة أقل احتمالية الآن بكثير هذا إذا كانت ستحدث أبدا. الانتخابات الآن أقرب لأن تكون مطبوخة أو إذا خسرها حزب البشير فسيرفض الامتثال للنتيجة تماما كما فعل موقابي في زمبابوي. هذا الاتهام ربما سد باب الأمل الأخير في تسوية سلمية في البلاد.)
    وفي سياق متصل كتب عريب الرنتاوي تحت عنوان (الأزمة السودانية على عتبة تحول نوعي خطير) معددا الجوانب التي فيها ستتعقد الحالة السودانية في دارفور وفي الجنوب وفيما يتعلق بالقوة الهجين في دارفور، وهكذا.
    والحقيقة معقدة سواء على الصعيد القانوني أو السياسي أو الدبلوماسي أو حتى العاطفي.
    قانونيا شاركت حكومة المؤتمر الوطني في الإجراءات القانونية التي تمت صياغتها في نظام روما الأساسي في العام 1998م. وفي 8 سبتمبر 2000م وقَّعت الحكومة السودانية على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وأظهرت بذلك استعدادها للمصادقة عليه والالتزام بمقتضاه بالامتناع عن القيام بأفعال من شأنها أن تخل بهدف النظام الأساسي ومقاصده (وهذا هو المعنى القانوني للتوقيع). كذلك فإن نظام روما ينفي أية حصانة لأي مسئول مهما بلغ منصبه يقوم بارتكاب الأعمال المدانة فيه ويقول:  “إن وجود قضاء وطني قادر على التعامل مع الجرائم الدولية الواردة بالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لهو خير وسيلة لضمان سيادة الدولة القضائية، ولن يتأتي ذلك إلا بإعداد رجال قضاء على علم كاف بالجرائم الدولية وإلمام بمبادئ القانون الدولي فضلا عن مبادئ القانون الجنائي” كذلك “على الدول غير الأطراف (بالمحكمة الجنائية الدولية) أن تقوم بتأثيم الجرائم الواردة في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في تشريعاتها الوطنية تجنبا لمحاكمة مواطنيها أمام المحكمة الجنائية الدولية”. والنظام القضائي السوداني معروف انهياره، ولا في تشريعاتنا تأثيم للجرائم المذكورة. أما مسألة ازدواجية المعايير هذه فإننا نتعامل معها ونحن داخل منظومة الأمم المتحدة عاملين على تغييرها وفي ذات الآن نقبل بالوضع الحالي ونحاول الاستفادة من المتناقضات فيه، فمجلس الأمن الحالي فيه دول تملك حق النقض مما يحصنها من الإدانة ومصالحها متعارضة مما يجعل للآخرين فرصة للتحرك فيما بينها، وبالرغم من ذلك فقد مر القرار 1593 بإجماع المجلس وهو يشكل إذن مطلبا دوليا يضعنا أمام الموقف: هل نقبل التعامل معه باعتبارنا جزءا من المنظومة الدولية؟ أم نرفضه مبدئيا ونرفض المنظمة الدولية نفسها ونبحث لنا عن عزلة مجيدة أو غير مجيدة؟
    أما على الصعيد السياسي فالنظام السوداني الآن قائم على اتفاقيات سلام هشة ودستور مخاط على الأشخاص ومصمم للأحزاب فمصير البلاد معلّق بهؤلاء. والانتخابات القادمة هي الأمل الوحيد في مخرج قومي ولكنها لا يمكن أن تتم في حالة الاستقطاب الراهن إلا لتصير جزءا من الأزمة.
    ودبلوماسيا سيكون كل المجتمع الدولي وممثليه بالبلاد في مأزق حال صدور الحكم بقبول الاتهام من المحكمة الجنائية الدولية، وسيستحيل العمل مع المنظمة الدولية أو البلدان التي يجبرها موقفها المبدئي على عدم  التعامل مع الموقوفين في الحكومة السودانية.
    أما عاطفيا فإن عاطفة كثير من الوطنيين مضادة للمؤتمر الوطني الذي جثم على صدر الوطن عقدين من الزمان وكنا نسأل الله يوما يرينا فيه آياته، ولكن عاطفة أولئك أو كثير منهم أكبر تجاه الوطن ذاته الذي ما مقتوا المؤتمر الوطني وأفعاله إلا لأجل عيونه! فهذا اليوم الذي بشّر به البعض هل يخطط له أن يكون نهاية للوطن قبل أن يكون للمؤتمر الوطني؟
    إنما يهم الآن هو: هل تستطيع القوى السياسية السودانية أن تتسامى فوق مواقف المناصرة لشخص على حساب أمة، أو الانتقام من حاكم ولو على حساب بلد، أو المساءلة ولو على حساب الاستقرار، أو الاستقرار ولو على حساب العدالة، وتفكر في مخرج يوزان بين هذه المطلوبات بأولويات سليمة تأتي في قمتها مصلحة البلاد؟
    هل يمكن أن يكون ذلك المخرج هو التعجيل باتفاق حول قضية دارفور يحقق كل مطالب أهله المشروعة ويرسم خطوطا للمساءلة يقبلها الجميع، ومنبر جامع يحقق الإجماع الوطني حول خارطة الطريق للبلاد لبناء السلام العادل والشامل والتحول الديمقراطي الحقيقي؟
    هل يمكن مخاطبة المجتمع الدولي من موقع الاتحاد الوطني ليعطي السودان فرصة أخيرة للتسوية السلمية قبل أن يسد بابها نهائيا ويسد باب بلاد اسمها السودان؟
    هل هذه مطلوبات ممكنة أم أنها من قبيل ولوج الجمل من سم الخياط؟
    إنها أسئلة.. ملحة. مريرة. مؤلمة. مستعجلة، وعلينا أن نجيب بالسواعد قبل الشفاه.
    وليبق ما بيينا

    أخاليط أوسلو … تقديم وإطار

    November 1, 2010 · لا يوجد تعليق  

    غبت عنك قارئي الكريم الأسبوع الماضي عنوة فقد كان رأيي مما لا يرضي سلطات توجه التعبير في بلادنا، ولا علينا، فما ضاع حق وراءه مطالب، وسنظل نكتب ما لا ينشر حتى يجد يوما طريقه للهواء الطلق، وقد قال الشاعر المصري المبدع أمل دنقل من قبل: آه ما أقسى الجدار عندما ينهض في وجه الشروق ربما ننفق كل العمر كي نثقب ثغرة ليمر النور للأجيال مرة! ربما لو لم يكن هذا الجدار ما عرفنا قيمة الضوء الطليق!! ولندع حلمنا بالضوء الطليق حيا أبدا. ننتقل من هذه المقدمة الضرورية حيث هذه الأيام ليست أيام غياب فيما بيننا، أيام فوارة الحراك، وكنا قد سمينا زماننا هذا بزمان الخليط.. مستوحين من فكرة الخليط، ننتقل إلى أفكار مختلطة وتجارب مختلفة عايشناها في أوسلو النرويجية. وسنجرب هذه المرة لغة فيما بيننا نحسبها جديدة، لننقل تلك الأخاليط بريشة فيها من التجريد وفيها من النقل الواقعي، نداولها فيما بيننا، علنا نلقي ضوءا على ما ظننا أن التجربة أزلفته لنا وقربته إلى الأفهام. هذه الحلقة الأولى هي بمثابة تقديم لما كان يدور في أوسلو وإطار لما نود مناقشته فيما بعد.. فقد ترددت في صحفنا أخبار وآراء عديدة تذكر أوسلو وما دار فيها، وإن لم يتم رصد دقيق فيما وقع بين يدي – وهو ضئيل- لكل الأحداث في أوسلو. فقد نظمت الحكومة النرويجية وبعض المنظمات غير الحكومية في النرويج تضامنا مع منظمات عالمية سلسلة من المنابر، كان في خاتمتها وقمتها مؤتمر المانحين الدوليين لتمويل “البعثة المشتركة لتحديد احتياجات السودان” المعروفة اختصارا بالـ”جام” JAM، وهي بعثة مكونة من مجموعة رئيسية للتنسيق CCG، فيها ممثلين لكل من حكومة السودان، الحركة الشعبية لتحرير السودان، علاوة على ممثلين لنظام الأمم المتحدة، البنك الدولي، الإيقاد وشركاء الإيقاد. مجموعة التنسيق الرئيسية يساعدها فريقان رئيسيان يغطيان كل من مناطق الحكومة والحركة. كل فريق منهما مدعوم بسكرتارية ومكون من ممثلين للجهة المعنية –الحكومة في مناطق الحكومة والحركة في مناطقها- إضافة للمثلين الدوليين (ممثل للأمم المتحدة وآخر للبنك الدولي). كما أن هنالك منسقون للمشاركة في الـ”جام” ملحقون بالفرق التنسيقية المختلفة لتأكيد مشاركة واستشارة المنظمات غير الحكومية (الدولية والمحلية)، والمجتمع المدني (بما في ذلك الموجود في الأقاليم المختلفة)، والقطاع الخاص. هذه البعثة المعروفة بالجام، ستعمل على التخطيط والتنسيق ثم المتابعة والرقابة في تنفيذ كافة المشروعات التي تغطي احتياجات السودان في فترة العامين المقبلين، فترة بناء السلام قصيرة ومتوسطة المدى.. والمؤتمر الذي انعقد في الفترة 11-12 أبريل كخاتمة لمسلسل أوسلو كان لبحث تمويل تلك الخطة من المانحين الدوليين الذين من المفترض أن يمدوا بثلث الميزانية الموضوعة لتنفيذ مخططات الجام وهي حوالي ستة بلايين مليون دولار أمريكي. الثلثان الباقيان من المفترض أن يأتيا من حكومة السودان من الموارد الذاتية للبلاد بافتراض أن السودان بلد غني متعدد الموارد وأن وقف الحرب واتباع الحكم الراشد (وما يتبعه من وقف لمنافذ الفساد المختلفة) سيتيح أموالا ضخمة يمكن استخدامها في إعادة البناء ما بعد السلام. أما المناشط التي سبقت مؤتمر المانحين، وهي بمثابة مناشط تحضيرية له فقد كان أهمها: منبر المجتمع المدني الذي انعقد في مبنى الصليب الأحمر بأوسلو في الفترة ما بين 7-9 أبريل والذي شارك فيها ممثلين للمجتمع المدني المحلي والدولي –وسيكون موضوع حلقة قادمة نداولها في مسلسل أخاليط أوسلو بإذن الله – وقد أفلح في الوصول إلى توصيات تشكل رؤية مجتمع مدنية خاطبت مؤتمر المانحين. كما كانت هنالك أيضا ندوة “حقوق النساء وقيادتهن في سودان ما بعد النزاع” التي انعقدت في يوم 10 أبريل والتي شاركت فيها وفود من حكومة السودان ومن الحركة الشعبية لتحرير السودان ومن المجتمع المدني الشمالي والجنوبي والأحزاب السياسية –وهذه ستكون ايضا مدار حلقة قادمة بإذن الله- وقد خرجت الندوة أيضا برسالة قدمت أمام مؤتمر المانحين.. صاحبت هذين الحدثيين التحضيريين مناشط لها إيحاءات مختلفة سنتعرض لها في محلها بإذن الله، وإن نود أن نذكر منها الآن حفل العشاء الذي نظمته مجموعة الدعم النرويجية للسلام في السودان NSG احتفاء بعيدها العاشر للمشاركين في منبر المجتمع المدني، وحفل الغداء الذي نظمته مجموعة “نساء يراهن على السلام” للمشاركين في الندوة النسائية. لقد كان هذا الحفل منيرا من نواحي عديدة، ونافذة نحو تجربة نسائية ثرة هي تجربة النساء في جنوب إفريقيا في بناء السلام. وإن كان لنا كلمة الآن نريد أن نذكرها هي كيف حملت حكومة السودان حقائبها وارتحلت إلى أوسلو، لتلاقي المجتمع الدولي طالبة الدعم، بينما هي في منابرها الداخلية كانت تلعن المجتمع الدولي وتتحدث عما اسمته “سقوط المجتمع الدولي” والمنظمة الدولية في قرار مجرمي دارفور الشهير.. حملت الحكومة “قرعتها” وفي الداخل كانت تعلن القارعة.. تقرع الطبول في حلقة من النشيج الهستيري غير البليغ.. كيف كان ذلك؟ نواصل بإذن الله وليبق ما بيننا

    البصيرة أم حمد

    November 1, 2010 · لا يوجد تعليق  

    تعرف قارئي الكريم قصة هذه البصيرة.. فقد أشكل القوم في ثور أدخل رأسه في جرة من فخار “برمة”، وذهبوا لها يريدون الحفاظ على الثور وعلى البرمة، فأشارت لهم بذبح الثور فلما ذبحوه ظل رأسه داخل البرمة فقالت لهم: أكسروا البرمة!. ومع أن في ذلك عنف على المرأة لا يخفى لكننا نستعمل مثال البصيرة أم حمد على بصيرتنا الإنقاذ التي يحركها طاقم من الذكور ليس أكثر فطنة من بصيرتنا تلك!!.
    نحن تحدثنا في الحلقة الفائتة عن زمان الخليط: بين وحل الإنقاذ وحلم السلام وبنائه والوجل من التدويل الخبيث الذي استقدمته لنا الإنقاذ وخطاه المتسارعة، والآن دخل طاقم الإنقاذ في حالة “أم حمد” مضافا إليها حالة من الريح الأحمر والأسود، منذ قرار مجلس الأمن الأخير رقم 1593 الصادر في 31 مارس 2005م. وكان المجلس قد أصدر في بحر أسبوع واحد ثلاثة قرارات خاصة بالسودان، الأول 1590 في يوم 24 مارس والثاني 1591 في يوم 29 مارس ثم القرار الأخير. لقد تابعنا كلنا ردود فعل الحزب الحاكم ومن بعده حكومته في تأجيج الرأي العام ضد القرار الأخير باعتباره مس بالسيادة الوطنية، فما هي الحقيقة؟
    الحقيقة قارئي الكريم أن السيادة الوطنية المفترى عليها قد مست بل وانتهكت وذبحت فعلا ولكن ليس بالقرار 1593 بل بسابقه رقم 1590، والذي نقل التدخل الدولي في شأن السلام السوداني من الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة وهو فصل اختياري برضا الدولة المعنية، إلى الفصل السابع وهو فصل قسري خاص بالتعامل مع الدول التي تعتبر مهددا للسلم والأمن الدوليين.. وفقا لذلك القرار فإن السلطة الدولية ستشرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على الأمور السياسية والعسكرية والمدنية والإعلامية في السودان وستستجلب قوات لحماية المدنيين بموجب الفصل السابع.. هذا القرار سيجعل بلادنا تحت الانتداب الدولي، بقواته العسكرية، والبوليسية، وإذاعته وقنواته الإعلامية، وسيتم التدخل الدولي في كل شاردة وواردة داخل البلاد.. هذا القرار جاء وفقا لتوالي خرق حكومة الإنقاذ لاتفاقاتها، وهو الذي يشكل انتهاكا صريحا للسيادة، ولكن الإنقاذ لم تجد بدا من ذبح الثور (السيادة الوطنية) من أجل أن تسلم الجرة (كراسي الحكم).. فما الذي حدث؟
    بعد أن ذبحت البصيرة أم حمد الثور برضائها بالانتداب الدولي تحت الفصل السادس في بروتوكولات السلام بيديها لا بيدي عمرو، وسكتت عنها في القرار 1590، ظلت مشكلة دارفور دائرة وهي التي أدت إلى قرار محاكمة المتهمين في المحكمة الجنائية الدولية. وهو قرار متوقع فلجنة تقصي الحقائق التي أوصت بذلك كونت ولم يعترض السودان وجاءت وتعاونت معها الحكومة وجابت الآفاق ولم يقل أحد لماذا يتم التقصي ببلادنا وفيها نيابة عامة وشرطة.؟..
    ماذا في هذه المحكمة؟ إنها محكمة تابعة للنظام الدولي والسودان جزء منه، بل لقد صوت السودان لصالح قيامها، ووقع على نظامها الأساسي أي انه يوافق عليها مبدئيا.. وإن لم يكن قد صادق عليها بعد. وفي المصطلحات الدولية فإن التوقيع يعني أكثر من القبول المبدئي أن الدولة تبحث في الوثيقة المعنية بغرض المصادقة عليها بعد أن ترى كيف ستكيفها لقوانينها ونظمها الداخلية، أي المصادقة. ولها أن تتحفظ على بعض بنودها لدى المصادقة أو تعلق المصادقة إن لم تر بنود الوثيقة مناسبة لقوانينها الداخلية ونظمها الثقافية.. إن تصويت السودان على نظام روما الأساسي يعني عدم الرفض المبدئي. ولكن هذا يقال حينما تنشأ القضية من قبل بعض المؤسسات أو المواطنين في الدولة بان يتقدموا بالشكوى في المحكمة، للمحكمة حينئذ أن تقول أن هذه الدولة ليست طرفا بعد.. أما إن كان الطلب من مجلس الأمن وفقا للبند السابع فالدولة ليس لها في ذلك يد. لم يعرف للسودان اعتراض على هذه المحكمة من قبل بل صوت لصالح قيامها كما قلنا، فما هي القضية؟ القضية هي البرمة. لأن الهرج الحالي لا يفسره إلا شيء واحد هو أن بعض المسئولين في النظام المتنفذين فيه يتخوفون أن يكونوا من ضمن المتهمين ال51 في قائمة المتهمين.. والأمر أسوأ من مجرد الاتهام، إذ ولتردد الاتهامات وتكررها من زيد وعمرو، فلطالما طالب حزب الأمة والإمام الصادق المهدي على وجه التحديد أن تشكل لجان للتحقيق والمحاكمة لكل من أجرم في حق الشعب السوداني منذ الاستقلال وأنه شخصيا مستعد للمثول أمام أية محكمة من هذا النوع.. لأن كثير من المتهمين أبرياء!. ولكن هذا الذعر الشديد من المثول أمام المحكمة معناه أن بعض هؤلاء المتنفذين يعلمون ان أيديهم ملوثة بدماء أهل دارفور، ويعلمون علم اليقين أن الذهاب للمحكمة سيكون بمثابة كشف حسابات قذرة وربما فظيعة..
    إذا كانت الإنقاذ واثقة من سجلها كما تقول فلتسلم المطلوبين للعدالة والتحقيق، وكلما زادت عبارات القسم والتأكيد انها لن تسلم أحدا كلما تأكدنا أن بين أهل الإنقاذ مجرمين أثيمين ذهبوا بدماء أهل دارفور باعراضهم المنتهكة إلى مراقدهم كل تلك الفترة.. فإن كانوا كما يقولون بريئين فليقولوا للمجتمع الدولي: هاؤم اقرأوا كتابي.. ولا يخافون حينها مجاكمة سياسية لأنما حكومة السودان هي في أوج مدها العالمي كما قالوا لنا بل ورشحوا أنفسهم لجوائز نوبل للسلام.. إنها تحضر الآن في الفترة 11-12 أبريل 2005 مؤتمر المانحين ليناء السلام في أوسلو .. أليس هذا دليل مد؟!..
    كان رسول الله عليه افضل الصلاة والتسليم قال حينما سرقت المخزومية وكلمه فيها حبه زيد يريد أن يتوسط لها قال له: إنما أهلك الأمم من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وغذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها.. إن الحرى بسلطة الإنقاذ أن تقول: لو اتضح بأي دليل ثابت أن أي شخص متنفذ قد قتل نفسا زكية بغير نفس أو انتهك عرضا أو أباد جماعة أو.. أو.. لقدمناه للعدالة قبل غيره كما فعل ابن الخطاب مع ولده حينما أغلظ عليه في العقوبة!.
    نحن ليس لنا اية مصلحة في التستر على جناة دارفور ولا أحد يفهم لماذا تريد حكومة مسئولة التستر عليهم؟.. إن أية نباح وهرج يزداد سنزداد يقينا أن الإنقاذ أو مسئولين فيها متنفذين هم من قتلوا تلك الالاف المؤلفة في دارفور  واغتصبوا وحرقوا المزارع والبساتين وأفسدوا الحرث والنسل، وهذه الحقيقة نفتها الإنقاذ كثيرا وقالت أن “الجنجويد” قوات متفلتة ليس لها بها واصل، وبعضنا كان يصدق.. فإن كانت الإنقاذ تريد أن تتستر على جناة فسيقع حقا المحذور.. وبعد أن ذبحت الثور (السيادة الوطنية)، ستكسر البرمة (ليس كراسيها فقط بل جميع الوطن)! اللهم احفظ هذه البلاد.
    وليبق ما بيننا

    مقال محظور .. خوفا على الصحافة

    November 1, 2010 · لا يوجد تعليق  

    بسم الله الرحمن الرحيم
    في الوقت الذي تدعي فيه حكومة الخرطوم أنها تدعو للإجماع الوطني ومقتضياته ومن اهمها إشاعة الحريات، تترى إجراءات إيقاف الصحف، فمن الخرطوم مونيتور للوطن اللذان لا زالا مغيبتين، لألوان التي أعقب وباء إيقافها كرامة الشفاء، للصحافة التي أوقفت لثلاثة أيام على إعلان لم يجزه مجلس الصحافة لأسباب دينية حسب الادعاء فلم يبتدر بالإنذار أو لفت النظر أو التحذير بل أوقفت الجريدة فورا.. هذه الحالة جعلت بعض الصحف المستهدفة أو التي تحذر الاستهداف في حالة يرثى لها من التخوف والاحتياط..
    وقعت هذه الحالة رأسيا على أقلام كثيرة، وفي الشهر المنصرم أوقف مقال كنت كتبته تعليقا على إفادات السيد رئيس الجمهورية بشأن ختان البنات لينزل في ميعاد العمود الأسبوعي “بيننا” لأن الجهات المسئولة في الجريدة رأت أن ذلك المقال سيلحقها بألوان وإخواتها!. استسمحت الجريدة أن أعدل المقال نفيا للحدة فيه ولكن رؤي أن ذلك لن يجدي. نفس الشيء جرى على فقرة من مقال “معارك النساء.. وأشياء أخرى” المنشور في الصحافة بتاريخ اليوم 4 أكتوبر، بحيث استأذنتني الجهات المسئولة في الجريدة لحذف اسم السيد الرئيس أينما وقع واستبدل مرة ب”جهة رسمية” تحاشيا أن ياتي ذكر الاسم “المبجل” مقرونا بشيء يحمل على النقد السلبي. وافقت الجريدة على ما رأت من تعديلات خوفا عليها أن تكمم فتكمم أفواه عديدة من ورائها وفي المثل: ما لا يدرك جله لا يترك كله..
    أنشر هنا المقال المحظور برغم التعديل، فقد خفت على “الصحافة” أن ينكل بها ولكنني كفرد لا أخاف “الإنقاذ” وليصنعوا ما يشاؤون!.

    بسم الله الرحمن الرحيم
    بيننا
    إفادات السيد رئيس جمهورية السودان بشأن ختان البنات
    تحالف هالك أم أبيد .. ؟
    في الوقت الذي دخلت فيه مباحثات السلام السودانية منعطفات حرجة، ولوح البعض بأن مشاركة النائب الأول الأستاذ علي عثمان محمد طه في مباحثات نيفاشا تعني تهميش دور البشير الرئيس السوداني في السلام، وطارت تصريحات من هنا وهناك تنفي الأمر أو تؤكده، في هذه الظروف صلى السيد الرئيس البشير صلاة الجمعة بمسجد الدوحة بجبرة في العاصمة الخرطوم. ثم خرجت ثلاث من الصحف المحلية “الرأي العام والحياة والأنباء” يوم السبت الموافق 13 سبتمبر بخبر عن تلك الصلاة التي أمها الشيخ عبد الحي يوسف فحرم الختان الفرعوني ودعا للمسمى سنة واتهم حملات محاربة الختان بأنها مدعومة من الغرب بأجندة تآمرية، جاء في الصحف الثلاث أن البشير تحدث بعد الخطبة “وأعلن عن اتفاقه مع حديث الشيخ عبد الحي فيما ذهب إليه في موضوع وفتوى ختان الإناث” من تحريم الختان الفرعوني للإناث والدعوة لما سماه الختان السنة الذي ذهب إلى أن الأطباء أجمعوا على أن فوائده أكثر من مضاره، وأيد هجومه على حملة مكافحة الختان التي وصفها بأنها مدعومة من الغرب بأجندة تآمرية، مشيداً بدور العلماء في تبصير الأمة وهديها لسبل الرشاد ومقررا علمهم بالأهداف الحقيقية التي ترمي إليها مثل هذه الحملات التي ظلت تتلصص على الإسلام منذ أمد بعيد.
    الشاهد، لم يكن حديث خطيب المسجد عن الختان بحادثة جديدة ولا مستغربة فقد عرف عن الدكتور عبد الحي يوسف مرارا الدعوة لما يسمى الختان الشرعي. ولكن الغريب كان أن تصدر من رئيس الجمهورية تلك التصريحات ذلك لأن للدولة “الإنقاذية” نفسها والتي يرأسها السيد عمر حسن أحمد البشير، سياسة محددة واستراتيجية واضحة للقضاء على كافة أشكال ختان البنات بتعضيد من موقف فكري إسلامي ينعت هذه العادة الرذيلة بما تستحق من نعوت شيطانية مستقبحة. والدولة السودانية هي الراعية الأهم لحملات مكافحة الختان بالتنسيق مع المجتمع الدولي باعتباره انتهاك لحقوق الفتيات السودانيات وباعتبار مضاره الصحية الفادحة التي تشمل التعويق الجسماني والنفساني بل والموت جراء عمليات الختان أو إبان الولادة بأثر منه. فالختان الممارس في السودان بانواعه المختلفة هو أثر من ماض تليد يقال أنه راجع للأثر الفرعوني، وهو يمارس في الكثير من البلدان الإفريقية عبر الأديان (أي يمارسه المسلمون والمسيحيون وأهل الأديان المحلية). أيضا فإن الحديث عن إجماع الأطباء حول الختان لا يعدو أن يكون مزحة ثقيلة في بلاد قرر فيها المجلس الطبي “وقياداته في غالبها إسلامية التوجهات” منع كافة العاملين في الحقل الصحي من ممارسة هذه العادة أو إجرائها، وقامت فيها وزارة الصحة الاتحادية بإنشاء وحدة خاصة للقضاء على كافة أشكال الختان، بل صارت القابلات المتزيات بالزي الإسلامي يقسمن على عدم إجراء عمليات الختان. كل ذلك استنادا على الحقائق العملية والعلمية التي أثبتت أن كل انواع الختان الممارسة في السودان تضر بالنساء جسمانيا ونفسيا وتعرض حيواتهن للخطر، كما أن لها مستتبعات في الحياة الزوجية فقد يتسبب الختان في مضاعفات تؤدي لفشل الحياة الزوجية وللطلاق.
    نعم لم يكن حديث الشيخ عبد الحي مستغربا ولا جديدا، لكنه يأتي هذه المرة في إطار يزعج الناشطين في مكافحة الختان من هذا التحالف العجيب الذي يشبه الصورة النمطية الدارجة لوصف التآخي والتآزر بين الأعمى والقعيد صوب هدف استنفر له الكافة “الأعمى شايل المكسح”..  فليس لدعاة الختان قدرة الدولة (السلطان) التي يمثلها البشير، ولم يكن للبشير رؤية مساندة للختان، ولكن ها هما يتآخيان في تلك الجمعة، ويخرجان علينا بما خرجا به. إنها صاعقة تصيب الحريصين والحريصات على سلامة البنات والنساء أن يقوم رأس الدولة بالسباحة ضد تيار دولته نفسها وتيار الدنيا لأجل كلمات دغدغت عاطفته جاءت في خطبة الدكتور عبد الحي، فلم يتريث ولم يقل أصبر أدرس أمحص أرجح أشاور أعزم أتوكل على الله، بل فضل التصريح والكلام قافزا عبر كل تلك الحلقات في وقت فيه السكوت من ذهب والكلام من لهب.. لهب قلوب وأقلام رافعي راية سلامة البنات، ولهب المجتمع الدولي ضد منتهكي حقوق الإنسان، وقبل كل ذلك لهب المولى عز وجل، قال حبيبنا ومنصفنا ودليلنا إلى الله رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار”.
    كيف يكذبون على رسول الله؟
    الحقيقة أن مسألة ختان الإناث والموقف منها بين المسلمين السودانيين كان في السنة الماضية والحالية محل حرب شعواء بين تيارين: تيار يقوده الناشطون والناشطات في مجال مكافحة الختان ويؤكد أنه عادة رذيلة منتشرة في إفريقيا منذ أمد بعيد وقبل دخول الإسلام بل والمسيحية فلا علاقة للدين به، وتيار جماعات تسعى لـما تطلق عليه “تأصيل الختان” بإعطائه مرجعية دينية. ومع أن المسلمين يختلفون حول الموقف الديني من ختان الإناث. فمنهم من يراه مكرمة “أقل من السنة” أو توازي السنة، ومن يراه واجبا أو مندوبا، ومن يحبذه ولا يرى ضيرا في تركه، ومن يراه رجسا من عمل الشيطان (ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله). ولكن هذا الاختلاف الظاهر يحال إلى فروقات هامشية للمتمعن في الكتابات ودلالاتها.
    إن الذين يدعون لختان الإناث بحجة الدين ويسمونه “الختان الشرعي” يختلفون في تعريف أو توصيف ما يرونه ختانا شرعيا، ولكنهم يكادون يجمعون على أنه شبيه بختان الذكور بقطع الجلدة التي تغطي عضوالأنثى الخارجي،  وأن كل ما تعدى ذلك من قطع هو غير شرعي ومرفوض، جاء في ورقة الدكتورة فتحية حسن ميرغني الأستاذة بجامعة أم درمان الإسلامية بعنوان “تأصيل ختان الإناث” وصف للختان الشرعي والآخر غير الشرعي، يستفاد من تلك الورقة أن كافة أنواع الختان الممارسة في السودان هي غير شرعية وهي “من درجات الفرعوني وليس من السنة”. والحقيقة أن الأطباء مختلفون حول تشابه الرجال والنساء وإمكانية القياس بينهما في هذا الأمر، وبعض الأطباء يؤكد أن الزيادة الموجودة عند المرأة تنمو بعد البلوغ، ولا يمكن خفضها لدى الفتيات الصغيرات كما يحدث في السودان والعديد من الدول الإفريقية. ولكن أهم ما تجب الإشارة له هنا أن المسمى “سنة” في السودان هو ليس سنة البتة حتى بتعريف أولئك المؤمنين بوجود “سنة” في الختان. وقد تساءل البروفسير محمد أحمد  الشيخ اختصاصي النساء والتوليد الشهير ورئيس جميعة إختصاصيي النساء والتوليد مستهجنا: إننا نقوم بالعديد من الأفعال على سبيل السنة: في الوضوء – في الصلاة- في الصوم- في الحج- في كافة مناحي الحياة، ولكننا لا نقول هذا هو الاستنشاق السنة أو الحمدلة السنة، فلماذا يقال هذا الختان السنة؟ واقترح البروفسير التخلص من هذه التسمية المغرضة لصالح الختان باستخدام تصنيفات منظمة الصحة العالمية: النوع الأول، والثاني، والثالث من أنواع الختان. وربما كان من الأفضل إستخدام تسميات مثل: الفرعوني أو الرتق (لوصف إزالة كافة الأعضاء الخارجية للمرأة وخياطتها)، والنهك (للمسمى خطأ بالسنة)، والمتوسط للأشكال المتوسطة بين الرتق والنهك.
    إن الجماعة الداعية للختان الشرعي لا تناقض دعوات مكافحة الختان السائدة كثيرا على المستوى النظري،لأن منظور أهل الختان الشرعي كما هو مبين في أوراقهم المنشورة  يصم كل الأنواع المعروفة في السودان بانها درجات من الفرعوني وليست من السنة. ولذلك فإن معركة هؤلاء ضد حملة القضاء على ختان الإناث تبدو وهمية، ولكن الراجع لأحاديثهم ودعواتهم المنبرية يقول أن المعركة ليست متوهمة بل هي “متهمة” في مدى إخلاصها للشرع ولسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. لأن أي حديث عن الختان السنة ينشر للعامة بدون توضيح كاف يزيل اللبس وإطلاقه على عواهنه لا يفسر إلا بتناقض مواقف هؤلاء النظرية مع مواقفهم العملية. فلو صح إيمان دعاة الختان الشرعي بأن كل الممارس في السودان درجات من الفرعوني وليس من السنة، لا يعقل إذن أن يصبوا جام غضبهم على حملات المكافحة والأولى بهم أن يكون ذلك الغضب على نسبة فعل قبيح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال: “إن كذبا علي ليس ككذب على أحد” . لقد بينت التحقيقات التي قام بها هؤلاء أن المسمى سنة في السودان هو بعيد عن السنة التي يرون وأنه تنويعات على الفرعوني، وهو بالتالي كذب على رسول الله كل مسلم غيور مطالب بأن ينفي السنية عنه.. أن تدعو الناس لختان السنة وأنت تعلم أنهم يمارسون ممارسة معينة يطلقون عليها اسم “السنة” معناه أنك تدعوهم للاستمرار في هذه الممارسة، ولن يستطيع أحد تبرئة هذه الدعوى من الكذب على رسول الله، ولا من الهوى في محاربة حملة مكافحة الختان ووصمها بالذيلية للغرب، هذا مع أن أول الدعاوي ضد الختان كانت قبل أي احتكاك ذي بال للمجتمع السوداني بالغرب وإبان عهد الممالك الإسلامية (الفونج والفور وتقلي والمسبعات والكنوز) وما وصل من خبر مملكة الفونج بالتحديد في طبقات ود ضيف الله. صحيح أن شاعرنا الكبير المرحوم محمد عبد الحي قد اجتهد لتبيان العلاقة بين سودان الفونج وبين تراث اليونان عبر “أسطورة” الشيخ إسماعيل صاحب الربابة، إلا أنه لم يستطع أحد حتى الآن أن يقول أن اجتهادات الشيخ الجليل حمد ود أم مريوم كانت بأثر من اليونان (الغرب). لقد أوصلت البصيرة النافذة الشيخ ود أم مريوم إلى خطورة بعض العادات والتقاليد السودانية على الإنسان وعلى المجتمع فأمر بمنع ختان الفتيات وبوقف عادات المبالغة في الأفراح والأتراح والمباهاة فيها، وتعد العادات الأخيرة من ضمن طاقم التقاليد التي حاربتها المهدية وسماها الإمام المهدي “العادات المبعدة من الله ورسوله”.. صحيح لم ينقل عن الإمام المهدي شيئا حول ختان البنات وإن تحدث عن عادات نسائية كثيرة أمثال “الرشة” التي حرمها لأنها تمنع ماء الوضوء من الوصول للشعر، والمباهاة في الأعراس والمآتم.. ولكن المنطق نفسه الذي يحرم الخبائث يجعلنا ندرج بدون أدنى تردد  ختان البنات الممارس في السودان بين العادات المبعدة من الله ورسوله، مرة لأنه ضار (ولا ضرر ولا ضرار) ومرة لأنه كذب على رسول الله لدى الذين يصلون بالسنة إزالة بعض أعضاء المرأة الحيوية بينما هي جريمة عدوان تستحق القصاص أو الدية.
    إن التحالف المذكور بين رئاسة الدولة وجماعات الدعوة للختان مزعج لأن مقصد نفرته ومسيرته هو ضرر نساء وفتيات السودان. ولكن يهون منه أنه غالبا ما سيمحوه النهار فلا يظن أن الدولة ستغير استراتيجيتها بسبب خطبة عاطفية ألقيت في منبر الجمعة وحضرها االرئيس. ولذلك توقع الكثيرون أن يصدر نفي عن الرئيس لما قاله. وبالفعل طارت شائعات لتخفف من غلواء الغضب على مقولته المستهجنة تناقلها الناشطون والصحفيون أن هنالك توضيح سيخرج للناس. ومن عجب فإن التوضيح الذي طال انتظاره لم يخرج من فم رئيس الجمهورية أو مكتبه، بل خرج التوضيح بلسان الصحفي صاحب القلم الذكي المقتدر والتحليل النابه الأستاذ محمد لطيف مشيرا لما يقوله المقربون من الرئيس.. كتب الأستاذ لطيف مدافعا عن أولوية الحديث عن الختان في وجه من رأوا تصريحات الرئيس انصرافية في هذا الوقت الذي تتجه فيه الأنظار للسلام كأولوية قائلا: “إن الدعوة لإصحاح المجتمع واجتثاث العادات الضارة هو أولوية ممتدة تسبق السلام وتعقبه. وربما بسبب من هذا كان تصدي السيد رئيس الجمهورية لموضوع “ختان الإناث” حين طرح أمامه في منبر عام مبديا رأيه الشخصي في الموضوع كمسلم حادب لا كرئيس للجمهورية يقدم أحكاما قطعية من منبر المسجد”.. وحمد لطيف للرئيس أنه لم يطرح نفسه إماما للمسلمين يلهب ظهورهم بأحكام قطعية من على منابر المساجد. ثم أشار لأن ما نسب للرئيس يتناقض مع استراتيجية الدولة التتي تتبناها وزارة الصحة وترعاها رئاسة الجمهورية ممثلة في نائب الرئيس. وأكد أن مقربين من الرئيس أشاروا لأن خلطا قد شاب نقل حديث الرئيس، ثم مضى لطيف متلطفا في ذلك التحليل غاية على السيد الرئيس ونسب له ما لم يقله من أنه هدف لإدارة حوار عميق وعلمي بين قطاعات المجتمع حول الموضوع.. ذاهبا مذهب مثل الأخوة المصريين “يعمل من الفسيخ شربات”، ولأن حيثيات الأستاذ النابه لطيف لم تستند على حق  ظاهر فقد جاء حديثه على غير عادته لجلجا:
    - فالسيد رئيس الجمهورية لم يكن يحارب عادات ضارة، بل كان يقف إلى جانبها، و يتهم الواقفين ضدها بالعمالة للغرب. وما أجملها من هدية للغرب المستعلي أن تلصق بالسنة ممارسات ضارة ومقيتة كختان البنات وتعويقهن. ولو صحت إفادة السيد لطيف بأن البشير لم يكن يشير للختان بل لأمور أخرى، فهذا يعني أن البشير قد تجاهل موضوع الختان أصلا ولم يقل فيه شيئا.
    - ولو صحت القراءة بأن مسألة الختان هي مسألة هامة قبل السلام وبعده، فهذا يعني أن الحديث عن حدوث خلط يتناقله المقربون من الرئيس بدون إصدار أي بيان توضيحي هو إهمال لأمر هام، ولا ينفع حينئذ أن نستمع لصحفي فرد وهو ينقل لنا أحاديث المقربين إلا في دولة تديرها “الصوالين” وأحاديثها وتعجز فيها أجهزة الإعلام عن تقصي موقف الرئيس من أمر يخص حيوات ومستقبل نصف الشعب، بينما تغرق تلك الأجهزة في تتبع أزياء ذلك النصف النسائي بين الثوب وتوحيد الزي و”الحسن أسفر بالحجاب” والأخيرة جملة من بين الشعارات التي اتخذت وملئت بها أبصار السودانيين إبان زيارة اثنين من الفنانات المصريات المحجبات المعتزلات للفن من أجل الحجاب: عفاف شعيب وياسمين الخيام.. هل زي النساء في الدين ولدى أجهزة الإعلام أهم من حياة الفتيات أو النساء اللائي يمتن جراء الختان؟ وأهم من صحة النساء الجسمانية والنفسية؟.
    - ومن الصعب أن نحمد للرئيس أنه لم يطرح نفسه إماما يلهب الناس بالأحكام القطعية بينما هو قد عرض نفسه إماما وبايعه الناس بعد أن استولى على السلطة (والبيعة في الإسلام قبلية لا بعدية)، وهو وإن لم يعتلي المنبر فقد خرج علينا بتصريحات عبارة عن أحكام قاسية على فتيات ونساء السودان بدون أن تكون له معرفة شاملة بالأحكام الشرعية ولا بالعلوم الطبية وبدون أن يعود لأجهزة الدولة المعنية بالتشريع في هذا الأمر.
    إن التحالف المعني بين جماعة ما يسمى الختان الشرعي وبين الدولة غالبا غير أبيد، والرئيس في النهاية سيستمع لمقالة تود لو تذهب عنه عذاب اللهيب الذي ذكرناه آنفا.. وليبق ما بيننا.

    مياه النيل الوعد والوعيد :- الإمام الصادق المهدي

    October 31, 2010 · 1 تعليق  

    الإنسان بنيان الله :- الإمام الصادق المهدي

    October 31, 2010 · لا يوجد تعليق  

    المقدمة :

    انفرد الإسلام بين الملل والنحل التاريخية بأنه أقر للإنسان بكرامة وجودية هي من حيث هو إنسان لا عن طريق تكريم يطرأ عليه. فاليهودية مثلاً تعتبر البشرية ضائعة إلا أولئك الذين دخلوا في عهد مع الله، بموجب هذا العهد حلت فيهم ميزة روحانية فرقت بينهم وبين الأغيار وهم سائر البشر. وفي المسيحية الإنسان حبيس الخطيئة الأولى ولا نجاة له من هذه الدونية إلا عن طريق الإيمان بفداء السيد المسيح عليه السلام.

    هذا التكريم المشروط للإنسان عام بين الملل والنحل التاريخية.  ولكن الإسلام كرم الإنسان من حيث هو تكريماً وجودياً أي بصرف النظر عن اعتناقه ملة أو نحلة معينة (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ).

    ورسمت نصوص الوحي للإنسان صورة فاضلة (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ). أي أنه مستودع لروح الله. صورة فاضلة أوجبت للإنسان حقوقاً في الظروف العادية تعود إلى خمسة أصول: الكرامة- الحرية- العدالة- المساواة- والسلام. وفي الظروف الاستثنائية أي الاقتتال وضعت ضوابط أخلاقية للقتال، ضوابط مغلظة: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) مما يعني أن القتال نفسه مربوط برد عدوان أو دحر فساد في الأرض، وقول رسول الله (ص): “انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا طِفْلًا وَلَا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(رض)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) كَانَ إِذَا بَعَثَ جُيُوشَهُ،  قَالَ ” لَا تَقْتُلُوا أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ”، وهكذا.

    ولكن هذا النهج الذي قام على ولاية للأمر ملتزمة بالكرامة؛ والعدالة؛ واللا إكراه الممارس عن طريق الشورى، أي المشاركة؛ والمساءلة، أي النصيحة؛ تراجع لأن مجتمع المسلمين التاريخي بعد فترة قصيرة وجد نفسه منغمساً في حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. لذلك لجأ الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان إلى خطة اقتباس نظام الحكم البيزنطي حذوك النعل بالنعل: تأسيس الحكم بالقوة واستمراره بالوراثة.

    وعندما أطاح العباسيون بالدولة الأموية فإنهم أقاموا سلطاناً مقتبساً من نظام الحكم الكسروي. والدول التي تعاقبت على ديار المسلمين فيما بعد: العثمانية، والصفوية، والمغولية، والسلطنات الصغيرة كما في حالنا السوداني الفور، والفونج، وغيرهما كلها درجت على نهج واحد: إقامة الحكم بالقوة واستمراره بالوراثة. وفي حالة الحروب فإن هذه النظم مارست ألواناً من البطش بالخصوم والتعدي على المدنيين وغير المجندين للقتال.

    في مجال حقوق الإنسان في حالة السلم والحرب يدل تاريخنا بوضوح تام أننا تخلينا عن مبادئ جاء بها الوحي واقتبسنا نظم الحكم الوضعية بما فيها من حكم يقوم على القهر، وقتال يقوم على البطش؛ وفي الحالين وقع التخلي عن خماسي الكرامة، والحرية، والعدل، والمساواة، والسلام؛ وحماية غير المجندين للقتال إبان الحروب.

    التجربة الأوربية سارت في طريق مختلف. نظم الولايات السلطانية عندهم كانت تقوم على القوة والتوارث وتمارس سلطاتها بقسوة أشد من الممالك الإسلامية التاريخية. كذلك كانت حروبهم أكثر بطشاً وتدميراً.

    عرس الزين :- الطيب الصالح

    October 30, 2010 · لا يوجد تعليق  

    دومة ود حامد :- الطيب الصالح

    October 30, 2010 · لا يوجد تعليق  

    موسم الهجرة إلى الشمال :- موسم الهجرة إلي الشمال

    October 30, 2010 · لا يوجد تعليق  

    النقاط على الحروف!

    October 30, 2010 · 4 تعليقات  

    * الحاج وراق : تواجه البلاد أخطر أزماتها منذ الاستقلال، فمن ناحية ازمة دارفور التي وصلت الى قمتها بالمحكمة الجنائية وتحول رأس الدولة الى مطلوب للعدالة الدولية، ومن الناحية الاخرى تقرير المصير لاهل الجنوب، الذي تبقي له حوالي13 شهرا، وسيمارس في اجواء من غياب الثقة، ومن التعبئة الحربية، اضافة الى الازمة الاجتماعية التي تعصف بكل انحاء واوجه الحياة في البلاد- بدءً من فساد وتدهور الخدمة العامة، وتدهور الصحة، وانحطاط التعليم، وتدهور البيئة، وتدهور مستوي ونوعية الحياة للغالبية، وانتهاءً بتفسخ القيم الاجتماعية والاخلاقية. هذا خلاف ازمة النظام الباطنية، بين مراكز القوى داخله، وبينه وبين شركائه، وازمته مع العالم- خصوصا مع الدول الاكثر تأثيراً في مجلس الامن- امريكا، بريطانيا، فرنسا، والاكثر تأثيراً في الاقليم- مصر والسعودية!
    وفي أزمة بهذا الاتساع والعمق، لايمكن لطرف سياسي واحد، او مسؤول واحد، ان يقدم روشتة العلاج منفردا، حتي لو كان هذا الطرف المؤتمر الوطني، المسؤول الرئيسي عن وصول الاوضاع في البلاد الى هذا الدرك. فالازمة بشمولها، وتعقيدها، تتطلب تضافر جهود كل السودانيين، بل وجيرانهم واصدقائهم في العالم، والبداية في ذلك، الإقرار بالازمة وتعقيداتها، ومن ثم فتح اوسع تداول حر في تاريخ البلاد، كمقدمة اساسية للتوصل الى حلول توافقية وحقيقية.
    * ولكن، للمأساة، فإن المجموعة المتنفذة في المؤتمر الوطني لاتزال منخرطة في آليات خداع الذات، فمن ناحية تنكر الازمة ابتداءً، وتتفادى مناقشتها، بل وتثير غباراً كثيفاً للتغطية على ملامحها، وكعادة الغبار، ومهما علا، فانه يحجب الرؤية ولكنه لايغير من طبوغرافيا الارض! وهكذا بعد كثير من غبار المظاهرات والحشود والخطابيات فإن الازمة لم تبارح مكانها!.. ومن الناحية الاخري، فان قيادة المؤتمر الوطني تسعي بالتخويف والتشهير والابتزاز الى اخراس المجتمع السوداني وقواه السياسية والمدنية والفكرية، اخراسهم من ابداء آرائهم، او اشغالهم بقضايا تافهة او بمعارك جانبية، ولكن حتي لو تم اخراس الجميع في الخرطوم، فما من احد يستطيع اخراس نواقيس الازمة نفسها، والتي تقرع بمعزل عن اي لاعب منفرد في البلاد!
    * واستمرار الاوضاع الراهنة لايقدم حلاً، ولن يقدم حلاً، والتسليم به انما اسلام البلاد الى الخراب الشامل. ولكيما تتضح الصورة نضع النقاط على الحروف!
    * لقد صممت مسخرة الانتخابات الجارية حالياً خصيصاً ليفوز بها المشير البشير، وهذا ما سيحدث، ولكن، ثم ماذا بعد؟!
    لن تغير النتيجة من مطالبة المحكمة الجنائية بمثول المشير امامها، وفي اطار المعطيات الراهنة، فلن تجد دولة داعياً لاستخدام المادة(16) من نظام المحكمة- تتيح هذه المادة تأجيل أي قضية لمدة12 شهر قابلة للتجديد الى ما لا نهاية-، ولا يمكن هنا الرهان على روسيا والصين، فالقرار المطلوب قرار موجب، وبالتالي حتي لو صوتت روسيا والصين لصالح حكومة السودان فهذا غير كاف، فالقرار يحتاج الى تصويت الغالبية اضافة الى – وهذا هو الاهم- الا تعترض عليه اية دولة من الدول دائمة العضوية مستخدمة حق النقض(الفيتو)، اذن فالنتيجة الحتمية فشل اقرار المادة (16)، وبالتالي استمرار قرار مجلس الامن رقم1593 الذي يدعو حكومة السودان الى (الامتثال) والتعاون مع المحكمة الجنائية. وبالطبع سترفض حكومة السودان، مما يؤدي الى احتمال فرض عقوبات دولية على البلاد (ومما يشير الى هذا الاحتمال ان القرار1593 قد تمت اجازته بالاجماع بما في ذلك، روسيا والصين. والصين الجائعة الى النفط، وتنظر الى تنامي احتمال انفصال الجنوب وعدم استقرار الشمال، فالارجح الا تضع (بيضها) بالكامل في سلة المؤتمر الوطني)! ولكن لنفترض افضل الاحتمالات للانقاذ، وهو تصويت روسيا والصين، واستخدامهما، كليهما او احداهما، لحق النقض ضد فرض عقوبات دولية على السودان، في هذه الحالة، ستتجه الدول الغربية- بضغط من جماعات حقوق الانسان- الى فرض عقوبات من خارج مجلس الامن، كما جرى الحال  مع ايران وكوريا الشمالية، فاذا حدث ذلك، فإن عقوبات من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الامريكية واليابان، ستؤدي في اوضاع السودان الهشة، الى تداعيات كارثية وربما الى انهيار اقتصادي كامل، ذلك انها ستؤدي الى ايقاف اية اعانات او قروض من هذه الدول المؤثرة، ومن صندوق النقد والبنك الدولي، وبالتالي من الصناديق الاقليمية (العربية والاسلامية)- ولا يمكن هنا الرهان على دعم العرب، باستخدام المناشدات القومية والدينية، فمصالح هذه الدول مع الغرب مما لا يمكن مقارنته بمصالحها مع حكومة السودان، وقد نأت هذه الدول بنفسها عن التصادم مع الغرب في قضية (حصار غزة)- وهي قضية تلتف حولها كل شعوب المنطقة، دع عنك قضية حكومة السودان التي مثار تساؤل وجدل!
    هذا اضافة الى هروب الرساميل من البلاد! وقد بدأت منذ الآن ملامح هذه الظاهرة! وعلى عكس بداية التسعينيات، فان الانقاذ لا تستطيع الاعتماد على تحويلات الحركات الاسلامية السرية، لعدة اسباب، اهمها، انه بعد الحادي عشر من سبتمبر فإن قنوات هذه التحويلات قد تمت محاصرتها لحدود بعيدة، وهذا ما تؤكده تجربة (حماس) حاليا في غزة! وبالنتيجة فإن البلاد ستدخل في دوامة ازمة اقتصادية حادة وخانقة، تؤدي الى تنامي التحركات الاجتماعية، والتي في ظروف البلاد الحالية، ربما تتخذ شكل اضطرابات عرقية وقبلية واسعة!
    * والنقاش هنا، يتجاوز المواقف الاخلاقية الحدية والمنطلقات السياسية العامة، يتجاوزها الى مناقشة الخيارات السياسية العملية، ذلك لانه في المنطلقات الاخلاقية والسياسية العامة يصعب الاتفاق او الوصول الى حلول توافقية، حيث لغالبية اهل دارفور، ولغالبية الديمقراطيين- وانا من بينهم-، موقف ايجابي تجاه المحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها تطورا انسانيا، اخلاقيا وقانونيا، هذا بينما للانقاذ مواقفها المعلنة والمعروفة، ولكن مع ذلك ولمصلحة البلاد، فإن السياسة العملية تقضي بانه ما من سبيل لبلاد هشة، كالسودان؛ ان تتصادم مع المجتمع الدولي- واعني الغرب تحديدا-، فبعيداً عن الدعاية والتهريج، لا يمكن لبلاد وحدتها على المحك ان تجازف بترف مصادمة القوي النافذة دوليا! ودع عنك مطلوبات النهضة- حيث توضح التجربة بانه ما من نهضة مستدامة تحققت في التاريخ  الحديث في عداء مع الغرب، فحتي نهضة الاتحاد السوفيتي (العظيم) وبسبب عزلتها عن العالم توقفت في حدود معينة ثم انكسرت، ولذا ظلت الصين (الشيوعية)، تستخدم بمهارة وذكاء، ورغم العوائق الايديولوجية، انخراطها في العالم لصالح نهضتها-، ولكن دع عنك النهضة، فبلادنا الهشة تتلقي حاليا ما يقارب المليار دولار سنويا من اعانات واغاثات الدول الغربية لاجل المواطنين في الغرب والجنوب وجبال النوبة والنيل الازرق والشرق والخرطوم!.. اذن فسيناريو المصادمة مع المجتمع الدولي انما يؤدي حتما الى نحر البلاد!
    وللمؤتمر الوطني وقيادته المتنفذة، ان يختاروا الانتحار، ولكن ما من مبرر وطني ، ولا مبرر اخلاقي واحد، يسمح لهم بأن يأخذوا معهم الشعب السوداني بالتهديد والابتزاز لتنفيذ عملية انتحار جماعية، بلا افق، وبلا هدف، سوي ارضاء المصالح الايديولوجية والشخصية للمتنفذين في المؤتمر الوطني!
    * وكذلك ستؤدي الاوضاع الراهنة حتما الى انفصال الجنوب، اما عبر الاستفتاء، او باعلان من طرف واحد! وبطبيعة النظام في الخرطوم، وطبيعة سياساته التي ضربت وتضرب الثقة بين الشمال والجنوب، فان القضايا العالقة-كالنفط، وحقل هجليج، والحدود بين الشمال والجنوب، وابيي، والديون، والمياه..الخ-، وغض النظر عن اية اتفاقات تبرم، هذه القضايا ستحسم وترسم بالدم!
    وفي افضل السيناريوهات الممكنة- حين يضبط الطرفان- المؤتمر الوطني والحركة الشعبية- نفسيهما من الاضرار بمنشآت النفط، ستتطور الحرب التي تبدأ على الحدود، الى حرب بالوكالة اكثر اتساعا- فيدعم المؤتمر الوطني المليشيات القبلية في الجنوب (بهدف درفرة الجنوب)، وتدعم في المقابل الحركة الشعبية مناصريها في جبال النوبة والنيل الازرق، وربما تدعم لاحقا حلفاءها في دارفور، وحتي في حال عدم تطور حروب الوكالة هذه الى حرب مفتوحة، وعدم انهيار النظام في الخرطوم، فإن الحرب في حدودها الدنيا ستحول موارد الشمال والجنوب معاً الى المجهود العسكري، وفي حالة الشمال، بعزلته الدولية والاقليمية، فان الازمة الاقتصادية ستؤدي الى قلاقل اجتماعية واسعة، وفي ظل القمع الشديد المتوقع للقوي الديمقراطية والمجتمع المدني، غالبا ما تتخذ شكل توترات عرقية وقبلية!
    * وكل هذا، مأخوذاً، مع التعبئة العنصرية والدينية الناجمة عن انفصال عدائي، سيؤدي الى ازدياد القلاقل العرقية في الخرطوم، والى ازدياد نشاطية العصابات الفاشية، ومن ثم الى اصطدامات واسعة، والى حملات تطهير عرقية، تجري في مركز السلطة، وعلى مرأي من العالم، وبالنتيجة، ومهما كانت (شهية) التدخل معدومة، فإن صور مئات الاشلاء على شاشات التلفزيونات، ستؤدي، رغماً عن انف اي طرف،الى تدخل دولي لايقاف (المذابح في الخرطوم!)، فيتم حينها دعم قوات بعثة الامم المتحدة وتحويل تفويضها الى الفصل السابع! فنصل الى نتيجة الاوضاع الراهنة وتتمتها المنطقية- الى عراق جديد! بذات السبب الجوهري لما جرى ويجري في العراق- اي محاولة تفادي استحقاقات التحول الديمقراطي والحلول التوافقية، بسبب الاطماع والخوف! أطماع النظام- اطماع رئيسه ونخبته وحزبه وقاعدته الاجتماعية الضيقة-، واطماع القوي الدولية والاقليمية! واما الخوف فخوف الشعب العراقي. وكانت الثمرة النهائية خسران كل الطامعين! واما الخائفين الذين ضحوا بحرياتهم لاجل سلامتهم الشخصية، فكالمعتاد، لم يجدوا سلاما ولا اطمئنانا، واذ يكافحون الآن لاجل حريتهم فبأثمان اعلى وبكثير من اكلاف مواجهة صدام في حينه!
    * هذه نتائج سيناريو استمرار الاوضاع الراهنة، في احسن حالاته، سيؤدي الى تمزيق البلاد، والى خرابها! وفي المقابل، هناك سيناريو آخر ممكن، سيناريو يتطلب الشجاعة، ان يعلن المشير البشير رغبته في التنحي، ويبتدر عملية الاجماع المفضية لانتقال البلاد الى مربع جديد- مربع دولة كل السودانيين، دولة الديمقراطية وحقوق الانسان والفيدرالية الحقيقية والرفاه الاجتماعي، مربع التوافق والحلول الاجماعية، بما في ذلك التوافق على رئيس جديد، للايفاء بمستحقات الخروج من الازمة داخليا، وبما يفضي الى استخدام المادة(16) من نظام روما لمصلحة المشير البشير نفسه، اما هذا او الطوفان!!.
    ……………………….

    (ذات مصداقية؟!): نحو صفقة مشؤومة!

    October 30, 2010 · لا يوجد تعليق  

    الحاج وراق :
    * أعلنت الإدارة الأمريكية سياستها الجديدة نحو السودان في اكتوبر 2009، وحددت فيها ثلاثة اهداف استراتيجية:)1(انهاء النزاع والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان والإبادة الجماعية في دارفور (2) تطبيق اتفاقية السلام الشامل بما يؤدي الى سودان سلمي ما بعد 2011 أو الى دولتين منفصلتين قابلتين للحياة، تعيشان في سلام ما بينهما (3) ضمان عدم تحول السودان الى ملاذ آمن للارهابيين الدوليين.
    * وقد لخصت السياسة الجديدة اهم الدروس المستفادة من الجهود الامريكية السابقة في: 1) ضرورة بلورة منظور شامل (من الأخطاء السابقة التركيز على اتفاقية السلام وحدها او دارفور وحدها). (2) اهمية المرونة اللازمة للربط ما بين مواجهة الأزمات الناشبة وما بين التركيز المستدام على ضرورات الاستقرار على المدى الطويل. (3) اهمية ان تكون الدبلوماسية الامريكية ذات طبيعة مستدامة وواسعة، بحيث تستوعب، ليس فقط اللاعبون الأساسيون (المؤتمر الوطني, الحركة الشعبية ,حركات دارفور) , وإنما كذلك اللاعبين الأساسيين اقليميا ودولياً، وبما يشمل أولئك الذين لا يتفقون مع الولايات المتحدة. (4) تقييم التقدم، وبالتالي الحوافز والعقوبات، بتحقيق تغييرات على الارض يمكن التحقق منها، وليس بمجرد توقيع الاتفاقات او منح تأشيرات الدخول. (5) المحاسبة على الإبادة الجماعية وعلى الفظائع ضرورية لأجل المصالحة والسلام الدائم. (6) لابد أن يكون واضحاً لكل الأطراف في السودان ان جهود مكافحة الارهاب تجد التثمين، ولكنها لا تصلح للاستخدام ككرت مساومة لتفادي المسؤولية في دارفور او عن تطبيق اتفاقية السلام الشامل.
    * وحددت الاستراتيجية اهم عناصر التنفيذ في 1) تشجيع المبادرات التفاوضية لإنهاء النزاع في دارفور (2) دعم المحاسبة بدعم الجهود الدولية لمحاكمة المسئولين عن جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب في دارفور، اضافة الى العمل مع المجتمع المدني الدارفوري من أجل آليات للمصالحة والمساءلة متملّكة محلياً. (3) تحسين الوضع الإنساني. (4) مخاطبة القضايا التي لم يتم تنفيذها في اتفاقية السلام – خصوصاً الانتخابات والاستفتاء – بتقديم الدعم , وتشجيع الإصلاحات القانونية التي تخلق بيئة اكثر استيعاباً لعملية انتخابية ذات مصداقية وللإستفتاء، بما يشمل ضرورة سن قانون استفتاء ذي مصداقية (5) احياء وتقوية الاهتمام الدولي بتنفيذ اتفاقية السلام (6) تقليل التوترات في المناطق الثلاث (ابيي، جنوب كردفان، النيل الازرق) (7) تطوير آليات لتقاسم الثروة ما بعد 2011 (وحل القضايا الاقتصادية والسياسية لما بعد2011م (8) تطوير قدرات حكومة الجنوب.
    * والواضح ان اهداف السياسة الجديدة وعناصر تنفيذها تتضمن وتلتقي مع مطالب عديدة لأهل السودان، ولكني شخصياً أرى انها بفشلها في الإمساك بعقدة مشاكل البلاد- غياب الديمقراطية- فانها ستفشل في تحقيق اهدافها، وستؤدي في النهاية الى ما تخشاه، أي الى تحول السودان الى دولة غير قابلة للحكم، غارقة في الفوضى، والى ملاذ آمن للارهابيين في المنطقة!
    * ويمكن فهم السياسة الامريكية الجديدة بفهم (المسكوت عنه)، وبتحليل (المنطوق)، مستخدمين(زلات المنطوق) التي تكشف عن (المسكوت)!
    واللافت هنا ان هذه السياسة لم تذكر كلمة (الديمقراطية) ولا (التحول الديمقراطي) ولا مرة واحدة!! كما لم تذكر ولا مرة واحدة اهمية (ضمان حقوق الانسان) في السودان!
    ورغم اقرارها بالإبادة الجماعية في دارفور وبالفظائع والإنتهاكات، ودعوتها لإيقافها وللمحاسبة، إلا أن السياسة الجديدة لم تنوّه، ولو مجرد تنويه، الى جذور انتهاكات حقوق الانسان، أى الى غياب الديمقراطية!! وبالتالي غياب الحماية المؤسسية لحقوق الانسان!
    * وتركز السياسة الامريكية على قضيتين رئيسيتين في تنفيذ اتفاقية السلام هما الانتخابات والاستفتاء. ورغم ان اتفاقية السلام تنص على (انتخابات حرة ونزيهة ومراقبة دوليا)، الا ان السياسة الامريكية تستعيض عن مصطلح (حرة ونزيهة)، المنضبط انضباطا دقيقا في ادبيات حقوق الانسان، تستعيض عنه بتعبير غائم وفضفاض (انتخابات ذات مصداقية)!! وقبل ان نحلل الهدف الاستراتيجي وراء هذه (الزلة) في (المنطوق) نقدم بعض التفاصيل التي تكشف عن طبيعة (الانتخابات ذات المصداقية)!
    * وصفت الإدارة الامريكية الانتخابات الرئاسية الأفغانية بأنها انتخابات (ذات مصداقية)! ثم عبأت الولايات المتحدة الجمعية العامة للامم المتحدة لتتخذ قراراَ بتاريخ 9 نوفمبر الجاري يقضي بأن الانتخابات الافغانية (ذات مصداقية!) وشرعية. ويعلم القاصي والداني بأن الانتخابات الافغانية اعتورتها الكثير من الخروقات ومن التلاعب والتزوير، الى درجة ان الرئيس الفائز نفسه – كرزاي- وافق في النهاية على جولة جديدة بينه وبين منافسه عبدالله عبدالله، والذي رفض ذلك، اعتراضاً على عدم تغيير رئيس مفوضية الانتخابات، المتهم لديه بالتواطؤ في عمليات التلاعب المشار إليها!!
    وقد بحثت شخصياً في كل المواقع الالكترونية ذات الصلة, عبر محرك البحث (قوقل)، وفي موقع برنامج الامم المتحدة الانمائي، وفي الإنسكلوبيديا، والانسكلوبيديا الحرة، وهيئة المعونة الامريكية، بل وفي موقع المخابرات الامريكية، ولكني لم اجد مطلقا تعريفاً واحداً للإنتخابات (ذات المصداقية!).
    وفي المقابل هناك تعريفات محددة وواضحة لمصطلح (الانتخابات الحرة والنزيهة)، تردّه الى حكم القانون، ووجود مساحة للمعارضة, ولحرية التعبير، وحرية النشاط الانتخابي للمعارضة… الخ.
    إذن فالانتخابات (ذات المصداقية) لايمكن تعريفها الا بالرجوع للإطار الأفغاني. وقد وصفها ممثل افغانستان في الأمم المتحدة بدقة في جلسة الجمعية العامة المشار اليها، قائلا:(الانتخابات (الافغانية) كانت حرة بقدر الامكان، ونزيهة بقدر الامكان، وشفافة بقدر الامكان)!
    ولأن (قدر الامكان) معيار ذاتي وليس موضوعياً فإنه يدعو الى الاستنتاج بأنه (قدر امكان) الرئيس كرزاي!! وهكذا فان الانتخابات (ذات المصداقية) إنما تعني الانتخابات (الحرة النزيهة بقدر امكان الرئيس المرشح)!!
    * والمؤسف حقا أنه بعد اعلان السياسة الامريكية الجديدة، اعلنت بعثة الامم المتحدة في السودان أنها مع (انتخابات ذات مصداقية)! اي وقع الحافر بالحافر مع افغانستان! هذا رغم ان الامين العام للامم المتحدة في خطابه عن السودان لمجلس الامن الدولي بتاريخ 12 اكتوبر قد دعا الى (انتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية)، ومع أن (ذات مصداقية) المشؤومة ترد الا انها تتحدد بالمصطلح المنضبط (حرة ونزيهة). ولكن في المقابل فإن بعثة الامم المتحدة، في مخالفة لمرجعية تفويضها اي اتفاقية السلام، ولمعايير حقوق الانسان الدولية، بل ولخطاب الامين العام للأمم المتحدة، تتحدث البعثة عن انتخابات (ذات مصداقية) ! والخطير ان هذه البعثة يفترض ان تكون من المراقبين الرئيسيين لحرية ونزاهة الانتخابات في البلاد!!
    *والخلاصة ان السياسة الامريكية الجديدة باسقاطها المتعمد للديمقراطية وللتحول الديمقراطي واستخدامها لمصطلح (غامض) انما تريد في التحليل النهائي، انتخابات بقدر (إمكان) الرئيس المرشح , فلماذا؟!
    * صيغت السياسة الامريكية كمساومة بين تيارين في المؤسسة الامريكية –تيار تمثله وزيرة الخارجية- كلينتون- ومندوبة امريكا لدى الأمم المتحدة- سوزان رايس , ويرتبط بجماعات حقوق الانسان, و يرى اهمية التركيز على ما يجري في دارفور، وبالتالي ضرورة المحاسبة على الابادة الجماعية والجرائم الانسانية، وما يرتبط بذلك من ضمان عدم تكرار ماحدث بإحداث تغييرات هيكلية وشاملة في السلطة في الخرطوم. وتيار آخر، يمثله جون كيري- رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، وسكوت غرايش- مبعوث امريكا للسودان، ويتبني هذا التيار اولوية فصل الجنوب، وبالتالي يركز على التعاطي مع الوضع القائم في الخرطوم، والضغط لقيام انتخابات في مواعيدها، أياً كان شكلها،كأساس للإستفتاء الذي يؤدي الى فصل الجنوب. وفي سبيل تحقيق الهدف الاستراتيجي يمكن تهدئة الاوضاع في دارفور، وتهدئة المناطق الثلاث، وتجاهل الحديث عن المحاسبة وعن المحكمة الجنائية، وكذلك تجاهل اي حديث عن التحول الديمقراطي!
    ورغم ان رؤية التيار الأخير، لاتحظى بالاجماع في المؤسسات الامريكية، إلا انها كذلك رؤية ذات جذور، وقد عبر عنها افضل تعبير المبعوث الامريكي السابق للسودان، اندرو ناتسيوس، في مقاله بالواشنطن بوست بتاريخ23 يونيو2009م, حيث لاحظ انقسام الإدارة الامريكية الجديدة، فدعاها الى التوحد على اساس برنامج (عملي)، يقلل من التركيز على الإبادة الجماعية في دارفور، ويتبني الإنخراط مع المؤتمر الوطني – وخصوصا مع الرئيس البشير- بهدف تنظيم الانتخابات في مواعيدها، وبالتالي تنفيذ الاستفتاء لفصل الجنوب! هكذا وردت بالحرف في المقالة (استفتاء فصل الجنوب وليس تقرير المصير)! مما يعني بأن الهدف الاستراتيجي الاول, والذي يجب ان تخضع له بقية الأهداف الاخرى، انما هو فصل الجنوب!!
    وغني عن القول ان أفضل اطار لدفع الجنوبيين للتصويت لصالح الانفصال انما غياب المركز الجاذب – أى غياب الديمقراطية والإنتخابات الحرة النزيهة!!
    * وإذ تتبنى السياسة الجديدة مطالب (المحاسبة) و(دعم الجهود الدولية) لمحاكمة مجرمي الحرب في دارفور، فانها تسعى الى استرضاء التيار الاول في الادارة الامريكية، وبالتالي جماعات حقوق الانسان التي تقف خلفه، ولكنها في ذات الوقت تميّع لحدود معينة (المحاسبة) , فبدلا من النص صراحة على دعم المحكمة الجنائية تتحدث السياسة عن (دعم الجهود الدولية) دون تحديد! ثم تستبعد من اجندتها الديمقراطية والتحول الديمقراطي والإصلاح القضائي وسيادة حكم القانون! ثم تتحدث عن الانتخابات (ذات المصداقية) بدلا عن الانتخابات (الحرة النزيهة)! وذلك كي تركز على (الاستفتاء) وعلى (حل القضايا الاقتصادية والسياسية لما بعد2011م)! بما في ذلك حل قضايا اقتسام الثروة ما بعد 2011م! مما يعني بأن السياسة الجديدة تضع فصل الجنوب، كهدف استراتيجي ذي اسبقية، يعلو على كل الاهداف الاخرى، بما في ذلك مكافحة الارهاب! وبالتالي فان (المحاسبة) و(الانتخابات ذات المصداقية) انما العقوبات والحوافز المشار اليها لتحقيق الهدف الاستراتيجي!!
    * وعلى كلٍ فان فصلاً مخمليا- سلساً وسلمياً- للجنوب، ضمن المعطيات الراهنة، انما وهم محض !! وهم، لأن الانظمة الاستبدادية التي لاتسمح بحرية التعبير لايمكن ان تسمح بداهة بحرية تقرير المصير!
    ثم ان الصفقة المشؤومة التي يجري الاعداد لها – صفقة إنتخابات (ذات مصداقية)! اي ضمان السلطة! في مقابل السماح بتقسيم السودان- صفقة وهمية لكلا الطرفين- للإنقاذ والإدارة الامريكية! وذلك لعدة أسباب، أبرزها، أن الانقاذ الحالية، تستمد مشروعيتها الاساسية من رضا القوات المسلحة – حتى ولو كان رضىً سلبياً-، وما من حاكم يقود الى تمزيق السودان يستطيع ان يراهن على استمرارية هذه المشروعية! وكذلك فان اية ادارة امريكية، عاجلاً او آجلاً، سترضخ لضغوط جماعات حقوق الانسان الامريكية والدولية الداعية الى المحاسبة عن جرائم الحرب في دارفور! مما يعني بأن أية صفقة تتجاوز (المحاسبة) إنما صفقة تاكتيكية ومؤقتة!! واذن فما الداعي لها؟!
    ولأن السودان – ليس مثل تشيكوسلوفاكيا- فان (القضايا الاقتصادية والسياسية لما بعد2011م) لن ترسم بالتفاوض المخملي، وانما سترسم بالدم! مما يعني بأن الاوضاع الراهنة ستقود حتما الى الحرب، والى تداعياتها الكارثية، من احتمال انزلاق البلاد الى حالة من الفوضى وعدم القابلية للحكم، وبالتالي الى ملاذ آمن للارهابيين في العالم!!.. ألا فليحفظ الله تعالي السودان!
    …………………….
    نجيلة

    الشعب كأضحية!

    October 30, 2010 · 1 تعليق  

    الحاج وراق :
    * تتهيأ البلاد لعيد الأضحى، ويتهيأ المجلس الوطني لإجازة الميزانية الجديدة، ورغم ما يبدو من تباعد فإن بين الأمرين علاقة وطيدة – علاقة الذبح والقربان! وإذا كان القربان في عيد الأضحى بذبح الحيوان فداء للإنسان، فإن ميزانية الإنقاذ – غير المساءلة أمام شعبها- وكما درجت في ممارستها طيلة السنوات السابقة- تضحي بالشعب لأجل مصالحها- مصالحها في الصرف السياسي والآيديولوجي والدعائي، وفي الصرف على الأمن والدفاع، بما لا يتسق مع الصرف الشحيح على التنمية المتوازنة وعلى الصحة والتعليم والرعاية الإجتماعية- بما يعني أن الإنقاذ، مثلها مثل كل استبداد، تستعيد طقوس ما قبل الإسلام والأديان التوحيدية الأخرى، بتقديم البشر قرباناً للآلهة الزائفة! وكما كان الفراعنة، حين تشح واردات النيل، يقدمون النساء قرباناً لما يزعمون انه إرضاء للآلهة الغاضبة، كذلك فعل الأمويون، في تراثنا العربي الإسلامي، وإن بتبريرات وصياغات مختلفة، قال الحاكم الأموي، على منبر عيد الاضحي، اذهبوا ضحوا ضحاياكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم! واحد من آلاف ضحايا الاستبداد، من الذين أزهقت أرواحهم بدعاوى شبيهة بالدعاوى الحاضرة- الحفاظ على (بيضة الدين)! أو على الثوابت! وفي السابق كما في الحاضر فإن الثابت المعني ليس العقيدة وإنما الغنيمة!!
    وميزانيات الإنقاذ إنما أفعال ذبح تسفك الدماء، وهي الجذور الحقيقية- كما يقول المفكر الإقتصادي محمد ابراهيم كبج- للحروبات التي عصفت وتعصف بمناطق القطاع التقليدي- او مناطق الهامش- وكذلك خلف الحروب الاخرى الصامتة على العاملين والفقراء في كل انحاء البلاد، وخلف تدهور مستوى معيشة غالبية السودانيين، والسبب الرئيسي وراء تفسخ النسيج القيمي والأخلاقي وتفشي سلوكيات التكسب والأنانية الطفيلية والتسول والدعارة. إنها بمثابة الدود الطفيلي الذي ينهش في كامل الجسد السوداني!
    * وهذه المرة، على خلاف ميزانية2009م، فإننا نُذبح وعيوننا مفتوحة، أقلّه لنا حق العويل والبكاء! أما الميزانية السابقة، فقد أجيزت، ليس فقط في غياب مساءلة من قبل ممثلين حقيقيين للشعب وإنما كذلك بعيداً عن الرأي العام، حيث أجيزت إبان الرقابة الأمنية المباشرة على الصحف – وقد قررت الرقابة حينها منع كل التعليقات (السالبة”!”) عن الميزانية! والسبب كما يتضح لاحقاً، من خلال الأرقام المنشورة أدناه، أنها مثلها مثل سابق ميزانيات الإنقاذ, تضحي بأسبقيات الشعب لصالح أسبقيات السلطة. ويصلح فضح تلك الميزانية- الذي لم يتوفر سابقاً-نذيراً مبكراً للميزانية الجديدة، التي تجري مناقشتها الآن في المجلس الوطني. ولعل هذا الإنذار يحفز نواب الحركة الشعبية والتجمع الوطني الديمقراطي لإتخاذ مواقف أكثر تأثيراً، رغم أننا نفهم محدودية الإطار المتاح لهم ضمن مجلس وطني تسيطر عليه اغلبية الإنقاذ.. وفي الحدود الدنيا، فإن تتفرس في سكينة الذبح بعيون مفتوحة، وتصيح، افضل من أن تستسلم صامتاً بعيون مغمضة..!
    * وميزانية2009م ميزانية حرب بإمتياز, رغم الإعلان اللفظي، بأننا نستظل بالسلام (الشامل)! فإجمالي اعتمادات الصرف على قطاع الدفاع والأمن والشرطة(5.770.002.332) مليون جنيه أي بلغة الأرقام القديمة أكثر من 5 تريليون جنيه ! وإجمالي الصرف على الأجهزة السيادية (886.929.362) أي بالجنيه القديم اكثر من ثمانمائة مليار! هذا بينما اجمالي الصرف على قطاع الصحة (451.938.996) واجمالي الصرف على قطاع التعليم (501.795.343)!
    ومن ميزانية الدفاع والامن فإن ميزانية جهاز الأمن والمخابرات وحده (1.010.047.000) اي أعلى من اجمالي الصرف على قطاعي التعليم والصحة معا!
    *وتتضح الطبيعة الإجتماعية للميزانية بإعتبارها ميزانية معادية للفقراء، بمقارنة ميزانية القصر الجمهوري البالغة (235.152.234)- أي 235 مليون جنيه (بالجديد) و235 مليار جنيه بالقديم- مقارنتها بميزانية دعم العلاج بالمستشفيات 18 مليوناً! ودعم الأدوية المنقذة للحياة 57.5 مليوناً! ودعم العلاج بالحوادث19 مليوناً! ومشروع توطين العلاج بالداخل4.1 مليون! بل وميزانية الصندوق القومي لدعم الطلاب83 مليوناً! اي أن مجموع ميزانية غالبية بنود المنافع الإجتماعية لكل الشعب السوداني يساوي184 مليوناً وهو أقل بكثير من ميزانية القصر الجمهوري وحده!! وهذه ذات مفارقة ميزانية عام2005م عام السلام (!)- حيث خصص وقتها لكهرباء الفيلل الرئاسية- كما اوضح الاستاذ كبج- 659 مليون دينار وقد قفزت في التنفذ الفعلي للميزانية 1.3 مليار دينار! وكذلك خصص للمدينة الرياضية300 مليون دينار صرفت كلها بنسبة100% في التنفيذ الفعلي. هذا في حين خصص لتنمية المراعي في القطاع التقليدي- حيث يعيش غالبية سكان البلاد – فقط300 مليون دينار وقد تقلصت في التنفيذ الفعلي الى 100 مليون دينار! بما يعني ان تنمية المراعي- والتي يشكل غيابها المصدر الرئيسي للنزاعات والاصطدامات في مناطق الهامش- قد صرف عليها حوالي10% مما صرف على كهرباء الفيلل الرئاسية!!
    وتؤكد ارقام عديدة في ميزانية 2009م مواصلة ذات المسار السابق فميزانية القصر الجمهوري 235 مليون جنيه (235 مليار بالجنيه القديم) وهي تزيد عن ميزانية رئاسة وزارة الصحة 122 مليون، وعن وزارة التربية والتعليم العام (31مليوناً) ، وعن وزارة الرعاية والتنمية الاجتماعية 6ملايين (مع حذف الكسور). وتقارب ميزانية القصر ميزانية وزارة التعليم العالي بكل جامعاتها والبالغة272 مليوناً!
    وفي ذات الميزانية خصص مبلغ 5 ملايين كميزانية تنمية للقصر الرئاسي، كما خصص 121 مليوناً لإعادة تأهيل مباني وزارة الدفاع، هذا بينما خصص لجملة مشروعات المياه القومية 2.5 مليون (نصف القصر الرئاسي!)، وخصص لجملة مشروعات الملاحة النهرية (التي يفترض ان تربط ضمن ما تربط الشمال بالجنوب- لمصلحة المواطن الجنوبي، والتجار الشماليين، دع عنك مصلحة البناء الوطني والوحدة الجاذبة!) خصص لها فقط8 ملايين! وخصص لجملة مشروعات الصحة65.8 مليون وجملة مشروعات التعليم العالي(39.5) مليون ولجملة مشروعات تنمية القطاع المطري8 ملايين! (حيث النزاعات ونصف سكان السودان)!! بما يعني ان ميزانية القصرالجمهوري، وكذلك اعادة تأهيل مباني وزارة الدفاع، كليهما، يفوقان ميزانية مشاريع المياه والصحة والتعليم العالي والملاحة النهرية وتنمية القطاع المطري، كلها مجتمعة!!
    * وكذلك الميزانية ميزانية آيديولوجية بامتياز, لأن (الذبح) يحتاج الى (تهليل)، فان الميزانية تصرف على الاجهزة التي تلبي مصالح الانقاذ الآيديولوجية اكثر مما تصرف على الانشطة والاجهزة التي تلبي مصالح المجاميع الواسعة من السودانيين. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فان تذاكر السفر للخارج تساوي20 مليوناً (أي 20 ملياراً بالجنيه القديم) والحوافز التي تصرف بموافقة الوزير20 مليوناً (أي المجموع 40 مليوناً) بينما جملة ما تلتزم به الحكومة نحو التأمين الصحي 45 مليوناً!!
    وميزانية هيئة تزكية المجتمع 598 مليون جنيه (بالقديم، مع حذف الكسور) هذا بينما ميزانية المجلس القومي لرعاية الطفولة فقط552 مليون جنيه (بالقديم)!
    وميزانية منظمة رعاية الطلاب الوافدين- ويبدو انها احد نوافذ العلاقة مع الحركات الاسلامية في الخارج، ومهما تكن فهدفها الآيديولوجي واضح- ميزانيتها (1.292.740) ومركز تدريب الطلاب الوافدين (381.840) هذا من مال الشعب السوداني الفقير، بينما ميزانية تحسين الحصول على المياه في المناطق شبه القاحلة(1.00) وميزانية تنمية معامل ضبط الجودة للمياه (1.5) اقل من ميزانية منظمة رعاية الطلاب الوافدين!!
    وخصصت الميزانية لرئاسة مجلس الوزراء (24.613.665) اي بالجنيه القديم 24 ملياراً، بينما خصصت لدعم العلاج بالمستشفيات18 ملياراً ودعم العلاج بالحوادث19 ملياراً!!
    وخُصص لمجمع الفقه الاسلامي (1.288.000) بينما خصص لبنك الدم القومي المركزي –في بلاد تهددها الاوبئة والايدز والحروبات- فقط(180.000) ولمصلحة الملاحة النهرية ( في حكومة الوحدة الوطنية الجاذبة!) فقط (632.340)! فهل يجوز دام فضلكم ان تقبضوا على (فقهكم) اكثر مما تقبض مصلحة الملاحة النهرية، في بلاد وحدتها على المحك؟ افتونا يرحمكم الله تعالى؟!
    وتأخذ الامانة العامة لمجلس الاعلام الخارجي (2.175.800)! اي اكثر مما تأخذه مصلحة الملاحة النهرية وتنمية معامل ضبط جودة المياه!!
    * وهكذا، اذا كانت السياسة، بهذا القدر أو ذاك من التعقيد، تصلح مرآة للاقتصاد والمجتمع، فكذلك ميزانيات الانقاذ، تدعو للإعتقاد بأن شعار شباب وطلاب المؤتمر الوطني، والذي وزعوه في ملصقات إبان بدايات أزمة المحكمة الجنائية، والقائل:(40مليون فداك يا البشير)، وربما قيل للمبالغة في إظهار مؤازرة قطاعات من الشعب السوداني للانقاذ ورئيسها،إلا أن الشعار مع ذلك, يُلخّص بصورة رمزية جملة السياسات الاقتصادية والإجتماعية للإنقاذ!!
    ……………………..
    نجيلة

    بعض ما لا يعرفه أهل الوسط!

    October 30, 2010 · 8 تعليقات  

    الحاج وراق :

    اطلق تشرشل (رئيس الوزراء البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية) وصف (الستار الحديدي) على اوضاع تقييد الحريات, خصوصاَ حرية تدفق المعلومات، التي فرضها النظام الستاليني على الاتحاد السوفيتي وشرق اوروبا. ومن حينها، ظل هذا المصطلح- لصدقه في وصف الأوضاع القائمة في ذلك الجانب، ولطابعه الأدبي- أحد أهم مصطلحات وأسلحة الحرب الباردة بين المعسكرين – الغربي والشرقي. ولاحقا، بعد انتصار الشيوعية الستالينية في عدد من البلدان الآسيوية، وعلى ذات منوال تشرشل، صك أحد المختصين مصطلح (ستار الخيزران) ليصف اوضاع تلك البلدان.
    وفي بلادنا، حيث يسود نظام شمولي شبيه، ومنذ انفجار الأوضاع في دارفور عام2001م, وخصوصاً بعد تفاقمها منذ فبراير 2003، فرضت الأجهزة الأمنية رقابة مشددة على كل ما ينشر عن دارفور، وآخذين في الاعتبار الطبيعة الايديولوجية للنظام، يمكن القول بأن الانقاذ قد ضربت منذ ذاك الحين (نقاباً)- ستاراً من النقاب- للتغطية على الأزمة الإنسانية هناك، وعلى حرب من أسوأ الحروب فظاعة ووحشية، حيث القتل العشوائي، وحرق القرى، والقاء الاطفال في النيران المشتعلة، واغتصاب النساء- بما في ذلك العجزة والفتيات الصغيرات، وقطع الاشجار ودفن الآبار وتسميمها، اي التغطية على ما اصطلح على تسميته بحرب الجنجويد- او العفاريت المنفلتة، عن اي عقال، سواء دينياً او انسانياً او اخلاقياً او قانونياً.
    وفي حين تصدرت اخبار الفظائع في دارفور شاشات التلفزيون وصحف العالم المختلفة، فإن الرأي العام في البلاد، خصوصاً في الوسط، ظل جاهلاً بما يجري هناك، مما اتاح للإنقاذ، حتى بعد ازدياد الإهتمام الدولي وصدور قرارات من مجلس الأمن الدولي، مما جعل من المستحيل استمرار التغطية بالكامل على ما يجري في دارفور، الا ان عدم المعرفة الملموسة والحية بوقائع ماجرى لدى الرأي العام في الوسط، اتاح للإنقاذ مواصلة نهجها في التغطية والتبرير، ولكن بأسلوب جديد، فطورت ما اسمته بالمؤامرة الصليبية الصهيونية، كنقاب ايديولوجي، ينكر ما جري او يهوّن من حجمه ودلالاته، وبالتالي يعفي الانقاذ من أية مسئولية اخلاقية او انسانية او قانونية تجاه الضحايا، بل وبالركون الى تفسير (المؤامرة) فأن ضحايا دارفور يتحولون الى مجرمين,و بدلاً من التعاطف,  يجدون الإدانة والتشنيع!!
    * وقد تأكدت شخصياً، بتجربة مباشرة، من كذب الدعاية الحكومية، حين زرت، ضمن وفد ملتقى منظمات المجتمع المدني، معسكرات النازحين في عام2005م، وقد حاول عدد من الرسميين الذين يتولون ادارة العون الانساني، كما يفعلون عادة مع الوفود الزائرة من الداخل والخارج، ان يقيدوا مصادر معلوماتنا وحصرها في سماع الروايات المرغوبة لدى الحكومة، بعزلنا عن الضحايا، او اعطائنا تبريرات زائفة, كمثل الادعاء بأن الضحايا لايفهمون معنى كلمة (اغتصاب) ويقصدون بها (غصب)- أي القسر والإكراه! ولكن شاءت الاقدار ان يتمكن الوفد من لقاء النازحين في معسكري (كُلما) و(عطاش)، وسماع مآسيهم التى تقطع نياط القلب. ولا أزال اذكر احد النازحين من منطقة شطايا، يحكي والدموع تطفر من عينيه، ان الجنجويد بعد ان احرقوا قريتهم، اسروا الرجال وقيدوهم جميعا- بمن فيهم هو-، ثم بدأوا في اغتصاب النساء, فاغتصبوا ابنته امام عينيه! وبعد ان اكملوا فعلتهم الدنيئة قذفوا نحوه بعملة معدنية، قائلين:(خذ لأننا وجدناها فتاة)- يعنون بأنها عذراء!! وللدقة فقد استخدم الرجل لفظة (ركبوا) بدلا من (اغتصبوا)، فألجم الكذابين الذين يريدون انكار الفظائع بالتلاعب بالمفردات.
    * ومن الوقائع الصلدة التي لا يمكن التغطية عليها او انكارها، حجم المتأثرين بكارثة دارفور، حيث تشرد 1.65 (مليون وستمائة وخمسون الف نازح داخليا) و203 آلاف لاجئ في معسكرات تشاد، اضافة الى 627 ألف متأثر بالصراع بطرق أخرى, أي أن المجموع يصل الى 2.6 مليون شخص، يشكلون ثلث سكان دارفور! (لاحظ ان الارقام تعود الى عام2006م، ومن حينها ازدادت اعداد المتأثرين!) واذا كان مجموع سكان السودان40 مليوناً فإن الكارثة الانسانية في دارفور – بالارقام المتواضعة لعام2006- قد طالت شخصاً واحداً على الاقل من بين كل عشرين سودانياً!!
    * وكذلك من الحقائق الصلدة التي لايتطرق اليها الشك تدمير600 قرية-على الاقل- تدميراً كاملاً! وتؤكد ذلك صور الأقمار الصناعية! بينما دُمّر جزئياً عدد اضافي يتراوح بين100-200قرية! وحصلت لجنة التحقيق الدولية على معلومات مفادها ان الشرطة السودانية قد وضعت تقديراً للدمار وسجلت عدد القرى المدمرة فبلغ اكثر من2000 قرية! وتفيد مصادر الحركات المسلحة بأن عدد القرى المدمرة- كلياً او جزئياً- يصل الى 4000قرية!!
    * وكذلك من الحقائق فقد آلاف الارواح, وقد صرح وزير الخارجية حينها- د.مصطفي عثمان اسماعيل- بأن القتلى حوالي5 آلاف شخص، بينما صرح لاحقا المشير البشير بأنهم حوالي10آلاف قتيل! هذا بينما تقدرهم لجنة التحقيق الدولية بـ70 ألف شخص- وقتها كانت العمليات لاتزال على حدتها، مما يشير الى وقوع ضحايا آخرين بعد ذلك، وتقدر منظمات حقوق الانسان القتلي بـ200ألف بينما تقدرهم حركات دارفور بـ500ألف. وعلى كلٍّ, في الحدود الدنيا، أي 10آلاف شخص، فان ضحايا مجزرة دارفور يفوقون ضحايا الاجتياح الاسرائيلي لقطاع غزة، بما يزيد عن اربعة اضعاف!
    *وبالإنطلاق من الحقائق الصلدة، التي لايتطرق اليها الشك، اي حقائق مثل تشريد ثلث سكان دارفور، يمكن استنتاج حجم الفظائع التي دفعت بملايين الناس الى ترك قراهم والبحث عن الامان في معسكرات النازحين واللاجئين! فإما أن هؤلاء قد تعرضوا لعمليات ترويع واسعة- كما تؤكد شهادات الضحايا والوقائع على الارض (كحرق القرة) والتقارير المستقلة، او الاحتمال الثاني-كما تزعم الانقاذ- ان هؤلاء الملايين – دون أي اسباب عقلانية- قد قرروا الهروب بشكل جماعي من سكناهم، تاركين اراضيهم وممتلكاتهم ومستعيضين عنها بمذلة النزوح واللجوء!! مما يعني ان التفسير الوحيد المقبول لمثل هذا السلوك ان هؤلاء جميعا ً من المجانين! ولنفترض ذلك جدلاً، فيظل السؤال، ما الذي يدفع ملايين الناس الى الجنون؟! مما يحيل من جديد الى طبيعة النظام الذي يدفع واحداً من كل عشرين سودانياً الى الجنون!! وهكذا فان المغالطات والإنكار، لا يُجديان، والحقيقة التي تحاول الانقاذ ضرب (النقاب) عليها، ان ملايين الناس في دارفور قد واجهوا حرباً من نوع جديد – حرباً بلا تمييز، اي بلا عقل، فلا تمييز بين المقاتل والمدني، ولا بين المقاتلين وبين العجزة والنساء والأطفال، ولا تمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، ولا تمييز بين الوسائل ولا مع تناسبها مع الغايات- كل شئ مباح!
    حرب بلا عقل،وكذلك بلا قلب، فلا تحدها أية قيم أو اعراف او اخلاق او اعتبارات دينية او قانونية – حرب الجنجويد- حرب اظلام العقل والوجدان!
    * وقد توفرت لجنة التحقيق الدولية على دراسة ماجرى في دارفور، فقابلت الشهود، وحققت بواسطة خبراء واطباء شرعيين، وقابلت المسؤولين الحكوميين ووزنت شهاداتهم، ثم خلصت الى تقريرها، الذي يثبت الكثير من الوقائع التي تخزّ وجدان كل شريف، وأذكر أدناه بعضاً منها، حتى يكون الرأي العام في الوسط، على بينة من حقيقة ما جرى هنالك.
    * (… ارتكب الجنجويد خلال الهجمات عمليات قتل متعددة، وقد تحققت اللجنة من حوادث عديدة من هذا النوع، فقد ادى هجوم وقع في موللي بغرب دارفور في ابريل 2003م الى وفاة 63 شخصاً، من بينهم طفلة في السابعة من عمرها. وقد دفن الموتي في ثماني مقابر جماعية بمنطقة سوق القرية. ولاحظت اللجنة أمراً هاماً، هو ان الحادث قد ابلغ الى الشرطة  وان سبعة اشخاص قد اعتقلوا واحتجزوا ثم اطلق سراحهم بعد ذلك بثلاثة اشهر..)!
    *(… وهاجم الجنجويد والقوات الحكومية في ديسمبر2003م قرية نوري القريبة من بلدة مواني بغرب دارفور وهذا الهجوم سانده غطاء بطائرات الهيلكوبتر وقد قتل67 مدنياً عندما اطلق المهاجمون النيران عليهم عمداً وبصورة عشوائية… ودخلوا المنازل وقتلوا الرجال ثم جمعوا النساء في المسجد، وكان هناك نحو10رجال مختبئين مع النساء. وقد وجد الجنجويد هؤلاء الرجال وقتلوهم داخل المسجد. ثم ارغموا النساء على خلع المكسي (وهو ثوب سابغ يغطي اجسادهن بأكملها) فاذا وجدوهن يخفين اولادهن الصغار تحت تلك الثياب, قاموا بقتل الصبية..)!
    *(…. واستطاعت اللجنة ان تجد عناصر مختلفة تثبت روايات الشهود وتؤكد حدوث عمليات القتل الجماعي للمدنيين على أيدي القوات الحكومية والمليشيات، وعلى سبيل المثال، زارت اللجنة قرية كيلك في جنوب دارفور، التي يسكنها أساسا أناس ينتمون الى قبيلة الفور، وتأكدت مما قاله شهود العيان للجنة. وهذه الحالة لا تصور فحسب حدوث عمليات قتل المدنيين بأعداد كبيرة، بل تصور أيضا عمليات الاحتجاز المخالف للقانون والمصحوبة بعمليات الاعدام العاجلة والاغتصاب وغير ذلك من التجاوزات .. وخلال الهجوم الاول المبين في الفرع السابق، دمرت تسع قرى حول بلدة شطايا، وقتل85 شخصاً، من بينهم خمس نساء وثلاثة اطفال، وبعد الهجوم توجه سكان المنطقة بأكملهم الى كيلك وكان الجنجويد لا يزالون موجودين في القرى المحيطة، وكل من حاول العودة الى هذه القريى تعرض للهجوم، وقتل البعض منهم. وعثرت اللجنة على عناصر تؤكد صحة التقارير القائلة بان 28 رجلأ أعزل حاولوا الإستسلام في مركز كيلك قد قتلوا باطلاق الرصاص عليهم جميعا- ولم ينج منهم سوى رجل واحد…
    ووقع هجوم ثاني في مارس2004م… وقد اطلقت النيران على كل الناس عندما اضطروا وقد عانوا من العطش الى مغادرة مخابئهم للذهاب الى نقاط المياه، وهناك تقارير متسقة تفيد بان بعض الذين ألقي القبض عليهم وبعض الذين استسلموا للجنجويد قد اطلق عليهم الرصاص فوراً وقتلوا . وزعمت امرأة انها فقدت17 شخصاً من افراد اسرتها في الجبل، وقد اطلق الجنجويد نيرانهم على شقيقتها وطفلها من مسافة قريبة. اما من استسلموا او عادوا الى كيلك فقد احتجزوا في ساحة صغيرة مكشوفة رغم ارادتهم لفترة طويلة (ربما لاكثر من خمسين يوما). وتعرض كثيرون لأفظع صور المعاملة، وأعدم الكثيرون منهم بصورة عاجلة. فنودي على الرجال الذين احتجزوا في كيلك واطلق الرصاص عليهم امام اعين الجميع او نقلوا بعيدا حيث اطلق الرصاص عليهم… وهناك تقارير تفيد بأن أناساً قد ألقي بهم في النار ليموتوا حرقاً. وهناك تقارير تفيد بأن أناسا قد سلخت جلودهم سلخا جزئياً، او أًحدثت بهم اصابات بطرق أخرى وتركوا ليموتوا.)!!
    وأواصل بإذنه تعالى..

    (بغم): مسخرة أم مخرج؟!

    October 30, 2010 · 1 تعليق  

    الحاج وراق :
    *(مافي زول يقول بغم: يعني يفتح فمه بكلمة. والبغام في العربية الفصحى صوت الظبية). [عون الشريف: قاموس اللهجة العامية]… أخيراً، وبعد رفع الرقابة الأمنية المباشرة على الصحف، توفرت الآن إمكانية قول (بغم)! ولكن لاتزال حرية التعبير هدفاً بعيد المنال، فالإذاعة والتلفزيون، الأكثر تأثيراً, لايزالان تحت السيطرة الآحادية المطلقة للمؤتمر الوطني. وكذلك فإن الصحف، سواء بالوسائل (القانونية)، كالجرجرة في المحاكم أو عبر الإجراءات المقصودة في ذاتها للتخويف والإخراس، أو عبر وسائل التأثير غير المباشرة، كالإعلان والضرائب، والتهديد في دعوات رؤساء التحرير، والإتصالات التلفزيونية، يتم إعادة تلوين الخطوط الحمراء، وإحلال الرقيب الأمني المباشر من لحم ودم، برقيب أمني عام، من المخاوف والمحاذير! والأخير اكثر خطورة، لأنه يحتل الضمائر والعقول!!
    ولولا الشره الإحتكاري، فإن الإنقاذ كنظام، لم تكن تحتاج اصلاً للرقابة الأمنية المباشرة، فقد جعلتنا جميعاً, بآليات معقدة ومتنوعة للسيطرة والتحكم، نلعب في ملعبها وبقواعدها التي أشترطتها للعبتها! وما يسمى بالتفلتات التي تظهر هنا وهناك، بما في ذلك اكثر المقالات عمقاً ونفاذاً، تظل مجرد إستثناءات، قد تهدد مربع السيطرة والتحكم، ولكنها، ضمن الشروط القائمة حالياً لا تستطيع كسره! ونقتنع بغير ذلك، أي بإنفتاح مربع السيطرة حقاً، حين نشاهد في الصحف صوراً وتحقيقات ملموسة عن ضحايا الإغتصاب في دارفور، أو تحقيقات عن عوائد وتعاقدات النفط، أو عن ملفات الرشاوي وفساد الخدمة العامة التي تطال (التماسيح) الكبيرة وليس صغار الأسماك، أو غيرها من ملفات (الحرم) و(المقدسات) التي تحرسها الإنقاذ بدعوى الخطوط الحمراء, وقد لونتها وحدها وبصورة إنفرادية وتحكمية!
    وشكراً لمؤتمر جوبا، على إمكانية (البغم) الحالية، حيث رفعت الرقابة الأمنية المباشرة، لسببين متعلقين بالمؤتمر، اولهما لتجريده من التطرق لقضية بديهية وواضحة، وثانيهما، وهو الأهم، أن إجتماع غالبية القوى السياسية الأساسية هناك يحمل في طياته إحتمال تبلور إجماع سياسي بمقاطعة الإنتخابات التي تعد لها الإنقاذ، والرقابة الأمنية تصلح دليلاً دامغاً لتأسيس مثل هذا الموقف! ولهذا فقد رفعت الرقابة في يوم الإنعقاد الأول للمؤتمر!!
    * والإنتخابات القادمة، ولعلاقتها ليس فقط بالرقابة الأمنية، وإنما بمجمل مصائر البلاد، تستحق أن تشكل قضية التداول الأولى في البلاد حالياً. ولهذا فقد رأيت أن أبدأ بها في هذه (البغم)، خصوصاً وأن إمكانية (البغم) نفسها، وكما تشير التوقعات، قد لا تستمر كثيراً!
    * وتندفع الإنقاذ في الإعداد للإنتخابات لأنها تريد (شرعنة) المشير البشير في مواجهة المحكمة الجنائية الدولية، اي تريد القول بأن الرئيس الملاحق من المحكمة يتمتع بتأييد الغالبية الساحقة من السودانيين. ولهذا السبب عينه فإن الإنتخابات تتحول إلى (مسخرة)، لأنها تتحول إلى معركة (صفرية)، معركة حياة أو موت، فإذا خسر المشير البشير فإنه لا يخسر مجرد معركة انتخابية وإنما يخسر معركة وجود! هذا في حين أن الإنتخابات الديمقراطية إنما تشكل نقيض ذلك، ففي الديمقراطية فائزون وخاسرون، ولكن ما من طرف يخسر أصل وجوده! وفي هذا يكمن السبب في أن الخاسر يرتضي هزيمته في النظام الديمقراطي، لأنه إذ يخسر معركة، فإنه يحتفظ بوجوده وبإمكان إنتصاره في المعارك اللاحقة. ولكن، الإنتخابات القادمة، وبحكم كونها معركة وجود، فإنها لا يمكن أن تكون انتخابات ديمقراطية! فالإنقاذ ليس من السماحة بحيث ترهن مصائر وجودها على صناديق الإقتراع! ومن يشك في ذلك فليتأمل في إنتخابات أقل شأناً وأهمية، كإنتخابات اتحادات الطلاب والصحفيين، التي لم تتورع اجهزة الإنقاذ عن التلاعب بها، فكيف إذن يكون حالها تجاه إنتخابات لا تتعلق بالتاج وحسب، وإنما بالرأس نفسه؟!
    * والآن، قبل أربعة أشهر فقط على عملية التصويت، وقبل أيام معدودات على عملية التسجيل، التي تشكل جزءً من العملية الإنتخابية، فإن البلاد لاتتوفر فيها الحدود الدنيا من شروط الإنتخابات الحرة النزيهة. وأبرز هذه الشروط ثلاثة، أولها حرية التعبير، ويكفي كدليل على عدم توفرها سماع اي نشرة اخبار في الاذاعة او التلفزيون.! وثاني الشروط حيدة اجهزة الخدمة العامة، وثالثها سيادة حكم القانون واستقلال القضاء. وأما وضع الخدمة العامة، فما من سوداني واحد لا يعرف بأن الإنقاذ قد اختطفت الدولة السودانية وحولتها من دولة وطن إلى دولة حزب (وطني)! وأما عنوان أوضاع القضاء فحكم المحكمة الدستورية – اعلى المراجع القضائية في البلاد – بدستورية الرقابة الأمنية على الصحف!! مع العلم بأن الدستور ينص صراحة على كفالة حقوق الإنسان وفق المواثيق الدولية وعلى كفالة حرية التعبير كما في مجتمع ديمقراطي سليم! وما من عاقل يمكن أن يحاجج بنزاهة بأن المعايير الدولية لحقوق الإنسان تتضمن أو تقبل الرقابة الأمنية على الصحف!!
    * وقد سبق وشرعت الإنقاذ في التلاعب بنتيجة الإنتخابات القادمة بطبخ نتائج الإحصاء السكاني! فبحسب هذا الإحصاء فإن هيا وسواكن اكثر سكاناً من بورتسودان! والجنوبيون في العاصمة اقل من 400 ألف! إنها إحصاءات، كما قال احد قيادات الحركة الشعبية، تعبر عن نكتة سخيفة! وسيتم استكمال التلاعب بتسخير جهاز الدولة وشراء الذمم، بل وبإستخدام البلطجة والعصابات الفاشستية!! وقد بدأ منذ الآن تحريك هذه العصابات كما حدث في الجريف غرب!!
    إذن فالإنقاذ لا تريد إنتخابات ديمقراطية وإنما (مسخرة) إنتخابية! والمأساة الملهاة إنها إذ تندفع في تنظيم مسخرتها، فإنها تتجاهل حقيقة أن مثل هذه المسخرة لن تحقق أياً من اهدافها, ذلك أن إنتخابات غير حرة وغير نزيهة لن تمنح أي (شرعية) لا في الداخل ولا في الخارج!
    * والأخطر أن هذه (المسخرة)، وبنتيجتها المعروفة سلفاً، ستشكل احد أسباب تمزيق السودان! ففي تقرير المصير، الذي يعقب الإنتخابات، ما من جنوبي عاقل يمكن أن يصوت للوحدة الوطنية مع شمال يُلاحق رأس دولته من العدالة الدولية، بما يعني العزلة من المجتمع الدولي، وبالتالي الحرمان من الإعانات والقروض والإستثمارات!!
    * ويدعي بعض المهرجين بأن إنفصال الجنوب لا يعني شيئاً، ولكن بعيداً عن التهريج فإنه يعني الكثير – يعني الإضطراب الأمني والسياسي في (سُرّة) افريقيا، بما يتعدى بآثاره إلى أكثر من 200 مليون شخص! ويعني خسران بلاد كبيرة متعددة الموارد البشرية والمادية. ثم يعني الأثر الكارثي والمُعدي على جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور، بل والشرق! ولمن لا ينظرون أبعد من أرنبة انوفهم يعني الإنفصال خسارة زيت النفط، وهو أساس (تزييت) ماكينة الدولة، بما في ذلك (تروس) اجهزة (الشوكة!)، بل وتزييت (حلاقيم) المهرجين انفسهم!
    وفي غياب مؤسسات مرجعية يمكن الإحتكام إليها، فإن المسخرة القادمة، في حال خوضها من قبل قوى سياسية مؤثرة، ومن ثم التلاعب بنتائجها، فغالباً ما تخرج المعترضين إلى الشوارع، مما يؤدي إما إلى انتفاضة شعبية تسقط النظام، وهذا إحتمال لا ترجحه توازنات القوى القائمة حالياً، رغم أنه إحتمال قد ينضج لاحقاً، أو الإحتمال الثاني إنزلاق البلاد إلى صدامات أثنية وقبلية، قد تتطور إلى فوضى شاملة!
    ومن الناحية العملية فستكتمل فصول (المسخرة) قبل أشهر قليلة من أوان إستفتاء تقرير المصير، أي أن البلاد ستظل (ذاهلة) عن قضية وجودها ومنخرطة في (مزاد) سياسي بلا طائل!
    وتكلف (لمسخرة)، بحسب تقديرات مفوضية الإنتخابات، ما يزيد عن 400 مليون دولار! ولو أنها إنتخابات حرة ونزيهة لإستحقت كل مليم يصرف عليها، ولاستحقت كذلك دعم المجتمع الدولي، مما يخفف العبء عن خزينة البلاد المأزومة أصلاً، ولكن أن تبدد كل هذه الموارد في (مسخرة) لا تقنع حتى منظميها، وتضع البلاد على سكة الخراب، فهذا مما لايمكن أن يقبله أي عاقل!
    * وتشكل أزمة المحكمة الجنائية السبب الرئيسي وراء إندفاع الإنقاذ في هذه (المسخرة)، ولا يمكن فهم هذا الإندفاع إلا بفهم إشتعال ديناميت الإختطاف، فالإنقاذ التي اختطفت الدولة لصالح حزبها قد تم إختطافها نفسها لصالح مجموعة أو فرد واحد!! وعلى كلٍ ليس من مصلحة المشير البشير نفسه الإنتحار ونحر البلاد، ذلك أن إنتخابات زائفة، مهما علا صوت المزايدين وماسحي الجوخ، لن تقدم مخرجاً ولا أفقاً، لا للمشير البشير كشخص ولا للبلاد.
    والمخرج الأفضل والعملي للإنقاذ من أزمة المحكمة الجنائية إنما صناعة المعطيات التي تقنع مجلس الأمن الدولي، والقوى المؤثرة فيه، بإستخدام المادة (16) من نظام المحكمة، التي تتيح إرجاء أي قضية لمدة 12 شهر قابلة للتجديد إلى ما لا نهاية، ويمكن تلخيص هذه المعطيات في إنتقال البلاد إلى مربع جديد – مربع إتضحت معالمه للغالبية الساحقة من السودانيين – مربع الديمقراطية التعددية والفيدرالية الحقيقية وسيادة حكم القانون وإستقلال القضاء وإصلاح التعليم وضمان الرعاية الصحية مجاناً أو بأسعار في متناول الغالبية.. إلخ من المطالب التي يعاندها المؤتمر الوطني لأسباب لا علاقة لها بمصالح الوطن. هذا بالطبع إضافة إلى حل قضية دارفور بالإستجابة لمطالب اهل الإقليم العادلة. ومثل هذا البرنامج لن يحل ازمة المحكمة الجنائية وحسب، وإنما كذلك أزمة البلاد الشاملة والمركبة.
    والمنبر الملائم للتوصل الى مثل هذا البرنامج إنما مؤتمر حوار ديمقراطي حقيقي تشترك فيه القوى السياسية الأساسية دون ترهيب أو إبتزاز.
    فإذا وافق المؤتمر الوطني على هذا المؤتمر، وعلى نتيجته المنطقية، أي تشكيل حكومة إتحاد وطني، من القوى السياسية الأساسية، بحسب أوزانها النسبية، فإن في هذا ما يمكن أن يشكل بديلاً عن المسخرة الإنتخابية القادمة، والتي لن تفيد المؤتمر الوطني، بينما تعقد أزمات البلاد.
    وليكن واضحاً فإن توافقا يشكل مخرجاً من أزمات البلاد الشاملة لا يمكن أن يكون (توافقاً) لإعادة إنتاج النظام الشمولي! أو توافقاً للإصطفاف خلف المشير البشير في مواجهة المجتمع الدولي. إن التوافق – المخرج إنما إنتقال إلى مربع جديد، بما في ذلك الإنتقال إلى رئيس جديد آخر غير المشير البشير، يخرج السودان من عزلته الحالية والمستقبلية، ويعبئ إرادة السودانيين للبناء الوطني ولأجل كسب معركة تقرير المصير لصالح الوحدة.
    * وبالنسبة للقوى السياسية فإن حلاً توافقياً كهذا يحقق اغراضها من الإنتخابات، أي (الحريات) و (الشراكة)، إضافة إلى حل أزمة الحكم بغير أثمان باهظة!
    * هذا هو الحل العقلاني للجميع, بما في ذلك الإنقاذ، ولكن الإنقاذ لا تسمع، لأسباب ربما نتطرق لها لاحقاً، وعلى كل، في حال إستمرارها في معهودها فعلى القوى السياسية الديمقراطية ألا تشيع الأوهام والأباطيل، ولتحزم أمرها، فالأنتخابات القادمة لا يمكن بأي حال أن تكون إنتخابات حرة أو نزيهة، وهي في ذاتها لا يمكن أن تشكل أي مخرج, بل على العكس، فإنها تزيد (الفتق على الرتق) وإذا ما قامت, فإن الشعب السوداني، لا يملك حينها إلا الركون إلى أسلحته المجربة في الهبّات والإنتفاضات، رغم ما قد تجره في الظروف الحالية, من دموع ودماء!!
    ……………….
    نجيلة

    أنموذج وعنوان المرحلة!

    October 30, 2010 · 1 تعليق  

    الحاج وراق :
    * ينقل مجلس الوزراء جلساته احياناً الى خارج العاصمة، بقصد التركيز على قضية معينة، حيث تنقل الجلسات الى مدينة ذات صلة بتلك القضية، وخطوة كهذه، خلاف جدواها الحقيقية، فانها تدخل مدخل (العلاقات العامة)، وهي مطلوبة لاي سلطة، دع عنك السلطات التي يؤرقها افتقاد الشرعية! وفي آخر الإنتقالات، وللتركيز على الاستثمار، عقد مجلس الوزراء جلسته بمدينة الدمازين بتاريخ29/10، لما يمكن ان تشكله ولاية النيل الأزرق من وزن في جذب الاستثمار الزراعي، ولأهمية الاستثمار عموما، وللانقاذ خصوصا، وحسب ضرورات (العلاقات العامة) ، فقد حُشدت للجلسة كافة وسائل الاعلام- من تلفزيون واذاعة وصحف، وقد مثلت بأعلى مراجعها ومناديبها!
    في هذه الجلسة المشهودة طلب المشير البشير من وزير الزراعة د.المتعافي (تقديم تجربته الشخصية عن الاستثمار الزراعي)… والذي قال بأن لديه (10آلاف فدان و12 الف نعجة و50بقرة استطاع ان يحقق في الموسم الماضي400مليون جنيه أرباحاً..)! (صحيفة الصحافة30/10).
    * والواضح ان المشير البشير يقدم وزير زراعته كأنموذج لجدوى الإستثمار الزراعي، ولكنه إذ يفعل ذلك يغفل عن حقيقة أساسية، ان هذه الوضعية تشكل مخالفة صريحة لمطلوبات واشتراطات الوظيفة الدستورية العامة، وهذه بداهة، لأن وزير الزراعة إذ يستثمر في الزراعة فانه يدخل فيما يسمى بتضارب المصلحة، حيث لديه سلطة على الاستثمار في الزراعة، ولديه معلومات لا تتوفر لغيره، وهو الذي يصدر القرارات ذات الصلة، وما من ضمانة بألا يصدر القرارات التي تتلاءم ومصالحه الخاصة!
    ومصطلح تضارب المصلحةinterest   conflict of من المفاهيم المركزية في مفاهيم شغل الوظائف، ولذا تهتم به الدساتير والقوانين في كافة البلدان، بما في ذلك السودان، وهو من أولويات ما يجب ايضاحه وشرحه لكل موظف عمومي. وقد عرفته منظمة الشفافية العالمية بـ(الوضعية، حيث يُواجه الافراد أو الوحدات التي يعملون بها – سواء في الحكومة أو القطاع الخاص أو الاعلام او في منظمة مجتمع مدني- يُواجهون بالاختيار بين مسؤوليات ومطلوبات مواقعهم الوظيفية ومابين مصالحهم الخاصة أنفسهم).
    * وليس مصادفة إهتمام منظمة الشفافية العالمية بـ(تضارب المصلحة)، حيث يشكل أحد أهم اسباب الفساد، الذي تهتم بمكافحته، فهو يؤدي الى فساد عظيم، حين تكون لمتخذ القرار مصلحة خاصة في القرارات التي تقع تحت سلطته – حين تكون لديه (عمولة) خاصة في مشتروات مرفقه او لديه علاقات (خاصة) مع إحدي الجهات ذات الصلة، أو لديه (عمولة) عند التصرف بالبيع او الخصخصة لاحدى الوحدات تحت سلطاته، او لديه مصلحة حزبية او شخصية لارساء العطاء لهذا الشخص او ذاك، او لتوظيف هذا او ذاك في منصب ما، ويتحول الفساد الى اطار مؤسسي عام حين تختطف الدولة لصالح حزب ما، ثم وبتداعيات عملية الاختطاف نفسها، يتحول الحزب الى اشخاص، وبالتالي تُجير الدولة كلها لخدمة اشخاص بعينهم! وبالنتيجة يتحول الفساد الى اطار العيش العمومي في البلاد! وقد انتهت بلادنا الى هذه الوضعية بسبب الانقلاب (الحزبي)، ومصادرة الديمقراطية، وتركيز السلطات وانعدام الشفافية، وضعف سيادة حكم القانون، وتقييد حرية المعلومات وحرية التعبير، وبالتالي ضعف المساءلة والمحاسبة من قبل الشعب، مما جعل في النهاية (تضارب، المصلحة)، ليس انتهاكا صريحا لشروط الوظيفة العامة، وانما انموذج ملهم للاقتداء!!
    * وقد ادت هذه النتيجة، وكما المتوقع، الى تكلفة البلاد اثمانا باهظة، يمكن ملاحظتها بالمراقبة العادية- في الفيلل الناشئة، والتي تكلف الواحدة منها ما لايقل عن المليون دولار، ويملكها موظفون عموميون لو انهم ادخروا كل مداخيلهم الشرعية طيلة حياتهم لما تمكنوا من بنائها! ويسمع السودانيون في مجالسهم الخاصة عشرات القصص ,من مصادر ذات صلة مباشرة, عن قصور ألف ليلة وليلة التي بدأت تظهر في الخرطوم، عن الستائر التي تفتح بالريموت كنترول والموائد التي تتدلى رهن الاشارة واحواض السباحة التي تحاكي في مخمليتها منتجعات سويسرا، وكلها لموظفين عموميين يجمعون ما بين (الامارة) و(التجارة) او ما بات يسمى حاليا بالشطارة!… وما تعطيه الملاحظة العادية تؤكده التقارير الدولية المنهاجية والموثوقة، حيث تشير تقارير منظمة الشفافية العالمية الى ان السودان في عام2006م قد احتل موقع الدولة رقم (159) من (180) من حيث الفساد وعدمه. ومما يؤكد بأننا مندفعون بقوة في الاتجاه الخاطئ، انه في عام2007م تدهور وضع البلاد الى الدولة رقم (174), ثم تدهور ليصل في آخر الاعوام، كما اعلن الآن لحظة كتابة هذا المقال، الى الدولة رقم(176)، اي الى احد الدول الخمس الاكثر فساداً في العالم!!
    * وربما يحاجج احد الانقاذيين بان(تضارب المصلحة) من مفاهيم الغرب (الصليبية) و(الصهيونية) التى لاتقبلها الانقاذ، بسبب إلتزامها بالاصالة الاسلامية! ولكن للمفارقة،  لايمكن استخدام حتى مثل هذه الحجة المبتذلة، وذلك لان دستور السودان لعام2005م، الذي صاغته الانقاذ بنفسها، ينص في المادة(75) الفقرة(2) على الآتي:(لايجوز لرئيس الجمهورية او لأي من نائبيه او مساعديه او مستشاريه او رئيس حكومة الجنوب او الوزراء القوميين او اي من شاغلي المناصب الدستورية والتنفيذية الاخري، مزاولة اي مهنة خاصة او ممارسة اي عمل تجاري او صناعي او مالي اثناء توليهم لمناصبهم، كما لايجوز لهم تلقي اي تعويض مالي او قبول عمل من اي نوع من اي جهة غير الحكومة القومية او حكومة جنوب السودان او حكومة ولائية كيفما يكون الحال.).
    إذن ما جري في الدمازين يوم29/10 إنما انتهاك صارخ للدستور! والدكتور المتعافي، وكما هو واضح، ليس أنموذجا يحتذى وانما مرتكب لمخالفة جسيمة للدستور! وبالتالي فان المشير البشير، اذ يقبل هذه الوضعية، دع عنك ان ينوه بها كأنموذج، إنما ينتهك كذلك الدستور!
    * وربما كان المشير البشير على غير اطلاع كاف بمفهوم تضارب المصلحة وبالدستور، ولكن ان تكون كذلك الحال لدى مستشاريه الكثر، خصوصا مستشاريه القانونيين، فهذا مما لايمكن التغاضي عنه، خصوصا وان البلاد تدفع دم قلبها على القصر الجمهوري، فقد وصلت ميزانيته في عام2009م ، كما سبق ان اوضحنا, الى235 مليار جنيه (بالقديم) بينما ميزانية دعم العلاج بالمستشفيات 18 مليار جنيه ودعم العلاج بالحوادث19 مليار جنيه ودعم الادوية المنقذة للحياة57.5 مليار جنيه!! والأخطر أن انتهاك الدستور هذا قد مر مرور الكرام في مجلس الوزراء، دون ان يرفع ايما احد صوته بالاعتراض! فاذا كان جميع اعضاء مجلس الوزراء لا يعرفون الدستور الذي اقسموا على صيانته، فهذه مصيبة! وأما اذا كانوا يعرفون ولكنهم لايجدون الشجاعة المعنوية الكافية للصدع بآرائهم-وهذا الاحتمال الارجح- فهذه مصيبة اكبر!!
    مصيبتان، لأننا نمر حاليا بأعقد وأخطر لحظات تاريخنا منذ الاستقلال، لحظة تتطلب المعرفة والاستقامة والشجاعة المعنوية، هذا في حين، ان جميع اعضاء مجلس الوزراء اما لايعرفون- حتى مطلوبات شغلهم لوظائفهم بحسب الدستور، او لايملكون الشجاعة المعنوية للاعتراض على انتهاك الدستور جهارا نهارا!!
    * واذ يُنصب المتعافي – المتورط في تضارب المصلحة والمخالف للدستور- كأنموذج معلن للوزير الناجح،فهذا انما يعبر عما آلت اليه اوضاع البلاد، بل واوضاع الانقاذ نفسها,فيما يتعلق بمواصفات ومقاييس شغل الوظيفة الدستورية! وصلت الاوضاع الى تتمتها ومنتهاها! تتحول المخالفة الى فعل مشروع, ثم الى بداهة، ثم الى معيار وانموذج! في السابق كانت استثمارات المتعافي في الظل، يدور الحديث عنها بالهمس والخفاء، ثم طال الزمن، فجرؤ وهو والٍ في لقاءات صحفية الى الحديث العلني عنها، ثم صار يفخر بها، وكالمعتاد، اندفعت حينها عديد من (الكتابات) للاشادة بشطارة الوالي في الجمع بين التجارة والامارة! والخطوة الاخيرة، تحول ما كان ينظر إليه كمخالفة، الى استثناء محمود، ثم الى قاعدة عامة، والى معيار لقياس المسؤول الناجح!!
    وانه لدليل ما بعده دليل الا يجرؤ مستشار واحد، ولا وزير واحد، ولا المحكمة الدستورية، على الاعتراض على هذا، دليل ليس فقط على تدهور مواصفات ومقاييس الوظيفة العمومية، وانما كذلك دليل على المآل الذي ينتظر البلاد!
    •    وقد امتلأت بلادنا حاليا، وبسبب الفساد، بنفايات الصناعة الصينية! ويمكن لهيئة المواصفات والمقاييس ان تدبج ما تشاء من بيانات العلاقات العامة التي تتحدث عن دقتها في المتابعة والتقصي والتحقق، ولكن ايما مستهلك سوداني يعلم يقينا ما آل اليه الحال- يعلم ذلك من الحنفيات المضروبة والكوبسات التي تحترق لحظة ادخالها ومن الاجهزة الكهربائية الرديئة والتافهة ومن (الكبابي) المطرشقة.. الخ.وهكذا انتهت بلادنا، وبسبب طبائع الاستبداد، الى تدهور وانحطاط شاملين، في كل المجالات، وكل الاوجه, في الخدمة العامة,و في التعليم، وفي الصحة، والبيئة، وفي الاعلام، والأخلاق العامة! وفي الخدمات والسلع بدءً من الكبابي وانتهاءً بالكيزان- اي انتهت الى تدهور مريع في مواصفات ومقاييس الاستبداد نفسه!.. وهذا في اخطر لحظة من لحظات تاريخها الحديث!!.. ألا فليحفظ الله تعالى السودان!
    نجيلة

    معاً نحو عصر تنوير سوداني

    October 30, 2010 · لا يوجد تعليق  

    إطار عام لأستراتيجيه معارضه مختلفه : عبد العزيز حسن الصاوي :

    إشاره تقديميه :
    هذه الورقه هي بمعني من المعاني حصيلة جهد مشترك لان الكاتب استفاد في صياغتها ( النهائيه ) هذه من ملاحظات عدد من المثقفين والناشطين السياسيين الذين أطلعوا علي صيغتها الاولية، مع التأكيد بأن كاتب الورقه يتحمل مسئوليتها كاملة وحده وأنها تمثل وجهة نظر فرديه خالصه. بالنسبة للذين قد تستثير الورقة اهتمامهم  يشار الي أن مجموعة مقالات لصاحب الورقه كانت جريدتا الاحداث والصحافه قد تفضلتا بنشرها خلال اعوام 2006-2010، تسلط اضواء اضافية علي مضمونها.  لمزيد من الاستيضاح حول خلفية افكار الورقه وجوانبها التفصيليه يمكن العوده الي ارشيف هذه الصحف او الي كتاب صدر مؤخرا عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بعنوان ” في الفكر السياسي، ديموقراطيه بلا استناره ” اختيرت له مجموعة من هذه المقالات.

    ( 1 )  حول  جذور  الازمه  السودانيه

    علي نطاق العالم بأسره اثبتت التطورات الفعلية منذ منتصف الثمانينيات تقريبا ان الديموقراطيه هي أكثر النظم السياسية كفاءة لتأمين حياة افضل للانسان ماديا ومعنويا ولعل ميزتها الكبري انها لاتسد الطريق امام الابداع البشري لاستبداله بنظام اكثر كفاءة مستقبلا، فأفق التاريخ لاحدود  له. وفي السودان ظلت الديموقراطيه الهدف المشترك المعلن بين مختلف  القوي والتيارات السودانيه ازاء الانقطاعات الدكتاتورية المتتاليه منذ الاستقلال بينما تدل حالة التمزق الافقي والرأسي للبلاد، وحدة وطنيه ومجتمعا، بصورة قطعيه علي خطورة الفشل في تأسيس مشروع ديموقراطي سوداني حتي الان. والافتراض الذي تقوم عليه هذه الورقه هو انه لاسبيل لتفكيك معضلة الاستعصاء الديموقراطي هذه الا بعمل مواز لتفكيك معضلة الاستعصاء التنويري/الاستناري.  لاديموقراطيه بلا ديموقراطيين … ولاديمقراطيين بلا استناريين.
    ان الديموقراطيه كما يعرفها المجتمع البشري الان نظام سياسي انبثق مما سمي عصر  النهضة والتنوير الاوروبي خلال القرنين السادس والسابع عشر مستفيدا  من منجزات الحضارات السابقة له، العربية- الاسلاميه، اليونانيه، الاسيويه.  وهو عصر تميز بازدياد  تأثير العلوم الطبيعية والانسانيه وانعتاق عقل الانسان وارادته من تراكمات ظلام العصور الوسطي نتيجة  نشوء الطبقة البورجوازيه علي حساب الاقطاع  ثم الثورة الصناعيه وفكر وفلسفة الانوار والاصلاح الديني. وقد شكلت افكار ونشاطات دعاة الاصلاح الديني والاجتماعي والسياسي  المصري امثال الطهطاوي ثم محمد عبده والافغاني وطه حسين، والشامي أمثال شبلي شميل وفرح انطون وجورجي زيدان، قناة عصر التنوير الي المجال العربي والاسلامي في السودان وخارجه نهايات القرن التاسع عشر. بتأثير  تفاعل هذا المصدر مع مخرجات التعليم الحديث بعد الاحتلال البريطاني اواخر القرن التاسع عشر، انبثقت ارهاصات  عصر التنوير والعقلانيه السوداني منذ عشرينات القرن الماضي مرسية اولي لبنات البنية التحتية للديموقراطيه كثقافه عامه وممارسات عمليه.  من خلال جمعيات القراءه في ابو روف ومجلة الفجر والجهد الفردي لشخصية مثل معاويه محمد نور، إتخذت هذه الارهاصات شكلا ادبيا وثقافيا وسياسيا غير مباشر ثم تطورت لقيام مؤتمر الخريجين والاحزاب السياسيه وظهور الفنون والاداب والعلوم العصريه وكذلك اسلوب الحياة الشخصية في الزي وغيره. ومن مجموع الشرائح الاجتماعيه الصانعه لهذه التطورات والمتأثرة بها، وهي بالاساس سكان المناطق الحضريه وشبه- الحضريه ولاسيما فئات الطبقه الوسطي والصغيره، تشكلت القوي الحديثه، مستودع حصيلة بدايات عصر التنوير السوداني، حاملة المشروع الديموقراطي ومحركة التغيير.
    علي ان الاختلاف الكبير في الظروف التاريخية بالمقارنة للتجربة الاوروبيه حد من امكانية النضوج المضطرد للبنية التحتية الاستناريه وتاليا بنائها الفوقي الديموقراطي بحيث تباطأ معدل تقدم التجربة السودانيه علي الصعيدين تدريجيا حتي توقف متقهقرا الي الخلف. في النموذج الاوروبي توفرت الشروط الموضوعية للاستنارة والعقلانية مما حد من اهمية الدور الموكل للالية الديموقراطيه في توليدهما كشرط لاستدامة التقدم. أما في النموذج السوداني فقد ارتهنت عملية نضوج هذه الشروط بأستدامة النظام الديموقراطي لكونه الوسيلة الوحيدة للتعويض عن انعدامها، بتأمين جو الحرية اللازم لازدهار الابداع المادي والمعنوي والتفاعل المفتوح مع الخارج وتراكم تجارب وخبرات الاجيال المتعاقبه. في هذا الفرق المتصل بموقع الديموقراطيه في استدامة التقدم والنهضه بين التجربتين يكمن جوهر مأزق  التطور السوداني منذ الاستقلال بنتائجه الكارثية الماثلة امامنا الان.
    الاحزاب الكبيرة انتخابيا ( الوطني الاتحادي/ الديموقراطي والامه ) لم تكن بيئة ملائمة لانضاج الرصيد الاستناري النهضوي بسبب غلبة الثقل الطائفي في تكوينهما علي تفاوت في الدرجه،  بينما الاحزاب الكبيرة نوعيا الاكثر تمثيلا للقوي الحديثه، كان تكوينها الايديولوجي الماركسي الشيوعي والديني الاسلامي، وفيما بعد القومي العربي البعثي، متنافيا مع النظام الديموقراطي الليبرالي.  قصورات  النمطين التقليدي والحديث من الاحزاب السودانيه، وأيضا شرائح النخب غير المنتمية حزبيا، كان لها بالتأكيد مسوغات موضوعية متصلة بحالة التخلف العامه. كما ان دور النمط الاول في تسييس الولاءات الطائفيه حزبيا كان ايجابيا إذ ادخل مجموعات منها في إطار واحد مقربا بذلك بينها، بينما شكل النمط الحزبي الاخر نافذة السودان الاوسع حتي ذلك الحين للتفاعل مع تيارات وحركات التغيير في العالم ولعب الدور الرئيسي في هز البنية الاجتماعية والثقافية المتخلفه وايقاظ الطبقات الشعبية علي حقوقها. مع ذلك فأن النمطين، كل لاسبابه، شكلا العقبة الكبري في مسارتجذير الديموقراطيه كوعي عام وممارسة تطبيقيه وسدا بذلك شريان تغذية الرصيد الاستناري النهضوي الموروث من المصدرين الاوروبي والمصري والسوداني المبكر.
    هذه هي النقطة التي بدأ عندها الدوران العكسي لعجلة التطور في السودان ببطء ثم تسارع :  تراجعٌ ديموقراطي يؤدي لتراجعٍ تنويري وبالعكس توضحه  بجلاء الاستطالة المتزايده  لاعمار الانظمة الاستبدادية المتلاحقه وتزايد خصائص الشمولية فيها، دلالة علي تبخر الرصيد الاستناري ورصيفه الديموقراطي في العقل السوداني وتحول القوي ( الحديثه ) الي بيئة حاضنة لنقيض هذه الصفه علي كافة الاصعدة، عامة وخاصه. الي هذا التبدل في طبيعة هذه القوي بقابليتها للاستجابة الي الخطاب الديني الخام والطقوسي، او الارتداع به فكريا وسلوكيا، تعود ديمومة حزب المؤتمر الوطني ( الاسلامي ) الحاكم.  مقابل ذلك انحسرت الاستجابه لخطاب الديموقراطيه ومعه جدوي المجهودات الكبيرة التي بذلتها وتبذلها بعض الاحزاب والشخصيات مرتفعة الي حد التضحية بالنفس في العمل المسلح أبان مرحلة التجمع الوطني الديموقراطي، والمبادرات واشكال المعارضة المتعددة بعد ذلك.
    منذ اواخر سبعينات القرن الماضي تقريبا بدأ ميزان القوي السياسي يميل بوتائر متزايده ضد قوي وتوجهات التغيير الديموقراطي نتيجة الجفاف المضطرد لمصادر تعميق الثقافة والوعي الديموقراطيين لدي الجمهور العام عبر مجموعة من التطورات. وقوع الانقلاب العسكري الاول ( نوفمبر 58 ) كان في مغزاه  الاساسي تعبيرا عن محدودية المقومات الموروثه والمستحدثه للرادع المجتمعي الديموقراطي الاستناري الذي يمنع تحول اي تفكير للمساس بقاعدة التداول السلمي للسلطه الي فعل، مهما كانت الدوافع لدي بعض الافراد والجماعات مدنية كانت او عسكريه. وثورة اكتوبر 64 ضد نظام الانقلاب ساهمت، بعكس التفكير السائد، في اضعاف هذا الرادع فهي فتحت طريق الاحياء الديموقراطي بعودة الهياكل والمؤسسات الحزبيه والتشريعيه الخ.. الخ.. ولكنها في نفس الوقت اغلقته كثقافه، وهي الناحية الاهم. فهذه الانتفاضة الشعبية العظيمه كانت القوي الحديثه عمودها الفقري بقيادة اليسار المنظم وغير المنظم الذي شكل التيار الغالب وقتها سودانيا وعربيا وافريقيا ( ناصر مصر، نكروما غانا، سوكارنو اندونيسيا الخ ) حتي ان الاسلاميين انفسهم تبنوا بعض المقولات الاشتراكيه. غير ان التوجه الفكري لليسار كان يفصل بين العدل الاجتماعي ( الاشتراكيه ) والديموقراطية السياسيه معتبراً النظام البرلماني واسسه النظرية والفلسفيه إرثا برجوازيا غربيا متناقضا مع الحقوق السياسية والاجتماعية للطبقات الشعبيه، وهي وجهة نظر كانت مقبولة حينذاك بسبب عداء شعوب العالم الثالث المشروع لسياسات المعسكر الغربي الاستعمارية وجاذبية المعسكر الشرقي المضاد له. ومما عمق تأثير هذا النوع من الثقافة السياسية اللاديموقراطيه لدي النخب والجمهور العام  سوء إدارة حزبي الاتحادي والامه للفترة البرلمانية الاولي، فكما هو الحال بالنسبة لليسار كان مستحيلا ظهور بوادر تطور لدي هذين الحزبين بما يجعلهما أكثر قابلية لتجذير تلك الثقافة، خلال السنوات  العشر القصيره الفاصله بين الاستقلال والانقلاب الاول.
    الحقبة الانقلابية المايويه ( 69-85 ) واصلت عملية استنزاف الرصيد الديموقراطي- الاستناري من حيث توقف العهد الانقلابي الأول ولكن بقوة اكبر، مشّكلة بذلك المفصل الحاسم  في مسار تصاعدها الي الحد الاقصي وهو الغاء الوجود الفعلي للقوي الحديثه. عموما الاثر السلبي للحقب الانقلابيه في هذا الصدد يتمثل في تجاوز تعطيل أي امكانية تطور ذاتي للروافع الحزبية للديموقراطيه بالمنع والقمع المباشرين، الي تجميد حركة الفكر والثقافه العامه التي لاغني عنها لنمو حوافز التطوير، بأغلاق فضاءات التفاعل بين الاطراف الداخليه وبينها والخارج.  في طوريها اليساري القصير ( 69 -71 ) واليميني حتي انتفاضة 85، لعبت الحقبة المايوية هذا الدور بكفاءة تجاوزت كثيرا دور حقبة الانقلاب الاول لانبثاقها، عسكريا ومدنيا، من اوساط القوي الحديثه وتوفرها بذلك علي كوادر وأدوات تخريج فكري وتخطيط وتنفيذ اكثر فاعلية بكثير. في هذا السياق جاءت اولي خطوات  التصعيد النوعي لعملية الاستنزاف ( الاستناري- الديموقراطي ) الاستناقراطي/ ( الديموقراطي-الاستناري ) الديمواستناري   بالشروع في سد منبعه الاول وهو النظام التعليمي الحديث بالتدخل الدكتاتوري فيه بدء بتعديل السلم التعليمي ثم المناهج لاحقا. وعندما بدأت الازمة الاقتصادية والمعيشيه أواخر السبعينيات ممثلة بتدهور قيمة الجنيه السوداني والتضخم المالي في إطار محاولة القيادة المايويه اضفاء مشروعية تنموية ثم دينيه علي سلطتها، اكتملت مجموعة العوامل التي شكلت ظاهرة التراجع التحديثي الاستناقراطي وأطلقت ديناميكيتها: ذوبان الطبقة الوسطي، الحامل الاجتماعي لعملية التحديث في خضم تدهور الاقتصاد وتحريره  غير المرشد ديموقراطيا،  التوسع الافقي الكبير للمنظومة التعليميه علي حساب نوعية التعليم من حيث المناهج واساليب التدريس ثم ترييف المدن تحت وطأة الحروب الاهليه وانهيار الهياكل الاقتصادية الزراعية- البدوية بدء بمجاعة دار فور.. وذلك بالاضافة الي العوامل الثانويه مثل الهجرة المدينية الي الخارج. كما شكلت الافرازات المتكاثفه لهذه التطورات مادة تغذية دسمه للاسلام السياسي فتحول من وليد شرعي للتقلص المضطرد لمساحة التنوير في العقل النخبوي السوداني لحساب الظلاميه والديموقراطيه لحساب الشموليه، الي اداة فعاله لتعزيزهذه الظاهره المدمره وتعميق جذورها في الاوساط النخبويه : من ” الاخوان المسلمون” / جبهة الميثاق الاسلامي، كتنظيم صفوي محدود خارج المجال الطلابي الي الجبهه القوميه الاسلاميه كتنظيم اوسع كثيرا بكل المعاني.  فالمكاسب الانتخابية التي حققتها الجبهة في انتخابات عام 1986 ثم السهولة التي نجح بها انقلاب 89 والتوطد السريع والمتين لاركانه، كانت دليلا قويا علي حلول الاسلام السياسي محل اليسار من حيث قوة النفوذ وسط ( القوي الحديثه ) المدنية والنظاميه. وبطبيعة الحال أدي الانفراد بسلطة الدوله الي مضاعفة تأثير عوامل التراجع  الديمواستناري مكتسبا درجاته القصوي وديناميكيته الكامله : توسع نطاق الحرب في الجنوب متخذة طابعا اهليا، وانفلت التضخم تداعيا اقتصاديا مريعا تدني بمتوسط عمر الانسان السوداني الي 45 عاما بينما أغلق المجال السياسي-الفكري تماما بمزيج من القمع المادي والمعنوي وتم التديين الكلي للمنظومة التعليميه والاعلاميه فتغلغل التدين السياسي والصوفي والسلفي في شراين المجتمع.
    بسبب هذا الاستنزاف الكلي تقريبا لحيوية القوي الاجتماعيه والسياسية الحديثه فأن اساليب وخطط العمل المجربة في ثورة اكتوبر 1964 وانتفاضة مارس / ابريل 1985 ( تنظيم النقابات كنموذج ) والمستحدثه ( العمل المسلح كنموذج) إفتقرت لنوعية العقليه وخبرة العمل العام والقاعدة الاجتماعية التي تتجاوب معها. وهي حقيقة تتضح ابعادها الكاملة حول درجة استنزاف هذه القوي اذا استعدنا للاذهان ان مستوي وحدة المعارضه بعد مؤتمر اسمرا عام 1995 في ” التجمع الوطني الديموقراطي”  كان متكاملا من جميع النواحي، اطرافا وبرنامجا. مايثبت قطعيا ان ضعف العمل المعارض لم ينجم، بصورة اساسيه، عن ضعف مستواه  القيادي وانما عن التضاؤل المخيف في حيوية قوي التغيير الديموقراطي لاسيما وان الوجه الاخر لهذه الحقيقة المتجلي في انتشار الفهم التقليدي للاسلام، مصدر ( قوة ) إضافيه لنظام دكتاتورية يونيو 89 لم يتوفر لدكتاتورتي نوفمبر 58 ومايو 69.
    هذا هو التفسير الصحيح لانحسار قدرات المعارضه فهو مفروض عليها نتيجة ضعف قاعدتها مؤديا لتنازلات متسلسله كان اهمها  قرار التجمع اعطاء الاولويه للحل السياسي في مؤتمر مصوع ( سبتمبر 2000 )  دون تنازلات مقابله من النظام رغم انشقاقه.. ثم تخلي التجمع  عن شروطه المخففة لقبول التفاوض مع النظام حول الغاء الماده 9 من قانون الامن الوطني مع ان النظام لم يكتف بتجاهل مطالب المعارضه بل تصرف عكسها بتعديل القانون في اتجاه اكثر قمعيه ثم أعتقل سكرتارية التجمع في الداخل لعام كامل وجرمها دعائيا بالخيانة الوطنيه . وكان طبيعيا ان ينتهي  الجمود في حركة التجمع الي تفككه كما ظهر في خروج حزب الامه منه عام 2000 وفي توقيع مذكرة التفاهم بين الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبي دون استشارة التجمع في 2001. اما الاكثر دلالة من كل ذلك علي انحسار المعارضه بسبب انهيار ارضيتها في القوي الحديثه فهو هزال الاحتجاجات الشارعيه، اضرابات، مظاهرات الخ.. الخ.. رغم قوة المسببات التي قدمتها وتقدمها سياسات النظام الاقتصادية وتجاه الوحدة الوطنية وغيرها واجراءاته القمعيه الي حد استخدام الرصاص الحي ضد المظاهرات حتي في الحرم الجامعي. والشاهد عموما انه كانت هناك  ولازالت علاقة عكسية بين تمادي النظام في سياساته الموجبة للاحتجاج والمعارضه ومستوي ردود الفعل الشارعية تجاهها ويكفي تدليلا علي ذلك المقارنة مع ردود الفعل الاقوي كثيرا تجاه سياسات الدكتاتورية النميريه وحتي مع ردود الفعل في السنوات الاولي لانقلاب الاسلاميين.
    حتي فرجة الارتخاء الامني التي فرضتها علي نظام المؤتمر الوطني ( الاسلامي )  اتفاقية نايفاشا بعد عام 2005  لم تفلح في تعديل ميزان القوي السياسي لمصلحة المعارضه . حضور الحركة الشعبية في المركزسلطويا تطبيقا للاتفاقيه كان محدود التأثير في تعزيز قوة المعارضة الشماليه سياسيا بسبب قيود الشراكه مع المؤتمر الوطني ولكن ايضا انعكاسا لمحدودية فرص امتداد الحركه شمالا لنفس السبب الموضوعي الكامن وراء تضعضع وزن المعارضه وهو  تضعضع الوزن النوعي للقوي الحديثه وبالتالي ضعف القابلية للتجاوب مع مضمون شعار ” السودان الجديد “. من هنا بقاء زمام المبادره بيد المؤتمر الوطني حتي بعد توقيع الاتفاقية فتمكن ، علي سبيل المثال، من تجميد اتفاق القاهره مع التجمع وتمرير معظم قوانينه في المجلس الوطني والانفراد بمعالجة قضايا دار فور والشرق وتهيئة الاوضاع لتحقيق ( فوز ) ساحق في الانتخابات العامه وانتخابات الاتحادات.
    لاشك ان اطراف المعارضة المختلفه بذلت جهودا متفاوتة الجدية لاصلاح أوضاعها الداخليه وايضا لتطوير اشكال العمل الجماعي مع الاخرين بعد عودتها للداخل، ولكن الحال التي انتهت اليها المعارضة الرسمية الان من تمزقات داخليه وضعف في الفعالية الجماعيه، دليل علي الاثر الكبير لعدم التوصل الي تشخيص مصدر العلة الاساسي وتطوير استراتيجية عملها بما يتوافق مع ذلك.  وهذه، بالمناسبه، حدود مسئولية قيادات المعارضه بعكس التفكير الرائج الذي يحملها المسئولية عن مسببات ضعف الفعالية نفسه مؤديا لنوع من النقد المجاني العشوائي الذي يساوي عمليا بين مسئولية الحكومه والمعارضه فيما يتعلق بتدهورالاوضاع العامه.  ويلاحظ هنا ان الفعالية السياسية الشمالية الوحيده، بمعني انتزاع تنازلات معينه من المركز /الانقاذ، مصدرها الحركات الاقليمية المسلحه ( دار فور والشرق ) حيث وجدت فيها نخب المناطق المعنيه وجمهورها بديلا لفشل المعارضة الرسميه، غير ان تركيزها علي مطلبي السلطه والثروه في مواجهة قضية التهميش معزولين عن مطلب الديموقراطيه، يساهم في التعمية علي مصدر الازمة الاساسي.

    ( 2 ) مكونات الاستراتيجيه
    بناء علي هذا التشخيص للسبب القاعدي للازمة السودانيه فأن اي استراتيجيه عمل سياسي منتج لتقدم غير قابل للانتكاس لابد ان يكون مرتكزها الترافق بين إعادة  استزراع مقومات الحداثه والاستناره وإعادة تأسيس المشروع الديموقراطي. بغير ذلك، كما تفعل بعض اوساط المعارضه والحركات المسلحه التي تضع إسقاط نظام المؤتمر الوطني ( الاسلامي ) الشمولي كشرط سابق لتقدم من اي نوع، ستبقي العوامل المؤديه للانهيار السريع للتجارب الديموقراطيه ولاعادة انتاج الازمه العامه فاعلة بما يولد أنظمة اكثر شموليه.  اما هذه الورقة التي تضع مسألة  الموقف من نظام المؤتمر الوطني- الاسلامي في السياق السليم، كما ستوضح في جزئها الاخير، فأن مايمكنها تقديمه فيما يتعلق بمكونات الاستراتيجية السياسية الملائمه يلخصه المثل القائل ” حسن عرض المشكله نصف الحل “.  بعبارة اخري ثقة الورقه بمدي صحة ما ستقترحه فيما يتعلق بالحل اقل من ثقتها بما قدمته فيما يتعلق بالمشكله. من هنا حاجة هذا الجزء الثاني الي فحص وتقييم نقديين من قِبل كل من يجدون فيها مايستحق الاهتمام أكثر حتي من الجزء الاول.
    إذا صح التلمس للعمق العميق لفشل المشروع الديموقراطي السوداني والازمة المتعددة الطبقات المترتبة علي ذلك، فأنه لابد لأي استراتيجية سياسيه ترمي الي تفكيكها من افساح مكان  لهدفين محوريين مترابطين يتناسب واهميتهما، هما الاصلاح التعليمي والمجتمع المدني، ضمن منظومة الاهداف التي يطرحها العمل المعارض الان وعلي رأسها التحول الديموقراطي . وبينما ستأتي الورقة لمعالجة موضوع المجتمع المدني لاحقا، فأن أهمية اصلاح المنظومة التعليمية مناهج ومؤسسات يبدو بديهيا باعتبار ان الميلاد الحقيقي لتيارات الاستناره الدينية والفكرية والسياسية والادبية والفنية والاجتماعيه ارتبط بتأسيس التعليم العصري ونشوء الشرائح الاجتماعية والسياسية الحديثه في القطاعات الاقتصادية الخدمية والزراعية والصناعيه والاداريه التي نشأت فيما بعد مستوعبة  منتوجات التعليم من الكوادر والخبرات. لذلك فأن الشروع بأعادة تأسيس هذه التيارات بمعني فتح مسارب بعثها للحياه وعودتها التدريجية للانتعاش بوتائر متزايده، ومعها تصاعد الوعي الديموقراطي كما ونوعا، لايمكن تحقيقه الا عبر استراتيجية تعطي هذا الهدف الاولوية التي تتناسب واهميته.
    وفضلا عن انه لامفر من التركيز علي هذا الهدف اذا قبلنا سلامة تحليل اصل العله، فأن انطباع الوهلة الاولي حول استحالة تحقيقه في ظل سلطه قابضه، ليس سياسيا فقط وانما اجتماعيا ايضا، كما بينت الورقة نفسها، ليس صحيحا. هو في الحقيقه استسلام لانطباع واسع الانتشار بعجز المعارضه يفترض ضمنا انتفاء اية مخارج من هذا الوضع.  وبينما لاتدعي هذه الورقه بأنها ستقدم وصفة جاهزه او سهله في هذا الصدد فأنها ستؤشر امكانية وجود هذه المخارج إذا استعدنا للاذهان حقيقة ان معضلة ضعف العمل المعارض حزبيا وشعبيا أكثر تعقيدا بمراحل من التصور التبسيطي السائد الذي يلقي بالمسئوليه الكليه علي الاحزاب وقياداتها، لانه يتعلق بتشوه العقل النخبوي السوداني القائد للمجتمع بفعل تصحره استناريا لاسباب تاريخيه. يترتب علي هذه الحقيقه أولا : تخفيض سقف التوقعات لما يمكن انجازه فيما يتصل بأي هدف لاسيما خلال المرحلة الاولي لطرحه. السياسة هي فن الممكن .. تقدير توازن القوي مع الطرف الاخر ومن ثم تحديد الاهداف الممكنة التحقيق وطرحها بناء علي ذلك ثم البناء عليها لاهداف اكبر. ثانيا : تقدير الاثر الايجابي لوضوح بداية الطريق نحو تذليل معضلة العمل المعارض نتيجة التوصل الي أعماقها الحقيقيه، في إحياء حركة النخب القائده لكونها الاقدر علي استيعاب الرؤية المطروحه بهذا الخصوص ومن ثم توفر امكانية رفع سقف التوقعات بأضطراد. ثالثا : توظيف هيئات المجتمع المدني لتحقيق اهداف الاستراتيجية السياسيه بالنظر لقدرتها علي تطوير وعي الفرد السوداني وأجتذابه للاسهام في الحياة العامه رغم ارتباط هذه القدره بخاصيتها الرئيسيه وهي عدم التسييس. ستبدأ الورقه بشرح التصور التطبيقي فيما يتصل بموضوع التعليم ثم تنتقل الي المجتمع المدني.

    ( 2 – أ )  الاصلاح التعليمي

    هنالك بطبيعة الحال جوانب متعدده لعملية اصلاح التعليم تشمل المناهج، طرق التدريس، إعداد المعلم، المؤسسات التعليمية، شروط الخدمه، ولكن الخطة المطلوبه كجزء من الاستراتيجيه خلال مرحلتها الاولي يتحكم فيها اعتباران، حسب تقدير هذه الورقه. الاول مشتق من الرؤية العامة التي تطرحها الورقه حول محدودية قوة الدفع التغييري  الان مجتمعيا وتاليا سياسيا مايعني اختيار اهداف جزئيه متواضعه تتدرج نحو الاقل تواضعا بنسبة ازدياد قوة الدفع. لذلك يلاحظ ان الورقه تستخدم  مصطلح ” اصلاح ” المنظومه التعليميه وليس تغييرها جذريا، مع ان هذا هو المطلوب مثاليا لأعادة بناء حقيقية للانسان السوداني. الاعتبار الثاني هو اعطاء الاولويه لاصلاح التعليم العام، خاصة مرحلة الاساس. فبالرغم من التأثير المتبادل سلبا وايجابا بين مختلف المراحل التعليميه، الا ان التأثير من تحت لفوق هو الاجدي. ويبقي العامل الحاسم، أيا كانت الاولويه، تحويل قضية إصلاح التعليم الي قضية رأي عام بأبتكار وتنفيذ أساليب نشر الوعي والتعبئه. والمطلوب هنا جهد عملي يتميز بالمؤسسية والمثابره في اوساط الاباء والامهات لاسيما من الفئات العمريه المعنيه ( المتوسطه  ) والطلبة والعاملين في السلك التعليمي بمختلف درجاتهم ومن خلالهم الراي العام السوداني اجمالا. كل خطوه بأتجاه تحقيق هذه المهمه تعتبر في حد ذاتها خطوة تحقق عملي لهدف الاصلاح لانها تعني بداية تشكيل مراكز ضغط    . ولعدم تشتيت هذه الجهود خارج البؤره المحدده ( التعليم العام ، الاساس خصوصا ) بما يجعلها أكثر فعاليه، تعد وثيقة تتلخص خطوطها العريضه في: مقدمة توضح اهمية الناحية الكيفية في التعليم بمختلف درجاته بما يؤشر عيوب السياسات الحاليه ثم التركيز علي مرحلة الاساس علي هذين الصعيدين بتفصيل اكبر وبعد ذلك تحديد الاصلاحات المحدده المطلوبه. بما ان الوثيقه-البرنامج لاتستهدف في المرحلة الاولي اكثر من فتح باب الشروع بعملية الاصلاح ومخاطبة واستقطاب اوسع قاعدة ممكنه من الجمهور العام غض النظر عن اي اعتبارات، فأنه يستسحن التركيز علي : ( 1 ) هدف اصلاح السلم التعليمي أكثر من المناهج لان هناك مايشبه الاجماع علي ضرورة اضافة عام لمرحلة الاساس وتقسيمها لجزئين. ولان الاستعداد الرسمي للتنازل بشأن المناهج اقل كثيرا فأن من الممكن التركيز علي (2 ) مطلب تخفيف حجم المنهج اكثر من إجراء تعديلات عليه ( 3 ) زيادة نصيب التعليم في الميزانية الاتحاديه ودعم المركز للولايات.  هذه المقترحات بشأن التفاصيل هي مجرد اشارات لما يمكن ان يتمخض عن لجنة مصغره لاعداد الوثيقة- البرنامج في صيغتها النهائيه  تشكلها المعارضه وذلك لضمان الالتزام بقاعدة ” فن الممكن “، الحد الادني القابل للتنفيذ الان، مما يجعلها متمشية ايضا مع كون الرافعة الاساسية لتنفيذ البرنامج هي المجتمع المدني اللاسياسي، كما سيشرح لاحقا. يمكن للجنه الاستعانة بخبرة مجموعة من العاملين في حقل التعليم او ذوي الاهتمام  الخاص به بصرف النظر عن صفتهم الحزبيه او عدمها، مع وضعهم في صورة الحدود التي يتحرك فيها البرنامج علما بأن ذلك يساعد بالنسبة للمكون الثاني للخطه، وهذه ايضا مجرد مقترحات، وهو  تنظيم سلسلة من النشاطات العامة المتنوعة مثل المحاضرات والندوات وورش العمل، الكتابة في الصحف وكل اجهزة الاعلام التي يمكن الوصول اليها. علي ان العائد المطلوب من برنامج التوعية العامة هذا وهو تحريك اوسع قطاعات المجتمع لن يتحقق اذا لم يسبقه استيعاب الوثيقة والفلسفة الكامنة وراءها من قبل قواعد احزاب القوي الديموقراطية نفسها سواء فيما يتعلق بالاصلاح التعليمي عموما او بأقتصار مفردات البرنامج حاليا علي الحدالادني، وتوعيتها بأهمية دورها، افرادا وجماعات، في تنفيذه بالمساهمة النشطة في التنظيم الطوعي المفتوح لكل من يستثير الموضوع اهتمامهم بصرف النظرعن ميولهم السياسيه. بعبارة اخري شرط نجاح تنفيذ البرنامج هو تسليمه لقوي المجتمع المدني ونزع اي صفة او تصرف يجعل منه جزء من المعركة السياسية ضد السلطه، او حتي يوحي بذلك. هذا كما شرح من قبل ليس الاختيار الافضل من وجهة نظر المصلحة العامه فقط وانما هو اضطرار مفروض علي المعارضه وقوي التغيير عموما بحكم ضعف وزنها راهنا.

    ( 2 – ب )  المجتمع المدني
    ( 2 – ب -1)   توظيف المجتمع المدني كهدف

    التعريف البسيط لمصطلح المجتمع المدني هو كونه مجموعة تشكيلات طوعيه لاحكوميه ولاربحيه مداره ذاتيا بين مجموعة من الناس لخدمة مسألة معينه تتعلق بشئون حياتهم في الحي اومكان العمل او خارجهما بصفتهم الفردية المواطنية المجردة عن اي صفة سياسيه  او اثنيه- قوميه او جهويه. من هذه الخاصية تنبع قدرة المجتمع المدني علي اجتذاب مجموعات كبيره بالمقارنة للاحزاب حول المسأله المعينه التي تقوم عليها احدي تشكيلاته، والاهم من ذلك، توفير مجال لتحمل المسئوليه بالتفاعل الحر بينهم.
    ان المخزون المعرفي والثقافة السياسية العربية والسودانيه لم يتعرفا علي مفهوم المجتمع المدني الا قبل عقدين من الزمان ونيف تقريبا، مما يفسر عدم التقدير الكامل لفعالية دوره في تقدم المجتمع والوطن من قبل الناشطين السياسيين والفكريين حتي في ظروف التطور العادي. أهم تجليات عدم ادراك هذا المفهوم والاستهانه بدوره هو انتشار ممارسات السيطرة الحزبية علي هيئاته من كافة التوجهات السياسية السودانيه وصولا الي الحد الاقصي مع حزب المؤتمر الوطني ( الاسلامي )، الامر الذي يعكس في جوهره الاستهانة بما يمكن للفرد العادي تحقيقه اذا فتح امامه مجال التفكير والعمل دون قيود لان اشتغال الافراد الحر بالقضايا التي تهمهم مباشرة، مهما كانت بسيطه، ودون ارتباطات او ظلال سياسيه مع او ضد نظام معين ومع او ضد حزب معين وانما بدافع ذاتي،  ينمي روح المبادره والتفكير النقدي المستقل لدي المواطنين وهذه في الحقيقه بذرة تحرير عقل الانسان وارادته واطلاق قدراته اللامتناهيه علي الابداع. علي هذا فأن للمجتمع المدني دور رئيسي فيما يتعلق بتفكيك المرجع القاعدي لازمة الديموقراطيه وهو ضعف ركيزتها في رصيد العقلانية والاستناره السوداني. كما ان حرص الاستراتيجية علي عدم تسييس تشكيلات المجتمع المدني باخضاعها للمصلحة الحزبية مجردة كانت او موجهة ضد النظام، ليس موقفا اخلاقيا يضع المصلحة العامة فوق المصالح الحزبيه ومطلوب في حد ذاته لهذا السبب، ولكنه مفيد ايضا لهدف التنمية الاستناقراطي ويتمشي، علي اية حال، مع  حالة النفور من العمل السياسي كأحد إفرازات فشله وانتشار عقلية التواكل الغيبي والروح الفرديه والميول الجهويه.
    كما هو الحال بالنسبة لهدف الاصلاح التعليمي فأن تحويل موضوع المجتمع المدني الي قضية رأي عام يقتضي أبتكار وتنفيذ مختلف الوسائل اللازمة لتنظيم حملة تثقيف وتعبئه فعاله للتعريف به والكيفية التي يؤدي بها دوره الحيوي بدء بكوادر المعارضه نفسها  باعتبارهم رأس الحربه للحملة . وبما أن العمل التطوعي المدني يغطي كافة جوانب حياة الانسان واحتياجاته من حفر مجاري الخريف الي حل مشكلة دارفور، لاسيما في مجتمع تتكاثر فيه هذه الاحتياجات بسبب القصور الشنيع للجهد الرسمي، فان الحصيلة التطبيقية للحمله ينبغي ان تكون تأسيس تشكيلات المجتمع المدني في المجالات التي تنعدم فيها الان وتنشيط القائمة منها والارتقاء بمستوي ادائها الي الصورة المثلي.
    اضافة لذلك فأن الحملة ستساعد في التغلب علي العقبة الكبري في هذا الصدد وهي القيود الادارية والسلطويه التي ينطوي عليها قانون العمل التطوعي الحالي.  فبينما يظل توقع امكانية تحقيق تعديل ملموس في  القانون علي المديين القصير والمتوسط أمرا غير محتمل بالنظر لوضع ميزان القوي السياسي حاليا، الا ان ادارة حملة فعاله حوله تفتح الباب لحدوث التعديل علي المدي الابعد.  والمطلوب الان، كما هو الحال بالنسبة للاصلاح التعليمي، اخضاع هذه المسألة لدراسة موضوعيه تحدد الممكن وغير الممكن راهنا وكيفية تحقيقه للبناء عليه مع تحسن وضع التوازن. ولابد لمثل هذه الخطه ان تتضمن هدفا هو في مقدور المعارضة تماما : تطهير صفوفها من العناصر المنتمية اليها التي تمارس تشويها لهيئات المجتمع المدني لايقل عما تمارسه الاوساط الرسميه يتمثل في احتكار المواقع القيادية او/ و استخدامها للاسترزاق الاعاشي والاستمتاع بأمتيازات السفر وغيره أو استغلالها كسلم للوصول الي وظائف في المنظمات الدولية والاقليميه. هذا شرط لايقل اهمية عن شرط  تجنب التسييس لنجاح الحمله.
    من جهة أخري يشار الي ان التمويل يشكل عقبة كبري في وجه التوسع بتشكيلات المجتمع المدني لانه مهما بلغ النجاح في تعبئة الموارد السودانية الداخلية والخارجيه، فأنها ستقصر كثيرا عن الوفاء بأحتياجات نشاطات المجتمع المدني نظرا لتعدد جبهاته مع ضعف موارد السودانيين بسبب انتشار الفقر الذي يجعل الاغلبية العظمي عاجزة عن الدعم المالي بل وحتي عن تغطية تكاليف بسيطه مثل اجر المواصلات للمشاركة في العمل التطوعي. هذا ماسيجعل  الاستعانة بالتمويل الخارجي والعون الفني (التدريب وغيره ) من المصادر الدولية والاقليمية والثنائيه لامفر منه مع توضيح الاحتياطات اللازمه في الخطه تجاه اي اجنده خفيه للمانحين واخري لمواجهة هجوم السلطه الدعائي والقانوني من هذا المدخل بحجة العماله وغيره.  وهو هجوم مؤثر حاليا  بسبب انتشار القابلية للاستجابة الي هذا النوع من التعبئه التي توحد بين الوطن والنظام في ظروف الانخفاض المريع لمستوي الوعي العام، وتشكل الشفافية الكامله خط الدفاع الرئيسي امامه.
    بمرور الوقت المصحوب بعمل جاد ومثابر ومدروس ستتكاثر هيئات المجتمع المدني وتتحسن نوعيتها ويتعاظم الاثر الايجابي للطبيعة الاختيارية للروابط بين اعضائها في تطوير العقلية والسلوك، وهي تمارس نشاطها من خلال علاقة الاقناع والضغط مع الدوله كأجهزة بيروقراطيه  و حزب حاكم وقياده رسميه حول المسألة التي تتبناها الهيئة المعينه.  وبالرغم من لاسياسية هذه الهيئات فأن كون طبيعتها تنمي قابلية التفكير والتصرف الايجابي والمستقل توفر المناخ الملائم لانتاج نوعية راقية وفعاله من العضوية الحزبيه تعيد الاعتبار للعمل السياسي الحزبي في نظر الجمهور الواسع ومن ثم الاقبال عليه.
    لقد لعب المجتمع المدني دورا مباشرا في الانتقال من الانظمة الشمولية الي الانظمة الديموقراطيه كما هو الحال في بولندا وتشيكوسلوفاكيا وغيرهما حيث ادت خصوصيات الشمولية فيهما الي تفريغ الساحة من الاحزاب، ولكن الواقع هو ان مفهوم المجتمع المدني يتسع ايضا للتكوينات الحزبيه إذا توفر فيها شرط الديموقراطيه الداخليه لكونها اطر تنظيميه غير حكوميه تضم مجموعة من المواطنين علي اسس تطوعيه وغير ربحيه.  بذلك يطرأ تغيير هام علي مفهوم العمل السياسي الحزبي كما يمارس في السودان اذ تصبح ديموقراطيته هي جوهر تعريفه لكونها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الهدف منه وهو تنظيم مشاركة المواطنين في الحياة العامه، وليس مجرد العضوية النشطة اوالخامدة في الاحزاب او مناهضة الحكومة او تأييدها.  وفق هذا التعريف فأن اكثر الاحزاب عداء لسلطة دكتاتوريه يكون من اقوي دعائمها اذا انعدم فيه شرط الديموقراطيه لانه يساهم بذلك في تشكيل العقلية الشمولية التي يجسدها النظام ففاقد الشئ لايعطيه.  وهو مايفسر حقيقة ان أحزابنا  التي استعادت الديموقراطيه في عامي 64 و 85 هي نفسها التي فشلت في الحفاظ عليها بتطويرها وتجذيرها في العقلية والسلوكيات الجمعيه .وحقيقة الامر هي ان عملية ( الدمقرطة/ الدقرطه ) في الاحزاب السودانيه لم تبدأ جديا الا بعد انقلاب الجبهة القومية الاسلاميه ولازالت تواجه صعوبات كبيرة بعضها ناتج عن المقاومة من قبل مراكز ومصالح وعقليات داخلية مؤثرة فيها والاخر عن ظروف الضغط الدكتاتوري الخارجي الناعم والخشن التي تتم فيها العمليه، متفاعلة مع السبب القاعدي وهو الشح التاريخي للرصيد الاستناري وتقلص القدر الضئيل المتحقق منه .
    2 – ب -2   تنشيط المجتمع المدني كوسيله

    كما هو الحال بالنسبة للمجالات العديده التي تغطيها نشاطات العمل التطوعي المدني من ابسط المسائل الي اعقدها،  فقد كان ولازال للمجتمع المدني دوره في تطوير التعليم حتي في الظروف العاديه. واستثنائية دوره في الاستراتيجية المطلوبه للعمل السياسي السوداني الان تعود الي كونه المصدر الوحيد تقريبا للتاثير علي السلطه بسبب ضعف المصدر الحزبي مع ملاحظة ان الشرط الاساسي لقيام المجتمع المدني بهذا الدور التعويضي لدور الاحزاب هو التزامها، حرفا وروحا، بتحييد هيئاته سياسيا مهما كانت قوة حوافز التصرف المعاكس سواء كرد فعل  لتصرفات المؤتمرالوطني او تأثرا لاشعوريا برواسب تقاليد تسييس النقابات والاتحادات من قبل احزاب المعارضه. ومهما كانت صحة الحجة القائله باستحالة التحييد الكلي للمجتمع المدني سياسيا خاصة في ظروف العالم الثالث، فأنها غير ذات موضوع بالنسبة للمعارضه لان اللاتسييس هو الخيار الوحيد امامها.
    وبما ان الاهداف المتوخاة في هذا المجال تشمل توعية وتعبئة المجتمع أفرادا وجماعات حول هذه القضيه وصولا الي  التأثير الضاغط مباشرة وغير مباشرة علي السلطة الحاكمه، حسب تقدير توازن  القوي في اللحظة المعينه، فأن خطة العمل تتسع للخطوات الجزئية والبسيطه وصولا الي اكبرها وتتسع بالتالي للجهود الفرديه وكذلك الجماعية من ابسط اشكالها وأحجامها الي اعقد اشكالها واكبرها. من نماذج النشاط الذي يدخل في هذا الاطار توسيع اهتمامات العضوية في مجالس الاباء والامهات في حي معين خارج حيزه التقليدي، دعم المدرسه الخ.. الخ..،  لتشمل الشكوي الفرديه ثم الجماعيه من السلم والمناهج والتمويل حسب مايرد في البرنامج ومايتعلق به. ثم تطويرها في شكل مقابله او مذكره لمخاطبة الجهات الرسمية المحليه بهذا الشأن بواسطة المجلس او ممثلين عنه في حي معين او عدة احياء تقع في نطاق الجهة الاداريه المعنيه. حذف الحكومه ولائية كانت او مركزيه من الصوره في هذاالنموذج من النشاطات الممكنه يساعد أيضا في  التأكيد علي لاسياسيتها  مما يسهم في توسيع دائرة المهتمين بها  كما انه يدرب المواطنين علي فكرة مساءلة الخدمه العامه وليس السلطة السياسية فقط علما بأن هذا النوع من الضغوط علي الخدمه العامه سيجد طريقه للتأثير في السلطة السياسيه عندما يتكثف الي درجة معينه بسبب التداخل التمكيني ( الانقاذي ) بين السياسي والاداري . وحتي إذا لم تتأثر مباشرة فأن المكسب الاهم هو تطوير وعي الناس العاديين وجذبهم الي مجال العمل العام الذي سيؤثر حتما علي المدي الابعد. وبطبيعة الحال يمكن الذهاب بهذه النوعيه من الشكاوي والمطالبات درجة اعلي الي الجهات السياسيه حسب تقدير امكانية حصول فائدة من ذلك.
    ونظرا للدور الخاص للعمل النقابي في اوساط المعلمين والطلبه ومنتسبي الوزارات المختصة في  مجال الاصلاح التعليمي فأن التركيز علي هذه الاوساط ضمن حملة البرنامج ذو اهمية بديهيه بينما يعني الالتزام الكلي بتجنب التسييس ان الاولويه هي دائما لهدف الاصلاح التعليمي ببنوده المحددة في البرنامج وليس لاضعاف النظام الحاكم سياسيا، وإن كان لممارسة من هذا النوع نتائج ايجابية غير مباشره ومضمونه في هذا الصدد.علي ذلك فأن تقييم مدي فائدة أي خطوة تأثير او ضغط علي السلطه الحكوميه، مثل تقديم عريضه او تنظيم موكب أو اعتصام في تحقيق هدف الاصلاح ينبغي ان يتم بهذا المعيار فقط. وبما ان معطيات الواقع الراهن لاتسوغ توقع نتائج سريعه لجهود المعارضه اعادة هيكلة العمل النقابي بألغاء القانون الحالي فأن النشاط المعني سيتم ضمن  الاطر الموجودة حاليا مع ملاحظة ان التطور التدريجي للعمل العام سينعكس ايجابيا في هذا المجال.
    الي جانب النشاط والمهمات المتعلقه ببرنامج الاصلاح التعليمي مباشرة هناك مجالات نشاط ومهمات غير مباشره تسهل هذه المهمه وتستفيد من اي تقدم يتحقق في انجازها بنفس الوقت . من ذلك ، مثلا، النشاط المتعلق بتوسيع افاق التلاميذ والطلبه وغيرهم خارج المؤسسة التعليميه بأنشاء مكتبات تسليف خاصه في الاحياء بأمكانيات فرديه او مشتركه بين مجموعة اشخاص تضم كتبا ومجلات متنوعه، اضافة الي الاقراص المدمجه وغيرها من منتجات تكنولوجيا نقل المعلومات، مع التركيز علي ما يتعلق منها بالاحتياجات الثقافية الراهنه ولاسيما فهم وهضم المادة الدينيه.  وهو نفس الغرض الذي يمكن ان يخدمه تشجيع بعض المعلمين المتنورين علي تنظيم دروس خصوصية، بالذات للتلاميذ والتلميذات، ويبدأ من اهتمام الاباء والامهات بالاطلاع علي مايتلقاه ابناؤهم في المدرسه ومحاولة تصحيح فهمهم للمواد الدينيه.  كذلك مسألتا الزي العسكري للتلاميذ وحجاب تلميذات مرحلة الاساس اللتان تهيئان أذهان ونفسيات الاجيال الجديده للتدجين، تصلحان كموضوع لنشاط فردي او أُسري او جماعي من داخل او خارج مجالس الاباء/ الامهات.

    ( 3 )  البيان بالعمل .. كيف ؟

    صياغة الاستراتيجيه علي هذا النحو الذي يفسح مكانة خاصة للاصلاح التعليمي والمجتمع المدني يزيل العقبة الكبري امام فعالية جهود المعارضه تجاه كافة القضايا التي تتبناها مجتمعة ومنفرده في اطار صراعها مع حكم المؤتمر الوطني- الاسلامي ( التحول الديموقراطي، تحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي،  صيانة الوحدة الوطنيه، الخ.. الخ.. ). فغياب التفسير المقنع لمصدر ضعف فعالية العمل المعارض وكيفية إزالته  دفع معظم كوادر الاحزاب والناشطين السياسييين والثقافيين والنقابيين الذين  يشكلون عصب حركة التغيير والمعارضه، للانصراف الي شئون الحياه اليوميه واخرون الي الحركات الاقليميه والاهتمامات الادبيه، محملين القيادات مسئولية الفشل المتكرر. والشاهد هو ان هذه النوعية من الاوساط بالذات، حزبية ولاحزبيه، تتمتع بخاصيتين حاسمتين فيما يتعلق بأحياء العمل المعارض بمختلف اشكاله هما : التأهيل اللازم لاستيعاب صحة هذا التفسير وتقدير جدواه في صيانة جهودها وتضحياتها من الاهدار مما سيدفعها لمعاودة الانخراط في العمل العام، والثاني هو كونها تشكل الحلقة القيادية للجمهور الواسع تعبئة وتنظيما. بهذا المعني الملموس والمحدد يعتبر مجرد إعادة تأسيس استراتيجية المعارضه بإدماج هدفي الاصلاح التعليمي والمجتمع المدني والعلاقة بينهما في صلبها انطلاقا من الفهم الصحيح لجذر الازمه، مفتاحا لباب توظيف الطاقة الابداعية لهذه الشريحة النوعيه من النخب السودانيه في خدمتها بتوليد الافكار ومفردات خطة العمل اللازمه لذلك ثم تنفيذها واستنهاض المجتمع والجماهير.
    ومع قناعة صاحب هذه الورقه بأمكانية إنجاز مفردات برنامج الاصلاح التعليمي المشار اليه واسهامات المجتمع المدني الهدف- الوسيله، فأن ماتقوله الفقرة السابقه ضمنا هو ان ثبوت عدم صحة هذه التوقعات لاينفي امكانية تنامي قدرات المعارضه عموما بأعتبارها نتيجة منطقية وعمليه لارتفاع معنويات النخب القائده الناجم عن وضوح الطريق نحو بناء نظام سياسي ديموقراطي قابل للحياه وللمرة الاولي في تاريخ المعارضات السودانيه. ليس معني ذلك ان الخط البياني  لمسار المعارضه بقوة الدفع هذه سيخلو من التعرجات هبوطا وصعودا. هذا ضد منطق الواقع حيث الازمة العامة متشعبة الجذور متراكمة الطبقات مما يخلق تعقيدات بنفس المستوي في التطبيق العملي تؤدي للفشل والهزائم في بعض المعارك مع القوي والمصالح والعقليات المتكلسه حول نظام المؤتمر الوطني (الاسلامي) ولكن الحصيلة النهائيه ستكون ايجابيه قطعا لان سلامة الخطوط العامه للاستراتيجيه تعني ان الاخطاء ستكون محصورة في الخطوط الثانويه مما يسهل معالجتها. علي هذا فأنه سيكون ضد منطق الواقع ايضا بقاء قوة الدفع محصورة في حيز التأثير الايجابي لوضوح الطريق علي المعنويات لان الحراك الذي ستولده زائدا امكانية اكتشاف الاخطاء وتصحيحها، سيميل بميزان القوي السياسي لمصلحة المعارضه تدريجيا الي حد او اخر بما يمكنها من تحقيق نجاحات في بعض الجوانب لاسيما تلك التي تركز عليها الاستراتيجيه، ولكن ايضا في القضايا الاخري المطروحة علي اجندة المعارضه.
    علي المدي الزمني المناسب، أستمرار هذا الميل سيولد ديناميكية دفع ذاتي تشكل في حد ذاتها عنصر زيادة لمعدل الميل، تقود الي التحول الديموقراطي المستدام، أي الذي ستزول فيه ليس فقط رموز وهياكل الانظمة الانقلابية الدكتاتوريه، كما حدث بعد سقوط نظامي انقلاب نوفمبر 58 ومايو 69، وانما أيضا عوامل إعادة انتاجها ممثلة في جفاف منابع الوعي الديمواستناري نخبويا ومجتمعيا. إذا قبلنا حيثيات الاستراتيجيه ( العلاقه بين الديموقراطيه والاستناره اوروبيا وسودانيا وعوامل تآكل الاخيرة لدينا) فأن المسار الاستراتيجي الذي تقترحه الورقه، او بديل اومكمل له شريطة التزامه بحيثيات الاستراتيجيه، هو المخرج الوحيد من الازمه العامة  التي تنخر الجسدالسوداني  وطنا ودولة، والاخطر من كليهما، مجتمعاً. من هنا فأن اعتراضا يتصل بطول الفترة الزمنيه التي ستستغرقها الاستراتيجية يكون غير ذي موضوع فضلا عن انه غير صحيح تماما. لقد جربنا المسارات الاخري القائمة علي المواجهة العنيفة ثم السلمية بلا ترافق مع خطوط عمل تعالج جذور قبضة النظام بالقدرالممكن من موقع المعارضه وانتهينا، ليس فقط الي مشارف الكارثه،´وانما الي بقاء وتعاظم مسبباتها. لذلك فأن الاستراتيجية التي تقوم علي استكمال هذا النقص الخطير ستختصر الزمن ايضا وذلك بمعنيين . المعني السلبي يتمثل في ايقاف إهدار الزمن، الضائع منذ عام 2000 علي الاقل، عنما قبلت المعارضه بالحل السياسي دون ادراك موجبات نجاحه فبقيت الجهود الكبيرة التي بذلتها بعض قياداتها وتضحيات الكوادر والجماهير دون مردود.اما الايجابي فهو ان اي انجاز تحققه المعارضه سيكون خطوة نحو نجاحات متواليه ومتعاظمه لانه سيكون من صنع قوي حيه تزداد كما وكيفا بأضطراد. الجسد السوداني الفاقد للمناعه فغزته الامراض التي هدت هيكله سيبدأ في توليد الاجسام المضاده ، وبقدر الجهد الفردي والجماعي الذي سيبذل لحقن هذا الجسد، وبالاحري العقل النخبوي الذي يتحكم فيه، بالمصل المضاد  تكون سرعة ايقاف تغلغل المرض ومن ثم استرداد العافيه.
    في خضم الحراك المتوقع أقترابا من وضع التحول الديموقراطي علي هذا النحو  فأن مصير نظام المؤتمر الوطني- الاسلامي سيتقرر، علي الارجح، وفق واحد من سيناريوين. الاول هو بقاؤه كحزب وفق حجمه الحقيقي كبقية الاحزاب سواء  في الحكومة، منفردا او متحالفا مع حزب اخر،او المعارضه. السيناريو الثاني الدخول في صراع-مواجهة ، وليس صراع تنافس سياسي سلمي، بدفع من الجناح المتشدد في المؤتمر الوطني ضد معارضة حيه مدعومه شعبيا مما سيطيح به عاجلا أو اجلا. ورغم الانطباع السائد بأرجحية هذا الاحتمال بناء علي درجة التمكين العاليه والمصالح والعقليات المتحجره  فأن مايجدر الانتباه اليه ان قوة الجناح المتشدد الحاليه لاتعود الي قوة النظام الذاتيه فقط وانما الي ضعف العمل المعارض وهو عنصر سيزول بالتدريج وفق هذه الاستراتيجيه. أضف لذلك ان المؤتمر الوطني هو،  بقدر ما، تحالف بين ( الحركة الاسلاميه ) وفئات متعددة الخلفيات والدوافع يجمعها عدم الانتماء الي هذه الحركه.  هذه التحالفيه تشكل وضع خلخله بالامكان في تركيبة حزب المؤتمر يمكن ان يصبح واقعا مع نمو قوة الطرف المعارض في المعادلة السياسيه. الي جانب ذلك الحركة الاسلامية اضحت منذ مده مواجهة بتحد من داخلها يتعلق بأسسها الفكرية والايديولوجيه من قبل تيار نقدي يتمثل في كتابات عدد من مفكريه، ربما كان الاخطر عليها من غيره لانه ليس تحديا سياسيا سطحيا كما هو الحال مع إنشقاق” المؤتمرالشعبي “. هذه الاعتبارات وغيرها ترجح عدم حتمية سيناريو المواجهه- الصراع مدعومة بحقيقة ان البيئة العربية والافريقية والدوليه لاتشجع علي قيام نظام مغرق في الدكتاتوريه مثل النظام الذي سيتمخض عنه بالضروره انتصار تيار التشدد.  علي اية حال مهما كانت السيناريوهات فيما يتعلق بمصير النظام فأن المعارضه، وتاليا البلاد بأجمعها، ستكون في وضع افضل كثيرا للتعامل مع ماسيحدث إذا ما أقدمت علي مراجعة جذريه لاستراتيجية عملها سواء علي الخطوط المقترحة هنا او غيرها

    عبد العزيز حسين الصاوي  [email protected]

    السودان والبحث عن بديل

    October 30, 2010 · 1 تعليق  

    حيدر ابراهيم علي   ( جريدة البيان  الاماراتيه 7 سبتمبر 2010 )
    يدور نقاش عميق ورصين بين النخبة السودانية، خاصة فئاتها اليسارية، حول ورقة فكرية نشرها الأستاذ محمد بشير أحمد (أو عبدالعزيز حسين الصاوي كما يوقع كتاباته)، تحت عنوان: «معاً نحو عصر تنوير سوداني.. إطار عام لاستراتيجية معارضة مختلفة».

    وقد رفد محمد بشير أو الصاوي المكتبة السودانية والعربية بالكثير من الكتابات المتميزة ذات الافكار المتجددة والمتحدية للعقول المستريحة، وفي لغة خصبة ومقتصدة في نفس الوقت وناصعة تسر القارئ. والكاتب من رواد حزب البعث في السودان، ولكن الحزب لم يسلم من عقله النقدي.

    فقد قام هو وجادين ومجموعة من البعثين المجددين، بسودنة وتجديد الحزب، بدءاً من الاسم، فهو الآن: حزب البعث السوداني، وقد تأتي العربي بعد ذلك أو لا تأتي. وذهبوا ابعد من التسمية، لكي ينفخوا في الحزب كثيرا من أفكار الدمقرطة والتنوع الثقافي التي كانت غائبة أو منزوية في البعث السابق.

    والكاتب متابع ومشارك جيد في تطورات السودان، ومن هنا اكتسبت ورقته الاهتمام والمتابعة من الكثيرين، في الإعلام الورقي والإلكتروني المتداول بين السودانيين في كل الأرجاء. ومن الواضح، من خلال متابعة المشاركات والتعقيبات، أن الانتلجنسيا السودانية هي الأكثر حيرة، رغم محاولاتها ادعاء الحكمة والصبر والصمت.

    فهي تعي مسؤوليتها عن الانفصال وانهيار الدولة القادم، لأنها أصرت على تجريب مشروعات كبرى: اشتراكية، إسلامية، قومية.. الخ، على واقع لا صلة له بكل هذه الأفكار الطوبائية.

    وقبرت كل تلك الأفكار أو تنكر لها أصحابها، وظل الواقع يتدهور ويفرض الأزمة بلا رتوش، ولكن غالبا ما يبدو المثقفون السودانيون وكأنهم في محاولة تبرئة الذمة فقط.

    فاذا كانت ورقة محمد بشير على مستوى الفكر والتفاكر، فقد اعلن على محمود حسنين قيام جبهة وطنية معارضة عريضة لمواجهة مهام المرحلة الراهنة، فهو ينشط ويتفاعل على مستوى العمل المباشر والحركة.

    وهذه علة سودانية، يمكن أن تدرج ضمن مسببات الفشل: فكر بلا حركة وحركة دون فكر، أو على الأقل نخبوية في الفكر، مقابل حركة تستخف ب«المنظراتية» أو «المثقفاتية».

    قدم الكاتب تشخيصاً للأزمة السودانية لم يذهب أبعد مما هو متداول، فهناك شبه إجماع حول أسباب ومظاهر الأزمة، ولكن المعضلة في كيفية الخروج منها. فقد اتفق الجميع على حقيقة فشل السودانيين في تأسيس ديمقراطية مستدامة، تخاطب كل المشكلات والقضايا القومية المزمنة. وتكرار التجارب الديمقراطية ليس دليل عبقرية أو عظمة، بل العكس عدم التعلم من التاريخ.

    ويؤكد (محمد بشير)على أن الديمقراطية أثبتت بأنها أكثر النظم كفاءة في حل المشكلة. واعتقد أن هذا صحيح ليست لأنها تمتلك وصفة سحرية، ولكن لسبب بسيط هو قدرة الديمقراطية لنقد ذاتها وبالتالي على مراجعة أخطائها. ومن المفترض إلا نكون كرماء في اطلاق صفة «ديمقراطية» على النظم التي مرت في السودان.

    فمن الدقة أن نسميها نظما «برلمانية» فقط. فهي تفتقد لأفكار ومؤسسية الديمقراطية. ويبدأ الخلل من قوانين الانتخابات ثم التركيب الاجتماعي – الاقتصادي للنواب المنتخبين، وأخيراً القضايا المطروحة ودور النواب في صناعة القرارات.

    ومن المفارقات، أن النواب لم يساعدوا في دعم الديمقراطية. ومن الأمثلة، أن البرلمان الأول تردد في إلغاء القوانين المقيدة للحريات، مثل المادة 105 سيئة الصيت.

    ولا يمكن أن ننسى أن البرلمان هو الذي قام عام 1965 بحل الحزب الشيوعي السوداني، وقام نواب بطرد نواب مثلهم انتخبهم الشعب! فالبرلمانية في الوسط لم تصنع ديمقراطية راسخة، بل كانت تخلق أجواء ديمقراطية بسبب غياب القوانين الاستثنائية أو إفساح قدر من سيادة القانون ووجود حريات نسبية للتعبير والتفكير.

    فالبرلمانية نوع من الديمقراطية السياسية، ولكن كانت تنقصها دائما الديمقراطية الاجتماعية وكذلك الفكرية. والدليل على غياب الأخيرة، أن حكم الردة الأول في القضية التي تبناها الأمين داوود وحسين محمد زكي ضد الأستاذ محمود محمد طه عام 1968، كان خلال حقبة «ديمقراطية». ورغم كل الضغوط لم ينفذ الحكم بسبب الأجواء.

    كان (محمد بشير) مدركاً جيداً أن ديمقراطيتنا ناقصة، وارجع ذلك إلى ما اسماه «معضلة الاستعصاء التنويري» أو الاستناري، ووضع من شروط الديمقراطية القادمة أن تقوم بتفكيك هذه المعضلة. ويرفع شعار: لا ديمقراطية بلا ديمقراطيين، ولا ديمقراطية بلا استناريين.

    وينادي بضرورة استزراع مقومات الحداثة والاستنارة من أجل إعادة تأسيس المشروع الديمقراطي. وهنا يعوّل الكاتب على عنصرين وتغييرين: إصلاح المنظومة التعليمية، ودور المجتمع المدني.

    وهذا هو جوهر الوثيقة – البرنامج، والتي تثير السؤال الأساس: ما هي القوى الاجتماعية والنواقل الاجتماعية لتحقيق هذا المشروع؟ وللكاتب مقولة مبتكرة وشاملة لوصف الواقع الراهن في السودان خلال السنوات العشرين الماضية، اسماها «الارتداد التحديثي»، أو ظاهرة انكسار قوة الدفع التحديثي في المجتمع السوداني.

    فمن أين يحشد مشروعه الجديد القائم على الديمقراطية والتنوير عناصره وكوادره؟ من وين (منين) أجيب ناس كما سأل نجيب سرور؟ القوى الحديثة، المصطلح المفضل لدينا صار إلى المتحف، ومن الفولكلور السياسي.

    أما الطبقة الوسطى فيمكن أن تكون «ستات الشاي» الفئة الأكثر استقرارا وانتشارا، لولا «الكشة» العشوائية، ولحسن الحظ لا تدوم طويلا. ولم تعد هناك مدينة ولا مراكز حضرية، وأنت القائل بترييف المدينة، ثم الهجرة إلى المغتربات الخليجية.

    وقد أكدت أكثر من مرة، أن هذه التحولات، أدت «إلى تدهور كمي ونوعي في الوزن القيادي لقطاع القوى المدنية الحضرية الحديثة (التحديثية) الذي كان قد برز منذ العشرينيات». فمن يقود المرحلة وينفذ البرنامج؟

    يشترط إصلاح التعليمي، رغم أنه يخفض سقف مطالبه لعلمه بأن النظام لا يسمح باللعب في هذا الميدان. فالإصلاح التعليمي عمل دولة أو مجتمع مدني أقوى من الدولة أو قادر على منازلتها، وهذا الوضع غير موجود في السودان. وهنا نصل إلى تثمينه العالي لدور المجتمع المدني السوداني.

    ولكن للأسف، المجتمع المدني في السودان، صار من الأثافي العديدة. فالمجتمع المدني السوداني مخترق تماما وتكاد «المنظمات الحكومية غير الحكومية!» تكون أضعاف الأصيلة: غير الحكومية حقيقة. وأي محاولة لتكوين شبكة أو شكل كبير يمكن أن تسيطر عليه عناصر حكومية أو حزبية.

    وهذه الظاهرة سببها ضعف الأسس الفكرية، فقد اكتفى رواد المجتمع المدني بالحركية وارتاحوا لتسمية «ناشطين». لو كنت أتمنى لو رصد الأخ محمد بشير كيف راقب المجتمع المدني الانتخابات الماضية. فقد برزت عشائرية جديدة وتكالب وتملق للخواجات وشبق للتمويل جدير بالاحتقار.

    ورغم حساسية ومصيرية القضية، لم ير فيها ناشطو المجتمع إلا موسم حصاد، وكما ظهر أثرياء حرب في الماضي، ظهر أثرياء انتخابات. لذلك لا تعول على المجتمع المدني بشكله ومضمونه الحالي، فهو لم ينج من مشروع «إعادة صياغة الإنسان السوداني».

    أرجو أن يجيب الكاتب عن السؤال: ما هي القوى الاجتماعية والفاعلون الاجتماعيون القادرون على تحقيق البرنامج؟

    [email protected]

    الديمقراطية عائدة وراجحة :- الامام الصادق المهدي

    October 30, 2010 · لا يوجد تعليق  

    توطئة : لقد دار لغط كثير حول أداء الديمقراطية الثالثة في السودان، وأثيرت تساؤلات حول ما إذا كانت بعض جوانب القصور والعجز ناتجة عن قصور في آداء الاحزاب أو تراخ في آداء السياسيين ن أم أن الأمر ناتج عن عدم ملائمة النظام الديمقراطي التعددي لحكم السودان.

    ومثل هذا للغط ليس جديدا في السودان، فقد دار مثله في فترتي حكم الفريق عبدود وحكم المشير نميري. أي انه في العهود العسكرية كانت أنظمة الحكم تسعى الى ازالة اللغط حول الديمقراطية في محاولة للنيل منها بهدف تبرير نمط الحكم الديكتاتوري سواء كان هذا الحكم عسكريا محضا ،مثلما كان في عهد عبود، أم عسكريا متسربلا برداء مدني ومتخفيا وراء قناع الحزب الواحد.

    ولكن الشعب السوداني كان في كل مرة يحسم هذا الجدل واللغط بالوقوف مع خيار الديمقراطية.

    حدث ذلك في عام 1964م عندما خرج السودانيون في أروع استفتاء شعبي على الخيار الديمقراطي متحديين حكم عبود العسكري ومفجرين ثورة أكتوبر العظيمة.ثم تكرر الأمر ثانية في إنتفاضة رجب التي اطاحت بحكم نميري وأعادت الديمقراطية للبلاد.

    هكذا حسمت غالبية أهل السودان الجدل المفتعل واختارت الديمقراطية التعددية نظاما للحكم في السودان مع إجراء الإصلاحات اللازمة عليها إعتبارا بالتجارب الماضية في التطبيق ، وأقرت التمسك بالنهج القومي لإرساء قواعد النظام الديمقراطي التعددي،مع إعتماد النهج القومي في حل المشكلة الاقتصادية وإرساء السلام.

    ورغم هذا الإختيار الواضح لأهل السودان في مسألة الديمقراطية, فإن نظام العميد عمر البشير أبي إلا أن يكرر خطأ من سبقوه في درب التهجم على الديمقراطية، ناسيا بذلك أنه يتهجم على فطنة أهل السودان وولعهم بالديمقراطية التعددية.ولجأت الجبهة الإسلامية وعسكرها الى محاولة التشكيك في صلاحية النظام الديمقراطي التعددي للسودان وفي أداء الديمقراطية ومؤسساتها ورموزها،وسخرت لذلك وساءل إعلامها وأقلامها ومؤتمراتها المفبركة.

    معركة كل يوم الرقابة والمضايقات بحق الصحفيين والمدافعين عن حقوق الانسان في السودان

    October 30, 2010 · لا يوجد تعليق  

    دارفور 2007 الفوضي المتعمدة

    October 30, 2010 · لا يوجد تعليق  

    ترسيخ حالة الافلات من العقاب: هيومان رايتس ووتش

    October 30, 2010 · لا يوجد تعليق  

    الفنان أبوذر عبد الباقي لــ (حريات) : غنيت للحب وللسلام وضد الابادة الجماعية في دارفور

    October 30, 2010 · لا يوجد تعليق  

    الفنون هي راس الرمح في حركة التغيير ..
    من هو أباذر عبد الباقي ؟
    من مواليد الدويم  -السودان 1971 مغنى وملحن وكاتب اغانى ومهندس معمارى عضو سابق بمجموعه عقد الجلاد 1997-2004 اصدر مع عقد الجلاد البومين (فاجأنى النهار 2002) (المسدار 2004  تغنت له عقد الجلاد من الحانه اغنيه حصار (البوم المسدار) ومحمد عشوقى
    عمل كمنسق لمشروع السلام عبر الموسيقى (عقد الجلاد وكواتو 2000) عمل كمغن منفرد منذ العام 2005 اصدر البوم صباحك رباح 2007
    اطلق مشروع (اغنيات الطيف rainbow songs) 2006
    وعمل بالتعاون مع مجموعه من المنظمات على تدريب المغنيين الشعبيين فى دارفور(الحكامات)- جبال النوبه ناشط فى قضايا السلام والديمقراطيه
    عضو مؤسس فى شبكه موسيقيون لاجل الديمراطيه بالقاهره 2009)
    صدرت له اغنيه سلام دارفور ضمن البوم-2010 listen to the banned
    يعمل حاليا على البوم “اجمل بلد” ليصدر قريبا من القاهره .. التقينا به في جلسة فنية ثقافيه فكان هذا الحوار :
    نبدأ من محطة عقد الجلاد ؟
    هى المدرسه التى اكتسبت فيها جل خبراتى الموسيقيه وتواصلت فيها مع جمهورها الرائد وبعد سبع سنوات سمان كان لابد  من الرحيل لتتاح الفرصه لاخرين لدفع مسيره الفرقه ولطرح مشروعى الخاص “”rainbow project وما يحدث فيها حاليا موسف جدا .لكنه طبيعى لان عقد الجلاد فشلت فى ان تجد معادله توازن بين المهمه والتنافسيه بين اعضائها “competition &mission” .
    حدثنا عن  مشروع أغنيات الطيف ؟
    لاسباب كثيره تخص الراهن السودانى والعالمى على حد السواء كان لابد من الدفع بالموسيقى لتتجاوز حدود الترفيه لتحقق المعرفه ايضا وهذه المعادله ليست جديده لكنها هى الاساس بالنسبه لطرحى الفنى وتقوم على ان الموسيقى وسيله تواصل لا عزله  .التواصل بين الافراد ونقل المفاهيم وبذللك تكون الموسيقى وسيله فعاله لنقل قضيانا للعالم وربط العالم بمجتمعاتنا وتقوم رؤيه المشروع “مثلما يكون الطيف الضؤ سيفضى التنوع السودانى الى السودان الجديد” ولقد صرت اكثر قناعه الان باسقاط هذه الرؤيه كل الكره الارضيه   “مثلما يكون الطيف الضؤ سيفضى التنوع الموجود بالعالم الى جمهوريه الارض” وهى ديمقراطيه
    غنيت للحرية  وغنيت وكتبت لحريه التعبير هل تحدثنا قليلا عن ذلك ؟
    بعد اصدار البوم صباحك رباح شرعت فى العمل على مشروع الطيف وكان ذلك بزيارات ميدانيه للهامش السودانى –دارفور وجبال النوبه- وكانت هذه الزيارات الفنيه ملهمه جدا وبدت الرؤيه بالنسبه لى اكثر وضوحا و اثمرت مجموعه من الاعمال مثل –سودان جديد-سلام دارفور- كفايه وبدأ الاعداد للخطوه التاليه من المشروع لكنها اصطدمت بعقبه المصنفات الفنيه والادبيه وهى اليه رقابيه تحد من حريه التعبير كجزء من منظومه كبيره تعمل لاذلال الشعب السودانى لتمكين من هم جاثمين على صدورنا واسكات كل همسه تصدر من او تعبر عن ضحاياهم الممتدين بطول البلد وعرضها  هامشا ومركزا .لذا كان لابد من الخروج من هذه الدائره الجهنميه بالتواصل مع العالم لاسماع صوتنا وطرح المشروع بصورته الكونيه ولقد ساهمت المنظمه العالميه لحريه التعبير كثيرا فى هذا الامر فكان ان صدرت اغنيه سلام دارفورضمن البوم” استمعوا للمحظور” الذى صدر العام الماضى مما خلق لى ارضيه صلبه للتواصل مع الاخرين فى هذا الكوكب ونقلت موسيقاي لمستمعيين جدد واثمرت مجموعه كبيره من المتضامنين مع قضايانا  من احرار العالم
    ماذا غن اغنية  اجمل بلد… واغنية السلام عبر العداله ؟
    بعد جهود مضنيه وبالتعاون مع مجموعه من الموسيقين السودانين والمصريين والاجانب المقيمين بمصر وشركه باوهاوس سيصدر قريبا البوم” اجمل بلد” فى القاهره ولندن واميركا وهو يضم مجموعه من الاعمال منها اجمل بلد-سلام دارفور-genocide- -ابيي وهى مجموعه من الاعمال التى تعبر عن قضايا العداله والسلام بالاضافه للتواصل مع الاخر فى كل مكان والاعمال بلغات مختلفه وانماط موسيقيه متنوعه تعبر عن القواسم المشتركه بيننا والاخرين وتعاملت فيه مع مجموعه من الشعراء سعدالدين ابراهيم-عثمان عبدالرحيم من السودان سمير سعدى مدحت منير من مصر
    من وجهة نظرك كفنان ومثقف نسألك عن دور الفنون فى التغيير ؟
    على مر التاريخ كانت الفنون راس الرمح فى حركه التغيير ونحن فى السودان بل وفى العالم ككل نمر بمرحله حرجه ودقيقه وهى اننا للاسف نعيش بين نموذجين انهار اولهما والاخر فى طور التشيكل وهو ما نغنى له ونبشر به وهو نموذج السودان الجديد الذى سياتى ضمن نموذج جمهوريه الارض .

    رسالة التوحيد الشيخ محمد عبده – الدكتور محمد عمارة

    October 29, 2010 · لا يوجد تعليق  

    فتنة التكفير بين الشيعه ..والوهابية ..والصوفية – الدكتور محمد عمارة

    October 29, 2010 · لا يوجد تعليق  

    « Previous PageNext Page »