الجمعة  19  سبتمبر  2014
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • عصف ذهني…!! (2)

    May 18, 2012  

    د.الشفيع خضر سعيد…

    · إعتمدت الإنقاذ سياسة كسر الهمّة وتجفيف المواعين التي تسمح بتفجر وتدفق الطاقة الثورية الهائلة والكامنة في الشباب فدفعت بهم إلى المهاجر والمنافي في نزيف لم يشهد السودان مثله

    في الجزء الأول من هذا المقال، تحدثنا عن تدخل المجتمع الدولي، مرة أخرى بعد أن تقاعس الساسة/القادة السودانيون، وتبشيره بخارطة طريق يراها ضرورية لحلحلة الأزمة السودانية. وقلنا، لا يهم من أعد هذه الخارطة: الإتحاد الأفريقي، أو أعدتها الولايات المتحدة وتبناها الإتحاد!. وشبهنا هذا الوضع بمسرح العرائس، مسرح اللامعقول، متناولين تحرك شخوصه على خشبته. نواصل اليوم، ونتناول أدوار مجموعة أخرى من الشخوص:

    الجيش: نال الجيش السوداني نصيب الأسد في حكم البلاد خلال الفترة منذ الإستقلال وحتى اليوم، بحيث صارت مقولة أن الجيش لا علاقة له بالسياسة، عبارة موغلة في الخطأ، لأنها لا تعكس الواقع: الفريق إبراهيم عبود مارس السياسة وحكم البلاد لمدة ست سنوات بإسم الجيش السوداني. المشير المخلوع نميري حكم البلاد لمدة 16 عاما بإسم الجيش السوداني والجميع، بما فيهم النميري نفسه، يعلم أن حزب الإتحاد الإشتراكي كان مجرد صورة غلاف باهتة الألوان. والمشير سوار الذهب حسم صراع الشعب مع النميري بالإنحياز، بإسم المؤسسة العسكرية، إلى خيار الشعب وإدارة الفترة الإنتقالية بذات المؤسسة. والمشير البشير إستولى على السلطة بإسم القوات المسلحة، رغم تخطيط وتنفيذ الجبهة القومية الإسلامية للإنقلاب. وكما هو معروف، فإن البشير أطاح بالقيادة التاريخية للجبهة الإسلامية في صراع المفاصلة الشهير، بل ظل يحسم كل الصراعات الداخلية وسط الحزب الحاكم، بإسم المؤسسة العسكرية. وبالنظر إلى سنوات الممارسة السياسية التي تمت بإسم الجيش، منذ فجر الإستقلال وحتى اللحظة، نجدها تقترب من 46 عاما من مجموع 56 عاما. والجدير بالملاحظة، أن الأنظمة الأربعة هذه، ظلت تقحم الجيش والقوات النظامية الأخرى في كل تفاصيل الفعل السياسي في البلد وتجاه الشعب. لذلك، ظلت المؤسسة العسكرية منفعلة ومنغمسة في الحروب الأهلية، في قمع التظاهر والإحتجاج، الإعتقال، خدمة للقرار السياسي الحاكم، إضافة إلى إنفعالها وإنغماسها ناصع البياض والمكلل بالفخر حينما إنحازت بقوة لخيار الجماهير ضد القرار السياسي الحاكم، إبان ثورة أكتوبر 1964 وإنتفاضة أبريل 1985. الخلاصة، للجيش السوداني علاقة راسخة وثابتة بالسياسة. ومن هنا، وفي إرتباط بموضوع المقال، يجئ تساؤلنا: كيف سيؤثر القرار 2046 على شكل علاقة المؤسسة العسكرية السودانية بالمجتمع الدولي، بإعتبار الجيش أحد الشخوص الرئيسيين في مسرحنا المشار إليه؟ تاريخيا، يمكننا رصد بعض التفاوت في علاقة الأنظمة التي حكمت البلاد بإسم الجيش مع المجتمع الدولي. ففي عهد الفريق عبود كان السودان دولة فتية مقبلة على الحياة بفكرة “المشي جنب الحيطة”. لذلك، قبل بتقديم التسهيلات لتمرير مخططات أمريكا الإستعمارية في أفريقيا، مقابل الإستمتاع بالمعونة الأمريكية. أما في عهد النميري، فقد تورط النظام الحاكم بإسم الجيش، تورطا كاملا في علاقة مريبة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والقصص معروفة: الفلاشا، المركز الإقليمي لوكالة المخابرات الأمريكية، بعد زيارته السودان يصرح بوش الأب في واشنطن بأن نميري هو رجلنا في السودان (our man in Sudan)..الخ. وفي عهد المشير البشير، أصيبت العلاقة مع المجتمع الدولي بالشيزوفرينيا، ما بين الخطاب المعادي بعنف، والإستجابة التالية الناعمة، كأنما رد الفعل الأول هو مجرد ممهد للثاني. وبإعتبار أن كل الحلول المطروحة من قبل المجتمع الدولي، بدءا بمشاكوس ونيفاشا وحتى خرطة الطريق الأخيرة المتبناه في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2046، تحاول أن تقدم حلولا لقضيتي الحرب والتحول الديمقراطي في البلاد، وما بينهما من تفاصيل، فإن هذه الحلول ستنعكس على دور الجيش في السياسة السودانية، وبالتالي في علاقته بالمجتمع الدولي. فالجيش، وسائر القوى النظامية الأخرى، هم المعنيين بالتعامل مع قضيتي الحرب والتحول الديمقراطي.

    الخطاب الحكومي: ينطلق عبر أكثر من مركز، تعمل جميعها على إبراز الدور العظيم الذي يقوم به النظام الحاكم لحماية الشعب والوطن. وتهدف جميعها على إستبقاء هذا النظام الذي أهدر كثيرا من الوقت والفرص. والخطاب الحكومي ينبني أصلا على مهاجمة المعارضة، بصيغة مباشرة أو عن طريق نصحها “لردها عن غيها”. فالمعارضة في نظر هذا الخطاب، لا تفرق بين الوطن والخيانة العظمى، وهو داء دواؤه قانون “رد العدوان”، ولا تعرف هل هي تريد أن تسقط المؤتمر الوطني أم الوطن، ومن هنا نصحها بأن تكون معارضة رشيدة؟! لكن، عندما يكون النظام الحاكم هو الذي لا يفرق بين الوطن والمؤتمر الوطني، ويقوم خطاب المؤتمر الوطني على إعلاء راية القمع والعنف لصالح أجندته الحزبية، غير عابئ بتفتت الوطن وتمزق نسيجه الإجتماعي بتركه مصلوبا على بوابة الحروب الأهلية، فمن هو مرتكب جريرة الخيانة العظمى في هذه الحالة؟

    وبعيدا عما يحاول أن يفرضه المؤتمر الوطني، هل الحرب الأهلية حقيقة أم وهم؟ أو ليست الحرب التي يتحمس لها النظام ويقودها منذ إستيلائه على السلطة، مهيجا ومعبئا ومجيشا، هي التي فتحت أبواب الباب على مصراعييها لإستقبال القوات الأجنبية من قبل؟ هل الفساد الحكومي هو حقيقة أم مجرد تلفيقات من المعارضة؟ ألم يكن الفساد هو الدافع وراء تظاهرات المواطنين وحرقهم لمكاتب جهاز الأمن في منطقة الدالي بتاريخ 7 مايو الجاري؟ وهل خط الحكومة الثابت في قمع الرأي الآخر ومنع نقدها، مثل منعها نشر هذا المقال، كما هو متوقع، هل هو محض إفتراء من المعارضة؟. وخطاب الحرب والعنصرية، هل يخرج من أفواه المعارضة؟. لماذا يفكر النظام دائما في أن أفعاله لا علاقة لها بردود الأفعال التي تأتي من الأطراف الأخرى؟ وإذا كانت سلامة الوطن وإطفاء حرائق الحرب في أن يذهب النظام، فلماذا يتمسك بالحكم مكنكشا على كراسي السلطة؟ البلاد كل يوم تتحول إلى جذر معزولة عن بعضها البعض: نيالا غارقة في الظلام، دارفور جائعة، سنار ثائرة، القضارف حائرة…وبعض الخرطوم لا يهمه ما يحدث فهو ما يزال قادرا على تسيير أمور المضاربين والطفيليين والأغنياء الجدد!!

    المثقفون: إحدى مهامهم، كم يشرحها إدوارد سعيد في مؤلفه “صور المثقف”، الصفحات 12 و13، هي بذل الجهد لتهشيم الآراء المقولبة والمقولات التصغيرية التي تحد كثيرا من الفكر الإنساني والإتصال الفكري. في السودان، يوميا يتزايد عدد المبتعدين عن السياسة بسبب اليأس من المستقبل والخوف من الألغام المزروعة على طول طريق الحرية، وبسبب المكابدة في الحياة اليومية. ولكن، في الوقت الذي يتزايد فيه عدد المبتعدين عن السياسة من المثقفين وأبناء الشعب المقهورين، يتزايد عدد الداخلين الجدد إلى السياسة بفكرة ملء الكروش وتجميع القروش وبناء الجاه الفردي. قطعا إنها دائرة الفشل العام! وإذا أردنا الخروج منها، علينا أن نضع المعادلة في صيغتها الصحيحة: يستقوى المثقفون بالأشقياء والمهمشين، فهذا هو المصل الواقي والمحصن ضد روح الهزيمة واليأس واللامبالاة، فيخوضوا غمار التجربة الشاقة حتى تندحر مجموعة الإنتهازيين، ويتصدى لقضايا الوطن كل من له عقل وقلب إنساني، المؤمن بأن ما يربط بين البشر ويمنع العنف هو القدرة على التواصل والتفاعل بالخطاب الواضح الشفاف الذي يخاطب وجدان الآخر بكل تقدير وإحترام، وليس خطاب المغالطات والفجاجة الذي يحرك الغرائز ويحي الفتنة. ومن هنا مثلا، فإن المهنية لا تعني إن الصحفي هو مجرد آلة تصنع المواضيع وتفرخ الخبطات الصحفية، بل هي تعني أن الصحفي هو إنسان منفعل ومتورط إلى حد بعيد فيما يدور حوله، ليستخلص كل ما يمكن أن يضمنه رسالته النبيلة تجاه المجتمع من إشارات إيجابية، وهو قبل كل شيئ مواطن له وجهة نظره الخاصة.

    الحركة الشبابية: منذ أيامها الأولى، إعتمدت الإنقاذ سياسة كسر الهمّة وتجفيف المواعين التي تسمح بتفجر وتدفق الطاقة الثورية الهائلة والكامنة في الشباب. فدفعت بهم إلى المهاجر والمنافي في نزيف لم يشهد السودان مثله. وعملت الإنقاذ بشكل دؤوب على تقليص المادة العلمية والوطنية الحقيقية في مناهج التعليم لصالح آيديولوجيا الحزب الحاكم تحت مسمى المشروع الحضاري، الأمر الذي جعل التجهيل هو سيد الموقف. لم يبرز تيار شبابي قوي يمتلك العدة والعتاد لمبارزة وهزيمة مشروع التجهيل. أما الحركة الطلابية، فظلت مشغولة بتصفية قضايا السكن والإعاشة وإنتزاع حقوق النشاط الطلابي في الجامعات والمعاهد العليا، والعنف الطلابي مع منسوبي المؤتمر الوطني. كل هذا كان له بالغ الأثر في ضعف الحراك المتوقع من الشباب، خاصة أن الشباب، وبالتحديد الطلاب، كانوا دائما روح الإنتفاضة والتغيير ضد الديكتاتوريات السابقة في السودان. لكن، قطعا سيستعيد الشباب السوداني زمام المبادرة إذا ما تحرر من تلبية النداءات البدائية/الغرائزية المهلكة، وركل الدعاوي الظلامية التي تدفع به إلى مهاوي السطحية واللامبالاة والإستلاب، وإستجاب للحراك التاريخي لبلاد السودان نحو مزيد من التلاقح والإنصهار والإندماج بين الأعراق والثقافات والمعتقدات، حتى يتحقق فعلا بناء هوية سودانية، وبناء وطن يراعي ويصون مبدأ التنوع في إطار الوحدة.

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...