السبت  20  ديسمبر  2014
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • ماذا لو دخلتم المدرسة التركية !

    January 22, 2012  

    محمد عبد الله برقاوي..
    [email protected]

    ليس من الانصاف العداء المطلق لجماعة سياسية ما، أو فكر بعينه لمجرد أنك لاتستلطف الشكل أو اللون ..!
    ولئن تعددت مشارب السياسة ، و تباينت ضروبها الفكرية ومدارسها ، وتوجهاتها ، فان النظر الى لب الأمور بعقلانية ، من كل طرف تجاه نقيضه ،
    لا ستنباط الايجابيات ايا كان قدرها، دون الركون الى أخذ تجربته ككتلة من السلبيات ، لهو المنفذ الأمثل لتقييم التجارب ، وان تباعدت المسافات واختلف الواقع من مكان الى اخر !
    فالصين التي باتت واحدا من عمالقة الحل والربط الخمسة ، في العالم ، خرجت من رحم التجربة اللينينية الماركسية كجنين في بداية خلقها بعد الثورة ، وما لبثت أن اجترحت لنفسها خطا مغايرا ربما البسها ثوبا من عداوة المعسكر الشرقي أكثر لونية من عداوتها للغربي !
    بيد انها بانصرافها ذاك استفادت من مكونها السكاني في تحريك الاتها الانتاجية الضخمة التي اكتسحت العالم كتنين جارف ، فما وصلت الى مكانتها الا بمراجعة التجربة ، فكريا واقتصاديا وجنوحا الى الانفتاح بالفهم الخاص لها ، كنظام سياسي يتبنى ايدلوجية بعينها ، وكيان صناعي متفرد ، بما لم لم يفقدها ذاتيها ، ولم تعد تتورع عن التعاطي في تبادل المصالح مع من هو يميني أو يساري أو حتي تتبادلها في سفور مع أكثر الدول تصنيفا بلبوس التنطع الديني في أكثر من قارة !
    فتفوقت في النجاح على المركز الأم في موسكو بالحفاظ على كيانها ، فيما تفككت قلعة الاشتراكية السوفيتية و تحطمت جراء ضغطها لذاتها في بوتقة تحجرها ، ولم تصمد كثيرا حيال ثقوب الاختراق الداخلي التي غذتها مثاقب الدفع الخارجي من عدة جبهات!
    فانقلب حالها من نصير للثواركما كانت تزعم في أوج عظمة قطبيتها في ثنائية تقاسم العالم مع ضرتها وقتها أمريكا ، الى مدافع عن الدكتاتوريات في عداء سافر لهبّات الشعوب ، بل وأصبحت موردا أساسيا للنصال التي تذبح بها الأمم التائقة للحرية و لعلنا لا نحناج الى شواهد لذلك البتة!
    مثلما نحن في حل عن التعرض للنهايات المأساوية لنماذج أخرى للحكم الاشتراكي مثل التي انتهت اليها تجربتا كوبا وكوريا الشمالية !

    وربما مرارة تجربتنا مع حكم الاسلاميين الطويلة والفاشلة والتي تصر على تكرار المصائب بالمزيد منها ، في السودان وهي التي زرعت في النفوس جراحات لا يمكن أن تبرأ بسهولة ، لاسيما وقد اصابت سكاكينها الثلمة في التجريب رقبة الوطن ، وقطعت جانبا من وريده الذي نزف عنه ، بشرا وترابا وثروات وتاريخ غاليا حملته الجغرافيا طويلا ..وهنا ..على وهن!
    ولعله بالمقابل فان اطلالة الاسلاميين في لبوس آخر، في أكثر من موقع بعد الربيع العربي اللافح ، ومن خلال صناديق الاقتراع ، باعتبار انه حق مارسته شعوب تلك البلاد وانتخبتهم ، وبحسبانها ايضا أمامها الفرصة لتقييم تجربتهم في نهاية دورة تداولهم ، ان هم أوفوا الى النهاية بقبول التداول ولم ينقلبوا على الديمقراطية التي حملتهم الى الصدارة!
    ولم يكرروا ولو بصورة أخرى ، ما جرى عندنا في يونيو89 !
    فان سارت الأمور على هذا النحو فلابأس من ذلك برمته ، ولا أحد ينكر عليهم الانسجام في العملية السياسية الديمقراطية في كل منعطفاتها !

    ولعلي في أكثر من مناسبة لم أخفي اعجابي بتجربة الحكم في بعض بلدان العالم الاسلامي ، مثل ماليزيا ، واندونيسيا !
    ولكني أشد أعجابا بالتجربة التركية ، التي أري انها تمثل مدرسة قائمة بذاتها ، لاعتبارات عدة ، أهمها انها تقوم على التطبيق المفيد للبرامج التي لا ترتكن الى التزمت في العداء اللامبرر مع العالم الخارجي ، من زاوية عقدية أو تقييم خاطيء ، دون التركيز على أن العالم في شرقه وغربه قد بات كتلة واحدة ، تتدحرج وفقا لمجريات المصالح وتقفز فوق ا لتضاريس التي تعيق منافعها !
    فكان النهج التركي للاصلاح بعد نجاح حزب العدالة الاسلامي في انتخابات عام 2002 ضمن منظومة التوافق على شكل الدولة المعروف دستوريا هناك ،واستلامه مقاليد الحكم ديمقراطيا ، نموذجا حيا في انتهاج سياسات الاصلاح الاقتصادي التي خفضت على مدى تسع سنوات فقط مستوي التضخم من 56 في المائة الى عشرة فقط ، وقفزت بالبلاد على المستوى العالمي الى المركز السادس عشر في مصفوفة أقوى الدول اقتصاديا ، بل وأصبحت منتجات تركيا بحكم تشجيعها للاستثمار الصناعي والزراعي والتجاري بتقصير ظل البيروقراطية ومحاربة الفساد بكل اشكاله وحيادية القضاء و الاعلام وفصل السلطات بصورة أعم، ومرونة اجراءات الدولة حيال الداخلين الى تعاملاتها ، باتت تلك المنتجات تغطي مائة وتسعين دولة من مجموعة الدول الأعضاء في الامم المتحدة !

    وقد ارتفع دخل الفرد التركي من ثلاثة الاف دولار الى عشرة الا ف سنويا في أقل من عشر سنوات!
    وشمل التأمين الصحي كل تعداد الدولة البالغ ثلاثة وسبعين مليونا ، في دولة تستقبل ثلاثين مليون سائح سنويا ! فارتفعت الميزانية العامة من خمسة وثلاثين مليار دولار في بداية حكم العدالة الى مائة وثلاثين مليارا ، يتصدرها بند التعليم ، ويليه بند الصحة ، ثم الاستثمار والزراعة ..وقفز قطاع النقل والمواصلات بآلالياته وبناه التحتية معدلا خرافيا !
    أما ميزانية الجيش وألأمن فانها قد رتبت وفقا لضرورة الأولويات دون انتقاص في ارقامها ودون أن تتغول على حدود بنود الخدمات الأخري!
    الى درجة ان الدولة ،تقدم معونات تحفيزية للاسر بغرض الحاق اطفالها بالمدارس وهي مجانية ،لاسيما الفتيات ، وتسلم تلك المبالغ بصورة مباشرة للامهات ، باعتبارهن أكثر حرصا على ترشيد المبلغ في المكان الصحيح !

    لا ريب ان الركون الى افتعال المشكلات مع المجتمعات باسم الفضيلة ، انصرافا عن مهام الحكم الأخري التي بالتركيز عليها دون شك وتحقيق نجاح فيها يتمثل في رفع مستوى المعيشة ، والنهوض بالتنمية في شتي ضروبها ورفع أثقال الخدمات عن كاهل المواطن ، لهي من مسببات توفر العدالة في اي مجتمع ، وبالتالى تنداح الفضائل كمردود طبيعي للاستقرار وشعور الناس بالاطمئنان والامان في ظل الحكم ايا كان نمطه الفكري ، فالعبرة في النهاية بالنتائج والحصاد .
    فلن تتحقق دولة القداسة بالكبت وافتعال النزاعات واشعال الحرائق والتضييق ، والتغول على حريات الآخرين أو اقصائهم وتشريدهم ، بما يفتح المجال لانفراط عقد النظام ، فيصبح نهبا لتسلط الموالين ، باسم الدين واستغلالا لأحكام شريعته السمحاء للتنكيل بالاخرين ، وارتياد الفساد في شتي صنوفه وأشكاله ، ولنا في مآلات الانقاذ ، اسوأ الامثلة ، مثلما وحتي لا يقال اننا نتحامل على الاسلاميين على اطلاقهم أو نتجني ،فاننا ننحني اجلالا للتجربة التركية الواعية والراشدة ، كقدوة حسنة ، ومدرسة كبرى ، ماذا لو كان الآخرون قد ارتادوها مبكرا، ولو من مرحلة الحضانة ، وصبروا على التدرج في مراحلها ، لان تجارب النمط الايراني والانقاذي على سبيل المثال لا الحصر قد اثبتت ان العجلة من الشيطان وهو ما قادهما الى تكرار العثرات ، دون أخذ العبر رغم طول المشوار!
    ولعلهم لم يدركوا بعد ، رغم كل ذلك التمادي في الاخفاق ، ان التأني والحكمة والتروي والتفكر في بداية العزم لهو من مقومات الايمان . لمن قال يا رحمن!
    يا هدانا واياكم الله المعين ..
    والمستعان ..

    وهو من وراء القصد..

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...