الأحد  20  إبريل  2014
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • حصـــــــان الغجــــــــــر..بقلم: عباس داخل حسن

    October 15, 2011  

    اصبحت صورة الحصان الذي يكسب الرهان تتصدر الصفحات الاولى ومالبثت  اخباره حديث الساعة واليوم وعلى مدار السنة دون انقطاع في الصحف ونشرات اخبار الرياضة وحتى قرية الغجر بدات حريصة على تتبع اخبار ذلك الحصان الذي تركوه طليقا لتفادي شؤوم حل بهم في مناسبة سعيدة لكنها لم تنتهي كذلك على الاطلاق لم ينقطعوا عن التفاخر بانه حصانهم وتخلوا عنه بارادتهم مثلما اخفقوا بالتخلي عن  اغانيهم الحزينة لشهرة الاخرين  مترعين بالرقص معظم اوقاتهم الغير سعيدة وان بدت للاخرين غير ذلك فهم مستوعبين وجودهم بدون عناوين ولابطاقات تعريف يستطيعون تغيير اسماءهم ان شاءوا ويرتحلوا دون اعتبارات للخطوط الوهمية هذه السعادة المارقة الوحيدة التي منحها الله لهم ليفتخروا بسلالاتهم الجدلية دون نكران لوجودهم النقي في الحياة ودون خضوع لقوانيين الهجرة وشهادات الميلاد والممات التي تمنحها الدوائر المختصة ولهذا استبعدوا عن حقوقهم بالتملك لاي شيء يذكر ارض اوعقار او مزارع كل ماهو خلاء مشاع يصبح بيتهم وكل جذوع الاشجار اعمدة لخيامهم وعرباتهم ولذلك لايستطيعون الادعاء بحق ملكية لحصانهم الذي كان يوما ما مجرد حصان هزيل ونحيف يسحب عربة لعروسين اختفيا والى الابد في حادث غامض يتذكره الجميع ولايتحدثون  عنه مثل عار لحق بهم مسحته شهرة الحصان الذي عوضهم  عن  ذكرى اليمة ليتبادلوا اخبار انتصاراته بكسب جوائز طائلة  الحصان الذي اصبح نجما يعيش بعربة مكيفة في تنقلاته وعناية فائقة من فريق طبي يرافقه في حله وترحاله وياخذ حمامات وتدليك بايدي الشقروات الناعمة الجميع يطلق تنهديات الغبطة لذلك المخلوق السعيد الذي يسهر على استحمامه وعلاجه فريق كبير من الناس المحترمين دون ملل اوكلل وتتدافع عليه كاميرات التصوير بمناسبة ودون مناسبة لكن الغجر بقوا اوفياء بذكر انتماءه اليهم وان لم يعير الاخرين اهمية تذكر اوالحديث عن اصله البته ويتحاشى مالكه الجديد عن ذلك قدر الامكان لانه تملكه محض صدفه عندما وجده ضالا ومتعب بمحاذات مزرعته وآواه بكل عناية واحترام وصرف عليه كثير من الوقت والمال ولن يتوقف مسعاه في بث العنفوان في عضلاته ليصبح ممتلء بعافية وممشوق برشاقة مدهشة  وهيبة غير مسبوقة لكسب السباقات التي جلبت عليه وعلى مالكه الحظ والشهرة فحين جلبت على اصحابه الندم والغصة وذكرى مؤلمة حيث تتذكر العجائز والشيوخ ذلك اليوم المشؤم لعرس لم يكتمل وطبعت تفاصيله ونقشت على حجر ذاكرتهم دون فكاك رغم تحاشيهم  الحيث او الافصاح عن تلك المناسبة ، تسللت داخلهم واستقرت الى الابد في قعر وجدانهم ولبثت مثل شقاء ذلك اليوم الربيعي البارد حين خلع العريس  لفافة عنقه  واشتبك مع عروسته بقبلة طويلة لحد انقطاع النفس قفزا فوق مكنسة  من غصان الحور وسط هالة تصفيق الحضور وزغاريد العجائز المترهلات قطعا رغيف الخبز واطعما بعضهما وراحت تيريزا تقطع ماتبقى على راسيهما وسط صخب وتصفيق ورقص محموم وغناء جوقة المحتفلين وواصل عازف الكمان يشد على الاوتار بحماس حتى شعر بحرارة اللحن تسري بكامل جسده النحيف  حمل العريس عروسته ورمى بها الى العربة المزينة برسوم مروج خضراء تنتهي عند جرف صخري قاسي النتوءات لبحر ازرق شفاف زينها بنفسه ثم غز  الحصان الوحيد في قرية الغجر بين رهط من بغال القرية وانطلقت العربة وتلاشت في الافق البعيد وسابقت الريح مخلفة هالة من غبار اديم الارض ليختفيا بعيدا عن معسكر الغجر كما تلزم العادات المتوارثة ليعودا في نهار اليوم التالي لاكمال مراسم الزواج

    في اليوم التالي تهيا الجميع لطقوس حفل الزواج  وبدا الكل يعد الساحة ذهابا وايابا امام مخيم مبعثر وانشغلت العجائز البدينات حول موقد مليء بالقدور واركن عجيزاتهن على صفائح فارغة   بدائرة مستديرة ومضى النهار اسرع من سابقاته وسط جلبة الاطفال والكبار حتى دب ملل من انتظار مماحدى باحدى العجائز تطلق عبارتها التي باتت من المؤكد

    ربما لن يعودا وهربا بعيدا عبرا حدود وحدود

    اجابتها تيريزا اخت العروسة المنتظرة

    نحن من سلالة نقية لانعرف الهروب

    امتلا المكان بوحل الشك والريبة وارتفع دخان الترقب وبدات الشمس تتمايل نحو الافق شيئا فشيئا وبدات اشجار الصنوبر ترخي ظلال قاتمة تزيد من عتمة مبكرة لمساء حزين بدات فيه السماء صافية تماما لاشيء غير دخان التكهنات وبدا الرجال ينتابهم قلق وترتسم على محياهم ذهول لفضيحة مجهولة لايملكون مفتاح حلها مسد  ابو العريس وكبير الغجر شاربيه مثل عشبتين نافرتين يمينا وشمالا فبدا مثل وجه ارنب بري سمين قائلا

    غدا سيخرج الجميع بالبحث عنهما بكل الاتجاهات منذ الفجر

    تقلب الجميع في ليلة وغى اختلطت فيها  ظنون الخزي والهوان  دون بوح لما هو قادم في الصباح وانقضى الصباح والنهار بترقب غير محمود العواقب حتى اجتمع الرجال العائدين في وسط باحة المخيم وشاع الخبر مثل حريق هائل مع اتمام ابو العريس للخبر

    وجدنا العربة والحصان ولم نجد العروسين كارثة …. كارثة !!!

    غرق الجميع في خيبة وبدت مساحة الحزن والغضب المكتوم تتسع حتى لفت المخيم باكمله بصمت مزقته صرخة تريزا قائلة

    مستحيل ..مستحيل انا اعرفهما مثل نفسي لايفعلا ذلك  اطلاقا؟

    ولم يتجرأ احد على السوال عن بقايا ممتلكات العروسين لان العادة جرت في مثل هذه الاحداث ان تحرق ممتلكات الغياب والاموات ولذا فعل الرجال بحرق العربة في مكانها واطلقا الحصان حرا طليقا بعيدا عنهم لكنهم يعرفونه من بين الف شبيه لعلامة فارقة على غرته البيضاء عبارة عن اثار صليب نتجة كي بآلة حديدية من صنعهم مثل ختم اوشم قديم لايمحى .

    [email protected]

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...