الثلاثاء  21  نوفمبر  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • دراسة : الإناث في تنظيم الدولة الاسلامية قد يَكُنَ أخطرُ من الرجال

    October 9, 2017  

    (ترجمة محمد غيث قعدوني)

    يثير هذا التقرير الصادر عن المركز الدولي لدراسة التطرف العنيف، تساؤلات مُرعبة حول المجندات العائدات من “أرض الخلافة” – إذا ما كان بمقدورهن العودة أصلاً.

    كلمة المحرر: كريستوفر ديكي،  محرر الأخبار العالمية.

    بينما تعقبت الشرطة الإسبانية عناصر الخلية الذين نفذوا هجوماً إرهابياً أرعب البلاد يوم الخميس، من جديد وبشكل يمكن التنبؤ به، كانت الأسماء التي برزت على السطح تعود لذكور غالبيتهم في سن الشباب إذ يُشكلُ هذا السن النموذج الكلاسيكي للجهاديين، بيد أنه يرى كثير من خبراء مكافحة الإرهاب اليوم بروز نوعٍ جديد من التهديد يُسميه الفرنسي /آلان باور/ المتخصص بعلم الإجرام”تأنيث” الدولة الإسلامية المزعومة، المحاصرة في الشرق الأوسط والتي تتطلع إلى تشديد وطأة حملتها الانتقامية المروعة ضد الغرب.

    ورغم أنه لربما تكون نسبة النساء في صفوف التنظيم قليلة بعبارات نسبية، إلا أن باور يقول: “لم نكن نرى الكثير من النساء داخل تنظيم الدولة من قبل”. ففي فرنسا على سبيل المثال، فككت الشرطة الفرنسية العام الماضي خلية جميع أفرادها من النساء اللواتي خططن لركن سيارة مفخخة قرب كاتدرائية نوتردام في العاصمة باريس وهي وجهة سياحية بارزة وذات أهمية دينية أيضاً.

    في هذه الأثناء، تقول مصادر أمنية فرنسية إن قوات المهام الخاصة الأوروبية /الكوماندوس/ تستهدف النساء المقاتلات في صفوف تنظيم الدولة في ميادين القتال في الشرق الأوسط تماماً كما هو حال نظرائهم من الرجال، بمهمات التعقب والقتل. وبالفعل هناك تقليد قديم وشائع في أوساط أجهزة الأمن الأوروبية يقول: “اقتلوا النساء أولاً”- وقد وثقت الصحفية البريطانية إلين ماكدونالد هذا التقليد بالتفصيل عام 1991 بعد إجرائها بحثاً موَسَعاً حول الإرهابيات في صفوف اليسار المتطرف والفلسطينيين. وقبل 45 عاماً، تَحدث خبير أمني رفيع المستوى إلى ماكدونالد قائلا: “تتمتعُ الإرهابيات بشخصيات أقوى ومزيدٍ من القوة والسلطة من نظرائهن الإرهابيين”. وهناك أمثلة عِدة نرى فيها كيف أن الإرهابيين المحاصرين ترددوا قبل إطلاق النار على عكس النسوة اللواتي أطلقن في الحال”.

    ودرست ميا بلوم عن كثب دوافع وتأثير النساء اللواتي نفذن عمليات انتحارية بدءاً من روسيا مروراً بسيريلانكا بالإضافة إلى الشرق الأوسط. وكتبت بلوم في دراستها عام 2011 التي حملت اسم مفاجأة مذهلة: النساء والإرهاب، ما يلي: “تميل الانتحاريات للنجاح أكثر من الانتحاريين” وإن الرسالة التي توصِلها هجماتهن إنما هي مميزة عن رسالة الرجال بحيث تقول: “لم يعدُ الإرهاب ظاهرة هامشية لاسيما وأنت مُحاط بالمتمردين”.

    ولكن لماذا بحق السماء تنضم النساء إلى “خلافة” تنظيم الدولة الإسلامية الوحشية والعنيفة في الغالب والكارهة للنساء عقائدياً؟.

    في الحقيقة، إن هذه الدراسة التالية التي أعدتها آنا سبيكهارد وأرديان شاجكوفسي من المركز الدولي لدراسة العنف المتطرف، والمرتكزة على مقابلات شاملة ومضنية مع العشرات من الرجال والنساء الذين قاتلوا في صفوف تنظيم الدولة ومن ثم تخلوا عنه أو وقفوا ضده، لَتُجيب على أسئلة حساسة في توقيت حساس حول “تأنيث” تنظيم الدولة.

    بروكسل- عندما كانت لورا باسوني في سن التاسعة عشرة فقط وتحولت إلى الإسلام، تخلى زوجها عنها. ولأنها كانت عازمة على تعميق التعبير عن إيمانها أملاً في جذب اهتمام رجل يحافظ على التزاماته بالحياة الزوجية والعائلية، فقد ردت باسوني على خطوة زوجها بإنشاء حساب فيسبوكي أكثر ورعاً وإخلاصاً، وسرعان ما اتصل بها أحد المُجَنِدين في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية.

    وعَدَ هذا المُجَنِدُ لورا باسوني بزوجٍ لن يتركها أبداً وبيتٍ في سوريا ودراسة جيدة لابنها وأن يُدربها لتصبح ممرضة. ولأنها  كانت محطمة القلب ومن باب رغبتها بالإيمان، وافقت باسوني على السفر إلى الدولة الإسلامية. وتَجَنُباً لكشف أمرها، سافرت  براً إلى فينيسيا /البندقية/ مع طفلها والرجل الذي اختارته بناءً على نصيحة المُجَنِد ثم قصدوا مدينة أزمير التركية على متن سفينة سياحية. ومن هناك، تابعوا رحلتهم بسيارة أجرة إلى غازي عنتاب ومنها عبروا الحدود إلى سوريا للالتحاق بصفوف تنظيم الدولة. كانت باسوني ترى في رحلتها أنها فترة رومانسية أكملت فيها زواجها من شخص غريب تقريباً.

    وكان انضمام باسوني إلى تنظيم الدولة بعيداً كل البعد عما كانت تتصوره، وانتهى الأمر بها إلى البقاء في “بيت الأخوات” بينما التحق زوجها بدورة تدريبية لتعلم القتال وأصول الشريعة. ودُعِيَت باسوني أيضا للخدمة مع التنظيم كفتاة إغواء على الإنترنت أو عنصر في شرطة الآداب أو /الحسبة/ بيد أنها رفضت كِلا العرضين.

    بعد ذلك أصيبت باسوني بخيبة أمل كبيرة لا سيما وأنها وجدت نفسها حبيسة المنزل بينما كان زوجها بعيداً يقاتل مع التنظيم. والحقيقة لم تتبلور أي من وعود التجنيد لصالح التنظيم، بصورة مادية- حيث لم تتلقَ باسوني أي تدريب على التمريض كما أنها لم تجد الثراء. ووجدت نفسها مضطرة أن تترك ابنها يلعب وحيداً في الخارج دون مراقبة وتوجيه أو أن يذهب إلى المسجد مع “الأخوة” وهم مقاتلون آخرون في صفوف التنظيم. ولأنها رأت بأمِ عينها مدى صغر سن الشباب الذين جندهم تنظيم الدولة في ما يسمى أشبال الخلافة حيث يصبح الكثير منهم انتحاريين، فقد خشيت لورا باسوني من أن يواجه ابنها مصيراً مماثلاً، كما وأصبحت حامِلاً.

    باتت باسوني يائسة من الهرب فأخذت ابنها بسيارة أجرة وتوجهت صوب حدود أراضي تنظيم الدولة بيد أن السائق الخائف سلمهما إلى شرطة التنظيم. بعد ذلك وافق زوج باسوني على أن يشهد لصالحها ثم وضعوها رهن الإقامة الجبرية تحت حراسة عناصر التنظيم أثناء غياب زوجها مما حال دون محاولتها الهروب مجدداً.

    تمكنت باسوني في نهاية المطاف من إقناع زوجها بأن ينضم إليها في محاولة للفرار، وبمساعدة المهربين شقت العائلة الصغيرة المكونة من ثلاثة أفراد طريقها إلى بلجيكا.

    ولو  تم إلقاء القبض عليهم لكان من المرجح جداً أن يتم قطع رأس زوجها وإعادتها إلى مدينة الرقة/ معقل التنظيم في سوريا/ من ثم إجبارها على الزواج من مقاتل آخر. وبحسب روايات شهود عيان في مشروعنا الذي يحمل اسم “مقابلات مع المنشقين عن تنظيم الدولة” ، فقد قام المهربون باغتصاب بل وفي بعض الأحيان قتل نساء أُخريات حاولن الفرار.

    اليوم، يقضي زوج باسوني فترة محكوميته في بلجيكا في حين تم إخلاء سبيلها بشروط وإعادة أطفالها الذين انتُزِعوا مِنها مؤقتاً إليها حيث يعيشون اليوم في رعايتها.

    وتقضي باسوني وقت فراغها بإلقاء المحاضرات على مسامع الشباب البلجيكي حول مخاطر الانضمام إلى تنظيم الدولة. وإليكم هنا مقطع فيديو لمقابلة مع المركز الدولي لدراسة العنف المتطرف.

    تأخذ قصة باسوني نمطاً مشابهاً لقصص الكثير من النساء اللواتي يلتحقن بصفوف تنظيم الدولة الإسلامية. وغالباً ما ينطوي الطريق إلى العنف دائماً على التفاعل الكلاسيكي بين أربعة عوامل مهمة أولها التنظيم فأيديولوجيته فالدعم الاجتماعي وأخيراً المحفزات الشخصية ونقاط الضعف، ولكن هناك أيضاً وعلى نحوٍ عادي أسباباً أكثر تحديدا.

    أحد هذه الأسباب هو الغضب السياسي، حيث رأى كثير من المسلمين من الرجال والنساء في أرجاء المعمورة بأمِ أعينهم كيف غرقت سوريا في أتون الفوضى والعنف في ظل حكم بشار الأسد. وقد تنامى الغضب في قلوبهم وهم يشاهدون سياسة الأرض المحروقة التي انتهجها الأسد ليس فقط ضد معارضيه بل وضد المدنيين أيضاً. إن استمرار ارتكاب هذه الممارسات الوحشية إلى يومنا هذا والتي غالباً ما تعادل بوحشيتها تلك التي يرتكبها تنظيم الدولة ضد السكان المحليين الذين يتحدّون حكمه، لا تضيع سدى على المجندين المحتملين. وكما هو الحال مع نظرائهم من الرجال، كانت دوافع بعض النساء اللواتي انضممن إلى تنظيم الدولة في وقت مبكر من بداية الصراع، متأصلة في القلق البالغ من وحشية الأسد في سوريا، ورداً على المأزق السياسي الذي تمر به البلاد.

    وبالفعل فقد حَرَضَت سَرَدية تنظيم الدولة ومن قبله تنظيم القاعدة، نساءً أخريات على الانضمام إلى صفوف هذه الجماعات، لا سيما وأنها تقول إن الإسلام والمسلمين وأراضيهم تتعرض لهجوم القوى الغربية وإن الجهاد الدفاعي بات أمراَ ضرورياً.

    وتم إغراء تلك النساء عبر أشرطة الفيديو التصويرية على موقع يوتيوب والتي تظهر المعاناة الحقيقية للمسلمين والظلم الذي يتعرضون له في كل بقاع الأرض تحت حكم الديكتاتوريين المدعومين من قبل القوى الغربية. و لربما يكون للأثر النفسي لصور الحروب التي يتابعها الغربيون مجتمعة مع الخسائر في صفوف المدنيين، دوراً مهماً في قرار النساء بمحاولة الدفاع عن المستضعفين.

    في الحقيقة، غالباً ما تبني النساء والفتيات تقيمهن بشكل أكثر ارتباطاً مما يفعل الرجال فيما يتعلق بمسألة الحكم الأخلاقي، ولربما يحكمن على ما قد يُعرفُ عادة بأنه عمل لا أخلاقي أنه أخلاقي فعلاً إذا كان ينقذ الحياة وبالأخص حياة شخص ما تربطهن به علاقة.

    لقد نجح تنظيما الدولة الإسلامية والقاعدة في كسب الولاءات لدعم أمة عابرة للحدود /الأمة الإسلامية/ وبناء فكرة العائلة الأكبر وتعني /الأقارب الوهميين في مصطلح العلوم الاجتماعية/ عبر تأسيس دولة الخلافة الإسلامية المزعومة.  كما ونجح التنظيمان أيضاً في الاستفادة من مختلف أبعاد الشعبوية وتعزيز مذهب لا يحاول اللعب بمشاعر المسلمين في أرجاء المعمورة فحسب، بل ويوحد مطالبهم ضد العدو المشترك وهو الغرب.

    و لك أن تُضيف إلى هذا الخطاب خطاب التمييز والتهميش المعقد بحق المسلمات في الدول الغربية. وفي أوروبا، قد تجد النساء اللواتي يُردنَ ارتداء الحجاب أو النقاب/ غطاء كامل للوجه/ أو برقعاً للغرض ذاته، أنفسهن خارجات عن القانون في بعض البلدان كما قد يتم تهميشهن في أماكن العمل أو تجاهلهن بالوظائف لا بل قد تتعرض بعضهن للمضايقات في الشارع.

    ويمكن أن يكون المُجَنِدون الذين يبشرون بتحرير المرأة وتمكينها سياسياً واقتصاديا، مقنعين جداً بالنسبة للنساء اللواتي يشعرن بالخيبة والقلق من جراء العيش في الغرب، حيث يُحكى لهن عن دولةٍ طوباوية تضم جميع المسلمين وأن تكون مسلماً فيها لهي ميزة ضد الضرر، وحيث يوعَدُ جميع الراغبين بالانضمام لها بالكرامة والشرف والغاية والأهمية ناهيك عن المنفعة المادية من قبيل توفير السكن المجاني والتدريب على العمل والرعاية الصحية المجانية والرواتب والحياة الرغيدة.

    وبالنسبة لكثير من النساء اللواتي يلتحقن بصفوف تنظيم الدولة، فإن الانتقال الجغرافي إلى سوريا والعراق يشكل هروباً ساحراً من المشاكل الشخصية والعاطفية- فمثلاً أن يهربن من أبٍ أو زوجٍ سكيرٍ عنيفٍ لا يُطاق – أو عدم قدرتهن على اجتذاب رجلٍ يجدنَ فيه شريك حياتهن المناسب.

    حتى وقت قريب جداً، وعندما بدأ يخسر مساحات كبيرة من الأراضي في سوريا والعراق، كان تنظيم الدولة يزعم أنه يجسد المُثُل الإسلامية بصورتها الحقيقية. ودُعيت النساء للانضمام إلى التنظيم أملاً في التكفير عن ذنوبهن وبالتالي دخول الجنة بعد الموت.

    ووفقاً لدعوة الخلافة فإنه يمكن لأي رجل أو امرأة /أذنبَ/ت/ أن يعتق نفسه/ا/  من خلال الانضمام إلى تنظيم الدولة والأهم من ذلك عبر التطوع لتنفيذ عملية انتحارية. وليس هناك ما يعادل “نيلَ الشهادة” لمن يؤمن بها لضمان مكان فوري له في الجنة.

    كثيراً ما يُعتَقَدُ أنه يتمُ إكراه النساء أو حتى إجبارهن على أن يتبعنَ أزواجهن في الانضمام إلى تنظيم الدولة. وفي بعض الحالات، تلعب المخاوف من الهجران، والولاء والتخويف دوراً في ذلك.

    وهذا ما حدث مع الأوربية /ليلى/ عندما سافر خطيبها في البداية إلى اسطنبول بهدف الانضمام إلى تنظيم الدولة، سلمته للشرطة. اعتقدت ليلى أنها أنقذت خطيبها من الذهاب والالتحاق بصفوف التنظيم، بيد أنها اكتشفت بعد زواجها أن زوجها لم يتخلَ عن حلمه.

    بعد ذلك، واجهها زوجها بخيارٍ صعب ألا وهو الطلاق إذا رفضت السماح له بالانضمام إلى تنظيم الدولة، أو كما قال لها: “كونكِ زوجة مسلمة جيدة تدعم وتطيع زوجها” أملاً في أن يتحقق كل ما أراد، فما كان منها إلا أن أطاعته.

    قٌتِلَ زوج ليلى تاركاً إياها حامِلاً و تخشى أن يتم إجبارها على الزواج من مقاتل آخر حالها حال غيرها من الأرامل في صفوف التنظيم. كافح والدها بشجاعة لتوظيف مجموعة من المهربين سعياً لإخراجها من سوريا قبل أن تضع طفلها داخل حدود الدولة الإسلامية، ووافقت ليلى على ذلك. ولكن حالما بدأت طريق حريتها المحفوف بالمخاطر، أدرك تنظيم الدولة أنها تحاول الهرب وعليه راسَلَ والديها مطالباً إياها بالعودة لكي تلد طفلها أولاً وتُرَبيه وكما نصت الرسالة: “الطفل لنا” لكنها في نهاية المطاف تمكنت من الفرار مع الطفل.

    ولحسن الحظ، لم تواجه ليلى مصير كثير من النساء اللاتي تم تهريبهن بمفردهن إلى بر الأمان إذ تعرضن للاغتصاب والإكراه من قبل مجرمين.

    ووفقاً لإحصائيات تمكن من جمعها الباحثون في المركز الدولي لدراسة التطرف العنيف، فإن معدل النساء الأجنبيات العائدات من تنظيم الدولة هو أقل بكثير من معدل الرجال. ومن غير المرجح أن يكون ذلك صحيحاً لأنهن يُردن البقاء مع التنظيم. وربما يعكس الحقيقة القائلة بأنه من الصعب أن تهرب المرأة من تنظيم الدولة دون أن تملك المال وبالتالي تعيش باستمرار تحت سيطرة الرجال ولا تخرج من البيت إلا بصعوبة بالغة ثم تتعرض للسلب والنهب من جانب المُهربين حالما تبدأ الرحلة.

    واجهت النساء اللواتي ولدنَ داخل أراضي الدولة الإسلامية، صعوبات بالهرب مع أطفالهن الذين لا يملكون وثائق هوية مُعترفُ بها رسمياً. فعلى سبيل المثال، اتصلت أم بلجيكية في تنظيم الدولة بقنصلية بلادها في تركيا قبل محاولتها الفرار من أراضي التنظيم إلا أنهم قالوا لها إنه يتعين على زوجها ووالد أطفالها الحضور لتقديم طلب للحصول على أوراق لأطفالها. قررت الأم البقاء بدلاً من محاولة الهرب دون يقين من ضمان الحصول على وثائق أطفالها في نهاية المطاف بحسب المقابلات التي أجريناها في بلجيكا العام الماضي.

    وقد نجح تنظيم الدولة في جذب البالغات والمراهقات إذ هربت فتيات المدارس من لندن وسكوتلندا أو هولندا وقيرغيزستان للانضمام إلى تنظيم الدولة. وفثتِنَ بعضهن بالمغامرة وتَحَمَسنَ بفعل رجال وعدوهنَ وعوداً رومانسية.

    وبالانتقال إلى منشورات مدونة مسؤولي التجنيد في تنظيم الدولة على الانترنت مثل /أم ليث/ و /طير الجنة/، نجد أنه من المرجح أن تلك الفتيات كُنَ يعتقدن أنهن ماضياتٍ في مجازفة رومانسية بطولية لتحسين حياتهم مادياً وإيجاد الحب اللامشروط، والثقة والإخلاص. وإن الوعود بالحياة الإسلامية والثروة وعلاقات الحب المُتَقِد لهي حالة مشتركة بين مسؤولي التجنيد على الانترنت من الذكور والإناث.

    وفي نفس اليوم الذي نشرت فيه شريط الفيديو الخاص به على صفحتها المزيفة على فيسبوك، اتصل مقاتل فرنسي بالصحفية الفرنسية آنا إيريل التي لعبت دور مراهقة ضعيفة صغيرة السن. وبسهولة كبيرة، يمكن أن توفر العلاقات على شبكة الانترنت الاتصال المتكرر وتنقل الاهتمام والعلاقة الحميمة الحقيقية. وكان هذا المقاتل الذي يحاول تجنيد الصحفية يطاردها باستمرار عبر مكالمات سكايب والرسائل النصية بالإضافة إلى الحديث معها مرات عديدة في اليوم الواحد. ويمكن أن تكون هذه كمية مُسَكِرة من الاهتمام بالنسبة لامرأة شابة وحيدة ومرتبكة. وغالباً ما يتحدث المُجندون على شبكة الانترنت إلى ضحاياهم أكثر من حديثهم إلى أفراد أسرِهِم، مُرَكِزين على نقاط الضعف والحاجيات.

    كثير من الذين انضموا إلى تنظيم الدولة ومن بينهم النساء، كانوا يعتقدون أن “خلافة” التنظيم سوف تقدم طراز حياة إسلامياً “نقياً” وأنها سوف تدير شؤونها وفقاً لـلمُثُل الإسلامية النقية، رغم سفك الدماء والوحشية التي أصبحت سمة مميزة لهذا التنظيم.

    وفي واقع الأمر، يلجأ تنظيم الدولة لاستخدام القسوة للتعبير عن الشجاعة، وبالإضافة إلى نجاحاته الميدانية، تمكن التنظيم عامي 2014 و2015 من استقطاب آلاف المقاتلين من جميع أنحاء العالم من بينهم مئات النساء من أجل ما صَوره على أنه قضية منتصرة.

    ويكمن جزء من قوة تنظيم الدولة في قدرته على شيطنة خصومه ومعارضيه وتفادي الصراع الأخلاقي الذي ينشأ مع القتل والمشاركة في الأعمال الوحشية. وعندما تتساءل النساء عن هذا المشهد المروع يجيب التنظيم أن “كل الثورات تتطلب سفك الدماء، ولكن في النهاية إن من سيعيش الإسلام “النقي” هم المقاتلون الذين يقاتلون من أجل القضية.

    في الحقيقة غالباً ما يعمل المُجَنِدون لصالح تنظيم الدولة كمُعجبين يوفرون حاجيات ضحاياهم في اللقاءات الأولى بعد ذلك يستدرجونهم إلى التنظيم شيئا فشيئا إلى الحدٍ الذي لا يوفر فيه لهم أي شيء بل يحصد أرواحهم بدلاً من ذلك.

    وبحسب تقرير أوردته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عام 2015،  فقد تساءلت شابة أمريكية، تركتها والدتها المتعاطية للخمور برعاية جديها في ولاية واشنطن، عن السبب الذي يدفع بتنظيم الدولة لقطع رأس صحفي. وتلقت هذه الشابة جواباً على سؤالها من قِبلِ مسؤولي التجنيد في التنظيم- الذين أخبروها أن “سفك الدماء هو سمة مميزة لجميع الثورات” وأن هذه أي “ثورة التنظيم” لا تختلف عن غيرها، ثم بدؤوا بإغرائها للانضمام إليهم عبر إغداق الاهتمام الزائد، والهدايا عليها.

    الشيء ذاته حصل لمراهقة لندنية تابعت حسابات تنظيم الدولة على موقع تويتر لتكتشف أن التنظيم تابعها وفجأة جعل منها شخصاً “مشهوراً” لدى كثير من المتابعين، ثم راسلها بهدف إقناعها بالانضمام إلى صفوفه. أخبروها أنه كونها مسلمة، فيتوجب عليها الهجرة، ويعني أن تسافر للعيش في الدولة الإسلامية بدلاً من العيش مُذنِبةَ في المملكة المتحدة “الكافرة” على حد تعبيرهم. وعندما احتجت بأنها ما تزال صغيرة جداً من أن تتزوج أحد “الإخوة”، أخبروها بأنها تستطيع أن تتزوج بعد عام أو نحو ذلك. وعندما استرعت قضيتها اهتمام السلطات البريطانية، اعترفت الفتاة بذلك من خلال الصور التي تلقتها وتظهر مساكن التنظيم في سوريا, وكانت تعتقد أنها سوف تسافر إلى “ديزني لاند” الإسلامية.

    المتحولون إلى الإسلام هم أكثر عرضة للتجنيد لصالح تنظيم الدولة، لاسيما وأنه غالباً ما تكون معرفتهم بأمور الدين محدودة جداً. وغالباً ما يريد هؤلاء إثبات أنفسهم  ويلجؤون أحياناً إلى العنف كوسيلة للتعبير عن إخلاصهم. وفي الوقت ذاته، قد يبتعدون عن أفراد عائلاتهم مما يتركهم لقمة سائغة في أفواه الآخرين الذين يبدؤون بملء تلك الهوة.

    وتندرج قصة المراهقة الأمريكية شانون كونلي في السياق ذاته، حيث تحولت كونلي من المسيحية الكاثوليكية إلى الإسلام في سن الـ17 ومن ثم حاولت الانضمام إلى تنظيم الدولة في سن الـ19. وجدت كونلي تفسيراتها للإسلام على شبكة الانترنت وأقنعها المتطرفون المتبنون للعنف أن الإسلام يتعرض للهجوم وأن الغرب هو عدو هذا الدين. وعندما استرعت كونلي انتباه مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية / إف بي اي/، أجروا مقابلة معها اعترفت خلالها  بتحميل تعليمات حول كيفية تنفيذ هجوم ضد كبار الشخصيات داخل الولايات المتحدة، وأنها باتت تؤمن أن القواعد العسكرية بل وحتى المدنيين الذين يترددون عليها يمكن أن تكون أهدافاً مشروعة لهجمات التنظيم.

    وتواصلت كونلي أيضاَ عبر سكايب مع مقاتل تونسي وأغرِمَت به، حيث أقنعها بأن تصبح بطلة عبر تركها لعملها في تنظيف الأسِرة، والزواج منه، والعمل كطبيبة مع تنظيم الدولة. وبناءً على ذلك، حاولت شانون السفر إلى سوريا بيد أنها شعرت بخيبة أمل كبيرة عندما تم اعتقالها على المَدرج وهي تحاول الصعود على متن طائرة من مدينة دينفر في ولاية كولورادو، وهي اليوم محتجزة داخل سجن شديد الحراسة.

    وكثيراً ما تترك الفتيات اللواتي يسافرن بهدف الانضمام إلى تنظيم الدولة، زميلات الدراسة وأفضل الأصدقاء، خلف ظهورهن. وواصلت شابتان بوسنيتان كُن قد نشأنَ في فيينا، التواصل مع واحدة من صديقاتهن على الأقل عبر مواقع التواصل الاجتماعي ويُرَجَحُ أنهن دعياها للانضمام إلى صفوف التنظيم. ويبدو أن إحدى الفتيات في مدرسة لندنية كانت قد أثرت على ثلاثة من زميلاتها للحذو حذوها بالانضمام إلى التنظيم.

    وطبيعية هي آثار العدوى في أوساط الشباب لا سيما المُراهقات، وقد لوحظت فيما يتعلق بالانتحار والأوبئة الصحية النفسية، إنه لأمر متوقع وينبغي علينا حمايته فيما يتعلق بتجنيد الإرهابيين أيضاً.

    وإن اللواتي ينضممن إلى تنظيم الدولة إنما ينضممن إلى جماعة تكرهُ النساء، بيد أنه من المهم ملاحظة أنه يتم تمكينهن بشتى السبل أيضاً. وتُدعى النساء الأجنبيات في تنظيم الدولة إلى الخدمة في جهاز الحسبة / شرطة الآداب/، حيث توكل إليهن مهمات إنفاذ قوانين اللباس وتفسيرات التنظيم المتشددة لقانون الشريعة الإسلامية.

    وحقيقة فإن تلك النسوة مسلحات ويعملن بصفة أعلى من المواطن العادي ولا يُجبنَ عملياً على أي شخص متمتعاتٍ بمكانة مرموقة لربما لن يجدن مثلها في بلدانهن الأصلية.

    و أيضاً قد تتمتع النساء اللواتي لا يتقاضين رواتب عالية في بلدانهن، بمنزل جميل يستولي عليه التنظيم كغنيمة من الأعداء، أو بأسيرةٍ تُجبر على العبودية وتقوم بالطبخ وأعمال التدبير المنزلي، وفي بعض الحالات تعتني برغبات الزوج الجنسية. وحتى ما بين النساء، يتعلم المؤمن الحقيقي بنظر التنظيم أن يُجرد هؤلاء الأسيرات من إنسانيتهن ويُشرعن استعبادهن.

    وإذا لم يَكُنَ في جهاز الحسبة، تُدعى الشابات الأجنبيات في التنظيم إلى الالتحاق بمجموعة من النساء تعمل خارج مدينة الرقة /عاصمة التنظيم في سوريا/  بهدف استقطاب نساء أخريات فضلاً عن الرجال إلى صفوفه. وإن النساء اللواتي يُغرينَ الرجال للانضمام للتنظيم قويات فعلاً. ويبدو أن المجند الأمريكي في صفوف التنظيم ويدعى محمد جمال خويس قد انضم تحديداً لغاية في نفسه تتمثل بالفوز بوعود الزواج الأنثوية، حيث غادر خويس الولايات المتحدة في إجازة مزعومة ، بيد أنه انتقل إلى اسطنبول عبر طريق دائري. وزعم فيما بعد أنه كان قد التقى بامرأة تزوجها على الفور وسافر بصحبتها إلى العراق بهدف الانضمام إلى تنظيم الدولة.

    وخلافاً لبعض الافتراضات، فإن الإناث اللواتي يلتحقن بصفوف تنظيم الدولة لا يتعرضن للاغتصاب الجماعي من قبل مقاتليه، بل من المتوقع أن يَكُنَ متزوجات ، ناهيك عن أن التنظيم يدير مكتباً للزواج لهذا الغرض خصيصاً. ويتم تلقين النساء اللواتي يتزوجن من مقاتلي التنظيم،الإيمان بالفوائد الروحية “لاستشهاد” أزواجهن، بل ويرحب البعض منهن بمكانتهن القيمة كأرملة “شهيد” بصفتها فائدة إيجابية. وعلاوة على ذلك، فإن تنظيم الدولة يعد بمنافع التَرَمُل لزوجات مقاتليه في حال استشهاد أزواجهن.

    وبحسب المنشقين عن التنظيم من الذين قابلناهم، فإنه في الواقع نادراً ما يتم الدفع لهؤلاء الأرامل بشكل ثابت، بل على العكس حيث يجدن أنفسهن وقد تم تسليمهن إلى أصدقاء أزواجهن، أو أنهن مضطرات للعيش في ظروف معيشية قاسية تنذر بكارثة وذلك إلى أن يوافقن على الزواج مجدداً- حيث يتزوج بعضهن أكثر من 13 مرة على التوالي. وأخبرتنا إحدى المنشقات عن التنظيم وتحمل طفلها بين ذراعيها، أنها هربت لأنها لم تكن تريد أن يتم إجبارها على الزواج للمرة الرابعة بعد مقتل زوجها الثالث.

    تقبل معظم الدول رعاياها من النساء العائدات من صفوف تنظيم الدولة في سوريا والعراق وكثير من هذه الدول لا تلاحقهن قانونياً – أو إذا ما حدث ذلك فعلاً فإنهن يتلقين أحكاماً مخففة. ويرجع هذا إلى فكرة أنهن لم يفعلن شيئاً سوى إطاعتهن لأزواجهن نتيجة لخداعهن أو إكراههن، الشيء الذي لا يكون غالباً بيت القصيد.

    وأخبرتنا السلطات القانونية وأجهزة المخابرات في البلقان وآسيا الوسطى أن النساء كأنهن “أموات في الحياة” / يُطِعنَ أزواجهن الذين يسيطرون عليهن/، بيد أن بحثنا يُظهِرُ أنه غالباً ما تتبع النساء في تنظيم الدولة أزواجهن إلى العراق وسوريا بملء إرادتهن بل وحتى كُن قد انضممن إليهم لتنفيذ هجمات إرهابية جرى الإعداد لها داخلياً.

    لربما  كانت بعض النسوة قد وافقت على الانضمام إلى تنظيم الدولة خوفاً من تخلي أزواجهن عنهن، أو من الفقر، ومع ذلك فقد كان البعض منهن مُحرِضات على ذلك. ففي قيرغيزستان على سبيل المثال، أقنعت جدتان أحفادهما للسفر إلى سوريا والانضمام إلى تنظيم الدولة مُعتقِدتين أنهم سوف يحسنون من وضعهم المادي، ويكونون قادرين على العيش وفق القيم الإسلامية الصحيحة هناك. ولدى تحررهما من هذا الوهم، تمكنت إحدى الجدات من تهريب حفيدها وإعادته إلى بلاده حيث قال أقرباء الجدة الذين قابلناهم في قيرغيزستان، إنه نقل رسالة من بقية أفراد العائلة العالقين في سوريا، جاء فيها: “إنه الشخص الوحيد الذي استطعنا تهريبه، نحن تائهون وفقدنا الأمل”.

    وخلافاً لبعض الافتراضات المجتمعية التي تقلل من أهمية دور النساء كمرتكباتٍ لأعمال العنف، فإنه كثيرا ما تكون النساء في تنظيم الدولة أدوات للعنف داخل الجماعة، إذ أخبرتنا نساء عَملن بأنفسهن سابقا في قسم الحسبة/ شرطة الآداب/ عن جلد وضرب نساء أُخريات بالمسننات المعدنية كنوعٍ من العقاب. وبصورة مماثلة، تفيدُ تقارير صادرة عن أولئك المتواجدين في الميدان /قاطع سوريا/ أنه جرى تدريب النساء في تنظيم الدولة على رمي القنابل اليدوية واستخدام الأسلحة، ناهيك عن تعليمهن لتنفيذ مهمات “استشهادية”.

    وبالفعل، فقد جرى تغيير شهادات زواج زوجات مقاتلي التنظيم خلال السنوات القليلة الماضية لِتفيد أنه لا يتوجب على المرأة طلب الإذن من زوجها إذا ما أرادت أن “تستشهد” ولا تحتاج سوى إلى إذن الخليفة أبو بكر البغدادي.

    وإذا ما اقتَفينا آثار العديد من الجماعات الإرهابية المحافظة التي لا تشجع على انخراط الإناث في القتال، لوجدنا أن تنظيم الدولة لا يُمانع من الزج بهن في العمليات الانتحارية إذا شعر بأن الخناق يضيق عليه، حيث تكشفت هذه الحقائق خلال المعركة الماضية في مدينة الموصل العراقية.

    وينبغي أن نتوخى الحذر لا سيما وأننا ندرك أن ليس كل النساء في تنظيم الدولة قد أُجبِرنَ على الانضمام إلى صفوفه، كما أنهن لا يفتقرن للقوة فيما يتعلق بالأدوار التي يلعبونها داخل التنظيم. كما يجب أن نَحذَرَ العائدين من صفوف التنظيم من الرجال والنساء على حدٍ سواء.

    وفي الوقت الذي غالباً ما يتم فيه تصوير النساء اللواتي يلتحقن بتنظيم الدولة على أنهن قد تعرضن لـ”غسيل الدماغ” من جانب الرجال، فإن الانحياز الثقافي الذي يتغاضى عن دور المرأة في العنف كمشاركة بملء إرادتها، بالإضافة إلى السرديات التي تنكر دور المظالم السياسية التي تدفع بالنساء إلى أحضان التنظيم، لهي أمور قد تكون خطيرة جداً.

    وقد اعتمد تنظيم الدولة على العنصر النسائي في الأعمال اللوجستية والدعائية والتجنيد والشرطة. وخلال المعارك الأخيرة لاستعادة مدينة الموصل/عاصمة تنظيم الدولة في العراق/ أرسل التنظيم عدة نساء لشن هجمات انتحارية تستهدف القوات المهاجمة.

    وبغض النظر عن جنسه، فمن المرجح أن كل الذين انضموا إلى تنظيم الدولة كانوا يعانون من بعض المشاكل النفسية والاجتماعية قبل أن يغادروا بلادهم مما جعلهم هدفاً سهلاً للتجنيد لصالح التنظيم، وفور التحاقهم به غالباً ما يتم تسليحهم وتلقينهم أيديولوجية شريرة فاسدة.

    وأخبرنا الرجال الذين خضعوا للتدريب على أصول الشريعة كيف اضطروا لقطع رأس أحد السجناء قبل مبايعتهم لهذه الجماعة الإرهابية، بينما حدثتنا النساء في سلك الحسبة عن تحويلهن إلى سَجاناتٍ ساديات. وبالرغم من أنه غالباً ما يتم تسليح النساء بنسبة أقل، إلا أنه هناك دليل متزايد على تدريب الكوادر النسائية على استخدام الأسلحة خلال العام الماضي.

    وتزامناً مع تزايد دعوات تنظيم الدولة لتنفيذ هجمات ضد الغرب انطلاقاً من الداخل، فإنه من غير الواضح ما إذا كان بمقدوره الوصول من جديد إلى النساء اللواتي عُدنَ إلى ديارهنَ هرباً من صفوفه. فعلى سبيل المثال، لم تتم ملاحقة زوجة أحد مقاتلي التنظيم في كوسوفو قانونياً بتهمة السفر والانضمام إلى جماعة إرهابية، على عكس زوجها الذي يقضي اليوم حكماً بالسجن لمدة أربعة أعوام ونصف ولا يزال موالٍ للتنظيم بينما تعيش زوجته بكامل حريتها في المجتمع على الرغم من أنها تحت مراقبة الشرطة. ومن المعروف أنها مستمرة بالتواصل مع تنظيم الدولة عبر الانترنت، بالإضافة إلى التواصل مع زوجها الذي عبر عن استعداده للعودة إلى صفوف التنظيم إذا ما تم إطلاق سراحه.

    وهناك أمثلة أخرى وافرة على المقاتلين الأجانب العائدين من صفوف تنظيم الدولة وغيره من الجماعات الإرهابية حيث استمر هؤلاء بالعمل في بلدانهم كخلايا نائمة واسترجعوا نشاطهم بمرور الزمن. و إن احتمالية أن تفعل نساء تنظيم الدولة الشيء ذاته لهو عامل لا يمكننا تجاهله إطلاقاً.

    وفي تجربتنا هذه، فقد تواصل تنظيم الدولة مع عناصر كانوا قد انشقوا عنه في السابق، مُصِراً على أن يواصلوا خدمتهم حتى ولو كانوا يرغبون بقطع علاقتهم بالجماعة. وبالمثل، فمن المرجح أن يواجه العائدون الذين لربما قد واجهوا صعوبات في السفر إلى سوريا والعراق للانضمام إلى التنظيم، هذه الصعوبات نفسها إن لم تكن ضغوطات أسوأ لدى عودتهم. وقد شاهد هؤلاء بأم أعينهم الوحشية المفرطة التي قد تتركهم في حالة من الصدمة.

    وكشفت المقابلات في الماضي مع الفلسطينيين المصابين بصدمات نفسية في كثير من الأحيان، مدى سهولة التطوع لتنفيذ عملية انتحارية إذا ما كان المرء فاقداً لحسهِ نفسياً نتيجة لحالة اضطراب ما بعد الصدمة.

    وكما قال أحد الذين أُجريت معهم مقابلة: “إن تنفيذ عملية انتحارية هي خطوة صغيرة نتخذها لا سيما وأننا ميتون مُسبقاً”.

    وفي الواقع، فإن أيديولوجية “الشهادة” نوع من الإسعافات الأولية النفسية عند تطبيقها على الأشخاص الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. ويحظى المصابون بشفاء مباشر من الذكريات المؤلمة وحالات ما بعد الصدمة، من خلال الهروب إلى موتٍ يعتقدون أنه وبكل بساطة مدخل إلى الجنة والمجد، وحتى أنهم قد يصلون إلى حالة من النشوة في التذمر ويتابعون حياتهم الخاصة بهذه الطريقة.

    وقد تعمل نقاط الضعف هذه نفسها والتي تعقب الصدمة النفسية، لصالح النساء العائدات من صفوف تنظيم الدولة، اللواتي لا يُحاكَمَنَ في حالاتٍ كثيرة ولا حتى يُفوضن لأي نوع من العلاج بالرغم من العار المحتمل أنهن يعانين منه بالإضافة إلى المشاكل الشخصية والنفسية الاجتماعية وصعوبات تتعلق بالاندماج بالمجتمع من جديد.

    وقد لا يؤدي التعاطف الشعبي مع النساء العائدات من صفوف تنظيم الدولة اللواتي غالباً ما تصدُرُ بحقهن أحكاماً مُخففة أكثر أو حتى عفو، إلا إلى تعقيد آفاق التعامل الفعال مع العائدات اللواتي يحتجن إلى رعاية واهتمام خاصين. ونَرى أنه ينبغي تأمين المحاكمة القانونية لأي شخص ينضم إلى تنظيم الدولة بحكم احتمال إصابته بالصدمة بفعل ما تعرض له، وحيث يمكن أيضاً أن يكون قد خضع للتدريب العقائدي، بالإضافة إلى التدريب على استخدام الأسلحة، وأن ينال حكماً مخففاً بالسجن أو يتفادى فترة سجنه عبر الالتزام التطوعي بالانخراط في برنامج نفسي.

    ومن شأن برنامج إعادة تأهيل جيد التنفيذ أن يساعد تلك النسوة على فهم ومعالجة الأسباب الشخصية التي انسجمت ولاقت صداها مع دعوات تنظيم الدولة للتجنيد، وأفعالهم العنيفة، فضلاً عن  حثهم على إيجاد  حلول أخرى لمشاكلهم النفسية الاجتماعية و/ أو/ المخاوف بشأن مظالمهم.

    وقد لا يشارك بعض العائدين من صفوف تنظيم الدولة في برنامج إعادة التأهيل طواعية، وقد يتظاهر البعض الآخر بالتعاون فقط. ومع ذلك، فإنه إذا ما نُفِذَ برنامج إعادة التأهيل بشكل جيد ٍ وتقييمات دقيقة، فيمكن إعادة تأهيل الكثيرين ويعاودون الاندماج في المجتمع بحالة نفسية تجعل من غير المحتمل أن يتم التلاعب بهم مرة أخرى أو تلبية نداء الإرهاب.

    ولئن كنا نستعد لعودة المقاتلات الأجنبيات من صفوف تنظيم الدولة، فإننا بحاجة أيضاً وبشدة إلى توعية الشباب والشابات حول حقيقة التنظيم وتجنيدهم على الانترنت وجهاً لوجه. وبالرغم من خسارته السريعة للأراضي التي يسيطر عليها، إلا أن تنظيم الدولة كان قد أصدر عدداً لا حصر له من المواد الدعائية ومن المرجح أن يمضي في تعميمها على شبكة الإنترنت وبالتالي فمن المرجح أيضاً استمرار “خلافة التجنيد الرقمية”.

    وستظل مفيدة المبادرات من قبيل مشروع السردية الهادفة لتحطيم اسم تنظيم الدولة  وذلك باستخدام مُطَلعِين لإدانة التنظيم والتدخل بعملية تجنيده وتعطيلها. ومن خلال مزيج من التعليم والوقاية وتدابير التدخل المباشر، يمكننا ضمان سلامة مواطنينا في الوقت الذي يحاول فيه التنظيم إعادة تشكيل نفسه في مواجهة خسارته للمساحات التي يسيطر عليها، والعودة الحتمية لمعظم مقاتليه الأجانب إلى ديارهم.

    ———————————

    الكتّاب

    – انا سبيخارد (Anne Speackhard)  حاصلة على شهادة دكتوراه – أستاذة مشاركة في الطب النفسي بجامعة جورج تاون ومديرة المركز الدولي لدراسة التطرف العنيف وقد أجرت مقابلات مع ما يقرب من 500 إرهابي وأفراد أسرهم ومؤيديهم في أنحاء مختلفة من العالم بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة في فلسطين، والشيشان والعراق والأردن وتركيا والعديد من الدول الأوروبية.ألفت سبيخارد عدة كتب عن الإرهاب من بينها ” عروس تنظيم الدولة:  طريق إحدى الشابات إلى الإرهاب المحلي”.

    – أرديان شاجكوفسي (Ardian Shajkovci )  حاصل على  شهادة الدكتوراه  ومدير البحوث و هو من كبار الزملاء الباحثين في المركز الدولي لدراسة التطرف العنيف.

     

     

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...