الخميس  19  أكتوبر  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • جلد الطلاب بالمدارس

    September 26, 2017  

    د.امل الكردفاني

    ورد في الصحف ان الحكومة ستسعى الى جمع ادوات جلد الطلاب بالمدارس واعترف بعض المتخصصين باستمرار الجلد في المدارس داخل ولاية الخرطوم ؛ هذا و الرئيس نفسه دعا الى جلد الطلاب وزعم أنه قد تعرض للجلد سبعين جلدة عندما كان في المدرسة …

    بالتأكيد هنا نناقش جدلية بين رؤيتين.. رؤية ضرورة الترقي عبر انهاء العنف المدرسي والرأي الذي يرى ضرورة استمرار العنف المدرسي وارهاب الطلاب من قبل المعلمين. وهي جدلية لا زالت مثارة في دولتنا ومجتمعنا في حين أنها انقرضت من كافة الدول المتحضرة . فكرة أن يقوم استاذ في اليابان بجلد طالب صارت أبعد من أن يتم ضرب قنبلة نويية على سكان مدنيين. لا يمكن لأي مواطن كوري جنوبي أو سويدي او خلافه أن يتوقع تعرض ابنه للجلد من قبل معلم في مدرسة ، هذا أساسا مستحيل. بل ان قوانين ولوائح التنظيم التعليمي تنوه الى عدم ارهاب الطفل او وضعه في موضع يثير فيه أي درجة من درجات الرعب أو الخوف أو السخرية .. وتتم عمليات مراقبة تصل الى المراقبة بالكاميرات لفصول الدراسة بل وتحذر القوانين وتعاقب بشدة على انفراد المعلم بأحد الطلبة في مكتبه لمدة تجاوز خمس دقائق  منعا لأي احتمالات تحرش جنسي او ارهاب نفسي او استدراج لفعل او امتناع معين.

    تهتم هذه الدول بالمسافة التي تفصل بين الطالب والمعلم الى درجة أنها لا تسمح بزواج معلم بإحدى تلميذاته أو العكس ويترتب على هذا الزواج إما تغيير الطالبة لمدرستها او تحول المعلم لمدرسة اخرى… تمثل حالة الاتهام او حتى مجرد الاشتباه باحتكاك جنسي بين الطالب والمعلم حالة لا أخلاقية خطيرة جدا بل أن المجتمع يقوم فورا بلفظ المعلم ونبذه والحذر الشديد منه عند الاحتكاك به ، مما يضع المعلم تحت ضغط نفسي شديد جدا قد يفضي به الى الانتحار او العزلة او الهجرة.

    تقوم المؤسسات التعليمية بتوفير اختصاصيات اجتماعيات ونفسييات للرقابة على الأطفال ويتم دراسة ملف المعلم قبل تعيينه دراسة دقيقة جدا منعا لتعيين معلمين مصابين بأمراض نفسية كالبيدوفيليا أو السادية أو ضيق الصدر او التوتر …الخ.

    نعم دعا رئيس الجمهورية الى جلد الطلاب واستنكر الكثير من المواطنين كلام الرئيس ، لكني شخصيا أرى أن الإشكالية التي وقع فيها الرئيس هو أنه نظر الى الطلاب السودانيين فقط باعتبارهم غير قابلين للقياد الا عبر استخدام العنف.. وهذا بالتأكيد صحيح الى حد ما لكل من درس في مدرسة سودانية ، فالطفل السوداني عنيف لأنه يتربى وينشأ داخل منظومة اجتماعية تعترف بالعنف وتقره وتمارسه ، فالأب يمارس عنفا ملحوظا تجاه الطفل كالعنف اللفظي وهو سائد بشكل كبير عندنا ، هذا فضلا عن اضطهاد الطفل بشكل واضح عند محاولة مشاركته للكبار في الحديث او الأكل . فالطفل السوداني يتربى على العنف بل وقد يتربى حتى على العنصرية ، وعلى الشعور بالاضطهاد الذي ينقل اليه من أسرته تجاه منظومة اجتماعية معينة …الخ.. وهو حين ينتقل الى المدرسة يعيد تركيب الصورة على وجه يناسب مقدراته ،  فيمارس العنف ويتحمل ايضا العنف الموجه اليه وعملية التحرش المستمرة ضده او قيامه هو نفسه بالتحرش بالأضعف منه جسما وبنية وصحة. يمارس الطفل السوداني الشغب بشكل يتجاوز حد اللطف المفترض في الأطفال.

    لاحظت في احدى دول الخليج مثلا أن الطفل في المدارس البريطانية الخاصة يكون أكثر لطفا بل وابداعا وهدوءا .. وتكون المدرسة بالنسبة له متنفسا ومكانا ليس للتعلم بل لتحقيق افكاره وخيالاته وتجسيدها على ارض الواقع بدعم المعلم ، والمعلمات الأجنبيات يتعاملن مع الأطفال برقة متناهية وبذكاء يحترم ذكاء الطفل وينميه .

    عندنا يخضع الطفل في المدرسة لسادية المعلمين ، هناك فعلا معلمون قابلتهم أثناء رحلتي التعليمية كانوا بالفعل يمارسون سادية حقيقية ، ويشتهر الأستاذ الأكثر سادية بين الطلاب ، بل وفي بعض الأحيان يطلبه المعلمون الآخرون لممارسة ساديته ضد الطلبة لأنهم لا يتحملون القيام بجلد الطلاب بمثل طريقته الوحشية.

    أتذكر كان في مدرستنا الوسطى أستاذ من هذا النوع ، ولديه سوط خاص به عبارة عن خرطوم أسود طوله متر مغلف ومكسو بسيور من البلاستيك وكان يفتعل اي مشكلة مع الطلاب لجلدهم جلدا مبرحا ، هذا الاستاذ وبمجرد وصول الاخوان المسلمين الى السلطة اطلق لحيته وتبعهم فعينوه مديرا لإحدى البنوك فركب السيارات الفخمة واقتنى منزلا ضخما وتحول الى مليونير بعد أن كان قميصه الذي يأتي به الى المدرسة مقدودا ومرقوعا ، وهذا أيضا يوضح لنا طبيعة الذين ينضمون الى التيارات الإسلامية فأغلبهم من هذه النوعية السادية اللا أخلاقية..

    المهم ..أن قصة ضرب الطلاب ذات شقين : شق أسري وشق اجتماعي… هناك مقولة قالها لي الكثير من السودانيين ؛ فعندما كنت أتحدث مع أحدهم -وهو لم ينجب سوى بنات- قال لي: اريد ولدا يحمل اسمي ويضرب (بكسر الراء) اولاد الحي ويضرب (بضم الضاد وفتح الراء) … هذه الجملة قالها لي الكثير من السودانيين ، فكرة العنف الراسخة في المجتمع ، حتى المجتمع الطفولي نفسه يتحول الى ضرب وضرب مضاد ، ولا مكان فيه لبراءة الأطفال ،  وهذا شيء يجب التوقف عنده كثيرا ،  فاول عملية ضرب يخوضها الطفل من قبل أطفال آخرين تنمي لديه الشعور بالحقد والعجز والرغبة في الانتقام ، وبالتالي تدفعه دوما الى التفكير العنيف ، أحد الاطفال في إحدى المدارس تعرض لتنمر من أحد الطلاب الأقوى منه جسدا فما كان من هذا الطفل سوى ان استن سكينا وطعن بها الطفل المتنمر ، وقد اجتهدنا كثيرا للملمة الموضوع بين أسرتي الطفلين قبل الوصول الى المحكمة ، لكن الفتى الضخم المتنمر توقف بعدها تماما عن التعرض للطفل الأصغر. يقال أيضا عندنا في الأمثال أن الشخص تأدب ادب المدارس ؛ في الحقيقة لا اعرف معنى هذه الأمثولة ولكن واضح تماما أنها تشير الى العنف المدرسي .

    اذا مجتمع الكبار عنيف ، الاسرة عنيفة ، مجتمع الصغار عنيف ، المجتمع المدرسي عنيف ، فكيف يتم ضبط الطلاب الذين هم أنفسهم تربوا على العنف الا بالعنف… أعتقد أن الرئيس لم يفكك الوضع بهذا الشكل إنما أخذ اللقطة الأخيرة فقط وهي أن الطالب عنيف ولا يضبطه الا العنف وبنى على ذلك رأيه وهو ضرورة استمرار جلد الأطفال والطلاب في المدارسة.

    اشارة صغيرة:  أود هنا أن أشير الى أن النظام التعليمي منذ عهد الاستعمار كان مقسما الى ثلاثة مراحل مرحلة ابتدائية اربع سنوات ومرحلة وسطى اربع سنوات ومرحلة ثانوية اربع سنوات… هذه التقسيمة تغيرت الى ست سنوات مرحلة ابتدائية وثلاث سنوات مرحلة وسطى وثلاث سنوات مرحلة ثانوية ، قبل ان يتم تغييرها أخيرا الى ثمان سنوات مرحلة ابتدائية تقريبا ..

    في الواقع التقسيم الأول كان هو الأفضل من ناحية عدم جمعه لطلاب أطفال مع طلاب مراهقين ، لاحظ أن التعليم الابتدائي الآن يجمع بين طفل في عمر ست سنوات مع طالب في عمر 15 سنة أي بين طفل ومراهق ، ويجمع بالتالي بين طلاب ضعيفي البنية بحكم اعمارهم الصغيرة وطلاب اقوياء البنية ايضا بحكم اعمارهم ، وهذا  ، جمع خطر جدا على البنية  الاجتماعية والثقافية للمجتمع المدرسي ، ففي مثل هذا الوضع تزدات حالات التنمر والعنف والعدوان بل وربما التحرش والاغتصاب . يلاحظ أيضا أن المعلمين أنفسهم لا يتم اخضاعهم لأي فحص نفسي وثقافي ، ولا تتم مراقبة سلوكهم داخل المدارس ، رغم أن المدرسة تجمع بين المعلمين كبالغين كبار وبين أطفال صغار وهذا يعني فتح الباب لكل الممارسات الاجرامية والسادية داخل المدرسة بدون رقيب ولا حسيب .

    أعتقد أن نظامنا الاجتماعي كله يجب أن يتغير ، وأن نظامنا المدرسي لابد أن يخضع لاعادة بناء من الصفر.

    للأسف فإن نظامنا السياسي نفسه نظام عنيف معارضة وحكومة ، وينعكس كل ذلك على تكوين شخصية الطفل لينشأ انسانا مائلا للعنف والدموية وهذا يعني خللا حقيقيا يجب ءن يطرح على ساحة البحث.

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...