الإثنين  25  سبتمبر  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • صراعات المؤتمر الوطني بالولايات : (كثير متفلت وقليل منضبط)

    September 13, 2017  

    (صديق رمضان)

    بولاية البحر الأحمر، فإن نائب رئيس الجمهورية حسبو محمد عبد الرحمن لم يجد في العام الماضي غير إطلاق التهديدات لإيقاف الصراعات داخل الحزب الحاكم بعدد من الولايات، فيومها قال “قليل منضبط، خير من كثير متفلت”، ولم يكتف بذلك، بل مضى بعيداً وقطع بأن باب حزبه”يفوت جمل”.

    ولكن يبدو أن شقة الخلاف بين الفرقاء بالوطني قد تباعدت ووصلت مرحلة تبديد مقولة حسبو، حيث يؤكد كثيرون أن واقع الحزب يحكي عن “كثير متفلت خير من قليل منضبط”، فيما يقطع آخرون بوجود انضباط وأن ما يحدث مجرد تباين في وجهات النظر، وما بين هذا وذاك تغوص الصيحة في ملف الصراعات داخل المؤتمر الوطني بالولايات، وتبدأ بولايات الشرق الثلاث.

    البحر الأحمر.. مد وجزر

    لاثني عشر عاماً، فإن ولاية البحر الأحمر ظلت في واجهة الأحداث، بل وفوق سطح صفيح لا يختلف كثيراً في سخونته عن طقسها في شهري أغسطس وسبتمبر، وقليلة هي الفترات التي مرت بها وكانت الأوضاع فيها تشابه شتاءها الغائم والمعتدل، فخلال عهد واليها السابق محمد طاهر إيلا فإن المؤتمر الوطني ظل منذ العام 2005 حتى 2015 ساحة مكشوفة للصراعات وتصفية الحسابات، فالرجل الذي كان يلقب بأمير الشرق اتهم خلال فترة حكمه التي بلغت عشر سنوات باستهداف كل الكوادر القوية داخل حزبه والعمل على إقصائها وإبعادها كليًا عن المشهد السياسي. والقائمة تطول للذين دخل إيلا معهم في صراع، ولكن أبرزهم بطبيعة الحال رجل الشرق القوي ووزير الزراعة الاتحادي الأسبق المهندس أمين كباشي، وكذلك الشيخ مجذوب أبو علي، علاوة على منافسه الأول في انتخابات سبتمبر عام 2014 الفريق حسن مختار وغيرهم من قيادات الولاية، وبحسب كثيرين وقتها أن إفراغ إيلا للمؤتمر الوطني من القيادات القوية ألقى بظلاله السالبة على الحزب الذي كان مختزلاً في شخصه ونائبه القوي محمد طاهر أحمد حسين قبل أن يبتعد الأخير لاحقاً ويتحول إلى خانة المعارضين لإيلا، وبخلاف الشخصيات، فإن إيلا استعدى عددا من المكونات السكانية المؤثرة وانعكس هذا على أداء الحزب الحاكم.

    بالمقابل فإن أنصاره في ذلك الوقت كانوا يعتقدون أن الرجل حقق إنجازات باهرة على صعيد البنية التحتية، رغم أن معارضيه يؤكدون أن المؤتمر الوطني في عهده تقزم إلى درجة غير معهودة.

    الشبح الماثل

    عشر سنوات انصرمت بخيرها وشرها.. في صيف 2015 يمم إيلا وجهه مجبرًا صوب الجزيرة والياً عليها فتنفس معارضوه داخل الحزب بالبحر الأحمر الصعداء، فعملوا على تمهيد الأجواء للوافد الجديد القادم من نهر النيل عساه يستطيع مزج ملوحة البحر بماء النيل، ويقلل من حدة الصراعات داخل الحزب الحاكم، ولكن مجدداً ظهر شبح الوالي السابق في أكثر من مناسبة ليس أولها صالة الشمندورة ولا آخرها ما يشهده المجلس التشريعي، فالعارفون ببواطن الأمور يؤكدون أن أذرع إيلا أعاقت خطوات الجنرال علي حامد كثيراً، ومثلت له أمواجاً متلاطمة أعاقت وصول باخرته إلى شاطئ المؤسسة التي ينشدها داخل أجهزة الحزب والولاية، ويقطعون بأن المتاريس التي واجهها لولا خلفيته الأمنية لحزم أمتعته ويمم صوب الولاية التي جاء منها.

    في بادئ الأمر تم دمغ علي حامد بالتردد وتارة اتهم بالضعف في مواجهة تيار الإيلاويين، ولكن من يخفي عينيه وراء النظارات السوداء مثله وجنرالات المخابرات انتصر في معركته الأولى حينما تم نصب كمين لوزير الرعاية الاجتماعية بريمة تحت قبة تشريعي الولاية كاد على إثره أن يسقط، وبمرور الوقت نجح حامد في تحييد واستقطاب أبرز وجوه التيار الإيلاوي، ليمضي بعد ذلك نحو خطوة لم تكن في الحسبان، ولم يتوقعها أكثر مناصري الرجل تفاؤلاً، وذلك حينما أصدر المكتب القيادي قراراً قضى بإبعاد أحمد همت من رئاسة التشريعي، ليرتفع على إثر هذه المفاجأة إيقاع الصراع داخل الحزب الحاكم الذي يقف حالياً منسوبوه على أطراف أرجلهم وهم يترقبون الجلسة الإجرائية للمجلس التشريعي، هل تفضي بجلوس عمر أوشك على مقعد أحمد همت، كما قرر المكتب القيادي، ويشدد أحمد حامد على ذلك أم ينتصر همت بمعاونة صلاح سر الختم كنة ومن خلفهما إيلا.

    كلمات لها ما بعدها

    لا يمكن الإجابة على هذا السؤال، رغم اقتراب شهر أكتوبر الذي يتوقع أن تنعقد فيه الجلسة الإجرائية لتغيير هيئة المجلس، ولكن ما يمكن توضيحه أن الوالي السابق إيلا ولأول مرة منذ ابتعاده عن البحر الأحمر يظهر عداءً واضحاً لعلي حامد، هكذا تم تفسير مخاطبة الرجل لبعض من عشيرته باللهجة المحلية بمحلية جبيت في عطلة عيد الأضحى، فقد قال لهم وبجانبه يقف رئيس المجلس الشريعي المقال أحمد همت: “إنني أحيي وقفتكم وتماسككم في قضية الطفل بدري، وقضية رئيس المجلس التشريعي أحمد همت”، ومضى إيلا بعيداً وهو يتخذ لغة غير معهود عنه استعمالها جهراً، وأضاف: ” لن نترك كائناً من كان يلعب بأرضكم وبلدكم وأثق في أنكم لن تفرطوا في بلدكم لأي شخص، أنا معكم في كل قضاياكم ومشاكلكم، ما نخاف من زول سواء كان جناً أو إنساً، تماسكوا وتوحدوا ما في زول يعمل ليكم حاجة”.

    حديث إيلا هذا اعتبره البعض رسالة إلى علي حامد خاصة في الجزئية المتعلقة بقضية أحمد همت، أما حامد الذي ظل يرفض التعليق على تصريحات الوالي السابق أو الحديث عنه، فإنه أكد أن تغيير هيئة المجلس قرار لا تراجع عنه، وهذا يعني أن شهر أكتوبر الذي ينتظره البورتسودانيون بفارغ الصبر لاعتدال الجو فيه سيأتي ساخناً.

    كسلا.. القاش يتجه جنوباً

    الأوضاع داخل المؤتمر الوطني بكسلا منذ منتصف العام 2015 الذي شهد تولي آدم جماع القادم من شمال دارفور مسؤولية الحكم في الولاية الحدودية، مضت أفضل حالاً عما كانت عليه في عهد محمد يوسف، الذي شهد صراعاً مفتوحاً لمدة أربع سنوات، حيث كان أبرز مناصريه وزير التخطيط السابق عبد المعز حسن بالإضافة الى نائبه في الحزب ملاسي أوهاج، والشيخ سليمان بيتاي، والناظر سيد محمد الأمين ترك ومولانا درف وغيرهم، وكان التيار المناوئ له بقيادة رئيس المجلس التشريعي المهندس أحمد حامد ورئيس اللجنة الاقتصادية محمد سعيد ومحمد أحمد علي وقيادات أخرى، وانتهى الصراع بذهاب محمد يوسف ليأتي خلفه جماع وهو يتلمس خطاه في البداية متوخياً الحذر حتى لا تنزلق قدماه داخل دائرة الصراعات، منتهجاً سياسة الوقوف في المنتصف، ليشهد الحزب استقرارًا نسبياً رغم وقوع عدد من الأحداث العاصفة أبرزها استقالة وزير الشؤون الاجتماعية ومعتمد كسلا، ثم إعفاء وزير الصحة، وعدم رضا سليمان بيتاي عن الواقع، وما صاحب ذلك من تداعيات، غير أن جماع تمكن من إجادة الإمساك بدفة الحزب رغم الأمواج المتلاطمة .

    الأشرعة تتمايل

    غير أن الرياح جاءت على عكس ما تشتهي أشرعته بدخوله أخيراً في أكثر من مطب كان أكبرها وأخطرها الأحداث التي أعقبت التشكيل الوزاري الذي أعلنه قبل شهرين، فقد تحول بسببه أحد مناصريه ورجاله الأقوياء وهو الناظر ترك إلى خصم له، فترك يؤكد أن الوالي نكص عن التزامه ويعيب عليه حدة خطابه، وصعّد ترك من هجومه على جماع وصولاً إلى مرحلة تقديم شكوى ضده إلى المركز، ويؤكد ترك أنه يتحرك بجلبابه السياسي، وليس القبلي لأن المؤتمر الوطني في كسلا ـ كما يؤكد ترك ـ يبدو في أمس الحاجة للإصلاح وإعمال مبدأ المؤسسية، فيما لزم جماع الصمت وحاول من خلال النفرات التي ينظمها لدعم الدورة المدرسية الرد بطريقة غير مباشرة على ترك، الذي لا يعتبر وحده الناقم على سياسة جماع، فيوجد بجانبه أيضا المهندس عبد المعز حسن، رئيس المجلس التشريعي أحمد حامد، معتمد نهر عطبرة الأسبق أحمد عدلان، القيادي بريفي غرب كسلا العمدة بركات ووزير الشؤون الاجتماعية السابق محمد موسى وغيرهم من المعارضين لسياسة جماع التي يعتبرونها إقصائية.

    بالمقابل فإن جماع يلتف حوله عدد من القيادات، على رأسهم رئيس المجلس التشريعي ورئيس مجلس الشورى إدريس أُكد وغيرهما، ويرى هؤلاء أنه يجب أن يستمر جماع والياً لنجاحاته، فيما يطالب آخرون بأن يستمر إلى أن تنتهي فعاليات الدورة المدرسية، فيما يؤكد كثيرون أن خيوط ملف الولاية ما يزال بيد إبراهيم محمود يحركه بالكيفية التي يراها مناسبة، وأن هذا يجعل التكهن بمستقبل الصراع داخل المؤتمر الوطني عصياً، ولا يعرف أحد على وجه الدقة الخطوة المقبلة للناظر ترك الذي أكد أمام انصاره الذين احتشدوا بأعداد ضخمة لاستقباله عقب عودته من الأراضي المقدسة أن التيار الإصلاحي الذي يتزعمه حقق ما يريده.

    القضارف

    الوضع داخل المؤتمر الوطني بولاية القضارف تاريخيًا ظل ملتهباً ومحتدماً وساخناً وذلك من واقع وجود الكثير من التيارات التي يجمعها الحزب، ولكن تفرقها الرؤى والمصالح، غير أن المشهد الثابت الذي ظل يتكرر منذ عهد الوالي الأسبق عبد الرحمن الخضر أن يقف تيار مسانداً للوالي والآخر معارضاً له، وهذا ما حدث في عهد الضو الماحي وكرم الله عباس الشيخ، وأخيراً ميرغني صالح الذي لم يشهد عهده صراعات كتلك التي كانت تميز الولاية في عهود سابقة والسبب المباشر كما يؤكد كثيرون احتضان مجموعة الوالي الأسبق كرم الله عباس له وتمظهر ذلك في تعيينه لعدد مقدر من منسوبي هذا التيار في حكومته، ورغم أن وزير الصحة الصادق الوكيل ظل يمثل خميرة عكننة بحسب البعض، إلا أن فترة ميرغني صالح لم تشهد صدامات واضحة داخل المؤتمر الوطني مثلما كان سائداً، رغم معارضته من قبل قيادات بارزة منها خالد الشريف وعبد الله عثمان، بالإضافة إلى قيادات البطانة، ولهؤلاء وغيرهم وجهة نظر ثابتة تذهب ناحية أن أداء ميرغني صالح ضعيف، وأقل من المطلوب خاصة على صعيد الخدمات والحزب.

    المياه تجري

    مثل التي تهطل هذه الأيام على الولاية وتلك التي اجتاحت المفازة وأغرقت عدداً من مناطقها، فإن الواقع داخل المؤتمر الوطني بالقضارف أخيراً يشهد بداية جريان المياه تحت أقدام صالح عقب التعديلات التي أجراها على مستوى الحزب التي قضت بعودة عدد من الحرس القديم الذي اشتهر بعدائه التاريخي مع تيار كرم الله، حيث عاد ود الهادي نائباً لرئيس الحزب وأبوبكر دج لمنصب الأمين السياسي وموسى بشير موسى للاتصال التنظيمي، وتم إبعاد عدد من أنصار كرم الله ومنهم عماد أحمد آدم.

    وتشير مصادر إلى أن الشيخ لم يرض بالذي حدث داخل المؤتمر الوطني من تغيير وعودة خصومه مجدداً لواجهة الأحداث بتسنمهم عدداً من المناصب الهامة، وتردد أن شهر أكتوبر القادم سيشهد إعلان الرجل معارضته لميرغني صالح، وكذلك من المتوقع أن ترتفع حدة الصراعات داخل المؤتمر الوطني عقب تسرب أنباء عن اعتزام وزير الصحة الصادق الوكيل الذي تم إبعاده عن أمانة القطاع الفئوي الترشح في انتخابات عام 2020، ويربط البعض علاقته بعضو المجلس الوطني علي عبد اللطيف البدوي الذي يتردد أنه من الداعمين للوكيل في مسعاه، وتتمظهر رغبة الوكيل في تقديمه الكثير من التنازلات وإجرائه مصالحات لمعارضيه خاصة وسط الحقل الصحي، ولأن الخريف في القضارف ارتبط بالزراعة والتفرغ الكامل لها، فإن نهايته تعني أن الصراع بالقضارف سيكون أكثر سخونة لوجود ثلاثة تيارات متنافرة كل واحد منها يسعى لأن يكون الوالي القادم منها، وإذا كان صالح قد حافظ على الهدوء داخل الحزب لفترة من الزمن فإن خطواته الأخيرة أخرجت كرم الله من قمقمه، وهذا يعني رغم فقدان الرجل الثائر لجزء من أراضيه السابقة داخل الحزب أن المرحلة القادمة ستشهد مجدداً عودة القضارف إلى سطح الأحداث.

    ……………….

    2-2

    في ولاية البحر الأحمر، فإن نائب رئيس الجمهورية حسبو محمد عبد الرحمن لم يجد في العام الماضي غير إطلاق التهديدات لإيقاف الصراعات داخل الحزب الحاكم بعدد من الولايات، فيومها قال: “قليل منضبط، خير من كثير متفلت”، ولم يكتف بذلك بل مضى بعيدًا وقطع بأن باب حزبه”يفوت جمل”، ولكن يبدو أن شقة الخلاف بين الفرقاء بالوطني قد تباعدت ووصلت مرحلة تبديد مقولة حسبو، حيث يؤكد كثيرون أن واقع الحزب يحكي عن “كثير متفلت وقليل منضبط”. فيما يقطع آخرون بوجود انضباط وأن ما يحدث مجرد تباين في وجهات النظر.

    وما بين هذا وذاك، تغوص الصيحة في ملف الصراعات داخل المؤتمر الوطني بالولايات في الحلقة الثانية من هذا الملف.

    الجزيرة.. الشريف قبل الخريف

    تفاجأ الحضور الضخم الذي جاء للاستماع إلى خطاب رئيس الجمهورية في العام 2005 بقرية الحرقة بهتافات بدأت خافتة ثم ارتفعت لتشق عنان السماء وهي تردد: “الشريف قبل الخريف “، يومها أراد أصحابها الذين كان يقودهم مدير جامعة الجزيرة سابقاً والمناقل حاليًا البروفسير أحمد الطيب إيصال صوتهم إلى المشير البشير، والتعبير عن رفضهم استمرار الوالي الشريف أحمد عمر بدر في منصبه، وطالبوا بإبعاده قبل حلول الخريف، ومنذ تلك الحادثة فإن المؤتمر الوطني بولاية الجزيرة ظل يشهد صراعات وخلافات استمرت دون توقف، وبعد أن ذهب الشريف وجاء الفريق عبد الرحمن سر الختم هدأت الأوضاع في فترته الأولى بانتهاجه سياسة الوقوف في المنتصف بين مختلف التيارات، إلا أن اختيار محمد الكامل ممثلاً لحكومة الولاية في المشروع الجزيرة كان القشة التي قصمت ظهر الجنرال، وذلك حينما تقدم وزير الزراعة وقتها أزهري خلف الله باستقالته احتجاجاً على الاختيار، وبالتزامن مع ذلك ارتفعت أصوات ناقدة وناقمة على الفريق بالمناقل وشرق الجزيرة قادها الدكتور الحارث ومحمد أحمد العاص، ولم يجد المركز بعد ذلك غير إبعاد الفريق عبد الرحمن سر الختم.

    توصية مركزية

    ليأتي البروفسير الزبير بشير طه والياً للجزيرة، ويومها قال إن المركز كلفه بإنجاز عدد من الملفات منها إنقاذ الخدمة المدنية بالولاية من الانهيار، بالإضافة إلى إبعاد مراكز القوى، لتأتي فترة الزبير منذ بدايتها ملتهبة حيث وقف تيار المناقل بقيادة عبد الباقي الريح وصلاح المرضي ضده، وشهدت فترة حادثة المناقل التي كادت على إثرها أن تسيل الدماء داخل “حوش” المؤتمر الوطني ، لتمضي سفينة البروفسير بين الأمواج المتلاطمة رغم استعانته بالبروفسير محمد الطيب واللواء المصباح وأزهري خلف الله، غير أن معارضته داخل الحزب لم تتوقف، ووصلت مرحلة أن يطالب القيادي بأم القرى قاسم كوكو بحضور رئيس الجمهورية بإبعاد البروفسير الزبير الذي وجد نفسه في دوامة صراع لا تنتهي وصلت إلى أوجها حينما انقلب عليه من استعان بهم لمساندته وهم الثلاثي المصباح وخلف الله ومحمد الطيب، وفي نهاية المطاف لم يجد المركز غير إنهاء تكليف الزبير والدفع بالدكتور محمد يوسف والذي لم يخلُ عهده من الصراعات حيث ناصبه تيار المناقل العداء بسبب استعانته بمجموعة أزهري خلف الله، ورغم الإنجازات التنموية التي تحققت في عهده إلا أن الدكتور محمد يوسف أكمل عاماً واحداً فقط في حكم الجزيرة.

    إيلا.. هدوء ثم انفجار

    لم يحظ والٍ من الولاة الذين تم تعيينهم في العام 2015 باستقبال واحتفاء مثل محمد طاهر إيلا الذي وجد الأجواء مواتية للعمل بولاية الجزيرة، لأن التيارات التي كانت تتصارع اعتقدت بأن الرجل سينجح في إحداث توافق بينها، لأنه لم يكن جزءاً من صراعها، وبالفعل جاءت بدايته هادئة وسط توافق من الجميع، غير أنه وبمرور الأيام وتحديدًا بعد إكماله العام، بدأت الأصوات ترتفع والأجساد تتململ لتفجر المذكرة التي دفع بها المجلس التشريعي بقيادة جلال من الله الأحداث حيث أشارت إلى عدد من التجاوزات القانونية التي وقع فيها الوالي الذي كشفت المذكرة عن مخالفته للوائح الحكم المحلي بإنشائه لأجسام وهياكل تخالف نص القانون، بالإضافة إلى عدم العدالة في توزيع التنمية على الولايات، ليتطور الصراع عقب عودة الوالي من إجازته من مصر حينما وصف معارضيه بالخفافيش، ليتحول الصراع بينه والمجلس التشريعي إلى العلن، وذلك حينما تم إسقاط مشروع قانون التنمية تحت قبة البرلمان الولائي، ومن ثم وفي سابقة هي الأولى بالبلاد تم إسقاط خطاب الوالي ووزيرة التربية والتعليم، لتتوسع شقة الخلاف بين الطرفين وتدخلت تيارات علي الخط، فالذين يساندون الوالي أغلبهم من خارج المؤتمر الوطني خاصة قيادات مدينة مدني، ويقف بجانبه من الحزب الحاكم قيادات من المناقل أبرزها عبد الكريم عبد الله وعبد الباقي الريح ومجموعة القرشي، فيما يعارضة عدد كبير من التيارات منها أعضاء بالمجلس التشريعي ولأول مرة تلتقي مجموعتا الزبير بشير ومحمد يوسف بقيادة محمد أحمد العاص والدكتور الحارث عبد القادر، حيث أعلنوا عن معارضتهم لسياسة الوالي، وأسهم مشروع تجفيف المدارس الثانوية في زيادة أعضاء التيار المعارض لاستمراره والياً للجزيرة، ولا يمكن التكهن بنهاية هذا الصراع الذي لن ينتهي إلا بذهاب إيلا بطبيعة الحال.

    أبو سروال في وجه العاصفة

    الأوضاع داخل المؤتمر الوطني بولاية النيل الأزرق لا تبدو أفضل حالاً من الجزيرة، فالتيارات التي تعارض الوالي حسين يسن أبو سروال ظلت تقود عملها في العلن، وتؤكد أن سياساته انعكست سلباً على الولاية بتواضع التنمية وضعف الخدمات وحدوث تباعد مجتمعي بسبب المحاصصات القبلية التي يدمغه معارضوه بانتهاجها، ورغم الأصوات الناقدة لأداء الرجل، إلا أن المركز جدد الثقة فيه في العام 2015، وهذا لم يثن معارضيه عن المضي قدماً في طرح رؤاهم ومواصلة انتقاداتهم لأدائه التنفيذي والسياسي، وعلى رأسهم تيار أول أمين عام للحزب بالولاية ورئيس المجلس التشريعي الأسبق العمدة بادي خليفة، وبجانبه الوزير والمعتمد الأسبق لعدد من الوزارات والمحليات العاقب عباس زروق، والقيادي الشاب عبد الرحمن آدم النمير، ومن التيارات التي تشكلت قريبًا وتناصب الوالي العداء، تيار آخر يقوده ساعده السابق وزير الزراعة مبارك أبكر، وتيار ثالث بقيادة وزير الصحة السابق بولاية كسلا خضر الجاك، وتشير مصادر إلى أن التيارات المعارضة للوالي تسعى لتوحيد جهودها ومواصلة الضغط على المركز لإعفاء أبوسروال لضعف أدائه كما يؤكد تيار العمدة بادي، في المقابل فإن الوالي يستند على دعم عدد من الشخصيات أبرزها رئيس المجلس التشريعي سراج الدين حامد، ويعتقد كثيرون بالنيل الأزرق ضرورة إعادة تجربة اللواء الهادي بشرى الذي حكم الولاية لفترتين، وذلك بأن يتم تكليف والٍ من خارجها أسوة بمعظم الولايات وذلك لوقوفه المتوقع وسطاً بين التيارات المتصارعة .

    سنار.. الضو يكتفي بالصمت

    أكثر ما يميز والي سنار الضو الماحي ابتعاده عن الدخول في الصراعات وشخصيته تميل ناحية الانضباط التنظيمي والهدوء ومعالجة الخلافات بالحكمة، ولكن رغم هذه السياسة فإن الرجل وجد نفسه في دوامة الصراعات بولاية سنار مثلما واجهها بالقضارف، نعم هو ليس طرفاً مباشراً فيها، ولكن بات جزءاُ منها بحكم أنه والٍ على الولاية.

    ويتمظهر الصراع حالياً بسنار بين تيار أحمد عباس والضو الماحي، ولكن أساس الصراع حسب الكثير من المراقبين هو مناطقي بامتياز بين سنجة وسنار، حيث يرى السناريون الذين ينسبون إلى الوالي الأسبق أحمد عباس ـ معظم منسوبيه كانوا يقودون الولاية في عهده ـ أن شمال الولاية تعرضت لظلم واضح بعدم اختيار أحد قادتها بالمؤتمر الوطني في تشكيلة حكومة الولاية، وهؤلاء يعتقدون أن ضعف الضو الماحي أسهم في تسهيل تمرير أجندة قيادات جنوب الولاية وإحكام سيطرتهم على الحزب والجهاز التنفيذي.

    كردفان.. ضعف وقوة

    في شمال كردفان يتندر البعض من الطريقة التي يدير بها الجنرال البشير دفع الله خوجال الحزب الذي يجلس فيه على منصب الرجل الثاني والمسؤول عن تسييره، ويشيرون إلى أن لاعبي هلال الأبيض هم الأكثر تردداً على دار الحزب بحكم أن الرجل رئيس للنادي، ويذهب الساخرون بعيداً في تندرهم ويؤكدون أن من يريد أن يتحدث عن أمر يخص المؤتمر الوطني بحضور خوجال عليه أولاً أن يتحدث عن هلال التبلدي، ومن ثم يكشف عن غرض زيارته.

    بصفة عامة، فإن المؤتمر الوطني بولاية شمال كردفان يشهد استقرارا كاملاً ليس بسبب توافق أعضائه، ولكن بحسب مراقبين بداعي ضموره وضعف أدائه وانتهاج أحمد هارون سياسة الابتعاد عن الحزب حتى لا يفقد التأييد الذي يحظى به من مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية في دعم مشروع النفير، أما بغرب كردفان فإن الوالي أبوالقاسم بركة فلم يجد حلاً لإيقاف الصراعات داخل الحزب غير حل أماناته، وبركة واجه خلال الفترة الماضية رياحاً عاتية كادت أن تقتلعه من منصبه، فالتيارات المعارضة لسياسته ترى أنه عجز عن تحقيق إنجازات على أرض الواقع وتتهمه بإدارة الولاية عبر الهاتف السيار لوجوده المتواصل بالعاصمة الخرطوم، وأيضًا يأخذ الصراع شكلاً جهوياً بالولاية، وذلك عقب ارتفاع أصوات القيادات بشمال الولاية مطالبة المركز بإنشاء ولاية النهود أو وسط كردفان في تعبير عنها عن عدم رضائها من سياسة بركة.

    النيل الأبيض.. خلافات لا تنتهي

    رغم نجاح عبد الحميد موسى كاشا في احتواء من يطلق عليهم تندراً لقب الكباتن، إلا أن الرجل لم يسلم من الانتقادات من قبل قيادات داخل المؤتمر الوطني، ظلت تؤكد فشله وعجزه عن أضافة ما يفيد الولاية، حتى إن البعض ساقه الحنين إلى عهد الوالي السابق الشنبلي بكل إخفاقاته.

    وتعتبر المذكرة التي دفع بها عدد من القادة أبرزهم عبد الله البنز وسليمان جودة قبل ثلاثة أشهر من أبرز محطات الخلاف داخل المؤتمر الوطني بالولاية، حيث انتقد من يقف خلف المذكرة أداء حكومة كاشا، وكان مسجد كوستي الكبير قد شهد خطاباً ناقداً لأداء كاشا أطلقه القيادي البارز آدم البشير الذي يعتبر أيضاً من أبرز معارضي كاشا، ويشير المحلل السياسي بابكر الجاك إلى أن المؤتمر الوطني بولاية النيل الأبيض تكتنف مسيرته الضبابية عقب ابتعاد أبرز قياداته مثل محمد أحمد شنيبو وعلي عليان، وقال إن الحرس القديم فضل الابتعاد تماماً لعدم رضائهم عن واقع الحزب، ويلفت إلى أن هذا جعل الوالي يتحرك كيفما يشاء غير مهتم بإعمال نهج الشورى، جازماً بأن الحزب بالنيل الأبيض يمر بأضعف حالاته.

    دارفور.. تباين وتدافع

    يبدو الوضع داخل المؤتمر الوطني بولاية دارفور أفضل حالاً مما هو سائد بالولايات الأخرى، والتوفيق التنفيذي الذي لازم عدداً من الولاة أسهم إيجاباً في الهدوء السياسي داخل أروقة الحزب الحاكم، بيد أن الوضع في غرب وجنوب دارفور تشوبه بعض الصراعات التي طفت على السطح إثر شكاوى تم تقديمها للمركز ضد آدم الفكي وفضل المولى الهجا، أكد الذين يقفون خلفها أن الرجلين يديران الولاية والحزب بعيداً عن المؤسسية، وكانت الأوضاع قد انفجرت بجنوب دارفور إثر التقدم بمذكرة أخيرًا للمركز تطالب بإبعاد المهندس آدم الفكي، وأشارت أصابع الاتهام إلى أن عدداً من القيادات تقف خلف المذكرة، ومنهم إيدام عبد الرحمن، دكتور محمد الأمين إسحق أبوجا وكمال نديم.

    وهنا يشير المحلل السياسي الحسين إسماعيل أبوجنة ألى أن عدد سكان ولاية جنوب دارفور يتجاوز الأربعة ملايين نسمة، وعضوية المؤتمر الوطني تقترب من السبعمائة وخمسين ألف عضو، وقال إن الذين أعلنوا معارضتهم للوالي لا يتجاوز عددهم المائة، ويلفت إلى أن الانتقادات التي تصوب ناحية الفكي ليست في المفاهيم والرؤى حول إدارته للحزب والجهاز التنفيذي، بل حول قضايا ليس للمواطن اهتمام بها، ويرى أن المواطن يبحث عن الخدمات ولا يكترث كثيرًا بما يدور من صراع داخل المؤتمر الوطني.

    ويلفت أبوجنة إلى أن الصراع في جنوب دارفور يمكن تأطيره في ذات المفاهيم السابقة، وهو ينحصر بين تيار الذين كانوا أعضاء في الجهاز التنفيذي ضد الوالي الحالي، وقال إن من يجدون أنفسهم في فراغ عقب إبعادهم عن المناصب الدستورية يتجهون إلى معارضة الولاة بغية لفت نظرهم انتهاجاً لسياسة “كركب تركب “، ويجزم باستحالة ترضية كل القيادات التي تبحث عن العودة مجدداً للمواقع الدستورية.

    إنقاذ الموقف

    يعتقد مراقبون للأوضاع داخل المؤتمر الوطني بالولايات أن قبضة المركز لم تعد مثلما كانت في عهد الدكتور نافع علي نافع، وأن هذا أسهم في تمدد ظاهرة التلفت والخروج على الولاة، غير أن آخرين يعتقدون بأن ما يحدث ليس تفلتاً بل تعبير عن رفض تيارات وقيادات للسياسة التي ينتهجها عدد من الولاة، وما بينهما تبقى حقيقة أن الحزب الحاكم في الولايات فقد جزءاً من بريقه وسطوته وأن إنقاذه وضخ الدماء في شراينه حتى يقوى على الوقوف حتى العام 2020 يتوقف على إجراء تغيير في مناصب الولاة والذي يتوقع بحسب أنباء رشحت أن يحمل أبعاداً أكثر من خمسة في المرحلة المقبلة لإعادة التوازن إلى الحزب الحاكم والولايات التي يديرونها، ورغم أن الترشيحات تذهب ناحية إعفاء ولاة النيل الأزرق، سنار، الشمالية، القضارف وغرب كردفان إلا أن الاحتمالات تظل مفتوحة لحدوث مفاجآت في التغيير المرتقب.

    (نقلا عن صديق رمضان – الصيحة).

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...