الثلاثاء  26  سبتمبر  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • أكرم حبيب ونبوءات التوراة عن السودان

    September 13, 2017  

    د.أمل الكردفاني

    شاهدت فديو النبوءات عن السودان في التوراة او العهد القديم… وكان عرض اكرم حبيب مشوقا جدا ، استعرض اولا مسمى السودان في العهد القديم وأثبت ان المقصود من كوش هو السودان وليس أثيوبيا وفق الترجمات الانجليزية للكتاب المقدس ، وبالتالي شمل الاثبات استعراض أدوار كبيرة في الماضي لعبتها حضارة كوش منذ تهراقا وغيره ، قبل أن ينتقل الى النبوءات حول مستقبل كوش فيما يلينا من تدفق زماني ،  وتحدث عن حرب الهمرجيدون والتي ايضا لم يخلو التراث الاسلامي من الاشارة اليها عبر فكرة عودة المسيح وكسر الصليب وقتل المسيح الدجال ثم ما يلي ذلك من صرخات عزرائيل التي تفني البشرية المتبقية في الكوكب تمهيدا للانتقال الى مرحلة البعث ويوم القيامة أو يوم الدينونة..

    قراءتي للكتاب المقدس -بعهديه- قديمة منذ الطفولة ، وكان اثر تعرفي في المدرسة الابتدائية على الصديق فرانسيس ،  حيث كان يقطن في مجمع سكني للطلبة الجنوبيين تديره وتدعمه الكنيسة (لا أعرف أي كنيسة بالضبط) وكنت أزوره يوم الخميس تحديدا بغرض اللعب الجماعي ومشاهدة الفديوهات تحت اشراف سيسترات من الكنيسة ، وحصلت من السيسترات على الكتاب المقدس ومجلات تحكي قصص الكتاب المقدس مصورة اي كوميكس ، ولشد ماجذبني الى العهد القديم قصصه المثيرة حيث الانبياء يخطؤون كما نخطئ بل يلحدون ويكفرون ثم يعودوا تائبين وشخصية الرب الغاضبة دائما حيث يقوم بعمليات تجريف وتدمير لكل من يخالف تعاليمه ، ويأمر بالسبي والقتل والاغتصاب وحتى ذبح الحيوانات بدموية بشعة مطلقة ورغم ذلك فقد كانت شخصية الرب هذه تعجبني دائما لأنها شخصية قوية ومتسلطة وتنزع الى القوة.. مع ذلك لم يبدو لي العهد القديم كتابا مقدسا نسبة لاشكاليات كثيرة ، من أهمها أنني لم أجد الخطاب الربوبي المباشر كما هو الحال في القرآن وبدا لي ككتاب تاريخ أكثر من كونه كتابا مقدسا.

    والحال كذلك فإن انبهاري الطفولي قد زال -وهذا أمر طبيعي- بتقادم العمر وتهافت الزمان ، وبالاطلاع على أصوات أخرى تحاول اثبات بشرية الكتب الابراهيمية الثلاث ، فالقصص التوراتية بدت لي شديدة السذاجة كقصة داوود مع زوجة أحد قياداته ، وكقصص موسى هذا بالاضافة الى أنه لم تثبت حتى الآن اي قصة من قصص التوراة اركيولوجيا ،  وخاصة تلك القصص المفصلية في حياة بني اسرائيل كقصة الهروب الجماعي وشق البحر وغرق الفرعون وجنوده ، حيث لم ترد اي اشارة الى هذه القصة لا في الحفريات ولا في البرديات المكتشفة بل ولم يتم الاشارة حتى الى تواجد بني اسرائيل في مصر ، وأقدم تدوينة للكتاب المقدس من التدوينات المكتشفة هي تدوينات ادراج البحر الميت التي تمت في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد.

    ومن خلال سياقات الكتاب المقدس نجده قد اعتمد على الحكي التفصيلي بابداع وذكاء عال جدا إذا قسناه بمعايير تلك الأزمنة السحيقة ، وهو يستخدم كل أسلوب ناجح لفرض شعور بقدسية النص على القارئ واهم تلك الأساليب أسلوب النبوءة ، حيث يكشف الرب شيئا من أستار  وحجب المستقبل ، وهو مستقبل -في الواقع- لا ولن نصل اليه أبدا ، فكل جيل يرى صورة هذه النبوءات متمثلة فيه ثم يزول دون ان تتحقق هذه النبوءات ويأتي جيل آخر يعتقد أن النبوءات لن تخرج من زمانه وعصره ، وهكذا . وهذه النبوءات التي لا علم لنا بها والتي لا نصل اليها أبدا تدفعنا دائما الى الايمان بحدوثها حتى ولو استخدمت فيها مفردات قديمة بل ومنقرضة الفعالية كالسيف والمنجنيق وخلافه . ويتم اعادة تأويل هذه المفردات دائما لتتعزز بمفاهيم الحاضر ، وحتى تظل فاعلة ومشتغلة في محيطها الزمكاني .  هذا الأسلوب ليس بدعة فأغلب الكتب الدينية تستخدمه بل نجده حتى عند المشعوذين والمنجمين كنوسترداموس وغيره ، فالفكرة هي أن ينتقل القارئ من حجاب  الحاضر الزمني الى ما ورائه واختصار ملايين الاختبارات والتجارب والوقائع البشرية للوصول الى توقعات تثبت صحة القائل أو الكاتب سواء كان الرب أو منجم أو نبي …

    نبوءات الكتاب المقدس وفقا لشرح اكرم حبيب أحدى هذه الأساليب ، وتأويلات أكرم حبيب هي احدى التأويلات ، ومع ذلك يلاحظ أن هذه النبوءات تمركزت حول جغرافيا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، حيث سادت الحضارات القديمة ،  وحيث لم يتوقع كاتب النص بروز حضارات أقوى وأكبر وأبعد جغرافيا ، كذلك الأسماء المطلقة هي الأخرى مسميات بعضها عبر عن زمان نسخ النص وبعضها جاء غامضا ولا مكان لها . وبالتالي يمكن تحميلها بكل الحمولات الممكنة.

    إن نبوءات الكتاب المقدس لو قارناها بنبوءات نوسترداموس لتفوقت هذه الأخيرة على الأولى ، ولكانت أكثر اتساعا وشمولية بل وغموضا واثارة ..

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...