الثلاثاء  26  سبتمبر  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • أمريكا حالة كونها غافلة : أي إرهاب ذلك الذي يحاربه عمر البشير ؟

    September 6, 2017  

    (حريات)

    أمريكا حالة كونها غافلة

    أي إرهاب ذلك الذي يحاربه البشير ؟

    د. ناجي بشير خاطر

    تبقّت أسابيع معدودة أمام الإدارة الأمريكية لتحدد موقفها من تجديد قرار رفع العقوبات عن النظام السوداني الذي يرأسه البشير. ومن غير المعروف على وجه التحديد ما سوف تتخذه تلك الإدارة من قرارات في هذا الصدد، سوى أن المؤكد هو أن أي قرار يستهدف غسل أيدي البشير من جريمة خلق ورعاية ومساعدة الإرهابيين لا يعدو غير أن يكون جهلاً فاضحاً بالمشهد الحقيقي في الميدان.

    بالرجوع للتاريخ القريب للاستفادة من بعض دروسه، نجد أن المؤسسات الأمريكية المرتبطة بالسياسة الخارجية، خاصة تلك المتعلقة بالعالمين العربي والاسلامي، قد أخطأت كثيراً في تقييم الأوضاع والمواقف بتلك المناطق، مما تسبب في إتخاذ قرارات ذات عواقب كارثية. ينهض دليلاً على رأينا، تلك الأخطاء في تحليل الواقع العراقي التي بنت عليها أمريكا غزوها للعراق، وهي أخطاء جسيمة ترتب عليها، للأسف الشديد، حمامات دم هائلة للعراقيين وللقوات الأمريكية. لم تكن الحيثيات السياسية للغزو هي الوحيدة الخاطئة، فقد أثبت التاريخ بوضوح أن المعلومات التي كانت متوفرة لمتخذ القرار الأمريكي، عن التركيبة الإجتماعية والبنية الثقافية بذلك البلد، كانت بعيدة عن الصحة والدقة المطلوبين لإجراء التغيير الايجابي المنشود وقتها. فالإدارة الأمريكية، ومنذ البداية، لم تكن مدركة لمدى نفوذ القوى الإسلامية بشقيها السني والشيعي، كما لم تكن معنية كثيراً بقياس درجة تغلغل التصور السلفي للاسلام في العقل والوجدان الجمعيين. في الواقع، لا يوجد هنالك إثبات لما نزعم، أفضل مما وثقته عدسات الفضائيات، وهي تنقل لملايين المشاهدين حول العالم، علامات الدهشة والحيرة التي ارتسمت في أوجه وأعين المقاتلين الأمريكيين وأمامهم الآف المواطنيين العراقيين الغاضبين يمنعونهم بحدة وعدائية شديدة من الدخول لقلب مدينة النجف في اثناء مطاردتهم لفلول نظام صدام حسين؛ ذلك النظام الذي أذاقهم ما يتضاءل أمامه كل ما كان يمكن أن يفعله الأمريكيون بهم.

    لقد فهم الأمريكيون الأمر لاحقاً، لكن بعد أن اشتعلت الفلوجة ناراً، واصطبغ الرمادي باللون الأحمر القاني، وتسلّم آيات الله مفاتيح السياسة والاقتصاد في بغداد، وانحدرت مكانة المرأة العراقية في كل أرض الرافدين، سنياً كان أم شيعياً، لتصبح قيمتها هي جسدها. لقد كان الأمر تكراراً، مؤسفاً، لنفس الدهشة التي كانت قد سيطرت من قبل على وجوه الأمريكيين عند دخولهم كابول، وهم يرون أحلام التغيير تتبعثر براقعاً على رؤوس الأفغانيات، في ذات الوقت الذي كانت فيه أفكار طالبان الموغلة في الإنغلاق تغور عميقاً داخل أدمغة رجال ونساء باكستان.

    ما دعانا لإستدعاء هذه الشواهد هو ما نعتقده من وجود مشكلة لدى صناع السياسة الخارجية الأمريكية من سياسيين ودبلوماسيين واستخباريين وباحثين، في تعاملهم مع الشأن السياسي والأيديولوجي في العالمين الإسلامي والعربي، احدى تجلياتها ما رشح على سطح الأخبار عن وجود اتجاه قوي لدى المؤسسات الأمريكية المختصة، لرفع العقوبات المفروضة على النظام المسيطر في الخرطوم، بحجة مساهماته في محاربة الإرهاب! إنه من دواعي الدهشة البالغة، وبعد كل تلك الدروس الأليمة التي تلقتها البشرية من مختلف جماعات الإسلام السياسي، أن لا يزال البعض يتوقع خيراً منها. ويصبح من المنطقي للمرء أن يتساءل، ما هو الثمن الذي يجب أن يدفعه العالم حتى يكتشف مدى ما تعرض له من خداع منها؟

    إنه وبمثلما استخدمنا أمثلة وقرائن محدودة في صدر مقالتنا هذه لتوضيح خطأ التصورات الوردية الزاهية، للأوضاع في أفغانستان والعراق، التي داعبت خيال صناع السياسة الدولية في واشنطون إبان تعاطيهم لشأن هذين البلدين، وهي تصورات وضح زيفها لاحقاً؛ نستخدم أيضاً ذات أسلوب تقديم النماذج والقرائن لتبيان خطأ تلك التصورات في إعطاء صورة صحيحة عن المساعدة المفترضة للنظام السوداني في مكافحة الإرهاب. والإرهاب المقصود هنا، ليس هو الذي يمارسه ذلك النظام مع معارضيه، فهذا تدل عليه صور الأقمار الاصطناعية للأرض المحروقة بإنسانها، في دارفور وكردفان؛ بل المقصود ذلك الإرهاب الذي تمارسه الجماعات الاسلامية المتشددة التي تمقتها أمريكا علناً، ويحبها ذلك النظام سراً وعلناً! كما سوف نرى.

    إن السلفية الجهادية التي يخشاها الأمريكيون، والتي يعتقدون أن النظام القائم بالسودان يعمل على محاربتها، موجودة ونشطة بالسودان وذات نفوذ ملموس ومتزايد، بل ومرشحة للوصول للحكم. إن النظام القائم الآن في السودان يلعب دوراً رئيسياً في رعايتها ومباركة أعمالها بالسودان وبأفريقيا والشرق الأوسط. إن ما يجري بمساجد السودان من تزايد واضح في التواجد السلفي خطاباً وشخوصاً، وما يسم الشارع من نمو متسارع في استخدام الأزياء المرتبطة بالفهم السلفي للإسلام، وما يدور بالمناقشات العامة خاصة عبر وسائط التواصل الإجتماعي التي أصبح يغلب عليها المحتوى السلفي (المولّد الرئيسي للتطرف)، كل ذلك يجب وضعه تحت منظار الفحص الدقيق؛ لأنه يشير لمسار سياسي ناهض، ينتهي عند محطات خطرة جداً، خاصة إذا ما استصحبنا سيناريوهات البدايات بسوريا و ليبيا. فتشابه البدايات بينها، لا يبشر بمآلات مرغوبة بتاتاً!

    هذه السلفية الجهادية لها ارتباط قوي لا تخطئه العين البصيرة برأس النظام، وذلك من خلال أجهزته الأمنية التي تعتبر “المدير” الحقيقي للحياة العامة بكل مناحيها في السودان، سواءاً كانت تنفيذية أو عسكرية أو قضائية أو إعلامية أو غيرها. هنالك ثلاث حالات رئيسية يمكن أن تتسبب في انطلاق هذه الجماعات نحو الثمرة المشتهاة، السلطة:

    • نشوء فراغ سياسي كامل أو فوضى سياسية شاملة كنتاج لانفجار داخل التنظيم الحاكم، والذي قد يفرز درجة عالية من الهشاشة في توازن القوى.
    • في حالة أطلقها الرئيس من عقالها لتؤدي مهمة يعتقد أنها مخرج له من أحد الأوضاع التي يتسبب فيها هو نفسه في معظم الأحوال. وكمثال على ذلك في حالة ميلان توازن القوى في ميدان العمليات العسكرية لغير صالحه أيّاً كان موقع هذا الميدان، أو في حالة وجود هبّة شعبية واسعة النطاق مفتقدة للقيادة والتنظيم، إلخ.
    • في حالة تأزّم الأوضاع داخل هذه السلفية الجهادية نفسها، وبروز توجّه لديها للاستقلال بنفسها، وضيقها من حالة الانتظار التي تعيش فيها حالياً.

    إن الدلائل والمؤشرات على وجود هذه القوى وسيطرة الرئيس عليها عبر أجهزته الخاصة كثيرة. بيد أن قليلا من النماذج ربما يكون مفيداً لتأكيد وجهة نظرنا. نشير في هذا الصدد إلى أن النظام يحاول الدفاع عن علاقته بها، في بعض الأحيان، باعتبار أن القصد من ذلك امتصاص طاقتها و ضبط مسارها. هذا تبرير صعب القبول حيث إن النظام، وبطبيعته الاحادية، لم يحتمل وجود قوى سياسية واجتماعية وسياسية مسالمة وراسخة الجذور في التربة السودانية، فكيف يقبل بوجود قوى مسلحة وذات أهداف بعيدة، خاصةً وأن النظام يملك القدرة على تفكيكها بدون خسائر تذكر وهي في المهد :

    • في أغسطس 2007 انفجرت عبوة ناسفة بمنزل بحي السلمة بالخرطوم، وقد اتضح لاحقاً أنه يستخدم كمعمل لتحضير العبوات الناسفة بواسطة إحدى المجموعات السلفية الجهادية. اعتقلت الشرطة المجموعة المتورطة التي كانت بقيادة محاضر جامعي في الكيمياء وتضم في عضويتها نجل أحد الدعاة السلفيين المرتبطين بالجماعات الجهادية والذي تربطه علاقة صداقة شخصية بالرئيس، وهو الشيخ عبد الحي يوسف. تم إطلاق سراح المعتقلين بعد قضائهم فترات متفاوتة في الاعتقال (لكنها قصيرة وناعمة مقارنة بما يتعرض له المعارضون الآخرون) إثر إجراء ما وصف بـ “مراجعات فكرية” لهم بواسطة بعض السلفيين، من ضمنهم عبدالحي يوسف نفسه، وذلك بتكليف من جهاز الأمن كما جاء بالصحف اليومية المرتبطة بالنظام. الجدير بالذكر أن الرئيس البشير كان وكيلاً لنجل عبدالحي يوسف، المتهم في القضية، عند زواجه لاحقاً بعد إطلاق سراحه! كما يجدر الذكر أيضاً، أن هذا الشيخ، عبد الحي يوسف، من المتطرفين الذين جرى طردهم من دولة الإمارات عقب حرب الخليج الثانية باعتبارات موقفه المساند للإرهاب!
    • اعتقلت السلطات المصرية في شهر يونيو 2009 شيخاً سلفياً يسمى مساعَد بشير السديرة وهو في طريقه مع عائلته للطائرة بعد رحلة علاج بالقاهرة استمرت عدة أسابيع. كان المحيّر وقتها تصدي صحيفة يملكها أحد الصحفيين المقربين من الرئيس رغم عدم انتمائه للتنظيم الحاكم، تصديها لحملة واسعة لإطلاق سراحه رغم أن شخصية الشيخ كانت مغمورة في ذلك الوقت ولم يكن من أولئك الذين تسعى الصحف لنشر أخبارهم أو الأحداث المرتبطة بهم. لاحقاً وضح أن الشيخ المعني من الكوادر الهامة للسلفية الجهادية لدرجة أن جهاز الأمن قام باعتقاله في شهر سبتمبر 2014 على خلفية مبايعته لأمير داعش “أبوبكر البغدادي” وثبوت تجنيده لكوادر داعشية تم إرسالها للميدان، ثم أطلق سراحه لاحقاً بعد أن تم عقد لقاءات “مناصحة” معه من قبل بعض السلفيين “المعتدلين” الموالين للنظام الحاكم.
    • في منتصف عام 2010 تمكّنت مجموعة السلفيين الجهاديين المحكومين بالإعدام لقتلهم الدبلوماسي الأمريكي جون جرانفيل في الأول من يناير 2008 بالخرطوم، تمكنوا من الهروب من سجنهم الحصين ونشروا فلما تسجيلياعلى موقع اليوتيوب للعملية من بداياتها الأولى وحتى نهايتها. من المعلوم لكل من له معرفة بذلك السجن، أنه من المستحيل حدوث ذلك بالطريقة التي تم بها إلا بترتيب جهاز الأمن و بموافقة من رأس الدولة. إذ إنه من البديهيات أن زنازين المحكومين بالإعدام بهذا السجن تفتقد لأي أدوات يمكن استخدامها في الحفر، كما أنه لا يوجد احتمال لأن يستمتع المحكومون بأدوات اتصال أو تصوير مثل التي استعملوها في تصوير الشريط. هذا ناهيك عن الأصفاد التي تقيد حركتهم والمراقبة اللصيقة من الحراس المنتشرين على الجدران العالية المحيطة بهذا القسم ذي المساحة المحدودة. لقد قدر أحد المهندسين الإنشائيين كمية التراب المفترض أن تنتج عن عمليات الحفر لنفق طوله يقارب الأربعين متراً تم حفره من الداخل، قدّره بحمولة ثمانية شاحنات كبيرة لم يظهر لها أثر في الشريط المنشور على اليوتيوب! تم إلقاء القبض على أحد هؤلاء المحكومين بالإعدام بعد فترة وجيزة من هروبه وأعيد إلى السجن حيث لا يزال قابعاً إلى الآن، بدون تنفيذ للحكم، رغم مضي نحو 8 أعوام عليه! تجدر الإشارة إلى أن هذا المحكوم بالإعدام سمح له، وفي سابقة لم ترصد في تاريخ البلاد، بالمشاركة في دفن والده الزعيم السلفي المتطرف هو الآخر وقد كان واقفاً جوار رئيس النظام نفسه أثناء مراسم الدفن، كما أن اثنين من الذين ساعدوا في تهريبه من السجن أطلق سراحهما بعفو رئاسي (تم الإعلان عنه بالصحف) وذلك بعد انقضاء النصف من مدة محكوميتهما، وهما مبارك مصطفى وقصي الجيلي. لقد كانت الحجة المعلنة في إطلاق سراح الأخير منهما، أن سلوكه قد تحسن بالسجن، ولم يعد متطرفاً، وذلك بعد أن حفظ القرآن الكريم بالسجن، علماً بأنه قد التحق بداعش ليبيا بعد “تحسن سلوكه”، وتوفي هنالك في ظروف غير معلومة.
    • أقيمت صلاة علنية على روح بن لادن في ساحة عامة، منتصف 2011، شارك في تنظيمها خال الرئيس نفسه وهو أحد أكثر المقربين منه، ويتولى حالياً رئاسة لجنة الإعلام بالبرلمان. أقيمت تلك الصلاة بمشاركة قيادات سلفية معروفة، كثيرٌ منها ينتمي للنظام الحاكم. كما أمّ الصلاة، وخطب في الناس، معدداً فضائل بن لادن ومحاربته للكفار، أحد المقربين من رأس النظام وهو الشيخ عبد الحي يوسف. حدثاً مثل هذا لا يمكن أن يتم إلا بموافقة جهاز الأمن، و في الغالب بموافقة من رأس الدولة.
    • شهد شهر مايو 2012 صداما بين قوات حكومية ونحو ثلاثين مسلحاً من السلفيين الجهاديين كانوا يقيمون بمعسكر تدريب عسكري تابع لهم بمنطقة نائية في وسط السودان. رغم خطورة الأحداث والتي من المفترض أن تصل عقوبة المدانين بها إلى الإعدام وفقاً للقانون السوداني، إلا أن النظام اكتفى بحبسهم وبدون محاكمة لمدة عامين ثم أطلق سراحهم في يوليو 2014 إثر “مراجعات” و”مناصحات” أوكلت لسلفيين مقربين من رأس النظام. الجدير بالذكر، أن أحد الذين تم الإفراج عنهم على ضوء هذه “المناصحات” هو أستاذ الكيمياء الذي أفرج عنه من قبل على ضوء “المناصحات” السابقة التي أعقبت حادثة السلمة التي تزعمها هو، كما تفيد بعض التقارير الإخبارية بأنه يرأس حالياً إحدى الفصائل المسلحة لدى حركة بوكو حرام بنجيريا!
    • فوجيء المراقبون في شهر سبتمبر 2012 بتسجيل واضح على موقع “يوتيوب” لندوة جماهيرية مفتوحة أقامها تنظيم القاعدة بقرية سودانية. لقد كانت الجرأة واضحة لحد كبير حيث إن الندوة كانت حسنة التحضير كما أن الفيديو المصوّر أوضح ملامح المتحدثين وجانباً من الحضور وهتافاتهم، بشكل يؤكد وجود تواطؤ ، وغالباً موافقة كاملة، من الأجهزة الأمنية التي يستحيل قيام مثل هذه الفعاليات بدون معرفتها. لقد أسدل ستارٌ كثيفٌ على هذه الندوة ولم يتم التطرق لها في الإعلام.
    • تم إحراق السفارة الألمانية بالخرطوم ورفع راية الجماعة السلفية الجهادية بدلاً عن العلم الألماني في شهر سبتمبر 2012 بواسطة الآلاف من السلفيين الذين تمت تعبئتهم بشكل مكشوف في المسجد الكبير بالخرطوم كرد فعل على فلم يسيء للرسول محمد (ص). كما تم في ذات اليوم محاولة اقتحام مماثلة للسفارة الأمريكية التي تبعد أكثر من عشرة كيلومترات من السفارة الألمانية، وفي منطقة غير مأهولة سكانياً، من قبل نفس المجموعة المنظمة. كل ذلك تم تحت حماية الشرطة والأمن، علماً بأنه من المستحيل حدوث مثل ذلك إلا بموافقة النظام أو بترتيبه. فالأمن السوداني له خبرة كبيرة في إخماد أي تظاهرة في مهدها حتى في داخل المناطق السكنية الضيقة دعك عن المناطق الحيوية أو مواقع السفارات. كما أن لديه سيطرة كاملة على ما يدور بالمساجد سواء من ناحية ما يدلي به إمام المسجد من خطب أو ما يمكن أن يحدث من المصلين. الجدير بالذكر، أنه لم يجر تقديم أي من مرتكبي هذه الأحداث للمحاكمات رغم توفر الأدلة والقرائن صوتاً وصورة!
    • إنه ورغم تواصل حملات الهدم للمزارات والأضرحة الصوفية في مناطق مختلفة من البلاد بواسطة الجماعات السلفية المتطرفة، إلا أن مؤسسات النظام الحاكم لم تقدم متهماً واحداً للعدالة، مما يؤكد وجود تواطؤ وتنسيق مؤسسي بينهم.
    • تواصل الجهات الحكومية وعلى نحو منظم وعلني التضييق اليومي على المسيحيين، بشكل يبدو وكأنه تنفيذ لاتفاقات مبرمة بينها وبين السلفيين المتطرفين. يشمل ذلك التضييق، من ضمن ما يشمل، هدم الكنائس والمقار الدينية لهم، حتى لو كان الثمن أرواحهم كما حدث للأب يونان عبد الله بتاريخ 3 أبريل 2017. أنه وبتاريخ 19 أغسطس 2017، ورد بالمواقع الإخبارية المعروفة ما يفيد بطرد رجلى دين مسيحيين بالقوة الجبرية من منزل تابع للكنيسة الانجيلية بأم درمان، كما أصدرت السلطات بتاريخ 27 يوليو 2017 قراراً بالغاء عطلة يوم الأحد الاسبوعية بالمدارس المسيحية كاستجابة لتوجيهات صادرة من جهات “عليا” وفقاً لتصريح وزير التعليم بولاية الخرطوم في اجتماع لاحق بمسئولي تلك المدارس. في حدث أضفى مزيداً من الغموض، نقلت الصحف الصادرة بتاريخ 31 أغسطس 2017 تصريحاً لوزير الخارجية، غندور، يطلب فيه من وزارة التربية إلغاء قرارها هذا لتسببه في خسائر سياسية للبلاد.
    • رغم أن معظم المصادر الإخبارية أشارت إلى دخول مجموعات من مقاتلي الجماعة السلفية لمنطقتي دارفور وكردفان الشاسعتين وذلك بعد فرارهم من مالي على إثر الضربة الفرنسية في يناير 2013، إلا أن النظام تكتم على مصير هؤلاء المقاتلين، والاحتمال الأكبر هو أنهم يعيشون في معسكرات تحت حماية السلطة.
    • أوضح شريط فيديو مصور في شهر ديسمبر 2013 وموجود على اليوتيوب تورط الجيش السوداني في تزويد الإسلاميين بليبيا بالأسلحة والذخائر حيث تم تسليم الأسلحة ومساعدات أخرى بواسطة ضابط ملتحي يبدو أنه القائد للقافلة العسكرية.
    • أكد التقرير النهائي، الصادر بتاريخ 23 فبراير 2015، عن فريق خبراء الأمم المتحدة بليبيا المنشأعملا بالقرار 1973/2011، أكد تسليح حكومة البشير للميليشيات الإرهابية في ليبيا وذلك إستناداً على معلومات دقيقة من ضمنها إفادات مصادر ليبية وأجنبية موثوقة، ومن ضمنها صور لطائرات عسكرية سودانية بمطار إمعيتيقة الخاضع لسيطرة الجماعات المتطرفة.
    • يقوم السلفيون بحملات منظمة لتعبئة المسلمين ضد المسيحيين وهدم كنائسهم. لقد امتلأت شوارع العاصمة الخرطوم، كمثال، بالآلاف من الملصقات واللافتات، غير محددة المصدر، إبان شهور ديسمبر الأخيرة المنصرمة تحض على عدم مشاركة المسيحيين أعيادهم باعتبار أن ذلك يعد كفرا بالإسلام. كما تشمل حملات السلفيين هذه تشويه أو إتلاف المواد الدعائية لشركات الاتصالات التي تحوي صور نساء، معظمهن محجبات، والمنتشرة على الجسور والشوارع الرئيسية المضاءة جيداً. معلوم أن أمراً مثل هذا يستحيل تنفيذه بدون موافقة جهاز الأمن، بل ربما يكون هو الجهة المصدرة والموزعة لها.
    • تأديب المخالفين بجرأة بالغة وشكل عنيف يمكن أن يصل مرحلة القتل، مثلما حدث بتاريخ 19/7/2014 لرئيس تحرير صحيفة “التيار”، عثمان ميرغني، الذي ضرب ضرباً مبرحاً في مقر عمله وأمام زملائه بسبب إشادته بالديمقراطية الممارسة في إسرائيل في إطار مقابلة تلفزيونية معه صادفت العملية العسكرية لإسرائيل بغزة. تم الحدث بشكل لا يدع مجالاً للشك بأنه من تدبير جهاز الأمن لإرضاء السلفيين على ما يبدو، علماً بأنه قد تم التعرف على الجناة، إلا أن جهات “عليا” حالت بينهم وبين مثولهم للعدالة.
    • شهد اليوم الثامن والعشرون من نفس الشهر اغتيال رجل أعمال محترم ومتدين باعتدال، هو السيد/ هاشم سيد أحمد، بواسطة مجموعة من الشباب السلفي الذي ينتمي لجماعة يقودها أستاذ جامعي متطرف معروف. لقد أوضحت الاعترافات الأولية التي أوردتها الصحف، بأن الأسباب التي أدت لوقوع الجريمة تتعلق برفض لجنة المسجد التي يرأسها القتيل لهؤلاء الشباب باستخدام المسجد في أنشطتهم المتطرفة. فما كان منهم إلا أن اغتالوه بمنزله ومن ثمّ حاولوا الفرار للصومال، تلك المحاولة التي لم تتم، بسبب القبض عليهم بواسطة الشرطة بالقرب من الحدود مع إرتريا.
    • صرح علناً أحد قادة الجماعات المتطرفة، محمد على الجزولى، في خطبة علنية له منتصف عام 2014 بأنه يبايع تنظيم داعش وتوعد فيها بانه إذا طارت طائرة امريكية واحدة في سماء العراق لضرب الدولة الاسلامية (داعش) فان الرد سيكون باستهداف جميع سفارات ومصالح امريكا، بما فيها الجامعات والمدارس والمطاعم والمتاجر. يشغل هذا المتطرف عدداً كبيراً من الوظائف المعلوم ارتباطها بالسلطة، كما أنه لعب دوراً رئيسياً في تجنيد عدد كبير من طلاب وطالبات مؤسسة أكاديمية شهيرة، يملكها أحد النافذين في السلطة، تم تسفيرهم بالفعل لسوريا والعراق حيث قتل بعضهم هنالك.
    • معلوم أن عدداً كبيراً من ناشطي التيارات الإسلامية المتطرفة في أفريقيا والشرق الأوسط، لهم ارتباطات أصيلة بالنظام وأجهزته.

    إن الوضع القائم اليوم في السودان يمكن اختصار سماته في التالي:

    • ملايين من السودانيين الأبرياء يعيشون في محنة إنسانية تستحق الحل العاجل. شعب يتعرض لانتهاكات يومية واسعة النطاق جعلت مئات الالاف من أبنائه في معسكرات اللجوء، وتحت القصف المنظم، والاغتصاب المتواصل، والقتل المجاني، سواء من القوات النظامية، أو الأهلية المدعومة من النظام.
    • نهب منظم للموارد تقوم به الدوائر الضيقة في الحكم وذلك لمصلحة أفرادها ولتقوية تنظيمها الإسلاموي السرّي. يشمل ذلك، وبدون أن يقتصر عليه، عمليات بيع واسعة للأراضي الشاسعة وتهريب مكثف للذهب، وذلك خارج إطار الاقتصاد الرسمي.
    • نزوح كثيف للطاقات البشرية لخارج البلاد قابل لأن يتحول لأزمة انسانية عامة في حال تعقد وتردّي الأوضاع الاقتصادية والسياسية بأكثر مما هي عليه.
    • إنحدار عظيم في مختلف جوانب الحياة حيث تكفي الإشارة إلى أن الصرف على قطاعي الأمن والرئاسة يمثل أكثر من 70% من جملة الانفاق العام وفقاً للأرقام الرسمية المعلنة، وذلك في واحدة من أكثر الحالات غرابة في العالم. يوازي ذلك، تردي حاد في مجالات الثقافة والأدب والفن والعلم لدرجة أصبحت معها المسائل العلمية والمهنية، كقضية وجود الوبائيات النباتية على فسائل النخيل المستوردة من عدمها، مجالاً للصراعات السياسية و معارك مراكز القوى في النظام، وتنشر أخبارها الصحف على صفحاتها الأولى!
    • ممارسة سياسية فاقدة للرشد والثقة لدرجة اختار معها النظام أن تكون أقصى أمانيه المعلنة هي أن يشارك رئيسه في القمة الأمريكية الإسلامية بالسعودية!
    • دولة في طريقها للانهيار ومعرّضة للتفكك والفوضى الشاملة على نسق ما يتم الآن في سوريا وليبيا واليمن، وربما بشكل أخطر نسبة لاتساع الرقعة الجغرافية وتماسّها مع سبعة أقطار بحدود طويلة صعبة السيطرة.
    • وجود مؤشرات قوية على استعداد ومقدرة السلفية الجهادية على التحرك وملء الفراغات المحتملة.

    إن نظام الجنرال البشير الحاكم الآن، ذلك الذي تنشد بعض الجهات في أمريكا والغرب إعطائه صك البراءة، غير قابل للاستمرار، حيث إنه يفتقد للكفاءة في كل مجال تقريباً ما عدا مجالي خنق الحريات العامة، ولعبة القط والفأر البائخة التي يمارسها قائده مع المحكمة الجنائية الدولية! إن فشله في تحقيق السلام والاستقرار السياسي تعبر عنه خير تعبير الحروب والنزاعات التي تضرب في كل أرجاء البلاد، وعرقلته المقصودة للجهود السلمية. أما فشله في إدارة الاقتصاد فتعكسه كل مؤشرات الأداء الاقتصادي، من تدنٍ لقيمة العملة الوطنية وارتفاع في نسب التضخم وانتشار للفساد بشكل غير مسبوق حتى على مستوى العالم. يضاف إلى ذلك إخفاقه في إدارة الخدمة العامة من أجهزة تنفيذية وعسكرية بشكل جعلها أقرب لمستويات القرون الماضية. وفي الواقع، بلغ من سوء القيادة وانعدام الكفاءة مرحلة عدم اقتناع القيادة بوجود مشكلة أصلاً!

    لقد تبدلت، بعد الخروج الكبير لعراب النظام، الترابي، المرجعية الأيديولوجية لجهاز الامن والاستخبارات، الذي يدير الحياة العامة بمختلف مناشطها حتى الرياضية، لتصير هي السلفية الإسلامية الجهادية التي تعتبر الأب الشرعي للتطرف الديني، ومن ثم للإرهاب. يحاول الجهاز، ومن خلال المذهب البراجماتي الذي يتبناه للوصول لهدفه الأساسي وهو إنهاء العزلة على رئيسه المطلوب جنائياً، تسويق نفسه أمريكياً واوروبياً باعتبار ملكيته لمعلومات هائلة عن التنظيمات المتطرفة وهي في الواقع معلومات جاءته نتيجة لانغماسه هو ذاته في تحالفات متعددة ومستديمة مع التنظيمات المتطرفة، وليس لتطور أخلاقي أو سياسي أو مهني ألمّ به. إنه من السذاجة الكارثية تصور أن علاقة الجهاز مع جماعات التطرف تتم فقط لتمكينه من جمع المعلومات عنها ولاستخدامها في محاربة بعضها. هذا جهاز لا أخلاق له، ويمكن أن يصل حد أن يقتل أعضاءه بدون سابق انذار، وقد فعل، في سبيل أن يقدم خدماته لسيده أو لمن يدفع. إلا أنه من المهم جداً إدراك أنه يفعل ذلك بدون أن يؤثر على أهدافه النهائية وارتباطاته الاستراتيجية. ويكفي أمريكا دروسها السابقة الكثيرة في التعامل مع الجماعات الاسلامية المتطرفة، حيث استعانت بها لأهداف معينة، إلا أنها فشلت في السيطرة عليها لاحقاً.

    إن العلنية المقصودة التي تتم بها الأحداث التي أشرنا لها، حيث إن معظمها يتم في وضح النهار وبحضور أجهزة الإعلام، تؤكد بشكل ساطع مستوى وثوقية واستراتيجية الحلف القائم بين النظام الحاكم والجماعات الجهادية المتطرفة. كما تؤكد تلك العلنية أن العلاقة بينهما من العمق والتكامل والانسجام بحيث لا تهتم السلطة بالثمن الباهظ الذي يمكن أن تدفعه تجاه رد الفعل المحتمل من قبل العالم على ما تقوم به لخدمة هذا الحلف. إن المضايقات الغير مبررة والغير مفيدة، حتى بمعايير الطغاة، التي تقوم بها “الجهات العليا” تجاه المسيحيين  في لحظة هي أحوج ما تكون فيه لنفي تهمة الاضطهاد عنها، دليل لا يدانيه دليل على غَلَبة الإلتزام الأيديولوجي الاسلاموي المتطرف لدى هذه الجهات، على ما سواه من خيارات.

    إن نظام الحكم القائم الآن بالسودان، أضعف من أن يشكل رقماً مهماً تجرى معه المساومات السياسية، وأرخص من أن يكون ثمن الإستفادة منه أن تضحي أمريكا بعلاقتها مع الشعب السوداني، ومع منظومة قيمها التي وضعها آباؤها المؤسسون. هذا نظام لا يملك من صور القوة إلا ما يمكنه من إذلال وقتل شعبه. نظام أصبحت أحلام قادته الآن لا تتعد دعوة الملك السعودي لمؤتمر، أو التفضل عليهم ببعض المال مقابل خدمات الجيش السوداني في اليمن! نظام هذا مستوى قادته، لا يستحق غير أن يسلط عليه سيف العقوبات أكثر فأكثر، وبشكل أكثر ذكاءً وفاعلية مما هو عليه الآن، حتى يخرج السودان لبر الأمان. نظام مثل هذا وجب أن يبعد عن مدى وصول يديه كل ما يمكن أن يساعده في إيذاء الناس. أما المعلومات والمساعدات التي يمكن لجهاز استخباراته تقديمها، فالواقع يقول أن الجهاز قد درج على تقديمها من قبل بدون ثمن يذكر، ولا يوجد على أرض هذا الواقع ما يشير إلى أن الثمن المطلوب حالياً أعلى مما إعتاد عليه المشترون سابقاً!

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    3 تعليق على “أمريكا حالة كونها غافلة : أي إرهاب ذلك الذي يحاربه عمر البشير ؟”

    1. عبدالمنعم الصديق في September 7th, 2017 3:44 am

      ( عرض حال ) شافى ووافى . لكن التساؤل المستمر حول أمريكا وما تفعله فى سياستها الخارجيه : هل فعلا تصرفت وفق معلومات خاطئه أم هى بيتت النيه لفعلها مسبقا بصرف النظر عن نتائج تحقيق اللجان الدوليه حول أسلحة العراق وعن قرارات الأمم المتحده التى لم تؤيد الغزو ؟ هل معلوماتها عن السودان مغلوطه أم هى تسعى لآعادة العلاقات معه لمنافع خاصه بها ولا يهم ما تفعله داخل السودان ؟

    2. as في September 7th, 2017 1:53 pm

      نظام الانقاذ هو الارهاب بعينه وجبان يقاتل العزل بالسلاح النارى وما حدث لشباب سبتمبر ليس ببعيد وين حتروحوا يا حراميه احسن ليكم الجناءيه فى راى ان بطش لربك لشديد وهو يمهل ولا يهمل سبحانه

    3. ابو محمد احمد في September 24th, 2017 9:34 pm

      الله يهديك مافي حاجة اسمها السلفية الجهادية بل المتطرفين يقال هم الخوارج الذي حذر النبي صلى الله عليه وسلم منهم

    لا تتردد في ترك التعليق...