الثلاثاء  26  سبتمبر  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • الطاهر الحدّاد : روح الشريعة والإسلام الخالص

    August 28, 2017  

    (شكري المبخوت)

    الطاهر الحدّاد : روح الشريعة والإسلام الخالص

     شكري المبخوت

    ألقى الرئيس التونسي في خطابه مؤخّرا بمناسبة عيد المرأة التونسيّة حجرا في بركة آسنة. فدعوته إلى التفكير في المساواة في الإرث وزواج المسلمة من غير المسلم مثّلت في الأوساط الدينيّة التونسيّة (الزيتونيّة بالخصوص) والعربيّة (كالأزهر) صدمة للتصوّرات الوثوقيّة للشريعة وأحكامها عن المرأة. فرغم أنّ ما قاله الباجي قائد السبسي ليس إلاّ نتيجة منطقيّة لتطوّر حال المرأة في تونس منذ إصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة قبل ستين عاما بما فيها من اجتهادات قانونيّة وفقهيّة بدت متناقضة مع كثير ممّا استقرّ تاريخيّا من تصوّر للمرأة ووضعها الاجتماعيّ فإنّ المعضلة التي ما انفكّت تتكرّر منذ عقود تكمن في التنافر الذي يحكم الرؤى الدينيّة في مسائل اجتماعيّة كثيرة منها المرأة. وهذا التنافر يبرز بين رؤية للواقع المتبدّل وضرورة تناوله في تاريخيّته ورؤية نصّيّة ترى إلى أحكام الشريعة لا تتبدّل سواء ما جاء منها نصوصا قطعيّة أو ما كان من اجتهاد الفقهاء في عصور سابقة. ويبدو أنّ هذا التنافر من أسباب الأزمات المتلاحقة للعرب والمسلمين، أقصد الأزمات الضميريّة وما لها من انعكاسات على تحرير الأفراد والطاقات وتخليص الثقافة العربيّة الإسلاميّة من مآزقها.

    ومن هذه الزاوية الثقافيّة نستعيد تجربة في تدبّر هذه المعضلة تعود إلى عشرينات القرن الماضي عكستها كتابات المفكّر التونسي الطاهر الحدّاد الذي يعود إليه فضل طرح المسألة لأول مرّة في تونس على الأقلّ. فهذا الرجل ظلّ مغمورا غير معروف في العالم العربيّ بالخصوص رغم ما في قوله اليوم من معاصرة وجدّة ورغم أهمّيّة تصوّراته للعلاقة بين الشريعة والتاريخ.

    وفي الحالات جميعا يتيح لنا التذكير بمواقف الحدّاد الفكريّة من القضيّة التأكّد من أنّ فكرة المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى ليست جديدة في تونس على الأقلّ. فعمر القضيّة في الفكر الإصلاحيّ التونسي تجاوز الثمانين عاما إذ صدر كتاب الحدّاد “امرأتنا في الشّريعة والمجتمع” سنة 1930. بيد أنّ الطريف هو أنّ ما نقد به شيوخ الزيتونة الحدّاد، حججا وثلبا وتجنّيا، يتكرّر اليوم بلفظه أحيانا بعد كلّ هذه العقود وبعد ما عرفته المرأة التونسيّة من تشريعات غيّرت مكانتها فعليّا.

    امرأتنا في الشريعة والحياة

    قسم الطّاهر الحدّاد كتابه “امرأتنا في الشّريعة والمجتمع”، كما هو بارز من العنوان، إلى قسمين تشريعي واجتماعيّ. غير أنّ القسم التّشريعي يتضمّن، في واقع الأمر، رؤية للعلاقة بين النّصّ الدّينيّ والواقع وبين الشّريعة والتّاريخ لم يكن النّهوض بالمرأة داخلها إلاّ بمثابة المثال التّطبيقي لمنهج طريف جديد في تناول المسائل الاجتماعيّة من زاوية دينيّة. وفي هذا تحديدا مأتى الضجّة التي أثارها الكتاب والحملة التي شنّت على صاحبه. فلو “اقتصر المؤلّف على (…) موضوعه الاجتماعيّ (…) لوافقه الجميع” على حدّ تعبير أحمد الدرعي صديق الحدّاد ونصيره حيّا وميّتا في كلمته يوم الاحتفاء بكتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” بكازينو البلفيدير. فقد اعتبر أنّ باب الاجتهاد الذي طرقه الحدّاد، وهو عنده من حرّيّة الرأي في الإسلام، سبب الحملة عليه.

    فمنذ البدء يميّز الحدّاد في مفهومه للإسلام بين “ما أتى به الإسلام وجاء لأجله وهو جوهره ومعناه فيبقى خالدًا بخلوده كعقيدة التّوحيد ومكارم الأخلاق وإقامة قسطاس العدل والمساواة بين النّاس” وبين “ما وجده من الأحوال العارضة للبشريّة والنّفسيّات الرّاسخة في الجاهليّة قبله دون أن تكون غرضا من أغراضه”.

    الإسلام الخالص وأعراض الأحكام

    وهذا أصل في تفكيره عظيم ولّد منه، وهو يصوغ نظريّته، مبدأ مفاده أنّ  الأحكام التي وضعها لتلك الأحوال العارضة بإقرارها أو تعديلها إنّما تزول بزوال الدواعي إليها. ومن هذه المسائل الرقّ وتعدّد الزوجات ممّا لا يراه حتّى جزءا من الإسلام. فثمّة عنده “الإسلام الخال” وهو روح الشريعة و”الأعراض” وهي الأحكام التفصيليّة.

    ودليله على ذلك واقعيّة الإسلام الذي لم يفترض الحوادث ليقرّر الأحكام فيحمل الناس على قبولها بل نزلت الآيات ملتبسة بالوقائع فظلّ التشريع يتطوّر بتطوّر الحياة. ولا تخفى هنا وظيفة النسخ الذي يمسّ الأحكام دليلا على الارتباط بين النصّ وحوادث التاريخ. والحكمة في ذلك، عند الحدّاد، ارتكاز الشريعة على أمرين هما “الأخلاق الفاضلة” و”حاجة الإنسان في العيش”. وهما أصلان يتفاعلان على أساس التدرّج في الأحكام. فالشريعة بمرونتها ضربٌ من التربية تسايرُ نضج الإنسانيّة الناقصة في أصلها وتواكبُ استعدادها لتقبّل الكمال. فخلود الإسلام مرتبط بهذه القدرة على إدراك “أطوار الحياة الإنسانيّة”. وليس ثمّة من دليل في الدين على أنّ ما بلغه التدرج بالأحكام في حياة الرسول هو منتهى المأمول من حكمة التدريج. وأوضح مثال على ذلك عنده هو موقف الإسلام من الرقّ.

    فروح الإسلام هي الحرّيّة ولكنّه أبقى على الرقّ. وعلّة ذلك عند الحدّاد أنّ الإسلام “لم يستطع في حينه أن يقرّر حكما نهائيّا غير إعلانه الرغبة في العتق” بيد أنّه عوّل على “تشوّف الشارع للحرّيّة” وإدراك الفقهاء لما “في الشريعة من العطف والتقدير لحرّيّة الإنسان”.

    فلئن اعتبر الحدّاد أنّ ما اتّخذه النبيّ من قرارات لفائدة العبيد والإماء مثّل تقدّما تاريخيّا مقارنة بحالهما في الجاهليّة فإنّه يرى أنّ تحرير الرقّ على يد المدنيّة الأوروبيّة كان بسبب قعود المسلمين بعد الرسول عن تفهّم روح الشريعة وغاياتها وتدبّر حكمة التدريج لبلوغ الكمال.

    وعلى مثال العبيد يقيس الحدّاد موقف الإسلام من المرأة وحرّيّتها بجامع ما أقرّه الفقهاء فيهما من نقص وتوصية الرسول بهما خيرا قبيل وفاته.

    فالإسلام، مقارنة بالجاهليّة، سوّى بين النساء والرجال في الواجبات والمسؤوليّة فمكّنها من الشهادة، ولو بالنصف لأسباب تاريخيّة لا ذاتيّة اعتباريّة، ومنحها حقّ تولّي القضاء وأهليّة التصرّف في مالها والولاية على القاصرين والشركات والوصايا والتمتّع بمباهج الحياة وجعل لها في الميراث حقّا لم تكن تحصل عليه في الجاهليّة. بيد أنّ النقص في بعض هذه الحقوق لم يتأتّ من أنوثتها وإنّما كان تقريرا لما ساد في الواقع آنذاك من ضعف للمرأة بسبب قلّة مشاركتها في الحياة. فلا ذنب للدين في هذا التأخّر وإنّما هو أمر تاريخيّ لا شيء يدفع إلى الاعتقاد بأنّه خالد غير قابل للتبدّل مادام خطاب التكليف في القرآن يتوجّه إلى الذكر والأنثى على السواء. يقول الحدّاد: إنّ “الإسلام في جوهره لا يمانع في تقرير هذه المساواة [بين النساء والرجال] من كامل وجوهها متى انتهت أسباب التفوّق وتوفّرت الوسائل الموجبة”. فهو “في أحكامه على الأحوال العارضة يدور معها سلبا وإيجابا” وفي هذا بعض سرّ خلوده.

    الفقهاء والحسّ التاريخيّ

    والمشكلة حسب الحدّاد أن رجال الدين والفقهاء صرفوا النظر عن حكمة التدرّج التي راعاها الإسلام وسعى من خلالها إلى الكمال. بل نراهم يساهمون بما استنبطوه من أحكام في إدامة النقص في المرأة وتضخيم الخلاف بينها وبين الرجل في الحياة. وفي هذا “يظهر جليّا، على ما يقرّر الحدّاد، أنّ النفسيّة التاريخيّة للعرب وسائر المسلمين في اعتبار المرأة قد تغلّبت على ما يريد الإسلام لها من تقدير وعطف”. بيد أنّ هذا الموقف يعود إلى أمر أساسيّ يتّصل بغياب الرؤية التاريخيّة لدى الفقهاء. فهم يعملون بأقوال السابقين رغم تبدّل العصور وتغيّر أحوال المجتمعات. ولا فكاك بين انعدام الحسّ التاريخيّ والعجز عن فهم روح الشريعة ممّا جمّد الفقه الإسلاميّ وشرّع لغلق باب الاجتهاد.

    وعلى هذا يكون منهج الحدّاد في معالجة العلاقة بين الشريعة والتاريخ قائما على رفض البحث في النصّ المنطبق على هذه الجزئيّة أو تلك بل هو ينطلق من النصّ في كلّيّته بحثا عن روح الإسلام واتجاهه العامّ ليستخرج الحكم المناسب إقرارا للحكم الجزئيّ أو تعديلا منه. فالإسلام طريق نحو الكمال الإنسانيّ والتقدّم بهدي من روح الشريعة ولا يمكن التوقّف عند ما بلغه هذا الحكم أو ذاك في فترة من فترات التاريخ مسايرةً لوضع من الأوضاع.

    إرادة الحياة

    إنّ هذه الصفحة من كتاب التكفير في تونس ومحاربة الفكر التنويريّ لا تفي المصلح الطاهر الحدّاد بعض حقّه. فالرجل مشروع إصلاحيّ شامل قوامه أركان أربعة هي: الإصلاح الدينيّ في القسم التشريعيّ من كتاب “امراتنا في الشريعة والمجتمع” والنهوض بالمرأة وإطلاق طاقاتها على البناء والعمل في القسم الاجتماعيّ منه والإصلاح التربويّ على أسس عقلانيّة علميّة تواكب العصر في كتابه عن “التعليم الإسلاميّ وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة” وتحرير العمّال والدفاع عن حقوقهم في كتاب “العمّال التونسيّون وظهور الحركة النقابيّة”.

    فمن من المفكّرين العرب، عدا الحدّاد، جمع على قصر حياته، إذ توفّي ولم يتجاوز السادسة والثلاثين من العمر، بين هذه المحاور الإصلاحيّة الأربعة الكبرى التي كانت ولا تزال راهنة حارقة مطروحة على جدول أعمال جلّ المجتمعات العربيّة؟ وما اللغط الذي أثارته دعوة الرئيس التونسي خلال الاحتفال بعيد المرأة في 13 أغسطس/آب 2017 ومعاودة رجال الدين والمؤسّسات الدينيّة في تونس وخارجها حملات التكفير والتذكير بما يعتقد أنّه نصوص قطعيّة لا سبيل إلى تأويلها إلاّ مظهر من الدوران في حلقة مفرغة رغم أنّ حركة التمدّن في العالم الإسلاميّ تسير بخطى حثيثة.

    والواقع أنّ مؤلّفات الطاهر الحدّاد وأسئلته العميقة مكوّن أساسيّ من مدوّنة التنوير التونسيّ والعربيّ. وهي، بوجه من الوجوه، صورة من الحركيّة الفكريّة التي اعتملت في الثقافة التونسيّة والعربيّة في العشرينات من القرن المنقضي، تلك الثقافة التي لخّص الشاعر أبو القاسم الشابيّ شعارَها الجامعَ حين وسم ديوانه بـ”إرادة الحياة” وعبّر عنه الطاهر الحدّاد نفسه في كلمته أمام المحتفين به في “كازينو البلفيدير” بحديثه عن “طلب الحياة” و”الانتصار لها”.

    عن جريدة العربي الجديد.

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...