الإثنين  25  سبتمبر  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • تقرير عن الليلة الختامية لتأبين وتخليد ذكرى الراحل المقيم محمد علي جادين

    August 20, 2017  

    (حريات)

    أقامت اللجنة القومية لتخليد وتأبين الراحل المقيم محمد علي جادين بقاعة الصداقة بالخرطوم مساء أمس السبت ليلة ختامية لفعاليات التأبين، كانت حاشدة بجمع غفير من طيف القوى السياسية السودانية العريض.

    ذخرت الأمسية بشهادات عددت مناقبه وأثره الباقي في الساحة الوطنية، وأجمع المتحدثون على أنه وزملاءه في حزب البعث السوداني مبدعو سودنة البعث، كما تطرقوا لرسالته بضرورة وحدة القوى الديمقراطية لتحقيق الحرية والديمقراطية والسلام والتنمية، واعتبروها التكريم الحقيقي للراحل.

    واحتوت فعاليات تخليد ذكرى الراحل المقيم في ذكراه السنوية الأولى دورة رياضية بمسقط رأسه، ألتي بشمال الجزيرة، وورشة فكرية عقدت الأحد الماضي بطيبة برس، واشتملت على أوراق غطت بعض مجهودات الراحل المقيم ونتاجه الفكري.

    وجمعت ليلة أمس بين ضخامة الحشد والحضور النوعي الذي شمل أعلام السياسة والفكر والصحافة والإعلام في السودان، من بينهم الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي ، والأمينة العامة للأمة القومي أ. سارة نقد الله، أ. رباح الصادق، أ. يوسف محمد زين من الوطني الاتحادي، والمهندس عمر الدقير رئيس المؤتمر السوداني، ومولانا محمد الحافظ ، أ. ساطع الحاج المحامي، وأ. جمال إدريس رئيس الحزب الناصري، وأ. رحمة عتيق من الحركة الاتحادية، وأ. محمد ضياء الدين ممثل حزب البعث العربي الاشتراكي، ود. إبراهيم الأمين، وأ. كمال بولاد من حزب البعث القومي، وأحمد شاكر حركة حق ، والبروفسر كمال أحمد بشير العبادي مدير جامعة أم درمان الأهلية، وأ. كمال إسماعيل رئيس حزب التحالف السوداني، ود أبو بكر باشا، ود. أحمد الشيخ، ود. الشفيع خضر، وعصام حسبو، واللواء فضل الله برمة، ود. علي السيد ، وغيرهم وغيرهن..

    واحتوت الليلة الختامية على كلمات للقوى السياسية شملت كلمة الأستاذ يحي محمد الحسين من حزب البعث السوداني الذي كان الفقيد رئيسه ومؤسساً له، والإمام الصادق المهدي، والسيد ياسر عرمان الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان، والدكتور جبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة، إضافة لكلمة الأستاذ محمد عثمان مالك عن اللجنة القومية للتأبين وتخليد الذكرى، وكلمة الأستاذ مجذوب عيدروس عن مركز محمد علي جادين، وكلمة أسرة الفقيد. كما احتوت على فقرات قدمها كورال الخرطوم، وقراءات شعرية مؤثرة للأستاذ مدني النخلي، وعرض فيديو يوثق لحياة الراحل المقيم وأهم آثاره..

    (حريات) كانت هناك، ورصدت كل الكلمات التي ألقيت مساء، وفيما يلي نصوصها :

    كلمة اللجنة القومية، الأستاذ محمد عثمان مالك

    بسم الله الرحمن الرحيم

     السادة رؤساء وأعضاء الأحزاب السياسية، السادة قادة المجتمع المدني، السادة قيادات الإدارة الأهلية وأخص السادة نظارة رفاعة الهوي. السادة رفاق درب الفقيد وتلاميذه، السادة ابناء ألتي وشمال الجزيرة مسقط راس الفقيد، الحضور الكريم بكل مقاماتكم السامية،

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، خالص التحية والتقدير من اللجنة القومية لتخليد وإحياء ذكرى الراحل المقيم محمد علي جادين في ذكراه السنوية الأولى.

    وحتما لم تجتمع كل هذه الفئات التي تشكل طيفاً سودانياً واسعا سياسياً وإعلامياً واجتماعياً، إلا لأن الراحل العزيز محمد علي جادين يستحق هذا الاحتفاء، ومن الطبيعي ان يجتمع الناس من اجل التاكيد على دوره الكبير في الحياة السودانية فكريا وسياسيا واجتماعيا.. فقد اجتمعت فيه كل المعاني النبيلة متفانيا في كل قضايا بلده، وقد كان الراحل المقيم زاهدا لم تشغله مباهج الحياة عن قضايا وطنه، وقد ظل مهموما في ادارة الأزمات ومقاومة التسلط.

     عرفه الجميع بأنه السوداني البسيط، المنفتح على الآخر، وقوة بصيرته وانسجامه مع فكره.

    الجمع الكريم، إن اللجنة القومية لتخليد ذكراه السنوية الأولى، تحاول ان تعطي الفقيد بعضا مما يستحقه، فثراء أفكاره يفوق كل احتفال، وخير تخليد لذكراه هذا الكم الكبير من المؤلفات الفكرية والسياسية والترجمات الهامة لأمهات الكتب، فالفقيد قد ترك بصمة وذكراه على كل مناشط الحياة السودانية.

    بهذا تود اللجنة القومية أن تتقدم بخالص شكرها وامتنانها لأسرة النادي النوبي الذي قام بضيافة اجتماعات اللجنة وتكوينها ورعاية نشاطها، ونخض بالشكر كل من ساهم في إنجاح هذا التأبين ومنهم مركز محمد عمر بشير ودار عزة للنشر والتوزيع، ومركز الدراسات السودانية، وطيبة برس، والصحف والمؤسسات و الافراد الذين تبرعوا بسخاء، والشكر أجزله لكل من حضر في هذه القاعة ومنهم من أبرق أو فاتته المشاركة. الا رحم الله الفقيد الجليل والمفكر الإنسان الأستاذ محمد علي جادين.

    ما كنت أريد أن أقرأ من الورق، كنت أود أن أقول كلمتين عن علاقتي بالأخ الصديق الفقيد. محمد علي جادين علاقتي به تمتد اكثر من نصف قرن، التقينا في الجامعة سنة 62، ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم، والله العظيم أقسم أنني لم اسمع كلمة واحدة غير في مكانها، هذا الرجل استثنائي، وقدم الكثير جدا حتى في المسالة السياسية والفكرية. في 62 كان الفكر العربي الاشتراكي كان جديدا في البلد وكان من رواد الفكر الاشتراكي والبعثي،  وقدم فيه الكثير وساهم مساهمة ضخمة جدا في هذا الفكر البعثي حتى وصل درجة أن سودن الفكرة ذاتها ودعا لبعث سوداني، وأرى أنه في ذلك فاق اخوانه ميشيل عفلق وكل الذين كتبوا في الفكر البعثي.

    محمد علي جادين كان رجلا زاهداً. التحق بوزارة المالية بعد تخرجه من الجامعة سنة 65، وكان ممكن له في ذلك الزمان أن يتدرج في الوظائف الحكومية ليصل ما يصل، ويتمتع باشياء كثيرة كان يتمتع بها الآخرين في وقتها. لكنه كان زاهداً في كل ذلك فدخل سجون مايو وظل في السجن لـ9 سنوات إلى أن فصل من العمل سنة 81 وهو داخل السجن، ولولا انتفاضة 85 لبقي في السجن حتى اليوم. هذا الرجل حياته كلها كان زاهداً، وإني لم ار شخصاً في مكانته استاذ في الجامعة ومؤلف ومترجم تجده يمشي مع ابسط الناس، أصدقاؤه من أبسط الناس، مثال: في المحطة الوسطى في بحري بالستينات كانت هناك مكتبة المحطة الوسطى، كان الصديق العزيز لهم هو جادين لأنه كان يقرا كل الكتب التي تاتي من مصر وبيروت في هذه المكتبة حتى أننا لو سالنا من كتاب يقال لنا نفدت لكن امشي لمحمد علي جادين. ولم ار مثله شخصاً في تلك الفترة حتى طلبته كان يجالسهم ويحكي ويشرح ويوجه بطريقة تستغرب أهو الطالب ام الاستاذ. هذا الرجل رجل غريب.

    المؤلفات الـ15 التي كتبها، لا اعرف كاتب سوداني ترجم وكتب في الفكر والسياسة والثقافة كجادين حتى أوائل المترجمين ناس الجنيد علي وهنري رياض، محمد علي جادين فاتهم، وما ترجمه عن الجنوب، أكاد أجزم أنه في ثورة اكتوبر كان يصدر بيانات أكتوبر كل يوم حتى خرج الطلبة في مظاهرات ليلة الاربعاء، فالحديث عنه يطول ويصعب في نفس الوقت.

    آخر كلام كان يدعو له هو توحيد القوى الديمقراطية في البلد،  وأرى أن هذا والله هو مستقبل السودان كله، أن ترى هذه الدعوة القبول عند الناس، لأن هذا هو الحل وقد ظل في نداء السودان وهو عضو مؤسس أساسي في نداء السودان، وفي الفترة الأخيرة كان حديثه كله أنه لا بد من توحيد القوى الديمقراطية في الداخل  لأن هذا هو المخرج للسودان، ونحن ان شاء الله على دربه سائرون. ونأسف للإطالة، وشكراً جزيلاً.

    كلمة حزب البعث السوداني، الأستاذ يحي محمد الحسين

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، إن كان لي أن أعتذر فإنني اتقدم باعتذار لأخينا الإمام الصادق المهدي لأننا تقدمناه وتقدمه غيري لأننا نعتقد انه الضمانة الحقيقية لهذا الاحتفال، ونريد أن نشرف ببقائه معنا.

    بسم الله الرحمن الرحيم، (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ )، (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

     التحية والتقدير لكم جميعاً لتوافدكم وفاء وعرفاناً لهذا الرجل العملاق. التحية لكل من اسهم بمال وبفكرة وبكلمة حب في حقه، والتحية والتقدير لكل من عاده في مرضه ومن ساهم في تشييعه، ومن واسى وعزى في فقده بعد الرحيل. التحية لقادة الأحزاب السياسية الذين لم يبخلوا بكلمات خالدات في حق رجل سكن الألباب ولكل الكتاب لأعمدة الصحف الذين عرفوه كاتبا ومرشدا وصديقا يجالسهم في دورهم وتحت اشجار النيم، ثم لرفاقه المؤسسين، ومن سار على دربهم، ومن تفرقت بهم السبل ومن اختار البقاء ولكنه احتفظ بعلاقة ما مع الفقيد. كلهم ولكل ابناء شعبنا ولكل أبناء اسرنا الذين لم يستوعبوا حتى الآن حقيقة أن عمو جادين قد رحل فقد كان صديقا لهم جميعا فكل أسرة يحفظ أبناؤها عن ظهر قلب تلك الطقوس النمطية لهذا الإنسان، فكانوا يسارعون بإحضار طفاية السجائر والطلب من أمهاتهم الإسراع بإعداد القهوة لعمو جادين، وكان هذا كل حظه من متاع هذه الدنيا.

    لم يكن الراحل مجرد قائد أو زعيم حزبي، بل كان أكثر من ذلك، كان مفكراً مهموماً حد السقام بهذا الوطن وبهذا الشعب وتلك الأمة، وكانت له مؤسساته الخاصة بعيدا عن الحزب. علاقاته ممتدة ومعارفه والاصدقاء وبعضهم لا يعرف في هذه الدنيا سوى جادين، الذي ظل يسعى لبعث الحياة في الاخرين الذين اثروا الانزواء والبعد عن البعث أو عن الهم العام، فلم يتركهم جادين نهباً لليأس وشدة الإحباط بل ظل يتفقدهم ويحضهم على المشاركة اجتماعياً وسياسياً لتسري في عروقهم دماء الأمل والتفاؤل.

     وهو ليس في حاجة لشهادة منا للإخبار عن فكره وعمقه السياسي فمخطوطاته وترجماته وتحليلاته ومقالاته وكتبه ومقابلاته في الوسائل الإعلامية تشهد له بذلك.

    ولكننا نريد أن نتحدث عن مناقب أخرى تشكل جانب آخر من شخصيته. كان راهباً في محراب العلم والتعلم، صديقاً وفياً للكتاب والقلم، فقد شهد له زملاء الدراسة وأبناء جيله ومن ثم رفاقه أنه كان صديقاً لأصحاب الكلمة من الأدباء والفنانين والشعراء، وكان يسعى ليوثق كل ما يقال لأنه ثمرة جهد وميثاق بين الفاعل والمفعول لأجله وهو الإنسان، لذلك لم يكن يهوى الخطب الانفعالية وإطلاق الكلم غثه وسمينه ليتبخر في الهواء الطلق.

    كان رساليا اختط طريقا وسط الرمال المتحركة بأدوات السياسة التقليدية، يتميز باخلاق العلماء لم يسب احدا او يتعرض لسب أو إهانة.

    لم يكن يتعصب لرأي أو لفكرة، فقد كان ديمقراطياً حتى النخاع، مؤمن برأي الآخر، والقرار المبني على التداول ورأي الأغلبية، وقد كان ميلاد حزبنا حزب البعث السوداني بميلاد وثيقة نحو مخرج ديمقراطي سنة 1997م، المعززة لهذا الفهم، والصادحة بأن العاجز عن حل قضاياه، فهو عن حل القضايا القومية أعجز.

    كان يدير شؤونه الخاصة ويرتب أشياءه بنفسه لم يكن يستعين بالآخرين، ويقف على قراءة تراجمه ومقالاته كلمة بعد كلمة، وكثيرا ما يستعان به وهو الخبير الاقتصادي الذي لا يشق له غبار لتقديم المشورة التي يتكالب عليها الآخرون للحصول على المال ولكنه يمحضها دون مقابل، هذا غيض من فيض سيرة هذا الرجل العظيم الذي كان كل ما يؤرقه في مرضه ان اعاقه من إكمال بعض الأعمال الهامة، ولكنه ظل صابراً متحسبا إلى أن فاضت روحه إلى بارئها.

    من تلك المهام التي لم يشغله المرض من الطرق عليها هو اصراره على دفع القوى السياسية والفئوية للعمل من أجل وحدة وسلامة السودان والعمل على اعادة وحدة ما ذهب منه، وقد كان هو صاحب الدعوة للمسار الثالث، أو الدعوة للكونفيدرالية، أو الوحدة الهشة وهو أيضا مقترح دولة الرعاية الاجتماعية في البديل الديمقراطي، واعادة بناء ركائز الدولة التي خربها المغالون في تطرفهم عرقاً وديناً، وتكالباً غير مشروع على موارد هذه الدولة.

    وعلى الصعيد الحزبي كان مهموما بالحوار القومي والبعثي المؤدي لوحدة البعثيين، وللعمل القومي على أسس ديمقراطية جديدة.

    وعهدنا له في عليائه أن نعمل ويدنا في يد اخوتنا في نداء السودان من اجل استرداد السودان من حلك الظلام إلى فجر الحرية والسلام والتنمية.

    اللهم يا واسع المغفرة ويا غافر الذنب وقابل التوب اغفر لعبدك جادين وانزله منزلا مباركاً يليق به كما يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقد كان فيمن قال فيهم حبيبك المصطفى (أَدْناكُم مَنْزِلَةً مِنِّي فِي الجَنّة أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا) فكل عبادك الذين عرفوه يجمعون بانه كان كذلك، إلهنا إنا اودعناك عبداً خلوقاً من عبادك نشهد له ويشهد له الكل بذلك فاجعله مع من تحب، وأكرر شكري لكم جميعاً، والسلام عليكم ورحمة الله،،

     

    كلمة مركز محمد علي جادين للفكر والثقافة، الأستاذ مجذوب عيدروس

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم

    السادة قادة الأحزاب السياسية، وقيادات الإدارة الأهلية وعلى رأسهم الأستاذ مالك ابو روف، وقيادات المجتمع المدني والأخوة المهتمين بالشأن العام، وتحية للمرأة السودانية التي تشرف هذا الاحتفال، واسمحوا لي ان اخص السيدتين الأستاذة سارة نقد الله، والأستاذة عائشة موسى السعيد بالتحية وهن يمثلن أفراد هذا الجنس.

    نلتقي اليوم في رحاب استاذنا المفكر محمد علي جادين الذي أبلى بلاء حسنا في خدمة القضايا الوطنية والقومية، وظل طيلة حياته مناضلا جسورا من اجل حرية الفكر، مناديا بالديمقراطية، باذلا كل جهده من اجل تعميق الفكر والاستنارة بين مواطنيه، كما اشار إلى ذلك الإمام الصادق المهدي في كلمته الوافية والمعبرة عنا جميعاً.

    ونحن قد أسسنا مركز محمد علي جادين للفكر والثقافة من أجل استمرارية الجهد المخلص الذي بذله الراحل الكبير، ونأمل أن يكون هذا المركز منارة للإشعاع الثقافي والفكري، من اجل إشاعة ثقافة السلام وان تصل رسالة التفاهم بين القوميات والإثنيات المختلفة في السودان في اطار التنوع الثقافي إلى غاياتها، وهي رسالة كانت مشروع محمد علي جادين الفكري والثقافي ولهذا كرس وقتاً ثميناً وجهدا استثنائياً لترجمة مجموعة من الكتب للأخوة في جنوب السودان منهم الفريق جوزيف لاقو، الدكتور فرانسيس دينق، الدكتور روفائيل كوبا باقان، جون قاي توت وأعمال ادبية لكتاب وأدباء من الجنوب ساعد في ترجمة أعمالهم وكان بذلك يقدم خدمة لأهل السياسة والجمهور لخلق تفهم أفضل لقضية الجنوب والقوميات والاقليات الاخرى وكيفية تفكير اهل الجنوب في مستقبلهم ومصيرهم، وسيتابع المركز نشاطه في اتجاه خلق هذا النوع من الفهم والذي يوفر على الساسة الكثير من الجهد ويجنب البلاد المزيد من اراقة الدماء.

    وقد قدم جادين مساهمة قيمة في فهم الهوية السودانية كهوية مزدوجة،  تتفاعل فيها شتى العناصر الأفريقية والعروبية، وقد تبنى المركز هذه المبادرة لتخليد ذكراه، ولتأبينه، ولا يسعنا إلا أن نشكر كل من ساهم في احياء الذكرى الأولى بدءً من اللجنة القومية التي بذلت جهداً كبيراً وسعت لأن يكون الاحتفال لائقاً بمقام الفقيد الكبير.

    والشكر لأهلنا الأوفياء في ألتي، ومنطقة شمال الجزيرة، وللتنظيمات السياسية، ومنظمات المجتمع المدني واصدقاء الفقيد ورفاقه في ساحات العمل الوطني، ولأولئك الذين دعموا بآرائهم وجهدهم ومالهم ، ولأجهزة الاعلام واصدقاء الفقيد وعارفي فضله من أهل الفكر والثقافة داخل السودان وخارجه، فلم يبخلوا في الكتابة عنه وتعداد مناقبه ومآثره، وهو الذي لم يبخل بجهده في ساحات الفكر والثقافة والنضال، فقد كان مثقفا استثنائيا لا يهمه الكسب الشخصي ولا المجد مترفعا عن الصغائر متساميا فوق الجراح، نسأل الله أن يتقبله قبولاً حسناً، وأن يثيبكم عن جهدكم الذي بذلتموه، وعن كلماتكم الطيبة التي ألقيتموها في هذا اليوم، ولكم كل الشكر والتقدير والعرفان، وليعيش السودان حراً ديمقراطياً مستقلاً.

    ……..

    كلمة الأستاذ ياسر عرمان الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان 

    الحضور الكريم وأسرة الراحل الكبير محمد علي جادين، وقيادة حزب البعث السوداني، وكل الذين ساهموا في تنظيم هذا الاحتفاء بحياة الراحل الكبير، المناضل الزاهد محمد علي جادين، الذي يستحق ان نخلده وأن نحتفي بذكراه وبالانتاج السياسي والفكري الكبير الذي قدمه لنا جميعاً.

    للمرة الأولى التقيت الأستاذ جادين في  سجن كوبر في سنة 84- 85، في ذلك العام أمضيت عاماً في سجن كوبر وكنت أرى الأستاذ محمد علي جادين وهو دائم الحركة بين سجن البحريات، واحيانا في الزيارة لأقسام او ذاهب للمستشفى وهو يرتدي جلابية بيضاء، وأتيحت لي أن أتبادل معه كلمات بسيطة وحديث عابر حول ما يدور في داخل الجامعات، وكان يسألني عما يدور في حركة الطلبة في ذلك الوقت، وقد تعرفت في السابق على البعثيين السودانيين من خلال جبهة كفاح الطلبة منذ المرحلة الثانوية ثم في الجامعات،  وتعرفت عليهم أكثر في سجن كوبر وفي البحريات حيث كانت توجد معظم قيادة حزب البعث، ونحن كنا في الكرنتينة (ب).

    ربطتني صلة وثيقة بالأستاذ محمد سيد أحمد عتيق في ذلك الوقت وعن طريقه تعرفت على عوالم  جبرة إبراهيم جبرة، وعبد الرحمن منيف، لاحقا تعرفت بصورة افضل وأعمق على الاستاذ محمد علي جادين في سنوات التجمع الوطني الديمقراطي، وهو أقوى تحالف ضم القوى السياسية السودانية لمدة 15 عاماً، واللقاء المهم الذي جرى بين البعث السوداني والدكتور جون قرنق وهو يعد من أهم اللقاءات بين حركة القوميين والحركة الشعبية، وجرى فيه نقاش فكري وسياسي عميق، وكان لقاءً هاماً  تعرف فيه الدكتور جون قرنق على جانب مهم من صورة الأستاذ جادين كمفكر وكقائد سياسي وعلى صورة البعث السوداني، فأستاذ جادين هو رائد  سودنة البعث، والفكر القومي وربطه بتربة السودان الأمينة، وأخذ خصوصيات السودان في الحسبان، وهي أسطع مساهمات الأستاذ جادين كمفكر، فقد قام بسودنة فكر البعث وانحاز بشكل واضح للسودانوية، وفي السودانوية وحدها خلاص السودان، ومساهمات كل المدارس السياسية في السودان وفي السودانوية تظل حاسمة ومهمة، وقد حمل جادين وزملاؤه زهرة من بستان البعث إلى السودانوية، وهي تجعلها اكثر ارتقاء من كل المدارس، وتساهم مستقبلا في توحيد الضمير الوطني السوداني مساهمة من كل المدارس السياسية السودانية.

    الأستاذ جادين اهتم بالجنوب، وبالترجمة للمفكرين الجنوبيين وبتقديمهم  لطيف عريض من المهتمين بالقضايا التي طرحوها في كل السودان، وهو متفرد بذلك وانفرد بذلك مقارنة بقيادات كل الأحزاب السياسية حينما يتعلق الأمر بالترجمة والاهتمام بترجمة إنتاج المثقفين الجنوبيين، وحينما يتعلق الامر بالقوميين العرب السودانيين بالذات، وهي مساهمة ذات معنى وجدوى.

    في جولات المفاوضات التي عقدت بين الحركة الشعبية لتحرير السودان في السودان، والحكومة السودانية بعد انفصال الجنوب، اهتم الأستاذ جادين بهذه المفاوضات ومستقبل الحركة الشعبية في السودان، وقدمته لوفد الحركة الشعبية وأجرى نقاشات عميقة بطريقته الهادئة والمهذبة، واهتم بقضايا المنطقتين وبطرح الحركة الشعبية للحل الشامل في كل السودان. استوقفني دوماً زهد الأستاذ جادين وتواضعه الجم، واهتمامه بالفكر والوعي والاستنارة، وهو رائد في هذه القضايا، وكان الاهتمام بالفكر سمة رئيسية من سمات الأستاذ جادين.

    والأستاذ جادين تميز بالموقف الإيجابي من حركات الهامش والانفتاح عليها، والتفاته المبكر من داخل انتمائه للفكر القومي والبعث لم تحجبه رؤيته من أهمية حركات الهامش وهو والأستاذ عبد العزيز الصاوي من رواد سودنة البعث السوداني وهي مساهمة ذات أهمية فائقة بالنسبة للقوميين وبالنسبة للسودان، تساهم في إيجاد قواسم مشتركة لمشروع وطني ممكن إن يوحد السودانيين.

    تميز موقفه كذلك من التحالفات بالمرونة، والسعي لإيجاد برنامج الحد الأدنى لتوحيد المعارضة السودانية.

     في نفس الليلة التي رحل فيها الأستاذ جادين اتصلت بأسرته في المستشفى قبل ساعات من رحيله، وكانت صورته طوال ذلك اليوم تأتي إلى ذهني حتى اتصلت بأسرته، ولقد حزنت مثلما حزن الآلاف في السودانيين على رحيل الأستاذ جادين. وقد شد رحيله السودانيين من مختلف المدارس فقد كان الأستاذ جادين بحق شخص مميز، والعزاء مرة أخرى لأسرته وأصدقائه وللبعث السوداني ولكافة البعثيين، والرحمة له، وأن تكون منزلته مع الصديقين والشهداء، والشكر والامتنان لكل من ساهم في إحياء ذكرى الأستاذ والمناضل الوطني الكبير والمفكر محمد علي جادين.

    وشكراً جزيلاً

    …….

    كلمة دكتور جبريل ابراهيم رئيس حركة العدل والمساواة السودانية

    يشرفني أن أحيي باسم الجبهة الثورية السودانية حفلكم الكريم الذي تنادى لتأبين الفقيد الأستاذ محمد علي جادين مؤسس ورئيس حركة البعث السوداني، في هذه الأمسية المباركة، وهو أهل لإحياء ذكراه العطرة وانتم إذ تؤبنونه في هذه الأمسية المباركة إنما تحيون قيم الزهد والتواضع واحترام الآخر التي عاش لها ومات عليها، وكانت صفاته مائزة في مناهضة الشمولية والعمل بجهد وإخلاص لاستعادة الديمقراطية، فقد لاقى ما لاقى من السجون والعنت في سبيل المباديء التي آمن بها ولم تنل له قناة.

    ويقوم الإحياء الحقيقي لذكرى الأستاذ الراحل العطرة وأكبر تكريم له ولشخصيته الوطنية المتميزة بإنجاز مشروع التغيير الذي أنذر حياته له، وإقامة نظام الحكم الديمقراطي التعددي الذي كان يدعو له، ومهمتنا في المعارضة لإحياء ذكرى الراحل أن نتجاوز مصالحنا التنظيمية الضيقة، ونتواضع على برنامج حد ادنى نتوافق عليه، ونعمل يدا واحدة من أجل ازالة دولة الحزب الواحد وإقامة نظام حكم تعددي حر يحترم مقدسات السوداني ويساوي بين مكونات شعبه في الحقوق والواجبات. والسلام عليكم ورحمة الله.

    …….

    كلمة أسرة الراحل محمد علي جادين

    الأخوة قادة القوى السياسية والمدنية، الحضور الكريم، الأخوة رئيس وأعضاء اللجنة القومية لاحياء ذكرى الراحل جادين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

    في العام الماضي رحل حبيبنا بعد معاناة طويلة مع المرض استمرت لأكثر من 8 أشهر كان فيها صبوراً متفائلاً وباسماً في وجه كل الحضور الذين كانوا يزورونه، برغم الآلام التي كانت تعاوده، وكان طيلة فترة مرضه يجتهد كثيراً في القيام بواجباته المعتادة، من كتابة وقراءة ومهام في العمل العام، بما يتيسر له، وأذكر أنه حتى بعد إجراء عمليته الأولى وكان في وضع صحي سيء، استطاع أن ينجز ورقة كانت في غاية الأهمية تتحدث عن تراجع الأحزاب السياسية أو تراجع الأحزاب العقائدية في السودان وأذكر أنه سألني في تلك المرة إن كان لي رأي عن تلك الأسباب، فأجبته أن السبب الرئيسي هو قادة التنظيمات لأنهم يتعاملون معها كإقطاعيات، ومع عضويتها كقطيع، فضحك كثيراً ولم يكمل بقية الحديث معي.

    أذكر أيضا في فترة مرضه حينما كنا في القاهرة، وهو في غرفة العناية المكثفة بعد 24 ساعة من اجراء عملية كبيرة طلب مني الاتصال ببعض رفاقه وببعض من يمثلون نداء السودان في القاهرة، فاندهشت لأن الوضع كان حرجاً، فقلت له ارأف بنفسك وطلب مني فاتصلت بهم فابدوا اندهاشهم.  الغريب في الأمر أن احدا قال لي ان ذلك الجيل جُبل على التضحيات، استغربت لأن الرجل لم ينصفه لم يقل أن الرجل يبيع صحته لصالح الفكر.

    في العام 81 لأول مرة التقي باستاذ بدر الدين مدثر في منزله ببغداد وأنا عائد للسودان وكان وقتها الاستاذ محمد علي رهن الاعتقال التحفظي لست سنوات لم يقدم فيها للمحاكمة، تحدث معي الأستاذ عن جادين وعن دوره في البعث تأسيساً وتنظيماً وفكراً وعملاً سياسياً، وقال إن جادين استقطب في السنة الأولى وهو طالب في الجامعة في يوم كان يُصدر صحيفته لوحده، وأنه منذ بداياته الأولى كان صاحب رأي وفكر، وقال إنه في السبعينات حينما اعتقلوا جميعا قيادة البعث في السودان،عدا جادين، استطاع ان يدير أمور الحزب مع غياب القيادة وأن ينجز مهمة تقييم حركة 19 رمضان وارسلت له في السجن وأجيزت من قبل القيادة كتقييم كامل، وذكر أنه في تلك الفترة كتب كتاب البعث وقضايا النضال الوطني كاملاً، عدا فقرة واحدة اضافها الأستاذ بدر الدين عبارة عن سبعة أو ثمانية أسطر من الكتابة. وذكر أن الراحل كان زاهدا عن سلطة او عن مال او عن حياة، ولم يكن يفكر في نفسه، وأيضا قال إن الرجل عفيف يدا ولساناً، وقال أيضا إن جادين طُرح كمفكر منذ بداية الثمانينات وكانت جريدة الهدف ومنظمة امنستي خارج السودان تقف إلى جانبه دفاعا عنه بصفة مفكر وكانت الحملة اطلقوا سراح المفكر محمد علي جادين.

    كان كبيراً معتدلا سهل التعامل معه، تدخل اليه دون اذن او مقدمات، يناجيك بما تريد، كان ملما بكل تفاصيل أسرته يعرف كبيرهم وصغيرهم رغم انشغاله بالعمل العام، وكان يحدث كبيرنا وصغيرنا ويحاوره كل بما يهمه، احبوه كلهم واجمعوا عليه واصبح مرجعهم وقدوتهم.

    كبيرنا كما تعلمون  بدأ مشواره الدراسي بمسيد ود عيسى، ثم أبو عشر، ثم حنتوب الثانوية، ثم كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم، وقابلت بعض زملائه وكانوا مندهشين لمَ لَمْ يقرأ كلية الهندسة وكانت مرموقة ولكن يبدو أن فكره كان يقوده لذلك المجال فدخل الاقتصاد، والتقى هناك برفاقه عبد العزيز حسين الصاوي والآخرين وأسسوا منظمة البعث العربي الاشتراكي.

    في عامٍ قبل الرحيل قرأت في كتابه “السودان تحديات بناء الدولة” مقدمة لدكتور حيدر إبراهيم، أكملتُ المقدمة وأحسستُ بأن الرحيل قد أزف، وهي كانت رثاء، تضحية واستفتاء.

     جادين يعتبر رسالة وتضحية هو صاحب رسالة، ظل الفقيد ممسكا بتلك الجمرة منذ أيام دراسته، وظل بابه مشرعاً موقنا بأن الحلم سيتحقق وهذا الإيمان الراسخ سبق كل التضحيات التي قدمها وهو اختيار لأصدق مسالك الحياة، عطاء بلا حدود ودون توقعات.

    رحل جادين وترك قصة طويلة حافلة بالكفاح، رحل وترك أكثر من 15 من المؤلفات بين التأليف والترجمات، رحل وترك الحلم بأيدينا في النهوض ببلادنا وبناء سودان الغد.

    باسم أسرة الراحل أشكر السيد رئيس اللجنة القومية لإحياء الذكرى السنوية الأولى والأخوة أعضاء اللجنة، وكل الذين ساهموا في إنجاح التأبين طيلة مناشطه في إقامة الدورة الرياضية في ألتي، في إقامة  ورشة العمل حول بعض كتابات الراحل، وفي إقامة هذا المهرجان لإحياء ذكراه. شكرا جزيلا لكل قادة القوى السياسية، ولكل الذين وقفوا معنا منذ أيام مرضه في الخرطوم وفي القاهرة، وحتى الذين وقفوا معنا حين وفاته وحينما واريناه الثرى وحتى هذا التأبين، شكراً جزيلاً وجزيتم خيراً.

    (كلمة المهدى فى حيز منفصل – المحرر).

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...