السبت  19  أغسطس  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • إنضمام السودان لمنظمة التجارة العالمية : وعود برَّاقة و حملة تضليل جديدة

    August 10, 2017  

    الهادي هباني

    إنضمام السودان لمنظمة التجارة العالمية: وعود برَّاقة و حملة تضليل جديدة يقودها هذه المرة السفير مصطفي عثمان إسماعيل (3)
    تعرف علي 26 شخصية مسئولة عن إنفجار الأزمة المالية العالمية عام 2008م
    لم تختلف الأفكار الرأسمالية في نزعتها التجارية البحتة الهادفة للربح ومراكمة الثروات، والمجردة من أي بعد إنساني في كل المدارس الإقتصادية التي عرفها التاريخ، وأيضا في كل موجات العولمة التي شهدها العالم بما في ذلك العولمة المعاصرة. وفشلت فشل بيِّن في معالجة الفقر والتوزيع العادل للثروة.
    فقد ظهرت أفكار رُوَّاد المدرسة الكلاسيكية وعلي رأسهم ديفيد هيوم وآدم سميث المنادية بمبدأ دعه يعمل دعه يسير (والتي تعتبر الأساس الآيديولوجي الذي يقوم عليه الفكر الرأسمالي) علي أنقاض مدرسة التجاريين أو ما يعرف بالمدرسة المركنتالية. وهي مجموعة من المعتقدات الاقتصادية الرأسمالية التى سادت أوروبا خلال القرن السادس عشر واستمرت حتي منتصف القرن الثامن عشر، والتي تقوم علي تحكم الدولة في الأنشطة الاقتصادية المحلية والتجارة الدولية بغرض مراكمة الثروة في يد الدولة. وهي الفترة التي نشأت فيها الإمبراطوريات الاستعمارية مدفوعة بعصر الإكتشافات الجغرافية وتدفق المعادن النفيسة من العالم الجديد إلى أوروبا، بجانب النمو السكانى وتزايد نفوذ وأهمية طبقة التجاريين مع نهايات عهد الإقطاع نتيجة لثورات الفلاحين المتوالية في أوروبا، ومع بداية نمو وتطور النظام السوقي. فقد ساعدت أفكار عصر النهضة على مناهضة أفكار النظام المركنتالي التجاري خاصة فيما يتعلق بالتجارة الدولية باعتبار أن النظام التجاري المركنتالي يركز علي التجارة الدولية ويري أن قوة الدولة تقاس بما تملكه من ذهب ومعادن نفيسة، ولذلك فقد منعوا تصدير المعادن الثمينة للخارج بدون تصريح من الدولة، وحرصوا دائما علي تحقيق فائض في الميزان التجاري، و شجعوا الصادرات وقدموا لها منح وحوافز وحماية بفرض رسوم جمركية على الواردات. واستعانوا في كل ذلك ببناء جيوش قوية للتوسع وضم المستعمرات وتكوين الشركات الإحتكارية في بعض المستعمرات، كشركة الهند الشرقية الإنجليزية المذكورة في الحلقة السابقة.
    وعلي الرغم من أن أفكار ديفيد هيوم وآدم سميث قد نقدت النظام المركنتالي التجاري وقدمت إفتراضات ونظريات جديدة بديلاً له خاصة فيما يتعلق بالتجارة الدولية، إلا أنها اتفقت معه في نزعته التجارية البحتة. فمصطلح المركنتالية يأتي من الكلمة الإنجليزية (Mercantilism) التي تترجم في العديد من المعاجم اللغوية بأنها نزعة تجارية بحتة لا تهتم أو تراعي شيئا آخر غير الربح ومراكمة الثروة. صحيح أن العنصر الأساسي في الإنتاج والنمو لدي الفكر المركنتالي التجاري كان يتركز في عنصر العمل. وصحيح أنه اعتمد علي نظرية القيمة فى العمل، أي أن قيمة السلع تتحدد وفقا لما بُذِل فى انتاجها من ساعات عمل، وأنه ركز علي تحقيق أعلي كفاءة في زيادة إنتاجية العمال، و اهتم بتحسين جودة الإنتاج المحلي الموجه للتصدير من خلال الاهتمام بعنصر العمل وبمهارته لرفع القدرة التنافسية للدولة فى الأسواق الخارجية. إلا أن أجور العمال ظلت دائما منخفضة كشرط أساسي لتقليل تكلفة الانتاج. فقد كانت أجور العمال لا تتجاوز حد الكفاف. فالثروات التي حققتها الإمبراطوريات الإستعمارية الأوروبية في ظل سيادة الفكر المركنتالي التجاري كانت على حساب التضحية بمستويات الاستهلاك والرفاهية لأفراد مجتمعاتهم من العمال والطبقات الفقيرة من أجل مراكمة ثرواتها. بمعنى وجود إمبراطوريات غنية ذات شعوب فقيرة.
    وبرغم أن ديفيد هيوم انتقد الفكر المركنتالي خاصة أفكاره المتعلقة بآلية الأسعار، النقود، والتدفق السلعي التي جاءت في كتابه المعروف (مقالات سياسية) (Political Discourses) الصادر عام 1752م. والتي تتلخص فى أن مراكمة المعادن النفيسة (الذهب) نتيجة لاستمرار الفائض فى الميزان التجارى كأحد الأساسيات في التجارة الدولية لدي الفكر المركنتالي، يمكن أن يتسبب فى زيادة عرض النقود، مما يتسبب فى ارتفاع كل من الأسعار والأجور، وهذا بدوره يتسبب فى انخفاض القدرة التنافسية للصادرات. وعلي العكس (وفقا لهيوم)، فإن تناقص المعادن النفيسة (الذهب النقدى) بالنسبة للدول التى تعانى من العجز فى الميزان التجارى سوف يقلل عرض النقود مما يؤدي لخفض الأسعار والأجور المحلية مما يزيد من القدرة التنافسية للصادرات. فخفض الأجور من أجل خفض تكلفة الصادرات كان يمثل أهم الإفتراضات التي قامت عليها أفكاره. وبالتالي فهو لم يخرج من مفهوم المركنتالية أو النزعة التجارية البحتة القائمة علي مراكمة الثروات علي حساب العمال.
    وعلي نفس السياق جاءت أفكار آدم سميث القائمة علي نظام اقتصاد عدم التدخل وعلي وجود قوة خفية تحرك الإقتصاد، والمنادية بمبدأ دعه يعمل دعه يسير. وهي بالتالي أفكار ترسِّخ مفهوم النزعة التجارية الخاصة البحتة باعتبار أن فكره يقوم علي تغليب المصلحة الخاصة علي المصلحة العامة. بل أن المصلحة الخاصة (في نظره) هي التي تحقق المنفعة العامة. فهو يري بكل بساطة أن الإنسان أناني بطبيعته، وأن هذه الأنانية ليست سيئًة بالضرورة. فالجزَّار الذي يبيع اللحوم للناس لا يفعل ذلك بدافع توفير اللحوم الطازجة لهم بأسهل طريقة، لكن بدافع تحقيق أقصى ربح من نشاط بيع اللحوم، وهذا الدافع هو الذي يدفعه للإهتمام بجودة اللحوم التي يبيعها وبقدرته علي تقديمها طازجة للناس، فبحسب سميث (نحن لا نعيش بفضل كرم صاحب الصنعة جزارًا أو خبازًا أو حدادًا أو بقالًا، فهؤلاء يسعون إلى مصالحهم الخاصة). وفي نفس الوقت كلما كان سعر اللحم مرتفعا كلما تزايد انتاج تاجر اللحوم لتحقيق أعلي ربح. وبما أن الأنانية من طبيعة البشر، سيحاول تاجر آخر منافسته في تجارة اللحوم، وهذه المنافسة ستؤدي بالضرورة إلي زيادة المعروض من اللحوم وبالتالي خفض الأسعار، وهو ما يحقق المنفعة العامة للناس. و بالتالي تتحقق منفعة الناس العامة انطلاقا من سعي كل فرد في المجتمع لتحقيق مصلحته الخاصة. أي من خلال (الأنانية) أو المصلحة الفردية وحرية الإنتاج والتجارة يصل المجتمع إلى المزيد من السلع وبأسعار منخفضة. هذه المصفوفة من التنافس في البحث عن المصلحة الخاصة والربح، وفقا لآدم سميث، تؤدي إلى إشباع حاجات الناس، وإلي تحقيق أرباح للمنتج أو التاجر، وبالتالي إلي وفرة السلع واستقرار أسعارها، وهو ما يحقق المنفعة العامة للمجتمع دون أي حاجة لتدخل الدولة. وهو ما أطلق عليه سميث (اليد الخفية) فقد جاء في الفصل الرابع من مؤلفه ثروة الأمم، أحد أهم الكلاسيكيات في علم الإقتصاد السياسي، ما نصَّه: (توجه كل فرد في صناعته نحو أكبر قيمة إنتاج ممكنة، ما هو إلّا سعي نحو ربحه الخاص وليس شيئا آخر. على هذا فهو مُوجّه عبر يدٍ خفيّة، يُحقق غاية لا يُدركها وعيه. فهو بسعيه نحو مصلحته الخاصة، يُقدّم النفع والمصلحة للمجتمع وبفاعلية أكبر). ولم يختلف آدم سميث كثيرا في نزعته التجارية المجردة وعدم إهتمامه بمعالجة الفقر، عن الفكر المركنتالي، وفكر ديفيد هيوم، في أن تقليل تكلفة العمل هي أحد أهم العوامل التي تؤدي إلي مراكمة الثروة. فجوهر مقولته (دعه يعمل دعه يسير) يشتمل ضمنيا علي مفهوم أن العمل هو الأساس الذي تقوم عليه قيمة السلعة، أي أن سعر السلعة يتحدد وفقا لكمية العمل اللازم لإنتاجها. ولم يكتفي آدم سميث في نزعته التجارية بذلك الحد الذي دفع العديد من علماء الإقتصاد بوصف أفكاره بأنها غير أخلاقية، بل ميَّز بين القيمة الاستعمالية (أي المنفعة التي تتحقق للمستهلك من إستعمال السلعة)، وبين القيمة التبادلية للسلعة (أي السعر الذي يبادل به الناس هذه السلعة أو تلك مقابل السلع الأخري). فالقيمة الإستعمالية أساسها المنفعة الشخصية، في حين أن القيمة التبادلية للسلعة تتحدد وفقا لآلية العرض والطلب، واعتبر، أن الأساس في تحديد سعر السلعة بجانب كمية العمل الذي بُذل في إنتاجها هو قيمتها التبادلية وليس قيمتها الإستعمالية أو منفعتها. ولتبسيط الفكرة نستدعي المثال التقليدي المقارن بين سلعتي الماء والماس. فالماء سلعة لها منفعة كبيرة للناس وبدونها لا يستطيعون العيش، إلا أن قيمتها التبادلية تكاد تكون معدومة في أغلب الأحيان. أما الماس فقيمته التبادلية عالية جدا لندرته، في حين أنه عديم المنفعة في حد ذاته. فلا يمكن للإنسان أن يأكل الماس، أو يشربه، أو ينام عليه، أو يتخذه علاجا للأمراض، ولن يضار شيئاً إذا استغني عنه. هذا الفهم، ليس فقط في فكر آدم سميث، بل في الفكر الرأسمالي عموما، هو الأساس الذي قامت عليه الإقتصاديات الإمبريالية الوهمية في عالمنا المعاصر والتي تعتبر أحد أهم الخصائص التي تميز العولمة المعاصرة علي نحو ما سنبين لاحقا.
    أما علي صعيد التجارة الدولية فقد ذهب سميث إلي أنها تقوم علي قانون الميزة المطلقة أو (نظرية النفقات المطلقة) أي أن تتخصص كل دولة في إنتاج وتصدير السلع التي تتمتع فيها بميزة أفضل علي الإطلاق عن ما تتمتع بها الدول الأخري. وأن الدولة تكتسب تلك الميزة المطلقة من تميزها المطلق في العوامل الطبيعية من مناخ وخصوبة في الأرض بجانب توافر المواد الأولية وغيرها من العوامل المكتسبة كالمهارة والإتقان في العمل اللازم لإنتاج السلعة وغيرها من العوامل التي تساعد علي إنتاج تلك السلعة. وبالتالي فإن قيام التجارة الدولية يقتضي أن يكون إنتاج السلع الموجهة للتصدير قادر علي إنتاج كميات أكبر من الإنتاج الذي تنتجه الدول الأخري من نفس السلع وباستخدام نفس القدر من عوامل الإنتاج من عمل وموارد طبيعية ورأس مال. وبالتالي فإن تميز دولة ما في إنتاج سلعة معينة بميزة مطلقة (أى نفقة مطلقة أقل) يعد كافياً لقيام التجارة الخارجية بين تلك الدولة والدول الأخرى التى تتمتع بميزة مطلقة أخرى أو نفقة مطلقة أقل فى إنتاج سلع أخرى فيحدث التبادل بينهم. إلا أن هذا الإفتراض يسقط علي أرض الواقع في حالة الدولة التي دخلت عالم التجارة الدولية حديثا وهي لا تتمتع بأي ميزة مطلقة في إنتاج أي سلعة من السلع. فهي لا يمكنها قطعا عزل نفسها عن صعيد التبادل التجاري الدولي وستجد نفسها مضطرة إلـى مباشرة حرية التجارة مع غيرها من الدول التي تتمتع بمزايا مطلقة فيتعـرض إنتاجها المحلي بالتالي إلى منافسة مدمرة من قبل منتجات تلك الدول التي ستباع حتما بأسعار أقل من أسعار منتجاتها المحلية.
    وعلي الرغم من أن ديفيد ريكاردو (أحد أبرز علماء المدرسة الكلاسيكية) قد عالج قصور نظرية الميزة المطلقة لآدم سميث بعد مرور 41 عاما من خلال نظريته المعروفة، والتي لا زالت سارية التطبيق (الميزة النسبية أو النفقات النسبية). فقانون التجارة الدولية، وفقا لريكاردو وباستخدام نفس الإفتراضات التي اعتمد عليها سميث، يقوم علي أن تتخصص كل دولة في إنتاج وتصدير السلع التي يمكن أن تنتجها بتكلفة نسبية أقل، وأن تستورد السلع التي تنتجها بتكلفة عالية نسبيا. أي، علي عكس سميث، فإن الميزة النسبية أو التكلفة النسبية وليست المطلقة هي التي تفرض أنماط التجارة الدولية. وبالتالي حتي الدول التي لا تتمتع بميزات مطلقة في إنتاج أي سلعة يمكنها تصدير المنتجات التي تتمتع بميزة نسبية في إنتاجها عن غيرها من الدول وتستورد السلع التي تتمتع بها تلك الدول بميزة نسبية. وبرغم أن نظرية النفقات النسبية لريكاردو لا زالت سارية التطبيق وتقوم عليها معالجات التجارة الدولية للغالبية العظمي من الدول إلا أنها فشلت في معالجة سياسة إغراق الأسواق خاصة أسواق الدول النامية التي تتبعها الصين والدول الرأسمالية الكبري عبر حلفائها ووكلائها في تلك الأسواق. يحدث هذا للأسف الشديد برغم أن منظمة التجارة العالمية تعتمد مكافحة سياسة الإغراق كأحد أهم مبادئها الأساسية. فلا زالت منتجات الدول الكبري تباع في الخارج بأقل من أسعار مثيلاتها المنتجة محليا في أسواق الدول الأخري وخاصة الدول النامية. بل وتغلبت الدول الكبري علي مشكلة الميزة النسبية داخل إقتصادياتها بتحويل صناعاتها إلي الدول التي تتوافر فيها العمالة الرخيصة وتحصل فيها علي إمتيازات وإعفاءات ضريبية وجمركية من حكومات الدول النامية تحت أكذوبة تشجيع الإستثمار مخلفة ورائها نسب عالية من البطالة والفقر والفجوة الإجتماعية وعدم العدالة في توزيع الثروة في بلدانها الأصل. فبينما وصل معدل البطالة في أمريكا لحوالي 4.3% في يوليو 2017م حسب تقارير ال (Trading Economics) يملك 400 أميركي ما يعادل 12% من الناتج المحلي الإجمالي، أي بقدر ما يمتلكه 100 مليون أميركي. ومتوسط دخل الأغنياء في هونغ كونغ يساوي 23 ضعف متوسط دخل الفقراء. فبينما يحصل 10% من السكان فقط على 36% من الناتج المحلي الإجمالي، يحصل 10% على 2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي علما بأن هونغ كونغ تعتبر أكبر مركز للتجارة الحرة، وتضم العديد من المصانع المملوكة للشركات الأجنبية الكبري عابرة المحيطات التي تبحث عن العمالة الرخيصة والإمتيازات الخاصة. ولم ينتهي الأمر في هونغ كونغ عند هذا الحد، بل قد حوَّلها هذا الجشع والسباق الرأسمالي المحموم نحو مراكمة الثروات إلي أحد أكبر المناطق في العالم تلوثاً في البيئة. ففي عام 2015م أنتجت هونغ كونغ لوحدها 3.7 مليون طن من النفايات برغم أن مساحتها 1,104 كم2 فقط وعدد سكانها 7 مليون، ولذلك فهي تعد رابع أكبر مناطق العالم من حيث الكثافة السكانية ويزورها سنويا حوالي 60 مليون شخص. وقد قال تشان كينغ مينغ (أحد أبرز علماء البيئة في هونغ كونغ وعضو حزب الديمقراطيين الجدد) في تقرير تؤيده وزارة حماية البيئة (إذا استمرت هونغ كونغ بهذه الطريقة فسوف نصل إلى نقطة الانفجار بحلول عام 2020) (المصدر المذكور سابقا).
    أما مدرسة الإقتصاد الكلي أو المدرسة الكينزية نسبة إلي مؤسسها جون مينراد كينز الذي يعد أحد أربعة علماء أثروا علي إقتصاديات العالم. والذي أحدث ثورة في الفكر الإقتصادي الرأسمالي بأفكاره الجديدة المناهضة لفكرة اليد الخفية ومبدأ دعه يعمل دعه يسير لآدم سميث وغيره من رواد المدرسة الكلاسيكية ودعوته لتدخل الدولة في فترات الأزمات والركود لضبط إقتصاد السوق بالتوجيه والرقابة. فقد قال عنه الكاتب الصحافي نيكولاس وابشوت في كتابه (سيرة ذاتية لكينز)، (لقد سمحت جماعة بلومزبري لكينز، أن يُفكّر خارج الصندوق. وأن يُفكّر فيما لا يُمكن تصوره، وأدّى ذلك لاتساع الفكر لديه، ما سمح له بالقفز من المنحدرات مع ثقة بعدم وجود قاع، فمن هُناك انبرى كينز إلى نقد الاقتصاد الكلاسيكي، وتطويره بنظرياته الخاصة بالنّقد، المال، والسياسات الاقتصادية الكلية). وقد كان كينز خلال فترة دراسته للاقتصاد بجامعة كامبريدج عضوا بما كان يعرف بجماعة بلومزبري، وهي جماعة من المثقفين والكُتّاب والفنانين، الذين كانوا يجتمعون في منزل الأخوات فينيسا وفرجينيا وولف ببلدة تشارسلتون بمقاطعة ساسكس الإنجليزية، خلال الفترة 1907 – 1930. وقد عُرِفَت هذه الجماعة بأفكارها التقدمية المتحررة تجاه السلوك الجنسي، الفن، فلسفة الجمال، والاقتصاد والسياسة.
    ويعتبر كينز هو المنقذ للإقتصاد الأمريكي من آثار كساد 1929م الكارثية. حيث وجدت أفكاره رواجا كبيرا وتبناها الرئيس الثاني والثلاثين للولايات المتحدة الأمريكية فرانكلين روزفيلت الذي وضع خطة إنقاذ إرتكزت علي أفكار كينز أنقذت أمريكا من أزمتها الطاحنة آنذاك. فقد أصدر روزفيلت خلال أول مائة يوم في رئاسته الأولي مجموعة من التشريعات الإتحادية والبرامج الاقتصادية غير المسبوقة في أمريكا والعالم الرأسمالي أجمع والتي هدفت إلي إغاثة الشعب الأمريكي وتأسيس برامج متعددة لتوفير فرص عمل للعاطلين عن العمل والمزارعين، وتشجيع قيام نقابات العمال، وتنظيم الأعمال التجارية، وتحقيق النمو الاقتصادي، وتنظيم وضبط وول ستريت والبنوك، وتطوير شبكة النقل والمواصلات، وتخفيض الضرائب والرسوم الجمركية. مما أدي إلي تعافي الاقتصاد الأمريكي بشكل متسارع خلال فترات ولايته الأربعة. وعلي المستوي الدولي تحولت أمريكا لمركز مالي ضخم قدم من خلاله قروضا ضخمة للصين وبريطانيا عام 1941م. كما قدم دعما دبلوماسيا وماليا وعسكريا للحلفاء ضد المانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، والإمبراطورية اليابانية حيث إزدهرت في عهده صناعات الطيران والسيارات والمعدات الثقيلة والأسلحة خاصة سلاح الجو. وعلي الرغم من أن أفكار كينز الداعية لتدخل الدولة علي عكس الأساس الذي يقوم عليه الفكر الرأسمالي، ونجاح ذلك علي الواقع العملي خلال حكم الديمقراطيين في عهد روزفيلت في إعادة بناء الإقتصاد الأمريكي، تعتبر في حد ذاتها دحضاً للفكر الرأسمالي ومبادئ آدم سميث التي تعتبر الأساس الآيديولوجي الذي يقوم عليه. إلا أنها (أي أفكار كينز) لم تخلو من النزعة التجارية التوسعية والتسلطية البحتة التي تميز الفكر الرأسمالي عموما. فقد قال كينز (هناك أوقات نحتاج فيها إلي التدخل لجعل الرأسمالية تعمل لصالحنا). وأن أفكاره الداعية إلي إنفاق الدولة في حالات الركود حتي لو دعي ذلك للإستدانة إنما يهدف أساسا إلي تحقيق معدلات إنفاق تعيد التوازن في دورة رأس المال. صحيح أن أفكاره أدت إلي استفادة شرائح عديدة من ذوي الدخل المحدود في أمريكا آنذاك من الإنفاق الحكومي، لكن المستفيد الحقيقي الأكبر من ذلك الإنفاق كان هو الشركات الضخمة خاصة شركات صناعة الأسلحة والطيران والمعدات الثقيلة والسيارات وكبار مصدري القمح والذرة الصفراء. وفي وجهة النظر الخاصة لكاتب هذه الحلقات، فإن الفكر الكيينزي ما هو إلا إعادة تطوير للفكر المركنتالي التجاري الإستعماري ولكن بأفكار إقتصادية وأدوات استعمارية مستحدثة نقلت الرأسمالية العالمية لمرحلة جديدة ساعدت الدول الرأسمالية الكبري وخاصة أمريكا في عصرنا الحالي لمراكمة ثرواتها وللهيمنة علي العالم بأساليب مبتكرة. فخلال فترة تطبيق أفكاره في عهد روزفيلت تم توقيع إتفاقية بريتون وودز عام 1944م التي أصبحت بموجبها أمريكا (نتيجة لخروجها من الحرب العالمية الثانية قوية مدفوعة بقوة إقتصادها المالي والعسكري) متحكمة في الذهب، وأصبح الدولار الأمريكي علي إثرها الغطاء الذي يتم بموجبه تبديل كل العملات بالذهب وبسعر (35) دولاراً للأوقية الواحدة من الذهب، حيث كان الدولار حينها مغطى بالذهب بنسبة 100% وبقي كذلك حتى عام 1960م. وحتي بعد إنهيار الإتفاقية عام 1971م لا يزال الدولار الأمريكي هو عملة الإحتياطي الأولي في العالم التي تحتفظ بها البنوك المركزية والمؤسسات المالية الكبري كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها. ووفقا للإتفاقية نفسها تم إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذان يعتبران أحد أدوات العولمة المعاصرة التي تبسط من خلالها الرأسمالية العالمية هيمنتها علي العالم.
    ويبرز صدق مقولة كينز المذكورة سابقا والتي تشير إلي أن تدخل الدولة ضروري في بعض أوقات الركود لجعل الرأسمالية تعمل لصالحهم، في الوجه القبيح لحقيقة الرأسمالية الذي بدأ يظهر مجددا بمقاومة الائتلاف المحافظ من الحزب الديمقراطي والجمهوري وإغلاقه الطريق أمام العديد من البرامج اللبرالية للرئيس روزفيلت المستندة علي أفكار كينز باستثناء سياسة الحد الأدني للأجور. وبدأت تظهر أفكار ملتون فردمان عام 1945م مع نهاية حكم روزفيلت كأحد أبرز دعاة الإقتصاد الحر في القرن العشرين، والتي مهدت لظهور ما عرف بمدرسة شيكاغو الإقتصادية أو مدرسة النقد التي تعادي أفكار كينز.
    وإذا كانت صحيفة التايمز البريطانية قد اتهمت وقتها 25 شخصية مسئولة عن إندلاع الأزمة المالية العالمية عام 2008م التي تعكس أيضا الوجه القبيح للرأسمالية العالمية، فإن كاتب هذه الحلقات يضيف إلي القائمة ملتون فردمان الذي مهدت أفكاره لنمو وتطور صناعة المشتقات المالية والإقتصاديات الوهمية التي كانت السبب الرئيسي في إندلاع أزمة 2008م المالية وأزمة الديون السيادية في أوروبا. (يمكن للقارئ الكريم الإطلاع علي الملف المرفق أسفل هذه الحلقة للتعرف علي أبرز 25 شخصية مسئولة عن أزمة 2008م المالية وفقا لصحيفة التايمز).
    هذه النزعة التجارية المجردة التي تمثل الأساس الذي يقوم عليه الفكر الرأسمالي عموما والتي كانت حاضرة في كل المدارس الإقتصادية الرأسمالية عبر التاريخ البشري وماثلة في كل موجات العولمة التي عرفها العالم، هي أيضا حاضرة اليوم وبامتياز في العولمة المعاصرة. وكما كانت تصان وتتحق من خلال عدد من السمات والخصائص في موجات العولمة السابقة كما هو مذكور ضمنا في الحلقة السابقة. فإن أدواتها وخصائصها في عصرنا الحالي تبدو أكثر خطورة وتعقيدا. وأولي هذه الخصائص تتمثل في:
    سيادة الإقتصاديات الوهمية
    ولعل أبرز خصائص العولمة المعاصرة هي سيادة الإقتصاديات الوهمية المتمثلة في استخدام المشتقات المالية وأدوات توريق الديون فى تحويل الديون المتعثرة والمشاريع الراكدة وأصول الشركات التى بدأت أسهمها تتهاوى وأصبحت فى حافة الهاوية إلى صكوك وسندات يتم بموجبها إستقطاب أموال من جميع أنحاء العالم وتسويقها عبر كبري بنوك الاستثمار الأمريكية للصناديق السيادية لمعظم دول العالم وكذلك لأفراد وبنوك وبعض صناديق المعاشات والضمان الإجتماعي من شتي الدول. ففي يونيو 2008 قبيل إنفجار الأزمة المالية العالمية بشهرين بلغت قيمة المشتقات المتداولة في الأسواق المالية العالمية حوالي 684 ترليون دولار في حين كان الناتج المحلي العالمي وقتها أقل من 70 ترليون دولار فقط أي أنها كانت تمثل 9,8 ضعف حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي (طارق الله خان، كلية قطر للدراسات الإسلامية، محاضرات، 9، 10، 11، 2012م).
    ويعتبر توريق الديون من الإقتصاديات الوهمية التي لا تضيف للإقتصاد الحقيقي شيئا لأن الديون لا تضيف منفعة في حد ذاتها، وأيضا لارتباط توريق الديون بأسواق الأوراق المالية الثانوية التى أنتجتها نظرية الاقتصاد الحر وما شهدته من تطورات هامة وخطيرة إبان حقبتها الحديثة المرتكزة على أفكار مدرسة ميلتون فريدمان و بول فولكر، وامبراطورية ألن غرينسبان التى امتدت لسنوات طويلة وكانت هي السبب الجذري في إنفجار الأزمة المالية العالمية 2008م التي خسرت فيها الغالبية العظمي من دول العالم مبالغ طائلة. فسوق الأوراق المالية الثانوية في حد ذاتها فكرة غير أخلاقية تنبع من النزعة التجارية البحتة المتأصلة في الفكر الرأسمالي كما أسلفنا، وفي تقييم السلع بقيمتها التبادلية دون أن يكون لها نفعا في حد ذاتها. وهي بذلك تُعَمِّق روح الكسب الفردي السريع ولا تسهم أية إسهام فى التنمية الحقيقية. كما أنها تتعارض مع مفهوم سوق رأس المال كسوق دوره الرئيسي هو الحصول على الأموال من الوحدات ذات الفائض وتوفيرها للوحدات ذات العجز، و تنقسم بدورها إلى سوق رأس المال قصير الأجل ويطلق عليها (سوق النقد) التي تتمثل فى البنوك التجارية، وسوق رأس المال طويلة الأجل المتمثلة فى السوق الأولية أو سوق إصدارات الأسهم والسندات أو سوق الاستثمار الحقيقي طويل الأجل. فالسوق الثانوي للأسهم العادية والممتازة والسندات والتى يطلق عليها عرفا بالبورصة أو سوق الأوراق المالية هى سوق قصيرة الأجل يتم فيها السماح بتداول الأسهم والسندات التى تم إصدارها فى السوق الأولية والتى لا تذهب فيها قيم التبادل اليومية للجهة الأولية المصدرة للأسهم أو السندات وإنما لمالكيها بهدف توفير السيولة لمالكي الأسهم متى ما احتاجوا لها. وحجة مدرسة الاقتصاد الحر هنا، هى أن المستثمرين لن يقدموا على الاكتتاب فى أسهم أو سندات لا يتاح تداولها وتحويلها إلى نقد سائل فى المدى القصير. فالنِيَّة فى الأصل معقودة على سياسة النفس القصير والربح السريع كبديل للإستثمار المباشر طويل الأجل الذى هو فى حقيقة الأمر عصب الاقتصاد ويسهم فى تنمية الدخل القومي والناتج المحلى الإجمالى وفي حل مشاكل البطالة بشكل فعال ومباشر، بينما فى السوق الثانوية يتم تبادل أموال ضخمة لا تستفيد منها الشركات والاستثمارات التى يتم تبادل أسهمها والتى هى فى الأصل قائمة على هامشها. فهذه الأموال فى حد ذاتها (كنتاج مباشر للمضاربات اليومية فى الأسهم و السندات) تظل دائما خارج نطاق دورة تدفق الدخل القومي وتعتبر عملية سحب منها. فهي لذلك تعتبر فكرة شيطانية غير أخلاقية ومكاناً خصباً لتوالد الفقاعات المالية. كما توجد هذه الأسواق الثانوية دون رقابة صارمة مما جعلها مستفيدة من متغيرات السوق الأولية دون أن تقدم فائدة ملموسة لها، كالكائن الطفيلي الذي يتغذي من الكائنات الأخري دون أن يضيف لها شئيا. فكلما كان هنالك إصدار جديد فى السوق الأولية كلما زادت الكتلة النقدية المتداولة فى السوق، وكلما استفاد بالتالى المضاربون فى هذه السوق. فضلا عن أن الآليات والقوانين الحالية الحاكمة لهذه الأسواق أفرزت الكثير من الكيانات التى تستفيد من السوق وهى تمارس دوراً لا يضيف للاقتصاد الحقيقى شيئا حقيقيا مثل شركات الوساطة، والإدارت المختلفة للأسواق. ففى أزمة الرهن العقاري مثلا استفادت السوق الثانوية من طرح سندات ديون الرهن العقاري للتداول فى السوق واستفادت بنوك الاستثمار، وشركات الوساطة، وكبار مدراء تلك المؤسسات الذين بلغ متوسط دخل الواحد منهم في العام 70 مليون دولار، لكن فى المقابل انهار الاقتصاد العالمي.
    كما أن الرغبة فى الكسب السريع مع حداثة التجربة وعدم توافر الخبرة والدراية الكافية لقطاعات واسعة فى العالم من العاملين والمتعاملين مع السوق الثانوية، فضلا عن ضعف أجهزة الرقابة الدقيقة على هذه الأسواق، ووجود أسواق موازية لها جعلها معقلا للفساد والثراء غير المشروع والمتاجرة بالمعلومات وشراء الشركات الفاشلة وإعادة هيكلتها صوريا وتضخيمها وتفتيتها إلى وحدات صغيرة وإدراجها فى أسواق الأوراق المالية، أو عرض سنداتها بأسعار وهمية مبالغ فيها، وتصدير هذا الفساد ليشمل شركات التدقيق المحاسبي، ووكالات التصنيف الإئتمانى التى لعبت دورا كبيرا فى صنع هذه الفقاعة. وما انهيار عملاق النفط إنرون، وشركة آرثر آندرسون للتدقيق المحاسبى، و فضيحة شركة زيروكس، وشركة تايكو إلا دليلا على ذلك. كما أن شركات الإستثمار الفاشلة التى استحوذ عليها وأعاد هيكلتها بنك ليمان برذر خلال الفترة 2002/2004م هى التى فاقمت أزماته وساعدت على إنهياره. فعند إنهياره كأول بنك استثمار يتهاوي عند إنفجار أزمة الرهن العقاري عام 2008م تبين أن الرافعة المالية له قد وصلت إلي 40 إلي 1، أي أنه مقابل كل دولار دفعه أصحاب البنك من مالهم الخاص فهم قد استدانوا 40 دولار من الودائع الاستثمارية للعملاء في حين أن معدل الرافعة المالية حسب المعايير المتعارف عليها يجب ألا يتعدي 2 إلي 1. وهو ما يؤكد أن بنوك الاستثمار الكبري في ظل العولمة الحالية تُضَارِب وتُغَامِر بودائع عملائها من الصناديق السيادية للدول، والأفراد والبنوك، وصناديق المعاشات والضمان الإجتماعي دون وجود رقيب أو حسيب. وقد أسهمت التطورات التى شهدتها السوق الثانوية فى تطور الهندسة المالية وابتكار المشتقات المالية، فانتشرت عمليات تداول عقود المبادلة، عقود الخيار، والعقود الآجلة التى هى فى الأصل أدوات للمتاجرة فى المخاطر وتداولها بين وحدات المجتمع المختلفة (كما حدث فى أزمة الرهن العقاري ببيع مخاطرها الممثلة فى عدم السداد فى شكل سندات وصكوك غير قابلة للتحصيل أو التسييل). ولهذا فقد عرفتها السلطات النقدية فى هونج كونج بأنها (أدوات مالية تشتق قيمتها من الأوراق المالية محل التعاقد أو من السلع أو مؤشرات الأسعار ويمكن استخدامها للتحوط أو المضاربة إلا أنها تؤدى إلى زيادة مخاطر الائتمان وأساليب الاحتيال فضلا عن المخاطر السوقية) (سمير عبد الحميد رضوان – المشتقات المالية ودورها فى إدارة المخاطر ودور الهندسة المالية فى صناعة أدواتها – صفحة 58). لذلك لا يرى روبرت دركر فى المشتقات سوى أدوات من أدوات القمار التى يجرى التعامل عليها فى مونت كارلو ولاس فيجاس. و اعتبرتها كوكبة من الأكاديميين والاقتصاديين الذين تناولوا بالنقد عمليات الابتكار المالى تحت عنوان (القيمة الاجتماعية للابتكار المالى (The social value of financial innovation) بأنها مجرد خدعة كبرى (Giant fad) مدفوعة من قبل شركات الاستثمار لتحقيق أرباح ضخمة من ورائها (المصدر السابق صفحة 85).
    وهكذا تصدق مقولة تروتسكى الشهيرة عن الرأسمالية العالمية بأن (البرجوازية تنحدر نحو الكارثة بعيون مغلقة). وكما درج كاتب الحلقات كلما كتب عن الإقتصاديات الوهمية للرأسمالية العالمية استدعاء ما جاء فى منظورات آلان وودز (بأن الاقتصاد الأمريكي كان يتحدى قانون الجاذبية مثل شخصية الرسوم المتحركة رود رانر، الذي يتجاوز حافة الجرف ويواصل الجري في الهواء ثم ينظر تحت قدميه ويحك رأسه وبعد ذلك يسقط في الهاوية عندما يدرك أنه لا يوجد أي شيء تحت قدميه). إنها نفس حالة حاملي سندات المشتقات المالية في أسواق الأوراق المالية العالمية. لا يوجد أي شيء حقيقي تحت أقدامهم، مجرد صكوك عالمية للديون المشكوك في تحصيلها.
    نواصل في الحلقة القادمة تناول أهم خصائص العولمة المعاصرة وما هي أدواتها والمفارقات والتناقضات التي أحدثتها فتابعونا.

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...