السبت  19  أغسطس  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • عشوائية السياسة الخارجية في ربع قرن : ولا ينبئك مثل خبير

    August 1, 2017  

    (حريات)

    عشوائية السياسة الخارجية في ربع قرن : ولا ينبئك مثل خبير

    د. صديق امبده

    السفير عطاالله حمد بشير(ذكريات وتجارب دبلوماسية (328 صفحة)-2017) تشكيلي كامل الدسم ويهوي الخط العربي (كوفي ورقعة وغيرو).كان يخط صحيفة “أفكار” الحائطية لسان حال تنظيم “المؤتمر الديمقراطي الاشتراكي” في جامعة الخرطوم، أحد تنظيمات الوسط في النصف الاخير من الستينات، كما كان يقوم بخط بيانات عدد من التنظيمات الطلابية الاخري في المناسبات السياسية المختلفة. قروي من “ملواد” من نواحي دنقلا أتي به إلي الحقل الدبلوماسي التعليم المجاني ومقدرات أكاديمية عالية.

    عندما احرز نتيجة مشرفة أهَّلته لدرجة الشرف والاستمرار لسنة خامسة اعتقدت أسرته أنه رسب لانه لم يتخرج مع زملائه ويتوظف ، وأرسلت له والدته مواسية تقول “معليش ياولدي السنة الجاية تنجح في الإعادة وتجيبها (الشهادة)”. وعندما التحق بالسلك الدبلوماسي وذهب لوداع أهله في القرية قبل مغادرته لأولي محطاته الدبلوماسية الخارجية ، وقبل أن يمتطي الطائرة لأول مرة في حياته، سأله أحد أعمامه وقد سمع كلمة “دبلوماسي” تتكرر:”ما هي وظيفتك بالضبط؟” ولتقريب الصورة له أجابه عطااللهأنه يهتم بأمور الحكومة لدي الدول الاخري ، فقال العم في سخرية “وظيفتك مراسلة يعني؟”.يقول عطاالله “عندها شعرت بالهوة التي تفصلني عن أهلي وسألت نفسي عما إذا كانت دراستي في الجامعة والوظيفة كان قرارا حكيما”. ربما تذكربعضكم أين سمعمثل هذا التساؤل من قبل. “نِعمَ التِّعلِيم” ونِعمَ مجانية التعليم التي جاءت بأمثال عطاالله إلي رحاب العطاء للوطن الكبير.

    لا أدري عما إذا كان عطاالله محظوظا لأنه عمل بالمكتب التنفيذي لوزير الخارجية لأربعة فترات أم نحن القرَّاء. العمل في ذلك الموقع مكَّنه من معرفة كيفية إتخاذ القرار، وعلاقة الوزارة برئاسة الجمهورية وتعقيداتها ،وعمله كمسئول  أول عن سفارات كبيرة مثل السعودية (72 موظف) جعله يتعرف عن قرب عن الصلات البينية المعقدة بين الدول وعن علاقة المواطنين بالسفارات السودانية والعنت الذي يقاسونه،  ووجوده علي رأس منظمة “الإيقاد” (التي تم ترشيحه لها مصادفة وبدل فاقد)، ومعاصرته لمداولات نيفاشا كونها مسئوليته المباشرة ربطته بالمفاوضين في أعلي المستويات وعرًّفته عن قرب مواطن الضعف عند المفاوض السوداني ومواطن قوة غيره. كل ذلك هيأ له منصَّة معقولة للنظرإلي السياسية الخارجية تحت الحكومات المختلفة  وعوارها ،خاصة نظام الانقاذ الحالي ، مما يجعل لآرئه قيمة خاصة ولتقييمه  موثوقية قد لا تتوفر لكثيرين.

    صفحة بعد صفحة وقصة بعد قصة يضيئ لك الكتاب ،و كأنما في يدك “كشَّاف كهربائي” –وليس بطارية بثلاث حجار- درب القرارات العشوائية التي حكمت مسارات السياسة الخارجية خلال  العقود الاخيرة التي أوردت البلاد موارد الهلاك الذي نعيشه. وذلك الدرب هو صورة طبق الاصل لعشوائية قرارات المحلِّيات والولايات وألسِنة بعض الوزراء الاتحاديين الفالتة. السياسة الخارجية ، كما اتضح ، تخضع لمزاج الوزير الشخصي وتعمل،في الغالب، لمصلحة الحزب وليس الوطن. في عهد الانقاذ اصبحت “الدبلوماسية الرسالية”(أستراتيجية الجبهة عند الترابي) هي الأساس ، وتمت إعادة صياغة موجهات وأهداف السياسة الخارجية وفقا لها ، لا لتخدم مصالح السودان في إطار التعاون المشترك بينه وبين الدول الأخري وإنما بغرض ترويج وتحقيق “المشروع الحضاري”. تقول الموجهات الجديدة ” السودان جزء من الكيان الاسلامي الأممي الشامل …ويسعي من أجل توسيع مساهمة الثقافات الإسلامية في الحياة الدولية …ولإعلاء دور العالم الإسلامي  في بناء الحضارة الإسلامية الجديدة ..” ص192. وفي إطار “الدبلوماسية الرسالية” وتحقيق أغرضها تمت هجمات الإحلال والتمكين في الخارجية  بصورة مكثَّفة و بشكل ممنهج  كما يقول الكاتب. وبحلول العام 2013 فاق عدد السفراء الذين تم تعيينهم المائة سفير، كما تمت تعيينات مستمرة  لكوادر الجبهة الاسلامية ككوادر وسيطة (اصطلح علي تسميتهم فيما بعد ب “الكوارث الوشيكة”) وكوادردنيا في الخارجية وأصبح غيرهم أقلية ضئيلة. ويشير الكاتب إلي أنه وفي خلال الخمسة أشهر الاولي للانقاذ فقدت الخارجية نحوا من 35% من العاملين بالسلك الدبلوماسي و نحو 50% من السفراء. هذا ويحمد للكاتب رصده بالاسماء للمفصولين تعسفيا (صفحات 293-295) وكذلك “السفراء الرِّساليين” الذين عيَّنتهم الانقاذ. كما يشير إلي حرص البعض علي مهنيَّة العمل الدبلوماسي وجهودهم في ذلك ، ولكن للأسف “فشلت كل المساعي للتوسط لإيقاف حملة التطهيربالاتصال بالسيد محمد الامين خليفة المسئول عن وزارة الخارجية بمعاونة مساعديه من شباب الجبهة الاسلامية د. سيف الدين محمد احمد وموسي سيداحمد.. وكان ثلاثتهم يشكلون “بعبعا” وسيفا مسلطا علي الخارجية والدبلوماسيين”.

    ويقول الدكتور عطاالله “لم تقتصر تعيينات كوادر “الرِّساليين” علي الدبلوماسيين فقط بل تعدتهم إلي تعيين آخرين في وظائف فنية ومسميات مستحدثة ابتدعتها الانقاذ بالسفارات كممثلين ومستشارين وملحقين ومندوبين لبعض المؤسسات كالزكاة والبنوك الاسلامية وكمستشارين إعلاميين في عواصم خارجية مغمورة. وابتدعت  ظاهرة جديدة في تأريخ التمثيل الدبلوماسي باستحداث ممثلين لحزب المؤتمر الوطني ،وهو اتجاه يتعارض مع الأعراف والبروتوكولات الدبلوماسية” الكتاب:193. أما عن إستباحة مهنة الدبلوماسية ومؤسستها فيشير الكاتب إلي منح الإمتيازات والحصانة الدبلوماسيةلكل منظمات الانقاذ غير الحكومية وشركاتها وبنوكها وتنظيماتها الشبابية والطلابية والمهنية والشخصيات الموالية من الاسلاميين السودانيين والاجانب بما في ذلك منحهم الجواز الدبلوماسي، وذلك علي الرغم من أن القوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية  تحرِّم منح الحصانات الدبلوماسية لمؤسسات ومواطني الدولة في وطنهم. وعندما قام بعض حاملي تلك الجوازات بممارسات اعتبرتها بعض الدول نشاطات مشبوهة وقامت بطردهم ، وبعد أن اصبح السودان متهما بالأرهاب وأصبح الدبلوماسيون موضع شكوك  كارهابيين ، أضطر بعض الدبلوماسيين لاستبدال جوازاتهم بجوازات عادية.

    بالرغم من من شلل العمل الدبلوماسي و”خَرمَجَتِه” بتغيير أهدافه وإعفاء معظم المهنيين العاملين فيه واستبدالهم ، وظهور المصطلحات التي صاحبت تعيينات الدبلوماسيين الرساليين مثل “الكوارث الوشيكة” كمسمي ل “للكوادر الوسيطة” التي تم تعيينها سياسيا، والدبلوماسيين “الكارير” في مقابل الدبلوماسيين “الكرور” كتفريق بين المهنيين الذين التحقوا بالعمل  الدبلوماسي عن طريق المنافسة وبين المعيَّنين سياسيا، بالرغم من ذلك ينصف الكاتب بعضهم فيقول ” للامانة هناك من بينهم العشرات الذين يحملون درجات علمية عالية ويجيدون اللغة الانجليزية. كما أن من بينهم من صقل إمكانياته وقدراته وتميز في أدائه وتفوق علي اقرانه من القدامي”.

    في مجملها ومما يتضح من الكتاب فإن سياسة السودان الخارجية –في أغلب الأحيان- كانت تدارعلي أسس معاكسة تماما لوظيفة العمل الدبلوماسي من أنه أحد أذرع العمل السياسي القاصد لتعظيم مصالح السودان. وفي أحيان كثيرة ، وعلي مر الانظمة التي عاصرها المؤلف، كانت هنالك أمثلة ساطعة لرهن مصالح البلاد لرغبات ومصالح دول أخري وفقا لتوجهات القابضين علي السلطة وأحزابهم وعلاقاتهم مع تلك الدول. لنأخذ بعض الأمثلة الدَّالة عي بعض ما ذكرنا والتي جاءت في الكتاب:

    – تم إغتيال مهدي الحكيم-المعارض العراقي الشيعي في يناير 1988 في بهو فندق هيلتون بالخرطوم”وأجمع الشهود الحاضرون أن القاتل أفرغ مسدسه في القتيل وخرج بثبات الي سيارته التي تحمل رقم السفارة العراقية واتضح أنه أحد دبلوماسيي السفارة” 134. إختلف حزبا الإئتلاف الحكومي (حزب الامة  مناصرا لإيران والاتحادي للعراق). وبينما سعي حزب الامة لرفع الحصانة عن الدبلوماسي لمحاسبته تمسك الاتحادي بالحصانة إرضاء للعراق كما يقول الكاتب. واستمر الخلاف حتي تم تهريب الدبلوماسي عبر مطارالخرطوم. وراجت اتهامات بتواطؤ وزير الخارجية الاتحادي حينها الدكتور مامون سناده في عملية التهريب. ولكن من الواضح هنا أن السيد رئيس الوزراء لم تكن له الارادة السيايسة اللازمة أوضعُف أمام إتخاذ القرار السليم وهو ما يحسب عليه.

    – خلال فترة الديمقراطية الثالثة أيضا كانت هنالك تدخلات من القوات الليبية في شمال دارفوررصدتها الاجهزة الامنية وطالب وزير الدفاع (مستقل) ووزير الخارجية (اتحادي) بتصعيد الامر ضد القذافي ويقول الكاتب “لكن محاولاتهم كانت تصطدم أو تقف عند السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء ووزراء حزبه الذين يقفون ضد التصعيد بحكم ما يربطهم من علاقات مع القذافي”. ويلاحظ هنا (وسيتكرر) أن سياسة السودان الخارجية كانت مرهونة بعلاقات الحكام وأحزابهم مع دول أخري ، وأن تلك الدول مصالحها مقدمة علي مصلحة الوطن.

    – في إطار الارتهان لدول أخري طلب السيد علي عثمان النائب الاول من السفيرعطا الله بعد إنتهاء دورته الاولي في “الايقاد” عام 2004 أن يترشح لدورة ثانية ، وعندما تحدث الأخير للسيد مصطفي عثمان وزير الخارجية ليقوم باللازم من تحرير الرسائل للدول الاعضاء فاجأه الوزير بأن وزير الخارجية الكيني “والذي يحترمه كصديق ولايمكن أن يرفض له طلبا (هكذا!)” قد طلب منه أن لا يتقدم السودان بطلب التجديد لإعطاء الفرصة لكينيا. ليس هذا هو الغريب ولكن السيد الوزير لم يعمل بتوجيهات النائب الأول ولم يوافق علي التقدم بالترشيح لمواطنه حتي اضطر لذلك عندما رشحت ارتريا السفير عطا الله وقامت إثيوبيا بتثنية الاقتراح ،وهو ما ليس متعارفا عليه بروتوكوليا ، فاضطر السيد الوزيرالي عدم الإعتراض علي الترشيح.

    – كان الدكتور غازي صلاح الدين رئيس الوفد الحكومي الذي انجز اتفاق بروتوكول مشاكوس 2002 متمسكا بأن الحدود مع الجنوب هي  حدود 1956 وهي المتفق عليها في مشاكوس. يقول السفير عطا الله أنه وقبل يومين من مؤتمر لوزراء الايقاد في اكتوبر 2003 اتصل به الوسيط الكيني ورئيس لجنة الوساطة الجنرال سيمبويا وطلب منه الاتصال بالدكتور غازي ليثنيه عن تشدُّدِه ومواقفه المتصلبة في المفاوضات. والسبب أن الحركة كانت قد تقدمت وبصورة مفاجئة  وطالبت بادراج منطقتي جبال النوبة والنيل الازرق و ومحلية أبيي كجزء من اراضي الجنوب خلافا لما تم  الاتفاق عليه في مشاكوس فرفض غازي. أكد عطا الله  للجنرال سيمبويا أنه سيقابل الرئيس البشير في اليوم التالي . ولكنه فوجئ في مساء اليوم التالي باصدار رئاسة الجمهورية بيانا مقتضبا بإعفاء د. غازي و تعيين السيد علي عثمان محمد طه بديلا له. ويقول الكاتب اتضح أن سيمبويا الوسيط  الكيني المفترض فيه الحياد لم ينتنظر وإنما مارس ضغوطا عبر رئيسه علي الرئيس البشير لإقالة غازي، وتم ذلك وفق الطلب. ونلاحظ هنا أيضا خضوع القرارات المصيرية التي تمس مصالح البلاد لأراء وضغوط دول أخري لها مصالحها التي لا تتطابق ومصالح السودان،  علما بأنه كان الاوفق ممارسة الضغوط علي الحركة التي خرجت علي البروتوكول الذي وافقت عليه في مشاكوس، ولكن من يهن يسهل الهوان عليه.

    . من ناحية أخري كانت تتخذ بعض القرارات بناء علي معلومات سماعية أو دون دراسة أو مشورة وأحيان بمبادرات من خارج وزارة الخارجية ودون علمها، غض النظر عن تكلفتها السياسية والاقتصادية. ولنأخذ أمثلة علي  عشوائية بعض القرارات أيضا:

    – في مايو 1983 تم إغلاق 23 سفارة بحجَّة تخفيض النفقات وهي تمثل 50% من بعثات السودان في الخارج بايعاز من بدرالدين سليمان وزير المالية. لم تدرس الفكرة ولم تتم استشارة الوزارة التي تسلمت القرار فجأة وأجبرت علي تنفيذه في خلال شهرين. وفي هرولة التنفيذ تُركت مقار ودور السفارت وهي مدفوعة الإيجار سلفا وبيعت ممتكاتها  بثمن بخس (بما حصل) وترك بعضها علي قارعة الطريق كمخلفات غير مرغوب فيها. لكن و”بعد ثلاثة أشهر تمكن الوزير (محمد ميرغني) من مفاتحة الرئيس نميري وتم إعادة فتح ثلاثة سفارات ثم إعيد فتح السفارات الاخري تدريجيا خلال عامين و كأن شيئا لم يكن.” ص119

    – يقول عطا الله ، قبل يوم  من تقديم اوراق إعتماده سفيرا بالمملكة العربية السعودية تم تعليق الموعد وذلك لظهور تعليق من وزير الدولة بالخارجية حينها  د. غازي صلاح الدين  في صحيفة “الواشنطن بوست” الامريكية وصف فيه النظام في السعودية بأنه نظام متهالك ، وأن “نظام الانقاذ في السودان قد حقق أهدافه بالسودان وبصدد التوجه إلي الدول المجاورة لإصلاح نظمها”-أي تصدير الثورة وزعزعة الاستقرار في المنطقة. فطلبت السعودية الاعتذار الفوري وقامت الحكومة بالمطلوب “طوالي” ولكن تم تعليق الاعتماد لاكثر من نصف عام.

    -عند نقله إلي هولندا وجد السفير عطا الله حساب السفارة “مكشوفا” والسفير السابق سلَّم المنزل لصاحب العقار دون اخطار السفير الجديد ودون إخطار السفارة فاضطرهو لايجار شاليه بغرفتين بايجار بخس حتي ينجلي الوضع. وبعد اسبوعين من وصوله تسلم برقية من وزير الدولة مصطفي عثمان يقرِّر فيها نقله فورا الي الخرطوم.  اتضح أن الوزير قد “سمع” بأن السفير قد استأجر جناحا فاخرا في أحد الفنادق بدلا من منزل السفير” وأصدر القرار دون أن يستوثق من مصدر أخر. بعد ثلاثة أيام –وبعد أن تبيَّن خطل القرار-استلم السفير عطا الله اعتذارا “شفهيا” فقط من الوزارة وتم الغاء النقل ، لكن الوزير ظل صامتا.

    أما في مجال “الدبلوماسية الرسالية “وتصدير الثورة العقائدية ، دون مراعاة للتكلفة الباهظة لزعزعة أمن دول الجوار، فيذكر الكتاب مثال سفارة السودان في السعودية:

    في عام 1995 وافقت السعودية علي تعيين السفيرعطا الله والتي تم ترشيحه لها (كسفير مهني)،  وذلك بعد أن رفضت المملكة  قبله عددا من السفراء الرساليين رشحتهم الحكومة منهم (مهدي ابراهيم، احمد عبدالرحمن ، عبدالله أحمد عبدالله، العميد سليمان محمد سليمان وشرف الدين بانقا). لم يكن رفض أولئك السفراء بدون سبب. فقد ذكر الكاتب أنه عندما تمت الموافقة وتم نقله وآخرين في عام 1995 إلي مواقعهم نُظِّمت لهم دورة تنويرية عن مهام السفير الرسالي كما نُظِّمت لهم مقابلات مع عدد من الوزراء والمسئولين كان آخرهم الدكتور حسن الترابي أمين عام المؤتمر الشعبي الاسلامي العربي. في نهاية المقابلة طلب الدكتور الترابي  منه ومن زميله القنصل العام بجدة الجديد البقاء . وفي اللقاء أخبرهم ، من بين أشياء أخري، “أن لديهم كمؤتمر شعبي (والذي هو أمينه العام) وكنظام اسلامي نشاط واسع و”سري” مع بعض القيادات المعارضة السعودية وتحديدا د. المسعري المقيم بلندن والشيخ العودة المقيم بالرياض وبعض الشخصيات الاسلامية الاخري ، وأن هذا النشاط لاعلاقة له بالسفارة أو القنصلية ولكن لديهم أفراد في طاقم البعثة يشكلون حلقة وصل مع أولئك السعوديين.” ص 156. أي أن السفير لا يعلم بمهام بعض مرؤسيه المزروعين كدبلوماسيين بل ولا يعرف حتي من هم؟. ربما كان السعوديون يعلمون أو كانوا علي قدر من الشك عظيم.لماذا؟

    سمع السفير من المسئولين السعوديين خاصة الأمير سلطان الذي كررعلي مسمعهكثيرا أن الترابي “شخص لا يؤتمن” ، وشاهدهم علي ذلك أنه قد تزعم وفدا من بعض قادة الاسلاميين العالميين اجتمع بالملك فهد وأعلنوا إدانتهم لغزو الكويت والتزموا بالتوسط وإقناع صدام بالانسحاب ولكنهم ما إن وصلوا بغداد في اليوم التالي حتي خدعوا الملك و أعلنوا للعالم وقوفهم إلي جانب صدام. انتهي. وهو ما يعني أن موقف السودان اللاعقلاني يومئذ بتأييد الغزو كان موقفا للتنظيم العالمي للاخوان المسلمين وليس وفقا لأي مصالح وطنية.

    في اطار مفاوضات نيفاشا أوضح السفير عطاالله أن الحكومة قد ارتكتب عدة أخطاء وهي ما أدي إلي الانفصال : منهاأن الحكومة قد طلبت هي وليس غيرها تدويل قضية داخلية، علما بأن القوانين والاعراف المتبعة تحرم تدخل الدول الاخري في قضايا داخلية، ومنها أن الحكومة قد اختارت “الايقاد” وهي منظمة ضعيفة وعضويتها من دول معادية للسودان –علي الأقل وقتها- ولها مصالح ضد مصلحة السودان ، بل وهي مؤيدة للحركة، وكذلك أصدقا “الايقاد” الذين تحولوا الي شركاء بتمويلهم للمفاوضات ثم الي مُلاَّك لها وهم أيضا مُعادون للسودان في مجملهم.

     لكن لم تفت علي السفير ملاحظة أن الحكومة نفسها ربما لم تكن حريصة علي الوحدة ، بل علي العكس يبدو أنها كانت “مرتاحة” لاحتمال الانفصال فيقول “ويمكن القول بأن حكومة الانقاذ قد تعمًّدت التساهل والتنازلات في مسألة تقرير المصير لصالح الحركة لضمان انفرادها بالشمال الاسلامي” 269 و، كذلك قوله” ويبدو أن المؤتمر الوطني والحركة الشعبية قد استبطنا واستهدفا الانفصال للاستئثار بالسلطة علي حساب السودان الموحد رغم وجود الخيارات الاخري”. ويضيف ” في تقديري  إن الحكومة كانت تبطن قناعة واستراتيجية سرية لفصل الجنوب قبل مبادرة “الايقاد” إذ بادرت بفكرة وخيار تقرير المصير في اتفاق فرانكفورت في 1992 علي الحاج-لام أكول”.ص 275. علي كل تلك هي آراؤه التي قد يختلف فيها معه دهاقنة الانقاذ ولكن الدلائل كثيرة علي عدم حرص الحكومة ،ولا نقول غفلتها ، عن النتائج الحتمية للاتفاقية.

    ما سبق ليس عرضا وإنما قراءة وإيراد لبعض ما ورد في كتاب ممتع وكاشف لعشوائية سياستنا الخارجية حتي من قبل الانقاذ ، كما أنه يملأ بعض الثغرات في فهم لماذا نحن في هذه الهوة. ولماذ لا نكون إذا كانت سياستنا الخارجية –في الغالب الأعم -تفتقر إلي المؤسسية و مرتهنة لدول أخري ولأهداف بعض الاحزاب والتي قد لا تتطابق ومصالح السودان ، بالاضافة إلي أن اتخاذ القرار في الوزارة المنوط بها الأمر يعتمد إما علي مزاج الوزير أو علي مراكز قوي ذات تأثير علي الرئيس أيا كان.

    في تقديري فإن الكتاب ، وبعد مراجعة بعض الهنات والأحكام التي تحتاج الي حيثيات أكثر،  سيكون مرجعا هاما ليس فقط لطلاب العلوم السياسية وإنما أيضا للأحزاب السياسية التي ربما تري أنه يمكن أن يكون مرشدا هاما لها حول فهم أساسيات السياسة الخارجية ودورها المحوري في استقرار البلاد وتنميتها.

    السفير عطا الله حمد بشير، “الله يقدِّرنا علي جزاك”. ده كتاب عجيب.

    صديق أمبده

    أول أغسطس 2017.

     

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    2 تعليق على “عشوائية السياسة الخارجية في ربع قرن : ولا ينبئك مثل خبير”

    1. مامون الملك في August 1st, 2017 3:23 pm

      الدمار الذى حدث فى وزارة الخارجية حدث وينفس المقدار فى كل وزارات الدولة

    2. محمد المكي ابراهيم في August 2nd, 2017 11:35 pm

      عبرت عن اعتزازي بزميلي السفير عطا في مناسبة اخرى ولكنني معنز ايضا بصديقي دكتور صديق امبدة ليس فقط لانه حامل المسك بل لمعرفته الدقيقة بمواصفات تلك البضاعة الثمينة فاستطاع ان ينتقي لنا منها كل طيب وكل فواح لعلمه بمشاكل الىشر والكتابة لامة نصفها مهاجر ونصفها الاحر محروم.وبهذا القران السعبيد بين المرلف والناقد تنمو وتتعاظم سعادتنا بالاثنين

    لا تتردد في ترك التعليق...