السبت  19  أغسطس  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • كان للثقافة دار أمام القصر الجمهوري

    July 31, 2017  

    (محمد المكي ابراهيم)

    كان للثقافة دار أمام القصر الجمهوري

    محمد المكي إبراهيم

    لا ادري اين راحت تلك الدار ومن يحتلها الآن من الهيئات والمؤسسات أو الأفراد ولكنني أطلب من الذي له علم بما حدث لهذه الدار ان يضيف لهذا المقال هامشا صغيرا يوضح ما صارت اليه تلك الدار .

    كانت تقع على شارع الجامعة خلف وزارة التجارة (القائمة حتي اليوم ) ويفصلهاعن القصر الجمهوري عرض الشارع (أي عشرين مترا بالتقريب). ويقابلها على ضفة الشارع الاخرى الكنيسة الانجليكانية الملحقة بالقصر والتي تحولت مع الازمان الى شيء آخر لا ادري كنهه ومن جديد اطلب من المحرر ان يفيد.

    كانت بناية كولونيالية صغيرة على هيئة من الجمال المعماري بلونيها الابيض والاحمر الداكن وحديقتها الواسعة ذات النجيل الاخضر كانت هي المنتدى الحقيقي اذ كانت مقاعدها تخرج في العصاري في الايام العادية وتنتظم قي حلقات حول مناضدها الخشبية او تنتظم في صفوف متلاصقة حين يكون هنالك محاضرة او ندوة .

    داخل الدار كان هنالك عدد من الغرف- ثلاثة او اربعة وصالة واسعة مؤثثة بكراسي فوتيل أي من النوع الواسع العريض وارائك من نفس الطراز ورفوف وزجاجيات وكانت المكتبة في احدى تلك الغرف وهي مجموعة من المراجع غير القابلة للاستلاف.

    اخذني الى تلك الدار صديقي وتوأم روحي الاستاذ عثمان سنادة الذي اشتغل لاحقا بالصحافة تاركا كتابة القصة التي كان شديد البراعة فيها

    قال لي:ستنعقد ندوة لمناقشة ديوان “أصداء النيل” لعبد الله الطيب

    قلت اين

    قال في دار الثقافة

    قلت اين هي دار الثقافة؟

    كان سنادة يمتاز عنا جميعا بحبه للمشي واسراعه فيه حتى ليصعب علينا نحن اصدقاؤه الكسالى ان نماشيه فبعد الخطوات الاولى تجد انه صار يتقدمك وتضطر لرفع صوتك ليسمعك وحين تتمدد المسافة بينك وبينه بسبب من خطواته الواسعة وغرامه بالاندفاع عملا بالحكمة العمرية القائلة:الرجل اذا مشى اسرع واذا تكلم اسمع فاذا به قد وقف ينتظرك على سبيل الرحمة لك والرأفة بك وهنالك تتبادلان عتابا من نوع:

    • طاير كده لاحق شنو

    فيقول: لستم شبابا وانتم تقدلون هكذا.. الشاب من يمشي مشيتي هذه.

    لااذكر اين التقينا ولكننا وصلنا دار الثقافة معا واخترنا مقاعدنا في وسط الجمهور الذي راح يتقاطر على الدار.

    كان هنالك محمد محمد على الشاعر الناقد ومعلم اللغة العربية في الثانويات يقابله او يشاركه التقديم الاستاذ كمال شانتير المحامي وكان واحدا من ابرز الوجوه الثقافية لزماننا.

    هاجم الاستاذ محمد شعر عبد الله الطيب واتهمه بالصنعة وتقمص الشعراء القدامى والنسج على منوالهم بصورة افقدت شعره صفات المعاصرة والتعبير عن المجتمع الذي يعيش فيه

    ولم يكن شانتير اقل عداوة لذلك الشعر فقد قال عنه انه لايعبر عنه ولاعن جيله وانه لذلك لايهمه في شيء ولا يعنيه.

    نهض رجل عظيم الهامة يرتدي بذلة كاملة (دبل برس) ويحمل عصا ثقيلة ضخمة الكراديس (اتضح فيما بعد انه السيد اسحق الخليفة شريف )وقال كلمات لا زلت اتذكر بعضها فمنها قوله ان الشاعر يعبر عن النفس والنفس ظلام تنبعث منه جميع الانوار ! والشاعر ليس ملزما بالتعبير عنك او عن جيلك او جيل آبائك وختم حديثه قائلا:اما قلة أدب!

    ونهض للدفاع الشاعرالكبير محمد المهدي مجذوب ولا اتذكر حجته في ذلك الدفاع ولكن الاستاذ محمد محمد على عزاها الى القربي بين المجذوب وعبد الله الطيب وكان يقول للمجذوب انت وابن عمتك لاتستطيعان …لا تفعلان او تتركان وكان عليه سيماء الغضب بينما كان المجذوب هادئا وساخرا واحيانا غير جاد.وفي اليوم التالي انتقلت العركة الى صفحات جريدة الثورة التي كان يرأس تحريرها الاستاذ عبد الله رجب وكانت سخية بصفحاتها فقد كانت تصدر في ثمانية صفحات من القطع الكبير وكان الباعة الصغار يسومونها في الاسواق صائحين : البرش بقرش وقد دامت المناوشات القلمية بين الكاتبين ردحا طويلا ولا ادري هل توفر على جمعها وتحريرها احد الادباء السودانيين ففيها مادة غنية تضئ جوانب هامة من حيوات الادباء الثلاثة محمد والمجذوب وعبد الله الطيب.

    بعد ذلك بعقد من الزمان تعرفت على المجذوب بصورة شخصية وعرفت ان علاقته بمحمد محمد على تنطوي على انواع من الهزل والمزاح يريد بها المجذوب ان يستثير محمدا ويحمله على درجات من العنف الكلامي المستطاب.

    شهدت طرفا من تلك المداعبات حين اقام الوزير عبد الماجد ابو حسبو(وزيرالاعلام والثقافة حينها) اقام حفل عشاء في داره على شرف الشاعر نزار قباني فطلبوا مني ان اقرأ قصيدة من شعري واخترت ساعتها واحدة من قصائدي الزنزباريات والتي ادخلت فيها اداة التعريف على الفعل المضارع مثل قولي:

    الله من ذلك اليقتل واليحيى ويصنع الدوار

    فقال المجذوب لمحمد

    -انظر الى ولدنا هذا وكيف ادخل الالف واللام على الفعل..هل لك علم بذلك؟

    فانفعل محمد وقال له:انت الذي ليس له علم يا جاهل.. والله لو شئت لجئتك بمائة شاهد على ذلك.

    ولم تجمعني الطروف بالرجلين في مجلس واحد بعد ذلك المجلس لكن المجذوب كان في حنينه لصديقه المشاغب يخترع اخبارا عنه ايام غيابه عن السودان للدراسة في مصر وهي اخبار مختلقة لكىهاغاية في الطرافة .

    قلنا ان شانتير كان من المع الوجوه الثقافية في زماننا وكان في بداية امره وجوديا مثله في ذلك مثل النور عثمان ولاشك انني احتذيت حذوهما حين انتميت الى التيار الوجودي في مرحلة من مراحل حياتي قبل سفري للدراسة في فرنسا فهنالك وجدت ذلك االتيار قد اختفى بريقه وصار جزءا من تاريخ الثقافة الفرنسية المتنوع الثراء كما اكتشفنا ان الكثير من الاخبار التي قرأناها عن الوجودية في صحف بيروت والقاهرة كانت بابا من ابواب التزيد والاغراب الصحفي.

    جاء كمال شانتير الى القاعة ( ون او تو) 102 بكلية الاداب بجامعة الخرطوم وألقى محاضرة رفيعة المستوى عن الوجودية وامتعنا بل وتحدانا وهو يشرح الفرق بين قول الخواجات moral-immoral –amoral وتعريبهااخلاقي ولا اخلاقي وغير اخلاقي وهي فائدة اجتنيناها من خريج لجامعة القاهرة وكان مظنونا ان خريجي تلك الجامعة لايحسنون الانجليزية فأثبت العكس .

    وكان ذلك بداية لمعرفة اعمق كان قطب رحاها صديقنا وصديقه بنفس الآن الاستاذ الفاتح التيجاني (عليه رحمة الله) رئيس تحرير صحيفة الرأي العام ووكيل وزارة الاعلام فيما بعد.وقد التقيت بكمال في مكان ما بالخرطوم عام 2015 فذكرته بنفسي ولكن دون فائدة فاستشهدت ببيت للمجذوب يصف فيه احواله بعد انتقاله من الدامر الى الخرطوم التي أنسته مدائح آله الشاذلية في مدح الرسول الكريم من قوله:

    ومحا مديح الشاذلية ماحي

    وفي ذلك العهد لم نكن من محبي عبد الله الطيب فقد كان ديوانه الاول ممقوتا لدى الكثيرين ولم يبدأ حبي لشعره الا متأخرا بعيد رحلته الى طشقند ومطالعه الجرولية اللاحقة:

    يا دار مية ذات المربع الشاتي بين الربي والرياض السندسيات .. وأوان ذلك وقفت على اطراف مما يكنه له الادباء العرب من التقدير.امل دنقل طلب مني المرشد لاشعار العرب وصناعتها واستاذ جامعي عراقي يقول ان طريقته في تدريس العروض هي الاجدى والافضل.وكانت روحه قد صفت وراقت ومع ذلك لم يصحبني في مهجري سوى ديوانه الاول وتعلمت ان احبه واهتف معه :

    -صاح الغلام الشايا

    وغسل الكباية

    ومنه ايضا قوله:

    امس كنا في ام دجاج

    بين موار العجاج

    والعرشكول منيف واقف بين الفجاج

    وأظنني تعلمت محبته من اخي علي المك ومن تلامذته المخلصين.ولم اجد في كوني شاعرا مجددا ما يمنعني من محبة شعره وامثولته في الحياة. فليس ضروريا ان نتماهى مع من نحب وقع الحافر على الحافر.

    وكان هنالك التجاني يوسف بشير وفيه عذوبة ورقة جعلتني احفط الجزء الاكبر من ديوانه .

    وفي عام 1957 اجتمع لفيف من الادباء وعقدوا سمنارا لدراسته ونشروا ابحاثهم في كتاب لا زال مرجعا مهما لدارسي ذلك الشاعر العظيم.اما الان فقد تلاعبت بديوانه المطابع البيروتية وحشدته بالاخطاء الطباعية وحتى الآن لم يهب لنجدته احد وفي مؤتمر الشارقة الاخير التقيت بالفنان السوداني عامر نور وعرفت منه انه يملك نسخة قديمة من ديوان اشراقة ربما تكون هي الطبعة الاولى القليلة الاخطاء وانوى متى وجدتها ان اعرضها على شعراء الكتياب من اولياء الدم ليروا فيها رأيهم واعني عبد القادر وعبد المنعم الكتيابي ومجتبى. فلنسأل الله التوفيق.

    كان ذلك الوضع المميز للثقافة والمثقفين امتدادا لسياسة الزعيم الازهري في تحرير السودان فقد كان يرى ان التحرير يبدأ بالمثقفين وكذلك النهضة في مختلف المجالات ومعروف عن عهده الزاهر انه اعطى الفرصة لكل مهني في السودان لينال منحة دراسية ويذهب الى بريطانيا يتلقى فيها العلم والمهارات سواء كان من المعلمين او الاداريين او سائقي القطارات .وبعد سنوات حكمه الاولى توقفت تلك السياسة واصبحت البعثات حصرا على اوائل المتعلمين.

    غاية القول ان الثقافة كانت عزيزة الجانب في الزمن الجميل فكانت دارها اقرب الدور الى قصر الحكم وكان ناشئتها بين المدعوين للعشاء في منازل الوزراء والكبراء. ويذكرني ذلك بزيارة دنيس جونسون (مترجم موسم الهجرة الى الشمال) لزيارة السودان بدعوة من الزعيم الازهري.. ولم يكن هنالك برنامج دقيق للزيارة فظل الرجل محبوسا في القراند هوتيل بلا شغل ولا مشغلة حتى اضطره السأم لجمع حوائجه مقررا الرحيل

    و هنا بدأت التلفونات تتخابط – الصلحي لانقاذ الموقف واستدعاني المغفور له حسن أبشر لمؤانسة الرجل في الفندق

    ويروي الصلحي انه لم يأكل او يشرب في ذلك النهار فمن محل عمله هرع للقراند بسيارة جيب اخذ فيها الضيف الى ام ضوا بان وحمد النيل وآنسه ولاطفه وقشع عن وجهه غلالة الضجر السوداء.فتأمل كيف حقت علينا قولة كل عام ترذلون وكيف ابدلنا الله عن اولئك الافاضل بامثال ام صيقعون .

    يلاحظ على حديثي هذا اقتصاره على الشعر دون بقية ابواب الثقافة السودانية وربما كان ذلك مفهوما على ضوء التقديم الذي يجده الشعر في الثقافة العربية وقد نبهني لذلك الاخ العزيز فتحي عثمان احد محرري هذا السفر الرشيق فرايت ان اضيف الى شهادتي بعض الملاحظات والذكريات عن الفنون الاخرى وما كانت تجد من الرعاية والتقدير في حقبة الزمن الجميل.

    كانت القصة والرواية محط الاهتمام من مثقفي الفترة باعتبار انها ابواب غير معروقة في الادب السوداني وربما كان أبلغ تعبير عن ذلك التقدير هو ذلك الذي نهض به الاستاذ الجليل عثمان على نور إذ اضطلع وحده بانشاء مجلة للقصة تتابع اخبارها وتنشر جديدها وتعرف بكتابها من السودانيين وكل ذلك من جيبه الخاص ولن نعرف ابعاد ذلك العمل الطوعي الا اذا عرفنا ان الاستاذ لم يكن من ميسوري الحال وانه كان يقتطع من رزقه القليل تكاليف الطباعة والتوزيع.

    زارني بمكتبي بالخارجية على عهد النميري والزمن الجميل في نهايات عمره بالسودان وكنت على سابق معرفة به ولكنه كان قد تقدم في العمر وزادت مظاهر الرقة واللطف على محياه النبيل وكان يناديني محمدا باسمي الاول ويسألني هل هنالك من عباقرة الموسيقى من انصح له باستماعه.ولم اكن اعرف الكثير عن ذلك الموضوع فقلت له عن الفرنسي رافيل فقال انه يعرفه ثم دندن بالمقطع الرئيسي لعمله الموسيقي الشهير. ورويت له اطرافا عن التشيكيين إسماتانا ودفورجاك وانفعل كثيرا حين قلت له ان سمفونية الاول تتابع نهرا وتصور ما يجري على ضفتيه من افراح العمل والحياة ولعل ذلك تأكيد على غرامه بالقصة حتى في الاعمال الموسيقية.ولقد كان ذلك آخر عهدي بذلك الانسان النبيل.

    في بدايات استقلال السودان كتب الاستاذ خليل عبد الله روايته الشهيرة التي عنوانها “انهم بشر” وتدور احداثها في الحيز المكاني المعروف في امدرمان باسم فريق العمايا غربي ابكدوك وقد كانت الرواية مصدر فخر لسودانيي تلك الايام وسرعان ما عمدوها كبداية للفن الروائي في السودان وأصبح كاتبها احد اعمدة الكتابة الروائية في السودان ورائدها الاول ولكن يد المنون كانت اسرع في اقتطاف وردة حياته وكان رحيله مصدر الم لكل متأدبي البلاد.

    كاتب آخر اعتبره من الرواد الاوائل للكتابة القصصية في السودان هو الكاتب شوقي بدري الذي نشر في اوائل السبعينات عملا روائيا ممتازا نوهت به في عديد المرات وهو رواية ” الحنق ” ومحورها الرقيق المحرر الذي اطلقه الانجليز من قيوده ولكنهم تركوه في الاحياء الطرفية يحاول اثبات ذاته بشتى الطرق انطلاقا من اعمال الفتونة (كبس الجبة) الى اعمال الاجرام الصريح . كما اهتمت مجلة القصة بشباب الكتاب والنقاد وعلى صفحاتها النبيلة سطع نجم كتاب القصة السودانيين:الزبير وخوجلي شكر الله صاحبي مجموعة النازحان والشتاء كما لمعت اسماء عثمان الحوري وكنا نعتبره عبقرية سودانية مبشرة ومحمود محمد مدني وعبد المنعم ارباب وكنت شخصيا اعتبره النجم الاكبر في عالم القصة ومن اجيال القصاصين الاول كان هنالك حسن الطاهر زروق ولم تمنعه نجوميته السياسية من تعاطي فن القصة والترويج له قبل غيره من الفنون وفي تلك الفترة ايضا طبعت رواية ملكة الدار محمد بعنوان ” الفراغ العريض ” التي لا زالت معاصرة باعتبارها كشفا عميقا لاغوار الذات النسائية السودانية وما تعاني المرأة من حياة ناقصة لايحررها منها الا الزواج مقترنا بالتقدم في العمر.

    في تلك الايام كان محور اهتمام كتاب القصة والرواية هو فقراء المدن من الذين سقطوا من ثقوب الغربال الاجتماعي الكبير وهم فئة اقرب ما تكون للبروليتاريا الرثة التي افلح في تصويرها قدماءالاشتراكيين الروس امثال جوركي في كثير من اعماله.ولكن المدينة السودانية وسكانها لم يجدوا ما يستحقون من الاهتمام ومن تصوير فني لازماتهم ومشاكلهم مع الحياة المدينية الجديدة .

    في تلك الايام المثيرة ظهرت ايضا مدرسة الخرطوم في فنون التصوير والتلوين مستمدة جاذبيتها من صوفية الاستاذ الصلحي الذي كان يحاضر ويعرض في ردهات الجامعة وفي القاعة رقم 102 التي لعبت اعظم الادوار في تكوين الثقافة السودانية الجديدة. وكان الاستاذ الصلحي يحدثنا بلغة المتصوفة كيف كان يرى لوحاته في المنامات وكيف كان يتوضأ ليرسم اللوحة وكأنها باب من ابواب العبادة وكنا شديدي الايمان بذلك الفنان وكان من اكثر الناس ترويجا لفنه وعظمته صديقنا الفنان المرهف محمد عبد الله الريح (حساس محمد حساس) الذي طفق يرسم بطريقته مستخدما الوانه الترابية والخضراء التي كان يدافع عنها باعتبارها الوان السودان الحقيقية .وعن طريق تلك التصنيفات جرى تعميد الصلحي ايقونة للفن الحديث في السودان..

    وقريبا من عام 1966 تقاطرنا على باريس لنشهد معرضه الاول في مدينة النور ونقدم له كل ما بأيدينا من الدعم والاحتفاء.

    لقد كان منتظرا ان ينتهي الزمن الجميل بخيبة املنا في النميري وثورته ولكنه استمر على الساحة الثقافية بفضل رجل واحد توافرت له صفات الفهم العميق للثقافة والحرص على مصالح المشتغلين بها فاستطاع ان يبقي الجذوة مشتعلة صاحية حتى بعد خمود وهجها السياسي. ذلك الرجل الفذ هو الدكتور محمد عبد الحي الذي بفضله استمرت مهرجانات الثقافة تقام وتوفر للمبدعين فرصا غير مشروطة للعطاء والنماء.وتحت رعايته الحانية نشأت واستمرت مجلات ثقافية وطبعت كتب ودواوين ما كانت لترى النور لولا رعايته لحركة الثقافة وحدبه عليها.

    تكالبت على الشاعر المبدع كل اصناف البلاوي موجهة اليه كل اصناف النقد والانتقاص مما اسقطه فريسة المرض الذي اسلمه الى مفارقة الحياة مبكيا عليه من قبل عارفي افضاله ومقدري شاعريته وفي تقدير الكثيرين لا يوجد من خدم الثقافة السودانية مثله وليس له من ضريع سوى الاستاذ محمود عثمان صالح الذي قضى هو الاخر بنفس داء القلب بعد عمر مجيد في خدمة الابداع والمبدعين.

    لفترة من الزمان انتمى عبد الحي الى تيار الغابة والصحراءالذي بدأناه مع النور عثمان عقب لقائنا الاول بالعملاق الاوروبي ولقد ابلى عبد الحي احسن البلاء في تأسيس الحركة وشرح مرتكزاتها ومضى ابعد من ذلك حين كتب لها مطولته الشهيرة المعروفة باسم العودة الى سنار .

    وقد حاول بعض الكتاب العودة بها الى سنوات حداثته الشعرية مبتعدين بها عن تاثير الغابة والصحراء وليس ذلك سوى مغالطة محضة الادلة على بطلانها متوافرة لكل ذي عينين وبشهادة الشهود من معاصري الفترة. واحب هنا ان اذكّر الغافلين ان محمدا بشهادته الشخصية قد احرق اشعاره القديمة كلها وبدأ بداية جديدة في عهده الجامعي وانا اعتبر ذلك شهادة كبرى لشاعريته وقلقه الفني الذي يحفزه للهجرة المستمرة بين المقامات الشعرية العالية.

    صداقتي بمحمد منعتني من التعليق على خروجه من حركتنا والآن يمنعني رحيله المؤلم من التعليق باعتبار ذلك عدوانا على ذكراه لا يطاوعني قلبي على إتيانه .ولكنني في كل الاحوال اعتبر محمدا ركنا اساسيا في تيار الغابة والصحراء خاصة في طل الغياب المقصود للنور عثمان عن محافل الحركة ومعاركها وكان له في ذلك عذره المعتبر .ولفترة طويلة كنا انا ومحمد الممثلين الرئيسيين للحركة وبخروجه فقدت الشهية للاستمرار في التبشير بها او الدفاع عنها ولم اعد لسيرتها الا اوائل التسعينات حيث نشرتُ سلسلة من المقالات عن تشكل الحضارة السودانية الجديدة والتي نشرتها دار مدارك في كتيب بعنوان “في ذكرى الغابة والصحراء.”

    مسك الختام :

    لو سئلت عن الشخصية الفنية الاكثر تأثيرا في حقبة الزمن الجميل لما ترددت في تسمية الفنان عبد الكريم الكابلي بوصفه الشخصية الاكثر تأثيرا على كامل الحقبة فقد جاء الى دنيا الفن من بين صفوف المثقفين الموسوعيين متميزا عن الجميع بعمق ثقافته العربية والبريطانية مستوعبا التراث العربي ومتذوقا للابداع الشكسبيري ومتسلحا بمعرفة عميقة بالتراث السوداني شكلت حتى اليوم معظم ما يعرفه الجيل عن التراث الشعبي. وتحلى الكابلي بذائقة شعرية رفيعة ومختاراته الشعرية من اروع درر الشعر العربي مضافا اليها الحانه العذبة وصوته الرخيم وحسه الفكاهي منعدم النظير.

    كان الزمن الجميل زمنا رائعا تمتعت فيه الثقافة السودانية بالرعاية والاحترام والقربى من دوائر الحكم والادارة ولكنه ككل الازمنة لم يخل من منغصاته وعيوبه وعلى رأسها صعوبة النشر الثقافي وارتفاع اسعاره وبوسع الباحث وضع كتاب كامل في شرح الملابسات السعيدة التي ادت الى نشر بعض الاثار الثقافية فقد نشر ديوان عبد الله الطيب ونار المجاذيب وديوان أمتي بقرار حكومي للجنة النشر التي أنشأها الوزير عبد الماجد ابوحسبو ولولاها لما رأت تلك الاثار اضواء المطبعة. وواضح اعتباطية ذلك القرار الذي جمع بين آثار متفاوتة سنا وتجربة في موعد واحد للصدور. وللشاعر صلاح احمد ابراهيم قصص مماثلة في صعوبة نشر دواوينه البديعة اقتضت تدخلا مساعدا من الدكتور احسان عباس مع الناشرين البيروتيين.والواقع ان هنالك قصصا مشابهة لكل الاثار التي حالفهاالحظ ووجدت طريقها للنشر في الزمن الجميل وعلى رأسها ” قصائد من السودان ” الديوان المشترك للشاعرين تاج السر الحسن وجيلي عبد الرحمن.. إلا ان هنالك وجها للاختلاف بين الحقبتين هو مقدار الترحيب والتعليقات بل والدراسات التي كانت تحظى بها منشورات الزمن الجميل على حين تمر منشورات هذا الزمان دون تعليق ودون دراسة وتقييم.. وباعتقادي ان ذلك عائد الى روح الاستقلال حيث راح الافراد والجمهور يشيدون بنيان الوطن يقبلون على صناعة الوطن المستقل طوبة بعد طوبة وبوعي كامل بانهم يبنون وطنا جديدا وذلك على عكس العصور اللاحقة حيث سبقت العروبة كل العالم الى حياض العلم والمعرفة و حيث ادخلوا الاسلام في المباراة الحضارية فسبق الدنيا كلها الى كل جديد. والفرق واضح بين ان تدخل المباراة الحضارية بنفسك او تترك العروبة والاسلام يدخلانها باسمك ونيابة عنك بينما تنام ذاتك الحضارية انت وبني قومك في عسل الاحلام باعتبار ان خولة بنت الازور هي خالتك في الرضاع وجابر بن حيان زميلك في الصف.

    حورب عبد الحي حربا لا هوادة فيها لكونه تقلد منصب وكيل وزارة الثقافة في عهد النميري وكان كثيرون من ادعياء المعارضة يرون في ذلك دعما للنظام لا يليق بمثقف طليعي . وفي ذلك مغالطة واضحة فان مهام التنوير والبعث الثقافي هي تهديد لكل دكتاتور وتقليل من شأنه وانهاك لقواه.وغريب ان يقال ذلك عن المجال الثقافي ولا يقال عن ألوف الموظفين والجنود والشرطة ممن يخدمون النظام بصورة مباشرة دون ان يتعرضوا للوم او تثريب وقد كان ذلك الحال هو الحال مع الدكتور بشرى الفاضل لمجرد استلامه جائزة مستحقة من يدي احد نواب البشير ومع رئيس اتحاد الكتاب لانه استقبل رئيس النظام في منزله ومع الشاعر صلاح احمد ابراهيم لاقترابه من النظام الاسلاموي في أول أيامه وقبل ان يعرف حقيقته وحين عرفها منا نحن اقرب اصدقائه اليه كانت يد الموت أسرع منا اليه رحمه الله وعطر ذكراه . وقد نالني بعض ذلك لكوني قبلت تكريما من اهل مدينتي(عروس الرمال) فقط لان التكريم تم على يدي والي الولاية .

    (منقول).

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    2 تعليق على “كان للثقافة دار أمام القصر الجمهوري”

    1. محمد المكي ابراهيم في July 31st, 2017 6:45 pm

      تنويه:فكرة كتاب عن الثقافة في الزمن الجميل تعود الى منتدى دال الثفاقي وكانت المفالة الحالية مساهمتي في السفر الموعود ويعود فضلها للدكتور فتحي عثمان والشاعرالقدال ومن معهم من اعضاء اللجنة المكلفة باعداد ذلك الكتاب-اذكر ذلك اعترافا بفضلهم وسبقهم

    2. فريد عبد الكريم محمد في August 3rd, 2017 11:36 am

      يا سلام يا ود المكي ذاكرة حديدية وسرد جميل لحقبة ذهبية في عالمنا الثقافي .
      لك التحية والتقدير .

    لا تتردد في ترك التعليق...