الجمعة  22  سبتمبر  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • عوض الحسن : في وداع أحمد التني

    May 3, 2017  

    (حريات)

    في وداع أحمد التني

    عوض الحسن

    يموت من تعرف فتحزن، ولكنه حزن ضحل يتبخر سريعا. ويموت من تعز، فيمتلئ قلبك بحزن عميق، مُمُض وحارق، لا يزول، ويختل ميزان حياتك وحيوات من يُعزّونه مثلك. هذا هو حالي، وحال الكثيرين، عند رحيل أحمد يوسف مصطفى التني، السفير ابن السفير؛ رفيق فاطمة لنحو نصف قرن من الزمان، أبو يوسف وأخته واخوانه؛ شقيق مصطفى وأخواته؛ صديق العديدين الذين بكوه بكاء اليتامى؛ محب الانسانية والسودان؛ راعي السودانيين اليتامى في المهاجر: دبلوماسيا شابا، وسفيرا مقتدرا لشعب السودان، وزميلا يحفظ العشرة وينثر الود أينما حل.

    كلما فكرت في صفة تصف اخي احمد لا اجد خيرا من وصف الراحل الطيب صالح: سودانيا (بالقديم): وطنيا مخلصا، شهما، طيب القلب، بسيطا، عفيف اللسان، ودودا، وفيا، حلو المعشر، صادقا وصدوقا.

    حزني على احمد حزن ذو طبقات. حزن شخصي خاص: سأظل افتقده دائما، افتقد صحبته ووده ووفاءه واهتمامه؛ وحزن جماعي مع الأصدقاء الذين فرحوا بعودته للسودان وبتجدد صحبته وتفقده الدائم لهم ولملاقاتهم رغم حالته الصحية. وحزن قومي عام يمثله افتقاد السودانيين له في الدوحة، وافتقاد السودان لعلمه وخبرته وتجربته وتفانيه وإخلاصه ووطنيته – خصال حرم نظام الجبهة القومية الإسلامية/المؤتمر الوطني/المؤتمر الشعبي السودان من الإستفادة منها كاملة إذ فصلوه “للصالح العام” (وهم لا يعرفون الصالح العام وإن لطمهم على وجوههم)، وهو في قمة عطائه وعنفوان كهولته، واستبدلوه بفاقدي التجربة والعلم والأمانة والمهنية والوطنية (ثم طفقوا، كعادتهم، يتحسرون على تردي الخدمة الدبلوماسية والعامة – كعادتهم، يقتلون القتيل ويمشون في جنازته، يذرفون دموع التماسيح!)

    لا أستطيع أن أفصل حزني على أحمد من حزني على البلد الذي أحبه وخدمه (إلى أن أقصوه من خدمته). كان رحمه الله مليئا بحب الوطن ومهموما بقضاياه، طالبا جامعيا، ودبلوماسيا داخل الخدمة، ومواطنا عاديا سخّر خبرته ومهنيته وتفانيه الذي رفضته حكومة بلاده لخدمة بلد آخر عرف قدره، فأكرمه. كنت أدرك أن أحمد، رغم الاستقرار والستر الذي كفلته له الإقامة والعمل في الدوحة، والسنوات الطويلة التي قضاها هناك (وهي أطول من مجموع السنوات التي قضاها في السودان)، يحنّ للسودان حنينا شديدا ويتطلع لليوم الذي يعود فيه ليواصل من انقطع من حبال المودة والأخوة والزمالة. لذلك لم أندهش كثيرا حين قرر أحمد العودة النهائية للسودان رغم أن ظروفه الصحية والأسرية كانت تستدعي البقاء في الدوحة.

    عاد أحمد للسودان واتبع برنامجا اجتماعيا محموما وكأنه يحاول تعويض السنوات الطويلة التي أبعدته عن أهله وأصدقائه وزملائه، وعن البلاد والشعب الذي أحبه. وفرحنا به وبعودته، هو وفاطمة ، ونحن نراه سعيدا بالعودة رغم علمنا بمعاناته ومخاطر بقائه في الخرطوم لاحتياجه للرعاية والمتابعة الطبية المستمرة.

    ولا تدري نفس بأي أرض تموت. لا شك عندي أن الله أحب أحمد يوسف مصطفى التني لعلمه بحب أحمد للناس والوطن والإنسانية، لذلك أكرمه بأن جعل مرضه الأخير ووفاته في السودان، بين أسرته وأهله واصدقائه وزملائه، وجعل مثواه الأخير في ثرى المدينة التي وُلد فيها. ويعلم الله أننا سنفتقده كثيرا وسنظل نذكره دائما، وندعو له دائما بالرحمة والمغفرة، ولفاطمة وأسرته الصغيرة والممتدة، ولنا جميعا، بالصبر الجميل.

    ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...