السبت  22  يوليو  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • جدل الديمقراطيَّة والعلمانيَّة

    April 30, 2017  

    (وائل السواح)

    جدل الديمقراطيَّة والعلمانيَّة

    وائل السواح

    1. قبل عشر سنوات ضمني اجتماع مع نخبة من المفكرين والمثقفين العرب الذين اجتمعوا في باريس لإعادة تأسيس موقع الأوان. بين هؤلاء المتميزين ثلاثة رحلوا مؤخرا عن ديارنا: العفيف الأخضر الذي نحتفي اليوم بتأبيد ذكراه وجورج طرابيشي، الأب الروحي لموقع الأوان، وصادق جلال العظم، آخر الراحلين الثلاثة، الذي مات وهو يناضل من أجل كرامة الإنسان وحريته. وبينهم أحياء نسأل الله أن يمد في أعمارهم، منهم عزيز العظمة وسيد القمني ومحمد الحداد ومحمد الهوني، وأخيرا وليس آخرا رجاء بن سلامة، التي استلمت مذاك وبجدارة دفة قيادة هذا الموقع المتميز. واسمحوا لي أن أبدأ بتقديم واجب الإجلال لذكرى الراحلين الثلاثة الذين عرفتم في مراحل مختلفة من حياتي
    2. أول من عرفت بينهم هو المثقف والمفكر الأبرز العفيف الأخضر، الذي التقيته في دمشق أواسط السبعينات من القرن الفائت. كنت وقتها تلميذا في الجامعة، و (مثل معظم أبناء جيلي) ماركسيا لينينا عنيدا. جاء العفيف كالعاصفة ونسف كل أفكاري عن ستالين ولينين وحتى ماركس وإنغلز. كان الرجل عاصفا في كل شيء: في ثقافته، وتجربته، وسلوكه اليومي، وشجاعته الفائقة. لم يكن يعبأ ببناء وشائج علاقة زمالة مع أحد، أو بمهادنة أحد. وحين ترجم البيان الشيوعي لم يتردد في وصف ترجمته بأنها “أول ترجمة عربية غير مزورة” وهاجم – ربما ليس من دون وجه حق – كل الترجمات السابقة. ولكن جرأته تتبدى أكثر من غيره في عدم التمسك بأفكاره حين يكتشف أنها لم تعد صالحة، فالماركسي الفوضوي المجالسي العنيف انتقل إلى مواقع فكرية أخرى، اقل تشددا وأكثر ليبرالية، وحين رحل عن ديارنا كان يركز على ما يلي: نبذ المواطنة السالبة (الرعية) وتأسيس المواطنة الموجبة التي تؤكد على المساواة المطلقة بين المواطنين؛ الفكر النقدي الذي ينتقل بالعقل من المسلم به إلى المناقش فيه؛ قطيعة جارحة مع التراث والتأسيس للفكر الحداثوي القائم على اكتشاف كروية الأرض ونظرية التطور واللاشعور.

    3.ثاني الرجال كان صادق العظم. حين تعرفت إليه سحرت ليس بواسع ثقافته ومعرفته (فقد كنت أرف ذلك من كتبه) ولكن بسحر شخصيته وطيبته وبساطته، ثم سحرت بعناده على تأييد الحق ومحاربة الباطل. وإذ تغير رؤية العظم كما تغيرت رؤية العفيف وطرابيشي، فإن الثابت لديه لم يتغير: حري الإنسان وكرامته والعدالة بين كل البشر بغض الطرف عن كل ما يميز بينهم. روى لي مرة الطرفة التالية (التي رواها مرارا لكل أصدقائه): ذات يوم دُعي إلى عشاء في مطعم النبلاء بدمشق، يحضره بعضٌ من كبار المسؤولين في الدولة. وعندما حاول الدخول إلى ساحة المطعم بسيارته السيتروين الصغيرة القديمة اعترضه أحد الحراس متسائلًا: إلى أين؟ قال صادق: إلى المطعم. قال الحارس ولكن هذا مطعم النبلاء. أجاب صادق: هل تعلم أنني النبيل الوحيد بين هؤلاء جميعًا؟ ولم يكن كاذبا، فه نبيل الأسرة ونبيل الثقافة ونبيل الطبع.

    4.وعلى النقيض من صخب العظم، كان طرابيشي هادئا خجولا وشديد التواضع. ورغم عناده الكبير إذا ما تعلق الأمر بالفكر، فإنه يستطيع أن يتنازل كثيرا في الحياة اليومية. ونعرف جميعا رحلة طرابيشي من الفكر القومي إلى الوجودية على الماركسية إلى الليبرالية. لكننا لا نعرف مثلا حساسيته الفائقة التي جعلته يعتكف الحياة والكتابة بعد ما تدهورت الأوضاع في وطنه بالشكل المأساوي الذي نراه اليوم. ولعل طرابيش قد رحل أبكر مما ينبغي بسبب هذا الألم الهائل الذي حلّ به. في أيار /ماي 2011، كتب جورج طرابيشي مقالة الأخير، وصمت بعده صمتا مخيفا. المقال، “سورية: النظام من الإصلاح إلى الإلغاء،”. كان محوره على أن سورية، المتعددة الأديان والطوائف والإثنيات، تقف بدورها على أبواب جحيم الحرب الأهلية ما لم يبادر النظام إلى إلغاء نفسه بنفسه. فغير هذا الإلغاء لا سبيل آخر إلى إصلاح سلمي يصون البلاد من الدمار. يقول جورج فيما بعد “بدلاً من ذلك امتنع النظام حتى عن الوفاء بالوعود في الإصلاح التي كان لوّح بها.” ثم أضاف: “يبقى أن أختم فأقول إن شللي عن الكتابة، أنا الذي لم أفعل شيئاً آخر في حياتي سوى أن أكتب، هو بمثابة موت. ولكنه يبقى على كل حال موتاً صغيراً على هامش ما قد يكونه الموت الكبير الذي هو موت الوطن.” ومات جورج.

    5.يجمع هؤلاء الثلاثة رابطان اثنان: فكر نقدي متحرر وإيمان عميق بالعلمانية باعتبارها أساس العدالة والمساواة والحريات الأساسية. وهذا يقودنا على لقاء 2007 في باريس لإعادة إطلاق الأوان. كان ذلك اللقاء نقطة مفصلية في مسألة غاية في الأهمية، تبدت أهميتها لاحقا في اندلاع ثورات الربيع العربي حيث تجلت تناقضات عديدة وثنائيات عديدة: الديمقراطية والإسلام، الديمقراطية والعلمانية، الديمقراطية والوطنية سبق ذلك اللقاء وتلاه سلسلة طويلة بين السجالات بين مثقفين عرب، بعضهم يعتقد أن الديمقراطية هي الإطاحة بسلطة الأنظمة القائمة وإقامة حكم الغالبية العددية، بينما يعتقد بعضهم الآخر أن هذا فهم قاصر للديموقراطية. فالأخيرة ليست فقط صندوق الاقتراع، على رغم أنها لا تقوم من دون ذلك. الديموقراطية، بالأحرى، هي ثقافة متكاملة تقوم على مبدأ صيانة الحريات الفردية الأساسية. وليست التشويهات التي تعرض لها هذا المفهوم على يد حركات التحرر الوطني وأنظمتها التقدمية والوطنية والقومية، وذلك بنسبتها إلى الشعبية أو الثورية أو الإسلامية، إلا إفراغاً كاملاً للمفهوم من محتواه.

    6.عندما كتب جورج طرابيشي دراسته “العلمانية كإشكالية إسلامية-إسلامية،” لم يتخيل أحد أن ما ذكره فيها من مجازر مرعبة جرت في التاريخ الإسلامي بين جماعات إسلامية متناقضة يمكن أن تتكرر بين ظهرانينا من جديد. ولكن سنوات فقط مرت لتثبت خطأنا وتثبت صحة نظرية الراحل الكبير. فما جرى مرارا في عالمنا الإسلامي وفي أوروبا المسيحية يجري اليوم في سوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان والبحرين بدرجات متفاوتة. وكما كانت العلمانية هي الحل في الصراعات الدينية في أوربا، سنعود لنؤكد اليوم على أن العلمانية هي الحل لإنهاء الصراعات الدينية والمذهبية في بلادنا. وسنعود من جديد لنطرح السؤال الذي طرحناه قبل عقد: هل هي علمانية أم ديمقراطية، أم ديمقراطية علمانية في آن معا؟

    7.تأخذ الديموقراطية الحديثة تعريفاً أوسع وأدق من تعريفاتها السابقة: فهي حكم الأغلبية وصون حقوق الأقلية. أما الفهم البسيط للديموقراطية باعتبارها حكم الأغلبية العددية فحسب فسوف تكون له نتائج كارثية كالتي نشهدها اليوم في العراق، إذ يعيش الآشوريون والسريان والكلدان واليزيديون والتركمان، بشكل خاص، قلقاً كبيراً على مستقبلهم الثقافي، بل والوجودي أيضاً، بسبب طغيان الأغلبية العددية، الذي نتج عن الديموقراطية الميكانيكية. ولسوف نشهد هذا الأمر في سوريا التي تركنا فيها بين خيارين: إما استبداد الأسد وأقليته المذهبية/الأوليغارشية، وإما استبداد الأغلبية المسيرة من قبل حفنة من أمراء الحرب ورجال الدين المتعصبين للانتقام.

    إدخال الانتخابات الحرة، إذاً، إلى البلدان التي ليس لديها رصيد كبير من الثقافة الديموقراطية، والتي عانت كثيراً من الحكم الشمولي والدكتاتوري، لن يكون كافياً لتحقيق نقلة من الدكتاتورية إلى الديموقراطية؛ فما هو مطلوب أيضاً، وبالتوازي مع الانتخابات، نقلة أوسع على صعيد الثقافة السياسية وتشكيل مؤسسات الدولة الديموقراطية. وثمة أمثلة كثيرة من التاريخ الحديث والمعاصر تثبت أن الانتخابات الحرة لم تكن دوماً ديموقراطية، الأيام الأولى للثورة الفرنسية على سبيل المثال، شهدت أكثر الانتخابات حرية، ومع ذلك فإن حمامات الدم والقتل والدسيسة وحكم الوشايات الأمنية لا يمكن وصفها بالديموقراطية! وثمة أمثلة أخرى من التاريخ، ومن العصر الحالي، ولعل أبرز مثالين هما إيران وأوغندا، والأولى على وجه الخصوص تتباهى بانتخاباتها الحرة، غير أن قلة قليلة يمكنها أن تجادل في أن إيران ليست بلداً شمولياً من الطراز الرفيع.

    8.والحال ان الديموقراطية نتاج من نتاجات الحداثة، ولا يمكن بحال من الأحوال فصلهما إلا بعملية جراحية، غالباً ما تكون فاشلة. وهي بصفتها كذلك لا بد من أن تكون، كأي منتج حداثي آخر، قائمة على أربعة أسس لا انفكاك بينها، هي العقلانية والعلمانية والعلم والانعتاق الاجتماعي، وفق تعبير عزيز العظمة. وتتأسس جميعها على قاعدة الحرية الفردية، وعلى قانون أسبقية الحق على الخير. فالحق واحد والخير متعدد، وهناك عدد لا يحصى من الطرائق المختلفة للوصول إليه. الصراع في داخل هذه التعددية، بنظر ليوتارد، فضيلة من فضائل الديموقراطية، ولا يمكن التضحية بها على مذبح الديموقراطية نفسها، وإنما بمأسسة هذا الصراع يتم ضمان عدم تحول النظام الديموقراطي إلى نظام أوتوقراطي. إن فرض عقيدة بعينها ترى أن ثمة طريقة واحدة لتحقيق الخير هو طغيان واضح، حتى لو جاء عن طريق صناديق الاقتراع. ولا شك في أن «ديموقراطية» تنتجها أغلبية قومية أو دينية أو عشائرية أو طائفية، لا يمكنها أن تكون في أحسن الأحوال إلا «ديموقراطية إجرائية» وفق تعبير عادل ضاهر. وهي ديموقراطية ستؤدي في بلداننا في أحسن إلى تهميش المرأة وفصل الصبية عن البنات في المدارس والجامعات، ومنع تدريس دارون في المدارس. أما في أسوأها فلدينا نماذج داعش والقاعدة وما يسمى زورا الإسلام المعتدل في سوريا.

    وأسوأ من ذلك، ان احتكار الخير من قبل عقيدة واحدة يعني حرمان أفراد من المجتمع من ممارسة حق من حقوقهم المركزية، وهو ليس فقط الاعتقاد بما يشاء وفي أي دين يشاء، ولكن أيضاً حقه في تغيير دينه أو في اختياره أن يكون لادينياً أو لاأدرياً أو أي شيء آخر. فأين تقف ديموقراطية الأغلبية العددية من كل ذلك؟ وكيف يمكن أن نوفق بين ذلك وبين حكم الردة عند الجماعات الإسلامية مثلاً؟

    9.يرى عادل ضاهر أن ثمة خمسة شروط لازبة للديموقراطية هي: أولاً: أن تكون الإرادة الجمعية الواحدة مصدراً للسلطة والتشريع؛ وثانياً: الحياد، الذي يعني أن حق تقرير القيم التي ينبغي أن ينظم حولها متحدهم الاجتماعي هو حق لكل عضو من أعضاء هذا المتحد، وليس لفئة منهم أو حتى لأكثريتهم؛ وثالثاً: إعطاء كل عضو من أعضاء المتحد حقاً متساوياً ومماثلاً للجميع في ممارسة الحرية على أوسع نطاق؛ ورابعاً: لا يجوز تجريد أي عضو من أعضاء الدولة من حقوق المواطنة على نحو تعسفي، أي مثلاً، على أساس ديني أو عرقي؛ وخامساً: وجود إطار تعاوني تتوافر ضمنه الشروط القمينة بحصول تفاعل اجتماعي حواري بين كل ممثلي المصالح المشروعة والمنظورات القيمية المتنوعة، على أساس مبدأ الاحترام المتبادل.

    يصعب على أي عقلاني أن يرى في نظام لا علماني أي إمكانية لتحقيق أي من الشروط الخمسة الفائت ذكرها. فكيف يمكن تأمين شرط الإرادة الجمعية الواحدة إذا كان التشريع عند الإسلاميين منوطاً بالخالق لا بالمخلوق؟ أولن يؤدي ذلك إلى هيمنة حفنة من وكلاء الله على الأرض (ذلك أن الله لا يمكن أن يحكم بشكل مباشر) على مهمة التشريع واحتكار السلطة؟ ونحن هنا لا نتحدث عن الإسلاميين المتطرفين الذين يرفضون كل شكل للحوار أو المساومة مع الأطراف الأخرى.

    لا يمكن للدولة الدينية حتى ولو قامت على أساس صناديق الاقتراع أن تكون محايدة (الشرط الثاني). ولئن ضمن الإسلاميون حق غير المسلمين في الوجود والعبادة، فإنهم، كمؤسسة وكدولة، لا يستطيعون ضمان المساواة في فرص العمل السياسي لجميع الأفراد والفئات، وتوفير الشروط لكل صوت لأن يسمع.

    10.كيف يمكن إذاً حل الإشكال بين الحقوق الديموقراطية الأساسية في مجتمع ديموقراطي سليم، وإمكانية «طغيان الأغلبية،» وفق تعبير توكفيل؟ ليس ثمة بديل عن صناديق الاقتراع بالنسبة لاختيار الحكومة والجسد التشريعي في كل بلد. وهذا لا بد من أن يقوم على أساس أغلبية وأقلية. ولا بأس من أن نعيد من أن الأغلبية في المفهوم الديموقراطي ليست أغلبية دينية أو عرقية أو طائفية، وإنما أغلبية سياسية يمكن أن تخسر موقعها في الانتخابات لتتحول إلى أقلية وتفسح في المجال أمام أغلبية جديدة كانت حتى الأمس أقلية، وأن من واجب الأغلبية العددية حماية حقوق الأقلية العددية السياسية والثقافية والحضارية، حتى ولو كانت الأقلية أفراداً منعزلين. الحل يكون بالتمييز بين المبادئ المكونة للممارسة الديموقراطية، والمبادئ التي توجه اختياراتنا للأساسيات الدستورية. الأولى وسيلة وصول الأغلبية السياسية إلى الحكم، وهو أمر لا مناص منه، لأنه لا يمكن عملياً تحقيق الإجماع حول القضايا السياسية. أما الأخيرة فهي الضامن لأن يتمتع كل فرد أو مجموعة مهما كبرت أو صغرت بالحقوق نفسها في الفكر والاعتقاد والنشاط، وتساوي الفرص بالنسبة لاحتلال أي موقع سياسي أو مؤسساتي، مهما علا الموقع ومهما كان انتماء الفرد. ولا يمكن أن يتم التوصل إلى هذا الخيار إلا عبر الإجماع المتشابك، وفق تعبير جون رولز. ويتجسد هذا الإجماع في الدستور الذي لا بد من أن يلعب دور الموفق بين الحق والخير، على أساس الاحترام المتبادل ومبدأ حيادية الدولة، ولا بد من أن يحظى بإجماع المتعاقدين اجتماعياً للعيش في دولة ما. والدستور يصاغ بالتوافق والإجماع وليس بالأغلبية. وتعديل مواده لا بد أن يخضع لشروط معقدة، ويستلزم ذلك تحقيق ما يسمى بالأغلبية العليا التي لا بد من أن تصل إلى الإجماع، في حال مس التعديل الحقوق الأساسية للأفراد المتعاقدين.

    11.ولا بد من الإضافة هنا أن الديموقراطية مفهوم اجتماعي – تاريخي. وكأي كائن اجتماعي آخر، هو مفهوم متطور. ولا جدوى هنا من أن نتذكر مثلاً أن الديموقراطية تعبير إغريقي استخدم لوصف نظام الحكم في أثينا، بضع مئات من السنوات قبل المسيح. فتلك الديموقراطية ليس لها من مضمونها إلا الاسم. فهي كانت ديموقراطية للذكور الأحرار الأثينيين، أما النساء والعبيد وغير الأثينيين فلم يكن لهم أي دور يذكر. ومن النافل أيضاً أن نربط الديموقراطية بنظام الشورى الإسلامي، لأن الأخير لم يكن ملزماً للحاكم من جهة، ولم يكن أسلوباً للوصول إلى الحكم بالدرجة الأولى.

    منذ ستينات القرن الفائت، بدأت علميات إصلاحية كبيرة تجرى على مفهوم حكم الأغلبية. ففي 1963 في الولايات المتحدة مثلاً، أقرت المحكمة الدستورية العليا بأن تلاوة الصلوات المسيحية، التي كانت طقساً يومياً في معظم المدارس العامة هو أمر غير دستوري. ومنذ ذلك الحين، ألغت المدارس كافة هذا الطقس، وأزيلت من فوق المباني الحكومية كافة كل الرموز المسيحية (صليب وغيره). إن الولايات المتحدة بلد مسيحي إذا أخذنا في الاعتبار الغالبية السكانية. وبالتالي، فإن من حق غالبية السكان، من وجهة نظر حكم الأغلبية، فرض رموزها وصلواتها. ولكن لأن ثمة في البد أقليات أخرى غير مسيحية، فإن الدستور حكم بلا دستورية ذلك.

    12.ومن المنطقي أن المفهوم قد مر بمراحل كبيرة، وبتطورات وتطويرات مهمة، الأمر الذي يدفعنا إلى الوصول إلى نتيجة في غاية الأهمية، وهي أن أي مجتمع يختار الانحياز إلى الديموقراطية لن يكون عليه أن يبدأ من نقطة الصفر التي بدأت بها المجتمعات الغربية، ومن المضحك الآن أن نطالب هذه المجتمعات بتقديم التضحيات الجسام بالدم والأنفس للوصول إلى الديموقراطية، كما فعلت الشعوب الغربية. فمن ناحية، تكفي الدماء التي قدمتها شعوبنا حتى الآن على مذبح الأنظمة الاستبدادية بتلاوينها وأشكالها وتياراتها الإسلامية والقومية والتقدمية كافة، ومن ناحية ثانية، وفي ظل تحول الديموقراطية إلى ظاهرة عالمية، وفي ظل الكوكبية التي نعيشها منذ نهايات القرن الماضي، فإن الطلب إلى الشعوب أن تبدأ من حيث بدأت الشعوب الأوروبية قبل أربعة قرون، لن يكون إلا كمثل أن تطلب من المجتمعات المتخلفة الآن أن تخترع كومبيوتراً بحجم الغرفة كالذي كان يستخدم في الغرب قبل خمسين عاماً وتعمل على تطويره، بينما يمكن استيراد أحدث أنظمة الكومبيوتر الحديثة بكلفة أقل بكثير. إن الديموقراطية منتج غربي، على حد تعبير جودت سعيد، ولا بديل عن استيراد هذا المفهوم من صانعيه كما آل إليه بعد كل التحسينات والتطويرات التي خضع إليها. علينا إذاً أن نحدد اختيارنا.

    (نقلا عن الاوان).

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...