السبت  22  يوليو  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • ليلة أن انقلب اليمين على العولمة

    April 27, 2017  

     (عمرو عادلى)

    ليلة أن انقلب اليمين على العولمة

     عمرو عادلى

    ربما لا يكون هذا هو الموضع المناسب للبحث عن تعريف للعولمة، خاصة وأن الظاهرة فيما يبدو تواجه تحديات هى الأكبر منذ انتهاء الحرب الباردة، قبل نحو ربع قرن بما ينذر بانحسارها، أو على الأقل تحويلها وتغيير مضمونها بشكل كبير. وإذا ما حاولنا أن نتجاوز الاستقطاب بين اليمين واليسار حول ماهية العولمة وطبيعة العمليات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التى أطلقتها ولا تزال، فغالبا ما سنكون بصدد تعريف وصفى يدور حول تدفقات وعلاقات تشمل كل شىء  تقريبا، بدءا من السلع والخدمات ورأس المال، مرورا بالتكنولوجيا والبشر كعمال وكلاجئين ومهاجرين وانتهاء بالأفكار من بداية حقوق الإنسان والحريات، إلى التطرف الدينى، وفى المنتصف من ذلك  أشكال الترفيه والتسلية. ولعل ما يميز هذه التدفقات جميعا هو أنها كانت تحدث طبقا لقواعد فوق سلطة الدول القومية وبما يتجاوز حدودها، وبما يُخضع التفاعلات داخل وبين هذه الوحدات ذات السيادة ـ التى عممت كنموذج للتنظيم السياسى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية – لمنطق ولأنماط ترتبط بشكل أو بآخر بقوى السوق المتحررة من أى قيود، والباحثة بدأب واستمرار عن فرص الربح، والتى فى سبيلها هذا تصوغ أنماط الاستهلاك وأدق الخصوصيات لعدد متزايد من سكان الكوكب الذين أمسوا يفكرون فى أنفسهم، فى ضوء ارتباطاتهم مع العالم المتجاوز لحدود وطنهم، كما هو معرَّف فى القانون الدولى بالحدود التى داخلها تمارس حكوماتهم سيادتها عليهم، وذلك فى السلع التى يستهلكون والأفكار والرفاهية التى تصل  إليهم عبر القنوات الفضائية وعبر الإنترنت وهكذا.

    ومن هنا كانت رؤية اليساريين الجدد، والتى تتلخص فى أن ما يسمى بالعولمة ما هو إلا انطلاق لقوى السوق من أى قيود، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، وانقراض العدو الأيديولوجى الأول لليبرالية بشقيها الاقتصادى والسياسى، وهو ما مكَّن من تدعيم ذلك المشروع السياسى الكونى – بحسبانه يشتمل على العالم بأسره هذه المرة – والقاضى بدمج جميع المناطق الجغرافية، وأغلب من يعيشون فيها، فى تفاعلات السوق من نحو انتقالات لرأس المال فى صور الشركات متعدية الجنسية، والقروض والاستثمارات المباشرة، وغير المباشرة وهلم جرا ومعها التجارة فى السلع، بل والخدمات. وهو ما كان يقضى، كما رأى أنطونيو نيجرى، ومايكل هارت فى كتابهما الشهير «الإمبراطورية»، بتجاوز الدولة القومية، ليس بإفنائها أو بتحللها، إذ إنها تظل اللبنة المكونة للتنظيم الدولى، ولكن بتقليص صلاحياتها، وبالتالى أوجه ممارسة سيادة الدول على تنظيم الاقتصاد، وعلى تخصيص الموارد، بحيث تنتفى فكرة الاقتصاد الوطنى المحكوم بالحدود السياسية، والخاضع للقرارات الصادرة عن الحكومات وآلياتها لصالح قواعد ومؤسسات جديدة معولمة تتماشى مع وتيسير تفاعلات ذلك السوق العملاق الذى اختصر الزمان والمكان، ومن هنا كان الحديث عن تلك الأجهزة المتجاوزة للدول كمنظمة التجارة العالمية، بالإضافة للأدوار الجديدة المقطعة لمؤسسى بريتون وودز: الصندوق والبنك الدوليين، ومعهما مئات من الاتفاقات الثنائية ومتعددة الأطراف التى تضعف من سلطة الدول ـ بالتراضى فيما بينها ـ على تدفقات رأس المال وتدفقات التجارة، أى ببساطة شديدة أن العولمة هى عملية تحييد الدول القومية من الزاوية الاقتصادية لصالح قوى سوق رأسمالية متحررة من أى قيد فعلى.

    ففى عالم ما بعد الحرب الباردة، ووسط الهيمنة الأيديولوجية لإجماع واشنطن، كانت القوة العظمى الوحيدة، الولايات المتحدة، قد أقامت سياستها الاقتصادية الخارجية على حرية التجارة، وحرية حركة رأس المال، وألقت بثقلها وراء التوسع الكبير فى منظمة التجارة العالمية، سواء من حيث القواعد التى تنظمها اتفاقاتها، أو من حيث عضوية الدول، بما يسمح بوضع التزامات يُخرج قسما لا بأس به من المعاملات التجارية الدولية خارج السيطرة المباشرة للحكومات لصالح آليات بديلة، كفض المنازعات والتحكيم الدولى. وأضافت الولايات المتحدة فوق ذلك شبكة مهولة من اتفاقات التجارة الثنائية ومتعددة الأطراف، وكانت حركة رءوس الأموال قد تحررت بالفعل بعد عقدين أو أكثر من خضوع الكثير من البلدان النامية لمشروطية صندوق النقد والبنك الدوليين فى صيغتهما النيوليبرالية، والتى أفضت إلى تحرير الموازين الرأسمالية.وفى ذلك السياق، أصبح على حكومات الدول الوطنية أن تتنافس فى تقديم الحوافز والتسهيلات لرءوس الأموال حتى تتمكن من جذب الاستثمارات بشتى أنواعها، وأن تكيف خططها للتنمية مع التزاماتها الدولية، وهو ما كان يعنى ببساطة أن منطق السوق العالمية قد أصبح يعلو على أى منطق قومى ومتحرر من أى منطق سياسى، باعتبار، بالطبع، ألا سياسة إلا فى حدود الدول القومية.

    كان انطلاق الحركات المعادية للعولمة فى نهاية التسعينيات على المستويين المحلى والعالمى معبرا عن المخاوف التى انتابت العديدين من ذلك التفوق الكاسح لرأس المال فى مواجهة العمال، وفى مواجهة الدول التى لن تستطيع أن تجمع ضرائب من رأس المال، وبالتالى ستدخل فى مرحلة من الاستدانة، وربما ينتهى الأمر إلى تفكيك هياكل دول الرفاه حيثما كانت متطورة، كحال وسط وشمال أوروبا،1 وكذا المخاوف على البيئة والموارد الطبيعية، وعلى المجتمعات المحلية وعاداتها وثقافتها وخصوصيتها فى مواجهة التنميط، علاوة على حسبان نزع الصلاحيات الاقتصادية من الدول بمثابة خصم من الممارسة الديمقراطية وتفريغا لمضمونها لصالح نخب تكنوقراطية متجاوزة للقومية تحكم هى السياسات المالية والنقدية بدون أن تكون محل مساءلة من أى جهاز منتخب،2 وقد انعكس هذا فى ظهور مجتمع مدنى هو نفسه معولم ومتجاوز للقومية، ولكنه معاد للعولمة بحسبانها تعميما لنمط رأسمالى استغلالى ومناهض للتنمية ومكرس لنظام اقتصادى غير عادل،3 وكان هذا هو نطاق اليسار الجديد بشكل واسع، والذى ظهر فى مظاهرات المؤتمرات الوزارية لمنظمة التجارة العالمية فى سياتل  عام 1999، وفيما تلاها من مؤتمرات، والذى كان يحتج فى أثناء المؤتمرات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين فى أثناء الربيع فى واشنطن، وكانت القافلة تسير والكلاب تعوى فى المجمل لأن التجارة العالمية كانت فى ازدياد وتسجل معدلات نمو أعلى من نمو الناتج المحلى الإجمالى العالمى، وكانت تدفقات رأس المال بصورها المختلفة تنمو بمعدلات هائلة مع انفتاح المزيد من الأسواق المحلية على الفوائض الباحثة عن فرص للاستثمار، وذلك على الرغم من الأزمات المالية المتكررة التى نتجت عن ذلك التحرير، بدءا بالمكسيك عام 1994، ومرورا خاصة بالأزمة المالية الآسيوية عام 1997، ثم روسيا والبرازيل عام 1998 وأخيرا  الأرجنتين وتركيا فى 2001، والتى كانت كلها فى «هوامش» النظام الاقتصادى العالمى، مادام  الأداء فى بورصات نيويورك ولندن على ما يرام، وذلك بالطبع حتى الانهيار الكبير فى ديسمبر 2008.

    ما الجديد اليوم؟

    إن مناهضة العولمة بحسبانها توحشا للرأسمالية، أو تهيئة للأرض لتوسع قوى السوق، على حساب جميع المحددات السياسية والاجتماعية فى تخصيص الموارد، ليس جديدا، ولكن الجديد أن يكون العداء للعولمة حادثا باسم استعادة استقلال وسيادة الدول الوطنية، وواقعا بهدف الحماية وإخضاع قوى السوق مرة أخرى للقرارات السياسية التى حتما ستكون على المستوى الوطنى نظرا لأن العولمة  قد اتخذت شكل تدفقات مالية وسلعية، وكآليات تكنوقراطية لا سياسية، وأن يكون حاملو هذه التصورات آتون من اليمين ـ بل ومن أقصاه ـ لا من اليسار، كما بدا هذا  فى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، وفى فوز دونالد ترامب فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وفى كلتا الحالتين كان الضيق من حرية التجارة، وما سببته من خسارة فى الوظائف، وضغط على المزيد من الشرائح الوسطى، من خلال إخضاعها لمنافسة مع عمالة ماهرة وأقل تكلفة فى بلدان العالم النامى.  كان هذا الضيق هو الدافع لاتخاذ المجال السياسى الوطنى منصة لشن ذلك الهجوم على العولمة ممثلة فى التجارة واتفاقاتها الدولية، وفى حالة الخروج البريطانى كان ضد الالتزامات الواقعة على بريطانيا كدولة عضو فى الاتحاد الأوروبى الذى هو تجربة متفردة فى الاندماج الاقتصادى، وتحويل صلاحيات الدول التنظيمية لمستويات ما فوق قومية، ممثلة فى المفوضية، وفى البنك المركزى الأوروبى، وغيرها، وسرعان ما تلقفت شعلة المعاداة للعولمة، واستعادة السيادة الاقتصادية للدول (وللشعوب باسم الديمقراطية) قوى اليمين فى فرنسا (الجبهة الوطنية)، وإيطاليا (حركة النجوم الخمسة)، والتى باتت تقيم برنامجها السياسى على مناهضة العولمة بأسسها الليبرالية والاقتصادية والسياسية والثقافية معا، بدءا بنقد حرية التجارة العالمية، وانتهاء بالعداء للمهاجرين، وللتعددية الثقافية، والتنوع العرقى والدينى، فضلا عن إعلاء مقتضيات الأمن ومكافحة الإرهاب على حقوق الإنسان والحريات، والحديث عن بعث جديد للقومية، وفى كثير من الأحيان يأتى محملا بالعديد من الإشارات العنصرية.

    إن اللافت فى هذه التطورات هو أن البلدين اللذين شهدا انطلاق الإجراءات النيوليبرالية: بريطانيا فى عهد مارجريت ثاتشر (1979 ـ 1990)، والولايات المتحدة فى ظل حكم رونالد ريجان (1980ـ 1988)، واللذين اضطلعا بدور بارز فى الدفع باتجاه تحرير التجارة الخارجية وحركة رأس المال مقابل إضعاف النقابات العمالية، وتفكيك هياكل الرفاه الموروثة من فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية،4 وقد كان البلدان مركزين رئيسيين، طيلة العقدين الماضيين، للرأسمالية التمويليةFinancialCapitalism، ورغم هما اللذان يشهدان اليوم تحديدا هذه التعبيرات المعادية للعولمة، وعلى نحو مؤثر للغاية، وبما ينذر بالكثير من التحولات، والمزيد من الانكماش على مستوى التجارة والاستثمار العالميين فى اقتصاد عالمى لم يتعاف قط من أزمة 2008 وما تلاها. إن وقوع هذه التطورات فى هذين البلدين يستدعى وقفة، لأنه يعبر عن أمر جوهرى، ألا وهو أن النظام الاجتماعى فى بلدى المركز لم يحتمل إطلاق قوى السوق، وأن الضغوط التى مارستها العولمة فى شقها الاقتصادى، المحمل بمفاهيم ومنطلقات النيوليبرالية فيما يتعلق بتعميق الفروق فى توزيع الدخل والثروة بين وداخل الدول، لم تقتصر على البلدان النامية، بل امتدت إلى بلدان المركز نفسه فى القارة الأوروبية، وفى الولايات المتحدة،5 وأن توابع تأزم النموذج الرأسمالى فى السنوات الأخيرة لم تؤد فحسب إلى تدمير المجال السياسى فى بلد هامشى، كاليونان، بما يسمح بتصعيد قوة من خارج النخبة التقليدية منتمية لأقصى اليسار، بل هشَّم المجال السياسى الأمريكى ذاته بفتح المجال أمام إعادة تعريف اليمين لنفسه – ممثلا فى الحزب الجمهورى -، والذى فرضت عليه جماهيره فرضا ترشيح دونالد ترامب بأجندة شعبوية ومعادية للعولمة بشكل واضح ـ على الأقل فى شق التجارة الحرة، وانتقالات العمالة الرخيصة، وكذلك فيما يتعلق بانتقالات رءوس الأموال خارج الحدود ـ. وحدث الأمر نفسه فى حزب المحافظين البريطانى، والذى دعت قياداته الجمهور للتصويت (بلا) على الخروج من الاتحاد جنبا إلى جنب مع حزب العمال لكى تأتى النتيجة بالعكس، وليجبر رئيس الوزراء، الذى أخطأ بدعوته للاستفتاء من الأصل، على الاستقالة، مفسحا الطريق أمام تشكل يمين جديد ليس صديقا مخلصا لرأس المال الكبير كما كان منذ نهاية السبعينيات.

    إن اليمين الجديد ـ أو اليمين فى صورته الجديدة، كى نكون أكثر دقة ـ ليس معاديا للرأسمالية على نحو أيديولوجى كما كانت الفاشية، على سبيل المثال، أو اليمين الكاثوليكى فى مطلع القرن العشرين، ولكنه فى الوقت ذاته ليس ذلك اليمين النيوليبرالى الذى كان مشروعه هو إخضاع شتى العلاقات الاجتماعية لمنطق السوق، وتكييف دور الدولة، بل ومفاهيم السياسة والمواطنة تبعا للسوق، كما تصور ميشيل فوكو فى محاضراته الاستشرافية عام 1979 ،6  شىء  فى طور التكوين، ما زال، ومن غير المنتظر أن تتفجر تناقضات اليمين بين القديم النيوليبرالى والجديد المعادى للعولمة فى القريب العاجل، إذ إن هناك أجندة تحقق الإجماع فى المدى المباشر، كالعداء للمهاجرين واللاجئين والعنصرية ضد الأجانب، وخاصة المسلمين (وكذلك المكسيكيين فى الولايات المتحدة) مع بنود اليمين التقليدية كتخفيض الضرائب على الشركات ومنحها حوافز كى تستثمر فى الاقتصادات الوطنية، بدلا من أن تذهب إلى الصين أو المكسيك. ولكن لا يبدو أن هذا سيستمر كثيرا لأن لحظة المكاشفة الفعلية ستكون فى كيفية وإمكانية إخضاع قوى السوق مرة أخرى لمنطق سياسى، وتقييد التدفقات المعولمة لصالح قرارات على المستوى الوطنى، وهو التجلى الاقتصادى للبعث القومى الجارى، وللحديث المطول حول استعادة السيادة للدول (بريطانيا والتحرر من القيود التنظيمية أوروبية المنشأ)، جنبا إلى جنب مع استعادة الوظائف والدخول، واسترجاع الدولة للشعب فى خطاب ترامب، فى إطار شعاره المنادى بأمريكا أولا، وحديث ستيف بانون، مستشاره السياسى، المناهض للمواطنة المعولمة وللمشروع الأوروبى كمشروع متجاوز للقومية، على أساس أن الوقت الراهن هو وقت انبعاث القوميات مرة أخرى.

    إلى أين يمكن أن يأخذنا اليمين المعادى للعولمة؟

    لا يملك اليمين الشعبوى برنامجا اقتصاديا واضح المعالم، فلقد كان صعوده البطيء والثابت، منذ التسعينيات فى الولايات المتحدة وغرب أوروبا، مرتبطا بالسياق الذى فرضه انتصار الليبرالية الاقتصادية بعد انتهاء الحرب الباردة وفرض نفسها بحسبانها الطريق الأوحد نحو النمو والتنمية، وهو ما جعل اليمين المتطرف يقيم دعواه على أسس ثقافية وهوياتية منبتة الصلة عن الاقتصاد وأسئلة التوزيع والإنتاج، ومن هنا كانت محورية العداء للاجئين والمهاجرين والأجانب بشكل أعم، والتى كانت تتقاطع مع الشرائح الآخذة فى الانعزال، نتيجة التهميش، فى ظل احتدام المنافسة الاقتصادية، وازدياد وتيرة انتقالات رءوس الأموال والتجارة، ولكن أتت أزمة 2008، والتى ضربت دول المركز، وسرعان ما تحولت إلى أزمة فى الاقتصاد الحقيقى بما أدخله فى دورات متتالية من الركود يتخللها سنوات قليلة من التعافى، أو ما سماه بول كروجمان اقتصاديات الكساد،7 والتى رآها بمتزلة حالة ممتدة للاقتصاد الرأسمالى كنتيجة حتمية لعقود النيوليبرالية التى قوضت القدرة على الاستهلاك، نتيجة تجميد الأجور الحقيقية، والإسراع من وتيرة التوزيع للشرائح الأعلى دخلا، والاستعاضة عن رفع الأجور بالتوسع فى الاستدانة لتحفيز الاستهلاك، وبالتالى إبقاء التوسع الرأسمالى ممكنا. ففى هذه الآونة، بدأ العداء للعولمة يأخذ طابعا اقتصاديا يعبر عن ضيق الشرائح المفقرة من الطبقات المتوسطة فى أشد البلاد تحررا كبريطانيا والولايات المتحدة، من خسارتها لوظائفها فى قطاع التصنيع بالأخص، والذى انتقلت أنشطته باطراد فى العقدين الماضيين إلى ما وراء البحار، بحثا عن عمالة أرخص وبنفس قدر المهارة، فى الوقت الذى لم يتمكن فيه هؤلاء من حيازة المهارات الكافية للانضمام للقطاعات الخدمية ذات المهارات والتكنولوجيا المرتفعة، والتى أصبح الاقتصاد الأمريكى معتمدا عليها بدلا عن التصنيع الثقيل، ومن هنا كان الحديث عن الحماية، وعن الوطنية الاقتصادية EconomicNationalism  من قلب الحزب الجمهورى ذاته الذى كان أهم ما يميزه هو تمثيل مصالح رأس المال الكبير، والذى هو نفسه مَن قاد وضع قواعد عملية العولمة بالاشتراك مع الحكومات الأمريكية المتتالية.

    ليس واضحا هل سيتحول اليمين الشعبوى هذا إلى صيغ معادية للرأسمالية المعولمة، فارضا قيودا على انتقالات رءوس الأموال، بما يعنى وضع عفريت رأس المال فى قمقم الدولة الوطنية مرة أخرى، وهل سيتقبل رأس المال الكبير هذا، ويضع رهانات جديدة على واقع سياسى واجتماعى جديد، بغية الهروب من أسئلة إعادة التوزيع التى يرفعها اليسار منذ الأزمة المالية فى ٢٠٠٨؟ وإذا حدث ذلك، وبدا رأس المال المعولم مستعدا لتقديم التنازلات لليمين الجديد، فما سيكون الأثر على الاقتصاد العالمى، بل وعلى الأمن والسلم الدوليين، فى ضوء انحلال علاقة الاعتمادية المتبادلة التى تطورت منذ الثمانينيات بين الولايات المتحدة والصين؟ وما سيكون مصير الاتحاد الأوروبى فى سياق كهذا؟ هذه كلها أسئلة لا إجابة عليها الآن، ولكن يبدو أنه سيكون مفيدا ـ ومخيفا فى الوقت نفسه ـ النظر لثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضى، عندما أفسحت أزمة الرأسمالية الأورو-أمريكية وقتها المجال  لصعود الفاشية.

    المراجع:

    1ــ Rodrik، Dani. Trade، socialinsurance، andthelimitstoglobalization. No. w5905. Nationalbureauofeconomicresearch، 1997.

    2ــ Streeck، Wolfgang. Buyingtime: Thedelayedcrisisofdemocraticcapitalism. VersoBooks، 2014.

    3ــ DellaPorta، Donatella، andSidneyG. Tarrow. Transnationalprotestandglobalactivism. Rowman& Littlefield، 2005.

    4ــ Harvey، David. Abriefhistoryofneoliberalism. OxfordUniversityPress، USA، 2007.

    5ــ Piketty، Thomas، andL. J. Ganser. “Capitalinthetwenty-firstcentury.” (2014).

    6ــ Foucault، Michel. Thebirthofbiopolitics: lecturesattheCollègedeFrance، 1978-1979. Springer، 2008.

    7ــ Krugman، PaulR. Thereturnofdepressioneconomics. WWNorton& Company، 2000.

     عن مؤسسة كارنيجى.

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...