السبت  23  سبتمبر  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • في إنتظار 2020 محاولة للقراءة في ذهن المؤتمر الوطني

    April 24, 2017  

    نبيل أديب عبدالله / المحامي

    “بعافيتم” الأستاذة سارة نقدالله، في تعليق على قول أحدهم بأن الناس ينتظرون ما يأتي به العام 2020

    كثر الإعداد في دوائر حزب المؤتمر الوطني للعام 2020 وهذا يبدو من عدد من التصريحات ولكنه يظهر بشكل واضح من التعديلات الدستورية الأخيرة. الواضح هو أن تلك التعديلات الدستورية قُصِد منها ان تحكم الفترة التي تفصلنا عن ذلك العام، حيث سينتهي سريان بعضها في ذلك العام، مثل التعديل الخاص بتعيين عدد من أعضاء المجلس الوطني، فالمفهوم ضمنا، وإن لم يتم الإفصاح عن ذلك صراحة، أن سلطة تعيين عدد من النواب في المجلس الوطني لن تتكرر في العام 2020 والبعض الآخر ستتم مراجعته في ذلك العام.

    إذا فالفترة التي تفصلنا عن ذلك العام، هي فترة مختلفة عن ما سبقها من فترات، ويفترض أن يتم الإعداد فيها لما سيأتي بعدها. الفترة التي نتحدث عنها هي فترة تشكل مرحلة في التطور الدستوري للبلاد لم يتم تسميتها بشكل قاطع، وسيتم حكم البلاد فيها بشكل مختلف، وإن كانت ملامح ذلك الشكل لم تتحدد بعد بشكل قاطع. وهذا هو كل مايسمح به المؤتمر الوطني من معلومات حتى الآن عن الفترة التي ستبدأ بتشكيل الحكومة الجديدة، وتنتهي بالعام 2020 . يحاول هذا المقال إستجلاء ما يمكن أن تحدث تلك الفترة من تغييرات.

    لماذا العام 2020 ؟

    السبب في أنتهاء الفترة التي نحن مقبلون عليها في 2020 هو أن التفويض الإنتخابي الذي حصل عليه المؤتمر الوطني سينتهي في ذلك العام. ورغم أن الكثيرين يعتقدون في المبدأ، بأن المؤتمر الوطني يحكم بموجب الغلبة، وليس بموجب أي تفويض إنتخابي، إلا أن كون المؤتمر الوطني يعتقد ذلك، أو على الأقل يعلن ذلك في كل التصريحات التي تصدر عنه، سواء من الحرس القديم أو الجديد، يمثل تطوراً يحسن بنا قبوله، والتمسك به. فلاشك أن إعتقاد المؤتمر الوطني  أنه يحكم بتفويض إنتخابي، وأن ذلك التفويض الإنتخابي سينتهي في العام 2020، يعكس تطوراً إيجابياً لما عهدناه من الحرس القديم للمؤتمر الوطني، والذي لم  يكن يقبل مجرد التفكير في ذلك، دعك من قوله، حتى ولو كان ذلك القول مطلوباً لأغراض المظاهر فحسب. لقد كانت كافة التصريحات التي تخرج من ذلك الركن لا تشير إلى السند الإنتخابي كأساس لإستحقاق المؤتمر الوطني للسلطة، رغم تكرار الإنتخابات في فترة حكمه المتطاولة، وتكرار الفوز بشكل يدعو للملل. رغم ذلك فإن الحديث كان  يقتصر على(( الزارعنا غير الله يجي يقلعنا )) و(( الإنقاذ أتت لتبقى)) وذلك دون أي مجاملة للذين صوتوا لهم في تلك الإنتخابات، فلم يكُف الحرس القديم أبداً عن ترديد تلك التصريحات التي تعني بوضوح أن تفويض الإنقاذ لا يأتي من أي إنتخابات، بل من الله سبحانه وتعالى مباشرة، وهو ما تم التعبير عنه في دستور 1998بمبدأ الحاكمية لله. وعندما إحتدم الحديث عن الفترة الإنتقالية داخل الحوار الوطني كانت التصريحات تقول (( واهم من يظن أن الحوار سينتهي بإلاطاحة بالانقاذ )) ولذلك فكون أن المؤتمر الوطني يتحدث عن تفويض إنتخابي، فهذا في حد ذاته  يعكس أنه على الأقل مظهرياً قد تخلى عن حقه الإلهي في حكم السودان إلى أن يرث الله الأرض، وليس هنالك ما يدعونا لأن نجادله في ذلك.

    ماهي طبيعة الفترة التي تسبق 2020

    الواضح أن الفترة التي تسبق 2020 في نظر المؤتمر الوطني فترة تختلف عن الفترات السابقة. وهذا يتضح من أن  إستقبالها قد إحتاج لتعديل دستوري، شمل تكوين المجلس الوطني، وسلطاته، وتكوين الحكومة، ومسؤوليتها، واستحدث منصباً دستورياً، وعدل في بعض الاحكام الدستورية، بالإضافة لمشاورات مازالت تجري على قدم وساق، تشمل احزاب وتكوينات من خارج المؤتمر الوطني، على الأقل من الناحية التنظيمية البحتة، من أجل إستيعابها في الحكومة. قد يكون الأسهل لمعرفة رأي المؤتمر الوطني في طبيعة هذه الفترة هو التعريف السلبي، بمعنى أنه أسهل أن نعرف ما لا تمثله هذه الحكومة من ان نعرف ما تمثله. فلنبدأ بذلك.

    هذه ليست حكومة إنتقالية

    أثناء مداولات المتحاورين في قاعة الصداقة، برز إتجاه يدعو لقيام فترة إنتقالية لوضع دستور دائم يتماشى مع مخرجات الحوار الوطني، وقد رأى أصحاب ذلك الإتجاه أن الفترة الإنتقالية يجب أن تحكم بواسطة حكومة قومية إنتقالية تشرف على صياغة الدستور الدائم. ولكن سريعاً ماتصدى الإنقاذيون  الأقحاح  لهذه الدعاوي وقالوا أن ذلك دونه خرط القتاد، بشكل لايتيح مجالاً لتفسير مخالف. وإذا لم يكن المؤتمر الوطني يعرف ما تمثله الحكومة الجاري تشكيلها فمن؟

    إذا فالحكومة  الجاري تكوينها الآن هي ليست حكومة إنتقالية، ولكنها أيضاً لايجب أن تكون حكومة مؤتمر وطني، رغم كل مايقال عن التفويض الإنتخابي، لأن فكرة أن يقوم المؤتمر الوطني وهو طرف وحيد في الحوار، بمهمة تنفيذ مخرجاته دون أن يشاركه في ذلك المحاورون الآخرون من أطراف الحوار، تبدو من الشذوذ بحيث يصعب تبنيها بدعوى التفويض الإنتخابي، لأن المطلوب تنفيذه من مهام يستمد شرعيته من الحوار وليس من الإنتخابات. لذلك فلقد كان لابد من إختيار إسم يتلاءم مع هذه الشرعية، ومن هنا جاء، حلاً لذلك، إسم حكومة الوفاق الوطني.

    حكومة الوفاق الوطني

    لا يعني مصطلح حكومة الوفاق الوطني  نفس الشئ لدى جميع الفاعلين السياسيين، بما فيهم المشاركين فيها. ولكن المُعلن هو أن حكومة الوفاق الوطني هي حكومة مكونة من المتحاورين في قاعة الصداقة، بغرض تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، أو الوثيقة الوطنية لوشئت. ولكن هذا لا يقربنا كثيرا من معرفة مهام حكومة الوفاق الوطني، بالنظر للخلافات الشديدة حول تحديد معنى تلك المخرجات، وكيفية ترجمتها إلى نصوص دستورية أو قانونية. فالواضح هو أن  بين المتحاورين بحور من الخلافات حول ذلك. وقد ظهر عمق الخلاف بين أقرب الأقربين من المتحاورين، حين طرح المؤتمر الشعبي على قريبه الوطني، مافهمه من محور الحريات في الحوار الوطني، في شكل تعديلات دستورية، فما كان من هذا الأخير إلا  أن صعر خده وأسقطها بعضويته الغالبة في لجنة التعديلات الدستورية، واحدة تلو الأخرى بحيث لم يبق منها مايمكن للشعبي معه أن يدعي أن هنالك أي شبهة لإتفاق بين الطرفين على مفهوم الحريات .

    وإذا كان التعديلات الدستورية التي قدمها الشعبي قد أظهرت خلافاً بين الوطني وأقرب المحاورين له ايديولوجياً، فلك أن تستخلص، أيها القاريئ، كمية الخلافات المتوقعة بين المتحاورين الذين تفرقهم عن بعضهم البعض أيديولوجيات مختلفة. ولكن مايهمنا هنا هو أن طريقة حل المؤتمر الوطني للخلاف مع قريبه الشعبي، لا تدعو للقول بأنها طريقة وفاقية، خاصة وأنه لم يترك للشعبي سوى أن يقبل الأمر الواقع متنازلاً عن كل التعديلات مضمونا إن لم تكن شكلاً، أو يستبعد نفسه من مشاورات تشكيل حكومة الوفاق، وباقي القصة معروف للقراء.

    يبدو لنا من ذلك أن الاسهل هو أن نلجأ مرة أخرى للتعريف السلبي لتحديد المطلوب من حكومة الوفاق الوطني، وفي تقديرنا أن حكومة الوفاق الوطني بحكم تكوينها غير مؤهلة للإشراف على صناعة الدستور الدائم. وهذا يعود لانه من المتفق عليه ضرورة إشراك جميع القوى الفاعلة في صناعة الدستور قبل طرحه للهيئة التأسيسية لإخراجه في شكله النهائي. وهذا وحده يستبعد أن تتولى حكومة الوفاق الوطني عملية صناعة الدستور، لأنه حتى يومنا هذا فإن أغلبية المعارضين، بما في ذلك أكثرهم تاثيراَ على الساحة السياسية، لم يقبلوا بالوثيقة الوطنية بإعتبارها تمثل وجهة نظرهم حول علاج المشاكل التي أقعدت بالبلاد، ولا بكونها تحمل مشروعا يقبلونه للوفاق الوطني.

    خط عدم المساس بالوضع الراهن

    “يوم ما سيكون كل شيء على ما يرام، هذا هو أملنا. كل شيء على ما يرام الآن، هذا هو وهمنا “- فولتير

    لايبدو لي أن المؤتمر الوطني  على قلب رجل واحد حول هذا الموضوع. وهذا لايعود لأي معرفة بدواخل ذلك الحزب  اللغز بالنسبة لي، فلست خبيراً بدروبه، ولكن  هذا مايظهر من التصريحات التي ترشح هنا وهناك، والتي تدل على أن موقفين على الأقل يتنازعان الحزب الحاكم، حول المطلوب من حكومة الوفاق الوطني.

    الصوت الأعلى في التصريحات – وهذا لا يعني بالضرورة أنه الاقوى داخل  أروقة الحزب – يرمي إلى إبقاء الحال على ماهو عليه، وقد كان هذا هو  الخط الأقوى تاريخياً، والذي قابل به الحزب في الماضي، كل التقلبات الدستورية التى مرت  عليه  وهو ممسك بزمام السلطة . وهذا الخط  لم يتبدل منذ أن كان الحزب هو مجموعة قيادات تحكم من خلف الستار في الأعوام الأولى للإنقاذ، مروراً بالتحالفات التي أتت بأتفاق الخرطوم للسلام،  ودستور 98 ، ومن بعدها إتفاقية السلام الشامل، ودخول الحركة الشعبية ومن ثم خروجها من الحكم، حاملة معها ثلث المساحة الجغرافية والعددية السكانية من البلد. عبر كل تلك التقلبات  الدستورية كان خط الحزب الغالب هو الإمساك بالسلطة بيد من حديد، والسماح للمتحالفين بحظ من السلطة، في بعض من حواشيها دون أي جزء من قلبها. طوال تلك الفترات لم يسمح الحزب أصلاً بأي مشاركة في الهيمنة على جهاز الدولة، ولا في إتخاذ القرارات الأساسية، فظل كل ذلك في قبضة القابضين على الجهاز الحزبي دون غيرهم من شاغلي المناصب الرسمية. وهم الآن يريدون حكومة تتسع في حواشيها فتشمل الملتحقين، دون أن يكون لذلك أثر على مراكز إتخاذ القرار. فكل التغييرات مقبولة طالما أنها في إطار ان الإنقاذ أتت لتبقى. ملخص القول هو أن هذا الخط يطمح في إبقاء الحال على ماهو عليه حتى تأتي إنتخابات 2020 والتي يعلم الحزب جيداً كيف يتعامل معها.

    إذا كُتِب  لهذا الخط أن يسود داخل المؤتمر الوطني،  وهو أمر لا يمكن إستبعاده، رغم التغيرات العديدة داخل الحزب والتي شملت عدداً من  أساطين ذلك الخط، فإن حكومة الوفاق الوطني ستظل مجرد إسم تدعو به الحكومة نفسها، ولكنها ستكون في نظر الشعب نفس الحكومة التي ظلت تحكمه خلال العقود الثلاث الماضية.

    خط الإصلاح

    من الجانب الآخر، فهنالك من يرى أن الخط القديم قد وصل إلى نهاية الطريق، وبالتالي فلابد من الإصلاح وإلا  فستسوء العاقبة. وإذا قيض لذلك الإتجاه الغلبة فإنه سيقود حكومة الوفاق الوطني في إتجاه يقود إلى تغيير محدود. ما يمكن لحكومة الوفاق الوطني أن تنجزه هو بعض الإصلاح على صعيد الحريات، وهذه الإصلاحات ستطال  بمقادير مختلفة، سلطات جهاز الأمن، والحريات الصحفية، وحرية التنظيم. وهذا الإصلاح لا يتوقع أن يكون جذرياً بالنسبة لما سيواجهه من معارضة من داخل الحزب، والأجهزة المعنية، وهو أمر في سيتحدد في نهاية الأمر داخل المراكز الضيقة لإتخاذ القرار فإذا مالت نحو  قوى بقاء الحال على ماهو عليه، لن تفلح قوى التغيير في أن تحدث أكثر من إصلاحات محدودة وشكلية وهي في الغالب لن تتخطى عتبة التعديلات اللفظية، إلى التعديلات الفعلية المطلوبة.

    اما إذا مالت المراكز الضيقة لإتخاذ القرار نحو الإتجاه الإصلاحي، فهنالك فرصة حقيقية لأن تنجح الحكومة في أن تحول نفسها لحكومة وفاق وطني حقيقي. وهذا سيتم عبر قبول خارطة الطريق بشكل فعلي وليس لفظي، وضم القوى المعارضة الفعالة إلى الحكومة. وهذا سيتطلب فتح الحوار الوطني الذي من شأنه أن يؤدي إلى إنهاء الحرب ووضع السودان على درب الوفاق الوطني الحقيقي .

    لا يبدو من كل هذا الإستعراض أن هنالك مانرجوه من 2020. فليس هنالك ما يجعل من ذلك العام لحظة فارقة في التاريخ الدستوري السوداني. وواقع الأمر فإن إنتظار ذلك العام لا يعني أكثر من محاولة تجميد التاريخ وهي مهمة مستحيلة، فماهو مطلوب الآن هو العمل وليس الإنتظار. ونعني بالعمل، إصلاح حقيقي وجذري للواقع القانوني القائم وبشكل أهم للسياسات القابضة التي أفرزته. هذا الإصلاح من الناحية النظرية يمكن إجراؤه الآن، والظروف التي تدعو إليه قائمة ومعروفة، ولا حاجة لأحد لأن ينتظر أي تاريخ في المستقبل. وهذا الإصلاح يتطلب الشروط الأتية

    الشرط الأول الإرادة السياسية لدى الحزب الحاكم في تبين أنه لا وقت قد تبقى للمناورة، فماهو مطلوب هو الإصلاح الحقيقي الذي ينهي إحتكار السلطة، ويقبل بفتح الحريات العامة، وإدارة التنوع السياسي، والعرقي، والديني، في الإطار الديمقراطي المقبول للجميع.

    الشرط الثاني أن تقبل المعارضة الفاعلة أن تشارك في الحوار. وهذا لن يتم إلا إذا رأت من الحزب الحاكم ما يقنعها بأنه يقبل المشاركة بديلاً عن المناورة بغرض الإحتفاظ بإحتكار السلطة.

    الشرط الثالث أن تقبل المعارضة المسلحة أن تضع السلاح، وتندمج في الحياة السياسية السلمية. وهذا لن يتم إلا اذا تم الإتفاق على إصلاح حقيقي يمكن  الهامش من الخروج من الحالة الإقتصادية المزرية التي  يعيشها، وان يقتنع أيضاً بأنه  لن يحصل من الحرب على ما لا يمكن الحصول عليه بالسلام.

    كل هذه الشروط لا صلة لها بأي تفويض إنتخابي، وأهم من ذلك لا صلة لها بالغلبة، بل هي تنهي الحاجة لها. والشروط الموضوعية لإنجازها موجودة ومتحققة، وبالتالي فإما أن تعمل حكومة الوفاق الوطني لإنجازها  الآن، أو لا تعمل على الإطلاق.

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...