الأربعاء  26  إبريل  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • مذبحة أم بادِر: الوقائع والأسباب وكيفية منع المُفظِعات القادمة بين الكبابيش والحَمَر

    April 15, 2017  

    (عشاري أحمد محمود)

    مذبحة أم بادِر: الوقائع والأسباب وكيفية منع المُفظِعات القادمة بين الكبابيش والحَمَر

    د. عشاري أحمد محمود خليل

    (1/2)

    أولا،

    نظام الإنقاذ جزء من المشكلة ويعيق الحلول السلمية

    (1)

    في هذا المقال الأول، أعيد تركيب رواية الأحداث الأخيرة بين قبيلتي الكبابيش والحَمَر، بالتركيز على “مذبحة أم بادر” وعلى الأحداث المباشرة المتلاحقة التي أفضت إليها لتجعل هذا الصراع الأخير بين القبيلتين يدخل بالمذبحة في أم بادر مرحلة جديدة، وحيث لن يجدي الحل الأمني ولا مؤتمرات الصلح المعروف أمرها. وفي المقال الثاني أعرض لمبادئ تحكم الحلول لهذه المشكلات، مما يرد في الدراسات ذات العلاقة.

    (2)

    أستنِدُ في إعادة التركيب للأحداث على قراءة متمعِّنة في التقارير المنشورة على لسان قيادات القبيلتين، والكُتَّاب القبيليين في صفحاتهم في الأنرتنيت، والصحفيين الحكوميين أعضاء جهاز “سلاح الكتابة” وآخرين، وعلى لسان الحكومتين في ولاية شمال كردفان وولاية غرب كردفان.

    وكذا أرتكز على قراءة نقدية لخطاب الحكومة المركزية، ذاتها التي يجب ألا ننس أبدا أنها نظام الإنقاذ/الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، هنا في هذه الحالة قيد النظر بعلة أن وجه هذا النظام البغيض للتعامل الرسمي مع الصراع بين الكبابيش والحمر هو القاضي السابق أحمد محمد هارون المطلوب القبض عليه بشأن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور اشتملت على مسؤوليته عن قتل السكان المدنيين في دارفور، واضهادهم، وترحيلهم قسريا، وتعذيبهم، واقتراف أفعال غير إنسانية ضدهم، بالإضافة إلى مسؤوليته، مسؤولية القيادة، عن جرائم الاغتصاب.

    (3)

    وما أن كانت صدرت مذكرة التوقيف الدولية ضد أحمد هارون حتى تم تعيينه وزيرا للشؤوون الإنسانية، في محاولة يائسة للتمويه ولغسيل ماضيه الدموي، ومن بعد استمر تنقيل هارون عبر مواقع مثل ولاية جنوب كردفان التي اقترف فيها هارون مفظعات إضافية، إلى أن أصبح أخيرا المسؤول الحكومي الأول في ولاية شمال كردفان.

    (4)

    فمن سخرية الأقدار في سودان اليوم أن هذا الإسلامي الفار من العدالة الدولية والعقوبة بسبب جرائم عالمية ضد السكان المدنيين يتصنع اليوم أنه مؤهل لاتخاذ قرارات بشأن كيفية التعامل مع المشكلة القبيلية الاخيرة ذات المفظعات الجماعية وذات الأبعاد والامتدادات، وتجده يتجرأ على ممارسة الإفتاء في كيفية منع هذه المفظعات مستقبلا!

    (5)

    ودونك أن كامل فكر هذا الوالي الإسلامي، مما تبين مجددا، لا يتجاوز ذات الحل الذي كان هو هارون خطط له وشارك مع المثقفين الإسلاميين في تنفيذه في دارفور، الحل الأمني، ووالحل بلغة “فرض هيبة الدولة”، هنا أيضا في شمال كردفان، بتعبئته جهاز الأمن والشرطة والجيش والمليشيات الحكومية، ذاتها أجهزة القمع والعنف التاريخي التي لها ماض مسجل في اقتراف المفظعات الجماعية في دارفور وفي جنوب السودان وفي جنوب كردفان، تعبئتها للتدخل في النزاع القبيلي الدائر بين الكبابيش والحمر.

    (6)

    فصحيح أن الوضع في شمال وغرب كردفان مختلف. ربما بسبب المزاج العام للسكان الذين اقتصر عنفهم على المرأة والرقيق، ولم ينشئوا حركات مسلحة منظمة لمناهضة الحكام الطغاة المتمثلين في الإسلاميين في نظام الإنقاذ.

    ومن ثم فإن الحل الأمني لا يتوقع أن يفضي إلى نوع الجرائم ضد الإنسانية مثلما كان حدث في دارفور، خاصة وأن نزاع اليوم طرفاه قبيلتان عربيتان لم تُعرف منهما مقاومة تذكر ضد نظام الإنقاذ، ولأن الإنقاذ التي لم تتغير في أخلاقها ما عاد بإمكانها اقتراف ذات مفظعاتها الدموية السابقة، وقادتها ملاحقون حتى يوم مماتهم لمحاسبتهم على الجرائم التي اقترفوها في دارفور، ولاسترداد الأرصدة والممتلكات التي نهبوها. وما كان هروعهم للتدخل بالجيش والمليشيات والشرطة إلا بسبب خوفهم غير المؤسس أن النزاع بين الكبابيش والحمر قد يتصاعد إلى حرب أهلية داخلية، والقبائل أصبحت في زمان الإنقاذ دولا ذات سيادة، وإن كانت دولا كالإنقاذ فاشلة.

    ثانيا،

    في دور الشباب من القبيلتين في سياق حتمية فشل الحل الأمني

    (1)

    ومع الاختلاف عن دارفور، واختلاف طبيعة الصراع البين قبيلي، فالحل الأمني في شمال وغرب كردفان سيفشل، وكذا هو سيطرد الحلول المحلية السلمية المبدئية الضرورية، تلك التي لم يتم يوما تجريبها، بسبب وجود الإنقاذ. فمجرد وجود الإنقاذ كنظام إسلامي إجرامي فاسد يُركِّب كامل منظومة السياق، يلغي إمكانية إدراج الحلول المعقولة المعروفة اليوم للتعامل مع مثل هذه المشكلات، لأنها حلول لابد من إدراجها في السياسات والمؤسسات والقرارات الحكومية، وفي مقررات الجامعات، لتصبح مبادئ هذه الحلول ثقافة سارية في السياسة العامة وفي المجتمعات السودانية المتضادة بما فيها تلك التي لها تاريخ شنيع في العنف الجماعي وفي الرق والهوس الديني، تاريخها في ظل الإنقاذ ذاتها على مدى ما يقارب الثلاثين عاما. وقد نشأت أعداد كبيرة من شباب السودان لا تعرف عن الدولة إلا أنها مصوغة بنذالة الإسلاميين ووحشيتهم.

    لكن ذلك لا يعني أن المقاومة الشبابية غير قادرة على الاضطلاع بدور مرسوم لها في التعامل العقلاني مع هذه المفظعات القبيلية الجماعية، بالرغم من وجود الإنقاذ التي لا أمل فيها ومصيرها إلى انهيار عام.

    (2)

    فالحل الأمني الذي تطبقه الإنقاذ في كردفان ستنتج عنه ذات المشكلات المعروفة حين تتدخل الأجهزة الأمنية والجيش في مثل هذه الصراعات من الدرجة الثانية أو الثالثة ذات الأسباب المعقدة، مشكلات مثل احتلال الأجهزة النظامية كامل مساحة الخطاب والممارسة وفرضها العقلية الأمنية والمنهج الأمني على طبيعة الحلول وعلى الأجندة، وهذه الأجهزة جُمَّاع مليشيات مجبولة على الإجرام في تفكيرها وعقيدتها، وهنالك خطر مصادرة هذه القوات “النظامية” الحريات في المناطق القبيلية حيث تتقلص سطوة جهاز الأمن، وخطر تقييد الحركة الحرة، والاستيلاء بوضع اليد على المدارس لتكون مكانا لسكن القوات المرابطة، واستغلال المواطنين وحيازة ممتلكاتهم، والاندراج في التجارة وفي نهب الموارد المحلية، دائما بتواطؤ القيادات القبيلية، وبالتسهيلات الحكومية.

    (3)

    مما يتطلب أن ينهض الشباب من القبيلتين وأصدقاؤهم إلى مراقبة هذه القوات “النظامية” المفروضة فرضا، مراقبتها علنا، والدخول معها في محادثات مباشرة لتلزم حدودها، وألا تتعدى على الحقوق، وأن تنسحب من المنطقة لتفسح المجال لحلول سلمية لحماية المواطنين، وكله من نوع المقاومة ضد هذي حزمة الإجراءات الأمنية الغبية مثل “الفصل بين قوات القبيلتين”!

    (4)

    أتحدث عن حلول تنظر في المشكلات الحقيقية في كل واحدة من القبيلتين وفي العلاقات بينهما، وفي العلاقة بين النخبة القبيلية الغاصبة للسلطة التمثيلية، من جهة، والتجار الإسلاميين الجشعين الاستغلاليين والمسؤولين الحكوميين الشرهين الممكنين، من جهة أخرى. مما ألتفت إلى بيانه بصورة غير مفصلة، وسأعود إلى هذه المشكلات لاحقا.

    وقد عبر عن أهمية فكرة “الأسباب”، أيا كانت الأسباب، د. عبد الله علي إبراهيم في مقاله بالأمس إن الموضوع ليس “دواس وبس”.

    ثالثا،

    المشكلات الجوهرية العميقة أسباب المُفظعات الجماعية

    من المشكلات الجوهرية العميقة ذات العلاقة اللصيقة بالصراع الأخير في كردفان والتي أرى لزوم مواجهتها بصورة مباشرة وقوية بواسطة الشباب من القبيلتين: (1) التوريث، (2) نهب موارد الذهب، (3) مشكلات اجتماعية تتعلق بالرق والمرأة. ولابد هنالك مشكلات عميقة أخرى في منظومة الأسباب.

    (1)

    التوريث

    قضايا التوريث لآل التوم من أولاد فضل الله في كونفيدرالية قبائل الكبابيش ذات التعددية، ولآل منصور في قبائل الحَمَر، والحمر كذلك تجمع قبائل مختلفة. ولقضية التوريث علاقة مباشرة بالترتيبات الطبقية الدائمة وكأنها أمر طبيعي غير قابل للنقاش، وللتوريث علاقة بالاستغلال والإقصاء والتهميش للمواطنين القبيليين، داخل كل واحدة من القبيلتين.

    فقد آن الأوان، في عالم اليوم، وهو عالم الشباب المُخَلَّص من الخرافات ومن الأفكار القديمة ومن قيد القبيلة، آن الأوان لوضع نهاية لهيمنة من يسمون بالأمير والأمير، وآن الأوان لإنهاء امتهان هؤلاء “الأمراء” المورَّثين دورَ السماسرة القابضين على اتخاذ القرار في شؤون العلاقات الاقتصادية في القبيلة وبين القبيلة والقبائل الأخرى والإسلاميين في نظام الإنقاذ (الحكومة).

    وذلك موضوع قديم كان أشار إليه الباحث الانثروبولوجي الماركسي طلال أسد قبل أكثر من خمسين عاما، في مقال له بعد كتابه عن “عرب الكبابيش”، موضوع عدم المساواة والتمييز في قبيلة الكبابيش، وعدم المشروعية الأخلاقية لجعل الحكم حصرا في بيت بعينه، بيت علي التوم وأولاد فضل الله، بين عشرات البيوت في الكونفيدرالية القبيلية المسماة “الكبابيش”.

    والأمر عن التوريث منطبق على قبيلة الحمر وأسرة منصور، كما هو منطبق على قبيلة الرزيقات بأسرة مادبو، وعلى جميع هذه الكيانات القبيلية غير الديمقراطية، وهو يمتد إلى الأحزاب السياسية، مثل حزب الأمة.

    فمتى ينتهي التوريث لذات أبناء النخب المصطفاة ونحن في القرن الحادي والعشرين؟ كم من القرون الإضافية يحتاجها هؤلاء المورَّثون المُكنكِشون ليتنحوا جانبا لإحلال الفكر الديمقراطي في القبيلة؟ وكيف يتعلم الديمقراطيةَ والمساواةَ الشابُّ الذي يعيش حياته خانعا راضيا بحكم النخبة المورَّثة طيلة حياته وحياة أطفاله؟

    قانون الجدل يقول لنا إن الشاب بل يتعلم الديمقراطية والمساواة بمجرد التفكير الانتقادي في وضعية التوريث الراهنة وفي وضعية قبوله لها دون تفكير.

    (2)

    نهب الذهب

    وهو موضوع ملكية شعوب الكبابيش، وأتحدث عن مجموعة “شعوب” يجمع بينها الفقر والتهميش وانسداد الأفق لحراك اجتماعي، موضوع ملكيتها في مناجم الذهب في دار الكبابيش، وموضوع “الملكية” مشدود إلى وقائع نهب هذه الموارد المستخرجة بواسطة تحالف قادة القبيلة مع الحكوميين والتجار الإسلاميين.

    أرى أن “قضية نهب الذهب” محورية في النزاع الراهن، لكن يتم التدليس عليها رغم أنها فرضت نفسها بقوة في مذبحة أم بادر بضحاياها الخمسين ويزيد من المعدِّنين في مناجم الذهب.

    ولم يكن صدفة أن الأحداث القبيلية العنيفة والإجرامية خصت هؤلاء المعدنين في مناجم الذهب بالذبح وبشاعات الحرق والإذلال والتقتيل.

    وكذا لم يكن صدفة أن مذبحة المعدنين العاملين في مناجم الذهب كانت سبقتها بيوم أو يومين مظاهرةٌ في سودري حاضرة الكبابيش، تحت غطاء الاحتجاج من قبل المتظاهرين ضد استخدام مادة السيانايد بواسطة شركات استخراج الذهب.

    لكني أرى أن السيانايد كان المشكلة الظاهرية لتكون شعار المظاهرة، بينما كان المحتجون بل يتحدثون عن التحالف الشرير بين قادة القبيلة الموَرَّثين والتجار الجشعين والإسلاميين في الإنقاذ. ولم يأت ذكر لهذا حدث المظاهرة في الخطاب الذي تناول الأحداث، وتم التعتيم الكامل على دور الذهب في الأحداث، وجرى التعامل مع مناجم الذهب في دار الكبابيش وكأنها مجرد مكان صحراوي خال من معنى.

    (3)

    قضايا عرقية واجتماعية

    تتعلق قضايا العرقية والعنصرية بالرق وعقابيله في قبيلة الكبابيش، وقد آن الأوان للكبابيش ملاك الرقيق السابقين والراهنين أن يحرروا الأرقاء والأشخاص في وضعيات تشبه الرق بطريقة تتجاوز التحرير القانوني الشكلي، وهي ذاتها الخدعة مجربة لدى قبائل أخرى وفي موريتانيا، وجاء الوقت لكي يدفع هؤلاء الملاك السابقون والراهنون كامل الاستحقاقات المالية، والرمزية أيضا مثل كشف حقائق الاسترقاق والرق والاعتذار العلني للأرقاء السابقين، حيث لا يكون التحرير الحقيقي من العبودية إلا بدفع كامل الاستحقاقات. وإلا فليقولوا لنا برؤاهم هؤلاء سادة العبيد ومنهم من كان يستعبد امرأة مخصصة لإعداد الطعام لكلبه.

    وعلى مستوى آخر، تعين ملاقاة هذه القضية الشبابَ في أن يتحرروا من ثقافة الرق التي وجدوها في مجتمعاتهم أمرا “طبيعيا”، والملاقاة مع الرق تعينهم على تطوير لغتهم في مجال النقد والتحليل والتفكيك.

    وليست قضية الرق ببعيدة عن وضعية المرأة الكباشية التي لا تسمع عنها أبدا وكأن الرجال المسلحين المعتَدِّين بذكورتهم قطعوا لسانها، وهذه كذلك قضية اجتماعية حاضرة بسبب غيابها من المحادثة بشأن المفظعات الجماعية التي وقعت، بما في ذلك مفظعة أم بادر.

    فهل كان يعقل أن تحدث مذبحة أم بادر، أو أن نشهد جنون التعبئة المسلحة في ثمانمائة عربة ركابها رجال مسلحون قبح، لو كان للمرأة الكباشية أو الحمرية حضورٌ أو صوتٌ؟

    (4)

    مفهوم القبيلة

    إن مفهوم “القبيلة” هنا ذو ميوعة، فتختلط فيه الخرافات التاريخية والثقافية مع الأيديولوجيا والكلامات الفارغة من قادة القبيلتين والإسلاميين والمثقفين القبيليين، وتختلط فيه الجماعات البشرية ذات الأصول والهموم المتناقضة، والثقافة المفترضة بدون دليل انسجامها المدعى به، والحدود الجغرافية المختلف حولها، والتاريخ الاستعماري وما بعد الاستعماري ودورهما في تثبيت حكم النخب من بيوت بعينها مثل بيت علي التوم وبيت منصور وتكليف المستعمر القديم والجديد هذه القيادات بجمع الضرائب وحفظ الأمن للمستعمر، كذلك هو التاريخ في الأوراق، وهنالك القوة/السلطة ومعرفة الهيمنة والطبقية وكيفية نهب الموارد الطبيعية والإقصاء، وكذا نجد دائما في هذه القبائل المتعددة داخليا ذلك الرق الحاضر في عقابيله المسكوت عنها. ونجد عدم المساواة للمرأة. وهنالك وضعيات الصراع العرقي المنذر بالتفجر، مثل وضعية القرعان في قبيلة الحمر.

     (5)

    الصورة الأخرى للقبيلة

    فهذه “الصورة الأخرى” عن القبيلتين المتصارعتين لا علاقة لها بما حملته أغنية “أم بادر يا حليلا” التي تغنت بها يوما فاطمة الحاج أو فنانة أم بادر ذاتها سعدية عبد الله، ولا بما ترنمت به المغنية صباح عبد الله “منعوني سلام حميدة”.

    و”الصورة الأخرى” للقبيلة هي المسكوت عنه، والمدلس عليه بمثل تلك الأغنيات، في القضايا عن التوريث ونهب الذهب والرق وقهر المرأة. مما يستدعي دور الشباب لمواجهة هذا المسكوت عنه وكشفه، كالخطوة الرئيسة للتعامل معه بطريقة انتقادية وعقلانية، التعامل خارج أطر الخرافات والترضيات والخنوع. باختصار، التعامل العلماني.

    (6)

    فقبل الدخول في المقال التالي لعرض دلالات هذه الموضوعات الجوهرية، أسجل هنا وقائع الصراع القبيلي الأخير، وقد سبقته صراعات مسلحة بين القبيلتين، على عكس الادعاءات التزييفية للتاريخ، ويمكن اعتماد هذه الجزء من المقال الخاص بالوقائع مسودةً يمكن لكل كاتب آخر امتلاكها وأخذ ما فيها وتصحيحه والإضافة إليه وتكثيفه بالبيانات الصغيرة الدقيقة ونشره، حتى تكون لدينا “قاعدة معلومات موحدة” ذات مصداقية عن “الوقائع” في وضعيات هذه المفظعات الجماعية الأخيرة في ولايتي شمال وغرب كردفان.

    ويتوقع من الشباب نشر كتاب أو كتب عن هذه المشكلة الخطيرة الأخيرة، وهي لم تنته ولن تنته في وجود نظام الإنقاذ. ومجرد الشروع في كتابة كتاب يعين على التفكير.

    (7)

    ومن ثم يأتي دور التحليل، وفيه قد تختلف الرؤى رغم أن الحقيقة واحدة، حقيقة أن الأحداث الأخيرة لم تكن أفعالا إجرامية من قبل “متفلتين”، مما يروج له الإسلاميون المحتالون ويردده وراءهم قادة القبيلتين المستفيدون من الترتيبات السياسية والاقتصادية الراهنة.

    فهذا بل صراعٌ حول الاستحقاقات، وهو مشدود إلى رفض شعوب القبيلتين، والتعبير مقصود، رفض هذه الشعوب أوضاع اغتصاب النخبة المورَّثة حق هذه الشعوب في اختيار من تريد له أن يمثلها في رئاسة القبيلة وإدارة شؤونها وعلاقاتها الداخلية والخارجية، ورفض الشعوب الكباشية والحَمَرية اغتصاب النخبة المورثة المتحالفة مع التجار والسياسيين الإسلاميين المواردَ الطبيعية وتركها المواطنين أصحاب الحق في الفقر والمرض وغياب الحماية الاجتماعية، بينما يظل أبناء هذه النخبة يحظون بالتعليم العالي والجبايات والتسهيلات وبالوظائف ذات العائد المقدر.

    فيما يلي الوقائع كما أعدت تركيبَها من مجمل نتف الخطاب الضعيف والتدليسي أحيانا مما تم نشره، وكله من مكاني هنا في المنفى الإجباري في مدينة سياتيل بالولايات المتحدة الأمريكية.

    رابعا،

    كانت الشرارة حين سرق لصوص كبابيش جمالا من الحمر

    (1)

    في ليلة السبت 1 أبريل أو في فجر يوم الأحد 2 أبريل 2017، داخل حدود منطقة الحَمَر بولاية غرب كردفان، استحوذ ثلاثة أشخاص من قبيلة الكبابيش خلسةً على جِمال لم يُحدد عددُها وقيل في الأخبار إنها كانت مملوكة لأفراد في قبيلة بني بدر الحَمَرية. وهربوا بالجمال المنهوبة.

    وقع حادث الاستيلاء على الجمال ونهبها في منطقة تسمى التميد، تقع بإدارية فوجا، وفوجا منطقة بها مياه ووديان [خريطة غوغيل]، وهي تابعة لمحلية النهود حاضرة قبيلة الحَمَر بولاية غرب كردفان.

    (2)

    لا ندري الملابسات الدقيقة التي جرت فيها عملية استيلاء “اللصوص” الكبابيش على الجِمال موضوع النزاع والفرار بها، ولا نعرف عن أية أحداث سبقتها أو تخللتها. لكن نظرية العقل تخبرنا أن الواقعة مشحونة بالمعاني المغيبة.

    قد لا تكون هذه واقعة الاستيلاء بواسطة “اللصوص” الكبابيش على الجمال والهروب بها هي البداية للأحداث العنيفة الأخيرة بين الكبابيش والحمر. فهنالك دائما خلفيات سبقية. لكن واقعة “الجمال” تظل هي الشرارة التي أشعلت الصراع المستمر أصلا بين القبيلتين تحت السطح وفوقه.

    خامسا،

    ثم جاء رد الفعل الحَمَري بفَزَعٍ لتعقب “اللصوص” الكبابيش وقتلهم

    (1)

    مباشرة بعد اكتشاف سرقة الجمال، وفي ليلة السبت وربما فجر يوم الأحد 2 أبريل، تحرك أصحابُ الإبل المتعاضدون كأفراد من المجموعة القبيلية الحَمَرية، فيما يسمى “الفَزَع”، وهو الاستغاثة والمضي في طريق الخطر لتعقب آثار السَّرَقة الجناة الهاربين واسترداد الممتلكات التي نهبوها.

    لحِقت مجموعةُ الفَزَع بمن تمت تسميتهم في الخطاب الحكومي والخطاب القبيلي بـ “اللصوص”.

    (2)

    جاء في بيان “أبناء الحَمَر” أن مجموعة الفَزَع الحَمَرية كانت، قبل الفزع، فتحت بلاغا لدى شرطة فوجا، بشأن واقعة الإبل المنهوبة، وأن أصحاب الفَزَع لحقوا بـ “اللصوص”، لكن اللصوص الكبابيش تحدوهم ورفضوا تسليم الإبل المنهوبة، بل أن اللصوص بادروا بإطلاق النار على أهل الفَزَع، ومن ثم اضطر أصحاب الفَزَع الحَمَر إلى قتل “اللصوص” الذين رفضوا الاستسلام والتسليم، وجاء في البيان الحَمَري أن اللصوص جرحوا بعض أصحاب الفَزَع من الحَمَر.

    ولم يكن هنالك عند حدوث هذه الواقعة غير الحَمَر أهل الفَزَع ليحكوا قصة الواقعة، بعد أن كان هؤلاء الحَمَر الفازعون قتلوا “اللصوص” الثلاثة. فروايتهم غير قابلة للتصديق. لكن الثابت الوحيد هو أنهم قتلوا اللصوص الكبابيش الثلاثة.

    سادسا،

    فجاء رد الفعل الكباشي على حدث قتل الحَمَر مجموعة “اللصوص” من قبيلة الكبابيش

    (1)

    في ذات يوم الأحد 2 ابريل، نهارا، بعد واقعة قتل الحمر أولئك “اللصوص”، قامت مجموعة من الكبابيش بالاعتداء بالرصاص على مجموعة من أبناء من قبيلة الحَمَر، الغشيمات والغريسية، كانوا في طريقهم الى السوق في منطقة المقيرينات جهة عيال بخيت، في منطقة الحَمَر.

    وفي رواية أخرى جاء أن الاعتداء الكباشي كان داخل السوق. وربما كان الاعتداء حدث في الطريق إلى السوق ثم في السوق ذاته. فمسارح الجريمة تكون متحركة ولها امتدادات مكانية عبر زمانيتها.

    (2)

    جاء أن الكبابيش قتلوا في هذا الاعتداء عددا غير معروف من الحَمَر، ربما سبعة أشخاصا، وتسببوا في جرح آخرين. وأن القتلى والجرحى “تم نقلهم الى مستشفى النهود”. وأضافت المصادر الصحفية أن الكبابيش المهاجمين كانوا يلبسون زياً عسكرياً للتمويه، وأنهم استخدموا سيارات دفع رباعي مدججة بالسلاح، ثم انسحبوا إلى جهة الشمال بعد تنفيذ الهجوم، أي إلى منطقة الكبابيش.

    وفهِم الحَمَر أن العدوان الكباشي كان للثأر للأقارب الكبابيش الذين كان أصحاب الفَزَع الحَمَري قتلوهم بسبب “سرقتهم” تلك الجمال.

    (3)

    هنا يجب أن نفهم أن الأحداث كانت تتطور بسرعة تبدو غريبة، لكنها لم تكن غريبة إن لاحظنا أن النزاع انحصر في منطقة جغرافية محدودة، بين النهود وأم بادر وسودري، وأن المشاركين فيه كانوا يملكون عربات دفع رباعي، وكانت قياداتهم، على أقل تقدير، مربوطة بالشبكة المعلوماتية والهواتف الجوالة. وهنالك مشاعر الغضب العرقي التي لا تتباطأ ولا تنتظر.

    ويذكر الحَمَر أن الكبابيش قتلوا امرأة، ولم يجدالحَمَر لهذه المرأة توصيفا باسمها أو تاريخها إلا بالقول إنها كانت “عجوز”.

    سابعا،

    ثم جاء رد الفعل الحَمَري بفَزَع على متن خمسمائة عربة دفع رباعي

    (1)

    مباشرة خلال ذات يوم الأحد 2 أبريل، وللرد على العدوان الكباشي في منطقة السوق داخل دار حَمَر، تجمع أبناء المنطقة والمناطق المجاورة في دار حَمَر، ونظموا “فَزَعا” آخر وراء المجموعة الكباشية المعتدية الهاربة، ولغة “الفَزَع” هي ذاتها اللغة التي تم استخدامها في بيان قبيلة الحَمَر، وهنا كان الفَزَع مسلحا على متن أكثر من 500 عربة دفع رباعي، أي ما يقارب خمسة ألفا من الحَمَر المسلحين، بواقع عشرة أشخاص فقط في كل عربة، وأقدر أن العدد كان أكبر، فالمشكلة تم فهمها بطريقة صحيحة على أنها مشكلة قبلية تهم جميع أفراد القبيلة.

    (2)

    تحرك أهل الفَزَع خلف المعتدين الكبابيش الذين كانوا فروا شمالا إلى منطقتهم في دار الكبابيش.  وقيل إن أصحاب الفَزَع الحَمَري توغلوا بعرباتهم حتى منطقة أم قصة في دار الكبابيش، الواقعة جنوب مدينة أم بادر في دار الكبابيش، وشمال الفوجا في منطقة حَمَر.

    لكن المصادر لا تقدم نتيجة واضحة للفزع يمكن الوثوق بها، ولا تفيد ببينات تفصيلية بشأن ما إذا كان الخمسة ألفا من الحَمَر اشتبكوا في معركة كبرى مع مسلحين كبابيش أم كانوا اعتدوا على مدنيين من الكبابيش وجدوهم في طريقهم، بالإضافة إلى أشكال ملاقاة صغيرة ومحدودة لكنها متعددة.

    وقد ورد أن اشتباكات وقعت بين الطرفين وأنه كان هنالك ضحايا، ربما ستون قتيلا حين نحسب أن عدد القتلى الكلي تجاوز المائة والعشرين.

    ثامنا،

    نواتج الاشتباكات بردود الأفعال وبوادر التطهير العرقي

    كان هذا الحدث، ومحورُه الفَزَع في خمسمائة عربة دفع رباعي فوقها آلاف المسلحين الحَمَر الغاضبون، ذا علاقة تسبيبية بالهجوم الكباشي الذي كان حدث في السوق أو في الطريق إليه صباح ذات هذا اليوم الأحد 2 أبريل.

    وكما أسلفت، كانت الأحداث تتفاعل وتتلاحق بسرعة مذهلة، بسبب استخدام الطرفين العربات السريعة والهواتف النقالة، بالإضافة إلى الأخبار المنشورة في القروبات، مع الصور والفيديو.

    انتقل الصراع بين القبيلتين إلى مرحلة تصعيد أكبر، وخلق جوا عاما من الخوف، وأفضى إلى أن آلاف الحَمَر الذين كانوا موجودين قبل الأحداث في منطقة الكبابيش وجدوا حياتهم في خطر. وفعلا ترك عدد كبير من العمال الحَمَريين المُعدِّنين محال سكنهم وعملهم في مناجم الذهب ولاذوا بمدينة أم بادر، وبسودري، ومنهم من بقي “عالقا” في منطقة المناجم، وانطبق الحال ذاته على ألفين من العمال من دار حامد، وهي مجموعة غير حمرية وغير كباشية، جميع هؤلاء غير الكبابيش وجدوا أنفسهم في وضعية استضعاف وخطر وشيك، في سياق التعبئة وأشكال العنف بين آلاف المسلحين من القبيلتين. وكان الكبابيش أدرجوا ثلاثمائة عربة على متنها آلاف المقاتلين المسلحين لمواجهة الخمسمائة عربة من الجانب الحمري. لكن الكبابيش كانوا يملكون أسلحة أقوى وأشد تدميرا.

    هكذا تخلقت وضعية مقارِبة للتطهير العرقي، حيث أصبحت الحياة الآمنة غير ممكنة للمدنيين الحَمَر الذين كانوا يسكنون ويعملون في دار الكبابيش قبل بداية الأحداث، وهم بدأوا مغادرة دار الكبابيش مضطرين والاتجاه جنوبا إلى منطقتهم وأهلهم في دار حمر.

    تاسعا،

    التصعيد بمذبحة أم بادر

    (1)

    في يوم الإثنين 3 أبريل، قررت مجموعات من العمال الحَمَر في مناجم الذهب بالقرب من مدينة أم بادر في دار الكبابيش بولاية شمال كردفان، وربما في مناطق أخرى، قررت هذه المجموعات مغادرة دار الكبابيش كلية والاحتماء بديارها بين الأهل الحَمَر في منطقة النهود.

    (2)

    كان من بين المغادرين خمسون رجلا أو أكثر من الحَمَر على متن سيارتين في طريقهم من محل عملهم في مناجم “العطيشان” للذهب، أو هو منجم “ام خصوص”، غرب مدينة أم بادر، الكباشية، إلى مدينة النهود حاضرة قبيلة الحَمَر بولاية غرب كردفان، وكانوا فارين من دار الكبابيش خوفا على حياتهم في أعقاب تلك الأفعال العدائية بين المجموعات الكبيرة المسلحة من القبيلتين المعبئتين للصدام، واللتين اشتبكتا في أفعال عدائية سقط فيها قتلى وجرحى، يوم الأحد واليوم الإثنين 3 أبريل.

    (3)

    هنا، في طريقهم ولمَّا يترك العمال الخمسون في السيارتين منطقةَ أم بادر، وفق أقوال الحَمَر، اعترضتهم مجموعة كباشية مسلحة، واقتادتهم إلى غابة قريبة [حيث توجد غابات بالقرب من مدينة أم بادر، ويمكن مشاهدتها في خريطة غوغيل].

    في الغابة، جَرَّد أفرادُ المجموعة الكباشية العمالَ الحَمَريين الخمسين من جميع ممتلكاتهم، وأرغموهم على الانبطاح أرضا في منطقة فيها حشائش ناشفة [والوقت في أبريل فصحيح أن الحشائش كانت ناشفة]، ثم أشعلوا النيران في القش وأجساد الضحايا، وأطلقوا الرصاص على هؤلاء المدنيين غير المسلحين في تلك وضعيتهم، ونهبوا السيارتين، وتركوا ضحاياهم يحترقون.

    وجاء في بعض الروايات أن الكبابيش ذبحوا بعض الضحايا، ومثلوا بالجثث. وقال البعض أنهم شاهدوا الصور والفيديو.

    (4)

    هكذا مات حرقا بالنار 37 عاملا فقيرا من قبيلة الحَمَر كانوا أصلا فارين من مثل هذا المصير الذي كان بدا لهم متوقعا ووشيك الوقوع. ونجا من المذبحة بجراح وحروق أربعة عشر من العمال الخمسين. دائما بالتقريب، لأنا في رحاب الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة تتلاعب بالأرقام والحقيقة.

    جاء في رواية حكومية أن عدد القتلى كان 20، وجاء في أخبار أخرى أن القتلى المعدنين كانوا خمسين، من مجموع أكثر من مائة وعشرين قتيلا وثمانين جريحا بين الطرفين، بالتقريب.

    عاشرا،

    بعد مذبحة أم بادر: المشاعر الانتقامية

    (1)

    يوم الإثنين 3 أبريل، بعد الظهر أو مساء أو ليلا، لا أدري. بعد المذبحة ومغادرة الجناة الكبابيش. مشى الحمر الناجون الأربعة عشر على الأرجل في اتجاه دار حَمَر جنوبا. فوصلوا راجلين إلى منطقة “أم قصة”، ومنها تم أخذهم بالسيارات إلى مدينة فوجا الواقعة جنوب أم بادر، ثم إلى مدينة النهود حاضرة الحَمَر التي وصلوها ودخلوا مستشفاها لتلقي العلاج في الساعة الرابعة صباحا فجر يوم الثلاثاء 4 أبريل.

    (2)

    في ذات يوم الإثنين 3 أبريل، وصلت السلطات الأمنية إلى مكان المذبحة، في الغابة القريبة من مدينة أم بادر، وتم نقل الجثث المحترقة والمتفحمة بواسطة اللجنة الأمنية إلى مدينة سودري.

    ولا توجد معلومات عن الكيفية التي كان تم بها التعرف على مكان المذبحة الذي كان مخفيا في غابة بالقرب من المدينة.

    يجب أن نعرف هنا أن بعض الجثث لابد كانت تحولت إلى رماد مخلط بعظام صغيرة متكسرة، وربما تم ترك هذه الرفات في مكانها.

    (3)

    صباح يوم الثلاثاء 4 أبريل، في مدينة النهود، وفي المنطقة، وفي أرجاء العالم، انتشر خبر الصراع بين الحمر والكبابيش وخبر ما أسميه “مذبحة أم بادر”، وهي كانت “مذبحة” بسبب تضافر المكونات لتخلق وضعية مركبة، فيها خصائص القتلى والجرحى، كأشخاص مدنيين عمال فقراء، وعدد الضحايا الذي بلغ الخمسين بين قتيل وجريح وربما أكثر، والغلبة الطاغية للجناة الكبابيش في دارهم وبين أهلهم في منطقة أم بادر، مقارنةً مع عزلة الضحايا الحَمَر المستهدفين بعيدا عن قبيلتهم، وبشاعة التقتيل الذي انطوى على الذبح بالسكين والحرق بالنيران والضرب بطلقات البنادق وأهانة الكرامة بإرغام الضحايا الانبطاح ارضا ليتم تقتيلهم بطريقة جميلة.

    بالإضافة إلى التمثيل بالجثث ونهب الممتلكات والعربتين، وابتداء بفعل الهجوم الغادر المخطط والمنظم ضد العمال الضحايا وهم في طريقهم للنجاة من ذات نوع المصير الذي أحاق بهم.

    ويمكن أن ينطبق مفهوم “المذبحة” حتى على وضعية شخص وحيد يتم تقتيله بهذه الطريقة المفظِعة.

    (4)

    في صباح الثلاثاء، وبعد وصول الناجين وروايتهم قصة المذبحة التي وقعت في أم بادر، تظاهر القبيليون الحمر أهل الضحايا في مدينة النهود وطالبوا بإحضار الجثث من مدينة سودري الكباشية إلى النهود للتعرف على الضحايا ودفنهم. وجرت اتصالات بين أجهزة الأمن في النهود وسودري.

    وَعَدَت السلطات الأمنية في سودري بنقل الجثث إلى مدينة فوجا الواقعة قريبا شمال مدينة النهود. وارسلت النيابة من النهود فريقا إلى فوجا لاستلام الجثث وإحضارها إلى النهود.

    لكن السلطات الأمنية في سودري غيرت رأيها ولم تحضر الجثث إلى فوجا، بل دفنتها في سودري، وتعللت بأن الجثث كانت “تحللت” فرأت لزوم دفنها في الحال.

    وأرى أن السلطات الأمنية في سودري قصدت بـ “تحللت” أن الجثث المحترقة لم تكن إلا أقل من 10% من أحجامها قبل حرقها، وأن بعض الجثث أصبحت رمادا وعظاما صغيرة مكسرة، وربما كان منظر الجثث سيثير مشاعر غضب الحمر إلى درجة غليان أعلى.

    (5)

    عندئذ وخلال تلاحُق الأحداث، اندرجت حكومة الإنقاذ مبكرا وفي كافة المستويات، في الحركة لاحتواء الصراع خاصة بعد “مذبحة أم بادر” التي نقلت المشكلة إلى مستوى جديد في فظاعة العنف البين قبيلي.

    وقررت الحكومة الحل الأمني للمشكلة بنشر قوات نظامية للفصل بين القبيلتين المتحاربتين، مع تشجيع الطرفين على التهدئة، وتوجيه قيادات القبيلتين للتبروء من “المتفلتين”، وإرسال لجنة تحقيق من مكتب النائب العام إلى الأبيض، والأمر بإلقاء القبض عن الجناة، وهكذا …

    أحد عشر،

    لابد للشباب من كتابة قصة مذبحة أم بادر

    (1)

    فيبدو أن الأوضاع في ظاهرها هدأت، ولابد أعاد كل طرف قبيلي حساباته عن الربح والخسارة والخيارات والمحددات.

    ويمكن أن نحكم أن فورة المفظعات قد انحسرت. لكن ذلك لا يعني أن المشكلة الاصلية، أيا كانت، انتهت، وأرى أنها ستتفجر مجددا في مفظعات صغيرة هنا وهناك في شمال وغرب كردفان. إلى أن تحدث يوما مفظعةٌ رهيبة.

    والسبب في غاية البساطة، هو أن المشكلات الجوهرية التي أشرت إليها، وهي التوريث والتهميش والإقصاء ونهب الذهب وقضايا الرق والمرأة، يتم عمدا تغييبها من المحادثة، ويتم فرض فهم حكومي أمني عسكري غبي، على طريقة الإسلاميين، أن المشكلة تتلخص في الأفعال الإجرامية الفردية، وأن سببها محصور في متفلتين، خاصة في شخصين رئيسين لعصابتين حدد أحمد هارون والي شمال كردفان اسميهما، التيجاني محمد حامد المشهور بـ “كدي”، ونشاطه في محلية النهود بولاية غرب كردفان حيث قبيلة الحَمَر، ويرأس العصابة الأخرى محمد حسين آدم المشهور بـ “محميد”، ونشاطه بمحلية سودري في ولاية شمال كردفان حيث قبيلة الكبابيش، وقال أحمد هارون إن لهذين الشخصين سوابق جنائية، وإن بلاغات تظل مفتوحة ضدهما، وإنهما استغلا واقعة نهب الجمال لتحقيق مكاسب شخصية وإشعال نار الفتنة بين قبيلتي الكبابيش والحَمَر.

    هذا السخف هو التحليل الحكومي الرسمي للمشكلة. بينما نحن نعرف أن ثمانمائة عربة على متنها آلاف الرجال من المسلحين المدججين بالسلاح تم تحريكها بواسطة القبيلتين للمشاركة في معركة كبرى لم تقع لكن كان ممكنا أن تقع.

    (2)

    فيتعين على شباب الكبابيش والحَمَر في الجامعات أن يكتبوا القصة الكاملة لهذه المذبحة، من حيث مكانها، أو أمكنتها، وزمانها، والأحداث التي أفضت إليها، والجناة بأسمائهم، والضحايا بأسمائهم، والأسلحة، والكيفية التي تم بها تنفيذ المذبحة، والكيفية التي احترقت بها الأجساد، وكيفية نجاة الأربعة عشر شخصا، والأسماء، والأعمار، وأنواع السلاح، مع رسوم كروكية تبين مسار الضحايا من محلهم في المناجم عبر جميع الوقفات، إلى وصول الجرحى إلى مدينة النهود، مما لابد كان هروبا آخر للنجاة. وكذا لزوم التفكير الحر في الأسباب العميقة (التوريث، نهب الذهب، الرق والمرأة)، وفي مسارات الحل السلمي المحلي بالرغم من الإنقاذ.

    واعرض في المقال التالي إلى ما توصلَتْ إليه دراسات المفظعات الجماعية وكيفية منعها.

    عشاري أحمد محمود خليل

    [email protected]

    13 أبريل 2017.

    (منقول).

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    تعليق واحد على “مذبحة أم بادِر: الوقائع والأسباب وكيفية منع المُفظِعات القادمة بين الكبابيش والحَمَر”

    1. أيوب آدم في April 17th, 2017 5:21 pm

      هذا يجهله الكثير منا وبل من يستنكره أشد الإنكار بخصوص الرقيق فى السودان .

    لا تتردد في ترك التعليق...