الأحد  25  يونيو  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • نيتشه والتفكيك والعدمية

    April 9, 2017  

    (عبد المنعم عجب الفَيا)

    نيتشه والتفكيك والعدمية

    عبد المنعم عجب الفَيا

    في أحد حواراته المنشورة يقول رولان بارت: “في الحقيقة إنني اعتقد أن العدمية هي الفلسفة الوحيدة الممكنة في وضعنا الحالي.. إننا لا يجب أن ننسى أن الفيلسوف الذي مشى بالعدمية إلى حدودها القصوى هو نيتشه”(1).

    ويقول في ذات الحوار عما يجمعه بدريدا: “بالإضافة إلى كل الأشياء التي أدين بها إلى دريدا، هنالك شيء يجمعنا إن سمح لي أن أقول ذلك: إنه الشعور بالمشاركة او الرغبة في المشاركة في مرحلة من التاريخ سماها نيتشه بالعدمية”(2).

    هذا، وقد عُرف الفيلسوف الألماني فريدرك نيتشه (1844-1900) في العالم العربي على نطاق واسع بين المثقفين في خمسينات وستينات القرن الماضي بإيعاز من “الوجودية” التي وجدت رواجا في تلك الحقبة. إذ يعد الوجوديون نيتشه أحد رموزهم. وبإنحسار المد الوجودي تراجعت قيمة نيتشه ثم عادت مرة أخرى إلى الواجهة وبقوة عند اكتساح التفكيك للمشهد النقدي العربي في تسعينيات القرن الماضي. فأزدهرت ترجمة مؤلفاته من قبل مترجمين أكفاء ودور نشر تتعامل بحرفية عالية مع صناعة الكتاب.

    ولكن للأسف لم يصاحب ذلك إعادة قراءة لفكر نيتشه قراءة نقدية جذرية شاملة في ضوء المرحلة التاريخية التي نعيشها إذ لم تتجاوز الكتابة العربية عنه اجترار عبارات الثناء التي أطلقها عليه دريدا بحق وبدون وجه حق. فأفكاره في مجملها غير مواكبة لكثير من القضايا الملحة التي تمس حياة الناس مسا مباشرا مثل حقوق الانسان وحقوق المرأة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وغيرها.

    إن أفكار نيتشه ليست فقط نقدا للحداثة كما يحلو للبعض وصفها ولكنها في المقام الأول وقبل كل شيء تمجيدا للاستقراطية ولعهد الإقطاع والنبالة وعهد العبيد والحريم ومناداة صريحة بضرورة عودة ذلك العهد.

    غير أن الجانب العدمي في فكر نيتشه هو الذي جذب دريدا إليه. وإذا كان دريدا يتحدث عن تأثير كل من هيدجر وهوسرل ونيتشه وفرويد عليه، فتأثير نيتشه بلا شك هو الأعظم.

    ويصف كريستوفر نوريس حجم هذا التأثير بالقول: “استبق نيتشه استراتيجية دريدا إلى الحد الذي يبدو فيه أن الأثنين مرتبطان بتفاهم غريب.. فقد كان نيتشه يبدو وكأنه يطرح مقدما البرنامج والحيل المنتظمة للتفكيك من خلال تبني ذات الموقف التشكيكي الصارم ورفضه البقاء في أي مقام آمن للاستراحة في أي مفهوم أو منهج”(3).

    فقد استخدم نيتشه ذات المفردات التي استخدمها دريدا في التفكيك مثل التحطيم والتقويض، تحطيم وتقويض العقل والمنطق والحقيقة والمُثل وكل مباديء الميتافيزيقيا مثل مفاهيم الذات والجوهر والشيء في ذاته والعلة والمعلول وغيرها.

    يقول مثلا: “تحطيم كل الأصنام، وهي كلمتي المفضلة للتعبير عن المُثل، هو حرفتي”(4). ويقول: “تقويض كل القيم .. ومحاولاتي لتعاطي الفلسفة بضربات المطرقة كانت كلها من هبات هذه السنة”(5). ويقول: “كل من يريد أن يكون مبدعا في الخير والشر عليه أن يكون أولا مدمرا وأن يحطم القيم”(6).

    في المقدمة الضافية التي كتبتها جياتري سبيفاك لترجمتها الانجليزية لكتاب دريدا (في القراماتولوجي) تحدد مواطن تأثير دريدا بنيتشه في محورين: الأول “الشك المنتظم في الميتافيزيقيا وقيم الحقيقة والمعنى والوجود ومعنى الوجود”. والثاني: “مقاربة الخطاب الفلسفي مقاربة شكلية بلاغية بمفهوم الفيلسوف الفنان”(7).

    غير أن ما يميز نيتشه عن دريدا في كل ذلك هو أن طرح نيتشه يتسم بالجرأة والوضوح والحسم والحماس والثقة العالية بالنفس بينما يتسم طرح دريدا بالبرود والغموض المتعمد والتردد والمراوغة.

    أما دريدا نفسه فيحدد قيمة نيتشه بالنسبة له بقوله: “لقد ساهم نيتشه بقوة في تحرير الدال من اعتماده على اللوغوس أو من اشتقاقه منه ومن مفهوم الحقيقة أو المدلول الأولي التابع له بأي صورة فهمنا هذا المدلول ولم يستقر بكل بساطة في الميتافيزيقيا مع هيجل كما أراد له ذلك هيدجر”(8).

    وهكذا يشارك نيتشه، دريدا في تقويض مركزية اللوغوس أو مركزية العقل. يقول نيتشه:”لم يتولد عن العقل خلال الأزمان الهائلة الماضية سوى الأخطأ”(9). ويقول: “ابتدعت فكرة الروح والعقل بهدف تحقير الجسد وإصابته بالمرض، بالقداسة”(10).

    أما عن الحقيقة فيقول نيتشه: “الحقيقة حشد من المجازات والاستعارات والرموز.. فالحقائق أوهام نسينا أنها كذلك”(11). ويقول: “أفول الأصنام” وهو عنوان أحد كتبه “تعني بعبارة أوضح نهاية كل الحقائق”(12).

    وجدير بالملاحظة هنا أن نيتشه لا يتحدث عن حقائق وأخلاق وقيم بعينها حتى يقال أن نقده لهذه المفاهيم تاريخي نسبي. إذ لا خلاف أن هذه المفاهيم تتصف بالثبات النسبي والتبدل والتغيير النسبي كذلك. لكنه ينتقدها في أصولها، الأصول المنشئة لهذه الأخلاق والقيم فيما يصفه بالجينالوجيا و(جينالوجيا الأخلاق) أحد كتبه الهامة والذي يتألف من ثلاث مقالات رئيسية: الأولى يكرسها لمناقشة جينيالوجيا الأخلاق المسيحية ويخلص إلى أنها ولدت من روح الأضغان وليس من الروح كما هو الإعتقاد السائد. وأن المسيحية هي “ثورة على سيادة القيم النبيلة”.

    وفي المقالة الثانية يتحدث عن سيكولوجية الضمير. ويقول إن الضمير ليس هو صوت الله داخل الإنسان كما هو الإعتقاد السائد بل هو غريزة القسوة الشنيعة التي ترتد إلى الداخل عندما تغدو عاجزة عن إفراغ شحناتها في الخارج”. أما في المقالة الثالثة فينتقد الزهد وسيكولوجية القسيس(13).

    ولما كان “نكران الذات” و”الغيرية” منشأ لفضائل مثل الشفقة والتراحم والزهد يشن عليها نيتشه هجوما عنيفا فيصف الشفقة بأنها أخلاق العبيد “التي تطمع في السيادة وتسميها حرية”(14) ويصف التراحم بأنه “من عوارض النكوص”(15). يقول:”إن أخلاقيات نكران الذات هي أخلاق الإنحطاط بإمتياز”(16). ويقول: “إن فكرة نكران الذات والغيرية هي العلامة المميزة للانحطاط”(17).

    ومقابل ذلك يمجد نيتشه “الأنانية” و”الغريزة الطبيعية” ويصفها بأنها أخلاق السادة والنبلاء. يقول:”إن الأنانية تنتمي إلى جوهر النفس النبيلة، وأقصد بها ذلك الاعتقاد الراسخ بأن كائنا مثلنا يجب أن تخضع له كائنات أخرى وتضحي بأنفسها لأجله”(18).

    وحتى في نقده للعقل لا يستهدف نيتشه عقلا تاريخيا نسبيا بعينه ولكنه يستهدف العقل من حيث هو عقل. إذ يشن هجوما عنيفا على كل من سقراط وافلاطون لاتخاذهما العقل أساسا للفلسفة والمعرفة والمنطق والأخلاق:”لقد رأيت في كل من سقراط وافلاطون عرضيَ انحلال”(19).

    غير أن سقراط بوصفه أبا الفلسفة العقلية واستاذ افلاطون ينال النصيب الأكبر من السخط. يقول:”مع سقراط تدهور الذوق الإغريقي لصالح الجدل.. هنالك ذوق رفيع قد انهزم. ارتقى الرعاع بفضل الديالتيك. قبل سقراط كانت السلوكيات الجدلية تقابل بالرفض داخل الأوساط الراقية”(20).

    إن نيتشه معجب جدا بحياة الإغريق قبل سقراط التي يقول إنها تمجد حياة الغرائز الطبيعية. لذلك يرى في معادلة سقراط: عقل يساوي فضيلة تساوي سعادة، بأنها:”مناقضة لكل الغرائز الهيللينية القديمة”(21). وردا على ذلك يقول:”ضرورة مكافحة الغرائز تلك هي القاعدة التي يتأسس عليها الانحطاط: فطالما ظلت في حركة فإن السعادة تساوي الغريزة”(22). وإن”ارتماء الفكر اليوناني برمته في المنحى العقلي يفشي حالة أسى”(23).

    بل أن حنق نيتشه على سقراط يجعله يتشكك في أصوله الإغريقية:” ينتمي سقراط من حيث الأصل إلى الفئة الأسفل من الشعب: سقراط كان من الرعاع. الجميع يعرف وما يزال بإمكان المرء أن يرى كم كان سقراط قبيحا. غير أن القبح في حد ذاته، يعتبر لدى الإغريق أمرا قريبا من الإعتراض. هل كان سقراط إغريقيا أصلا؟ فالقبح غالبا ما يكون تعبيرا عن طبيعة مختلطة، عن تطور معاق بالاختلاط. وفي حالات أخرى يظهر كتطور انحداري. يفيدنا الانثروبولوجيون من علماء الإجرام بأن المجرم النموذجي قبيح. لكن المجرم منحط. فهل كان سقراط مجرما نموذجيا؟”(24)

    المرأة: بين نيتشه ودريدا:

    من المعلوم إن لنيتشه أراء سيئة جدا في المرأة فهي عنده مخلوق ضعيف وناقصة عقل ولا تصلح إلا لإنجاب الأطفال والسهر على راحة الزوج. لذلك يتخذ موقفا متشددا ضد حركة تحرير المرأة ويعتبره انحطاطا وتعديا على طبيعة وأنوثة المرأة. وقد اشتهرت كلمته المرعبة الواردة بكتابه (هكذا تكلم زرادشت) :” أذاهب إلى المرأة؟ إذن لا تنسى أن تأخذ معك السوط!”( 25).

    وأراء نيتشة حول المرأة ليست خواطر عارضة يمكن تجاهلها بل تمثل في مجملها موقفا مبدئيا وجزءً لا يتجزأ من فلسفته الإجتماعية والأخلاقية. ولا يخلو كتاب من كتبه من ترديد هذه الأراء السالبة. ولعل الفقرة التالية والواردة بكتابه (من وراء الخير والشر) تلخص كل فلسفته حول سؤال المرأة:

    “فأما الرجل العميق في روحه ورغباته والعميق أيضا في عطفه وصرامته وقسوته لا يمكنه أن يفكر في المرأة إلا على الطريقة الشرقية دائما. أعني لا بد أن ينظر إلى المرأة على أنها شيء يمتلك وعلى أنها متاع محجوب وعلى أنها شيء كتب عليه مقدما أن يستعمل في الخدمة المنزلية وأن يحقق ذاته فيها”(26).

    ويذهب نيتشه في كتابه (أفول الأصنام) أبعد من ذلك ويرفض الزواج القائم على الحب ويعتبره انحطاطا للحداثة: “أفضل شاهد على انحطاط رجال السياسة هو الزواج العصري.. المأخذ على الحداثة.. كانت حكمة الرابطة الزوجية تكمن في حصر المسؤولية القانونية في الرجل..لا يمكن أن تؤسس رابطة زوجية على قاعدة الحب إنما تتأسس الرابطة الزوجية على الغريزة الجنسية وعلى غريزة التملك، تملك المرأة وتملك الطفل، وعلى غريزة السيطرة”(27).

    ويرجع بعض الباحثين والكتاب نظرة نيتشه المعادية للمرأة إلى ظروف نشأته وإلى فشله في التعامل مع النساء. يقول برتراند رسل إن نزعة نيتشه الكارهة للمرأة تعكس” في رأينا عجز نيتشه عن التعامل مع الجنس اللطيف”(28).

    ويذهب الدكتور فؤاد زكريا إلى أنه في “وسعنا أن نقول إن فشل نيتشه في علاقاته النسائية كان من أسباب قسوة حملته على النساء” فعلاقاته النسائية “كانت محدودة عند بلوغه سن النضج” أما في طفولته “فيبدو أن البيئة النسائية الخالصة التي عاش فيها بعد وفاة أبيه والتي كانت تشمل أمه وأخته وجدته وعمتين عانستين، لم ترقه كثيرا”(29).

    غير أنني أرى أن ليس هذا هو السبب الحقيقي في موقف نيتشه من المرأة. ذلك أن نظرة نيتشه للمرأة هي جزء لا يتجزأ من نظرته للنموذج الاستقراطي الإقطاعي الذي يتخذه نموذجا مثاليا للحياة. وهو النموذج الذي ساد حياة الإغريق قبل سقراط وساد أوربا في عهد الامبراطورية الرومانية حتى قيام الثورة الفرنسية واستمر في اجزاء من أوربا حتى قيام الثورة البلشفية. وارتباط نظرته للمرأة بايمانه بالنموذج الاستقراطي هو الذي منعه من إدراك الظروف التاريخية والاجتماعية التي وضعت المرأة في هذه المكانة ومنعه أن يعي بأن تغيير وضعها رهين بتغيير تلك الظروف.

    لكن الغريب أن دريدا لم يتعرض في كتاباته لأفكار نيتشه الصريحة والقاطعة حول المرأة والدفاع عن عهد الإقطاع وتمجيد النبالة والعبودية ورفض الديمقراطية وحقوق الجماهير في السلطة.

    غير أنه عمد إلى تقديم محاضرة عن اسلوب نيتشه نشرت بكتيب سنة 1979 تحت عنوان (مهاميز: حول اسلوب نيتشه) Spurs ترجمه إلى العربية عزيز توما وابراهيم محمود إلى (المهماز). وقد وظف دريدا في هذا الكتيب “ثيمة” اللعب الحر للدلالة حيث مارس كل براعته في التلاعب اللفظي والبلاغي ليقول للقاريء علينا الا نأخذ بالمعنى الحرفي لنصوص نيتشه. ودلل على ذلك بايراد بعض النصوص المجازية لنيتشه مثل القول: “الحقيقة إمرأة” و”الحياة امرأة” و”الإسلوب امرأة”. ويكاد يدور كل حديثه حول هذه المجازات التشبيهية. وتفادى تماما مناقشة الأراء الصريحة والقاطعة. بل الحقيقة أنه جارى نيتشه في بعض أرائه السالبة حول المرأة كما سنرى.

    وكان من الطبيعي لهذه المحاولة أن تفشل فنيتشه بخلاف دريدا يعبر عن أرائه المركزية بطريقة مباشرة لا لبس فيها ولا غموض ولا مساومة. حتى التفكيكيين لم يتحمسوا لهذه المحاولة الفاشلة فهذا كريستوفر نوريس أحد أهم شراح دريدا ينتقد الكتاب بقسوة وذلك في كتابه Deconstruction (التفكيك) الصادر سنة 1982 حيث وصف محاولة دريدا بالعبث والتلاعب والخداع.

    ويقول نوريس: “يوظف دريدا ضد ذلك كل وسيلة ممكنة لتحرير طاقات نيتشه الإسلوبية ليسمح لنصه تشتيت المعنى إلى ما وراء كل إنغلاق مفهومي. غير أن هذه الاستراتيجية تبدو دائما في حالة نشاز مع نص نيتشه الواضح الصريح”(30).

    ويضيف نوريس: “إذا استدعينا مقولة نيتشه الشهيرة: أذاهب إلى المرأة؟ إذن لا تنسى أن تأخذ معك السوط. ستجد الحركة النسوية بلا شك صعوبة في هضم اسلوب دريدا في المحاججة كما وجدها كثير من الفلاسفة”(31).

    لكن الغريب حقا هو تراجع نوريس عن هذه الأراء التي صدع بها حول كتاب دريدا عن اسلوب نيتشه إذ عاد وأذعن بالكامل لرأي دريدا وذلك في كتابه Derrida (دريدا) الصادر سنة 1987 حيث ينتهي إلى القول: “إن كل الانتقادات العنيفة التي يوجهها نيتشة للمرأة تتميز بطابع مزدوج مما يجعلها تنقلب على الدوام، إذا جاز التعبير، ضد قصده المعلن”(32).

    وهذا مجرد كلام “والسلام” إذ لم يقم نوريس بأي محاولة للتدليل على صحة دعواه العريضة هذه وجاء كلامه كلاما مرسلا بلا سند.

    غير أن الثابت أن دريدا لم يصمت فقط عن أراء نيتشه الصريحة والقادحة في حق المرأة بل تواطأ معه حول بعض هذه الأراء. وهذا ما غض عنه نوريس وسائر التفكيكيين النظر. فمثلا يقتبس دريدا في كتابه (مهاميز) قول نيتشه الوراد بكتابه (من وراء الخير والشر):

    “فما علاقة المرأة بالحقيقة؟ منذ البداية لم يكن هنالك شيء غريب على المرأة ولا معاكس لها ولا معادي لها سوى الحقيقة. فبراعتها تكمن في الكذب وقضيتها الأساسية هي الظهور والإحتفاء بجمالها”(33).

    لم يدن دريدا هذا الرأى حول المرأة ولكنه أكد عليه وكرره بقوله:”إن مجمل قضية المسار الأنثوي يكمن في هذا المظهر الطافح بالمتناقضات. فالمرأة لها نمط مزدوج ومتناقض، ندينها ونعطف عليها في الوقت ذاته، كما الكتابة.. إنها لا تؤمن بالحقيقة مع أنها تجد مصلحتها في الحقيقة. إنها تمارس لعبة الإخفاء والتستر ولعبة الزينة والكذب والرياء والحنكة الماهرة”(34).

    حتى عندما يشبه نيتشه المرأة بالحقيقة، فهذا التشبيه قادح وليس مادح. فالحقيقة عند نيتشه وهم. وهذا ما يؤكده دريدا نفسه بالقول:” ليس للمرأة حقيقة لأن الحقيقة كامنة في نأي الحقيقة عن ذاتها. وما المرأة سوى الحقيقة ونقيضها”(35).

    التفكيك والخيار النيتشوي:

    في ختام ورقته المعنونة (البنية والعلامة واللعب في خطاب العلوم الإنسانية) التي قدمها بالمؤتمر المنعقد بجامعة جون هوبكنز بالولايات المتحدة سنة 1966 وافتتح بها عهد التفكيك، وضع دريدا ما يمكن وصفه “ميثاق” التفكيك كما جرت عبارة فينسينت ليتش في وصفه.

    هنا يضعنا دريدا أمام خيارين لا ثالث لهما لرؤية العالم. الخيار الأول هو رؤية مركزية العقل ويمثلها جان جاك روسو. والخيار الثاني هو خيار الرؤية التفكيكية العدمية ويمثلها فردريك نيتشه.

    ثم يوحي لنا بأن لا خيار لنا سوى اختيار الخيار الثاني. يقول: “إن المنحى البنيوي للمباشرة والفورية المبتوتة وقد تم توجيهه ناحية الحضور المستحيل أو الحضور المفقود للأصل الغائب، قد أضحى محزونا ونوستالجيا ومسكونا بالشعور بالذنب. وهذا هو الوجه الذي يمثله روسو من فكرة اللعب. ويمثل الوجه الآخر الإثبات النيتشويNietzchean Affirmation البهيج بلعب العالم وببراءة الصيرورة. إثبات عالم من علامات بلا خطأ، وبلا حقيقة. عالم مبذول باستمرار لتأويل نشط وفعال”(36).

    والإثبات النيتشوي البهيج أو المرح هو “إثبات” إرادة الحياة، حياة الغريزة الطبيعية، على النحو الذي كان يحياه قدماء الإغريق قبل سقراط ويرمز لها نيتشه بالاله ديونزيوس مقابل “نفي” إرادة الحياة ممثلا في الزهد ونكران الذات والغيرية وسائر الأخلاق (المسيحية).

    يقول نيتشه: “الإستجابة الإثباتية للحياة بما في ذلك مشكلاتها الأكثر قسوة، إرادة حياة مبتهجة بالتضحية بأرقى أنواعها لصالح ثرائها الذي لا ينضب هو ما اسميته ديونزيوسية..أنا آخر تلاميذ ديونزيوس”(37). ويقول: “في الإستجابة الإثباتية يكون النقض والتدمير شرطيين أساسيين”(38).

    من ناحية أخرى يصف دريدا الخيار الذي يمثله روسو بأنه :”يطمح إلى أن يفسر، ان يفك شفرة الحقيقة أو الأصل الذي يفلت من اللعب ومن نسق العلامة ويعيش ضرورة التأويل كمنفى”(39).

    بينما يصف الخيار الذي يمثله نيتشه بأنه: “هو الذي لم يعد يتوجه ناحية الأصل بل يعمل على إثبات اللعب ليجتاز إلى ما وراء الانسان والانسانية، إلى ما وراء اسم الانسان الذي ظل على امتداد تاريخ الميتافيزيقيا والتاريخ كله يحلم بالحضور الكامل وبالأصل وبنهاية اللعب”(40).

    غير أننا نرى بخلاف ما حاول دريدا تصويره أن نيتشه رغم نظرته العدمية لم يغادر الحلم بالأصل الغائب وبالحقيقة المفقودة، فهو لا يزال يحلم بالانسان وبالمدلول المتعالي وإن كان على طريقته الخاصـة مجسـدة فـي “إرادة القوة”.

    إن نيتشه لم يتجاوز الميتافيزيقيا كما يشتهي له دريدا بل ظل غارقا فيها إلى أذنيه “كما أراد له هيدجر”. فهو مثله مثل روسو ومثل أي انسان ذو تمركز عقلي لا يزال نوستالجيا يحلم بالأصل وبالحقيقة وبالحضور الكامل. ومثله مثل ليفي استراواش يتطلع إلى “انسانية جديدة” يجسدها “الانسان الأعلى”.

    فهو بعد أن أعلن عن موت “الإله” أقام مكانه “الأنسان الأعلى”: يقول: “ألا أخبركم عن الإنسان الأعلى. الإنسان شيء لا بد من تجاوزه. ماذا فعلتم كي تتجاوزوه”(41).

    وهذا الانسان الأعلى نسخة مطورة من الانسان الاستقراطي نموذج نيتشه المثالي للانسانية الحاضرة. يقول: “كل إعلاء للطراز المسمى انسانا كان حتى الآن وسيبقى أبدا من صنع مجتمع استقراطي ما، بوصفه مجتمعا يؤمن بسلم طويل من المراتب والفوارق والقيم بين انسان وانسان، مجتمعا في حاجة إلى العبودية بمعنى من المعاني”(42).

    ومن هنا جاء نقد نيتشه لليبرالية والديمقراطية والاشتراكية والمرأة والحركة العمالية والتي يصفها جميعها بأنها تمثل غريزة القطيع والرعاع والعبيد. يقول عن الديمقراطية:”نحن لا نعتبر الديمقراطية صورة انحطاط في التنظيم السياسي وحسب بل صورة انحطاط الانسان”(43).

    ويقول عن الليبرالية: “لا بد من توفر إرادة وغريزة لمناهضة الليبرالية حد الشراسة”(44). وإذا ما توفرت مثل هذه الإرادة سوف:”يتأسس عندنا شيء مثل الإمبراطورية الرومانية أو مثل روسيا- يقصد روسيا القيصرية- القوة الوحيدة النقيضة للدويلات الاوربية البائسة”(45).

    أما عن الحركة العمالية فيقول: “إن الغباء أو انحلال الغرائز الذي نشأ عنه كل أنواع الغباء اليوم هو السبب في وجود شيء اسمه (مسألة عمالية).. إن كنا نريد عبيدا، فإننا سنكون حمقى إذا ربيناهم تربية أسياد”(46)0 ويقول عن نظرية المساواة:”نظرية المساواة! ليس هنالك سم أكثر تسميما من هذه النظرية”(47).

    غير أن المفارقة اللافتة أن نيتشه نفسه يقر أنه رهين الخيار الأول، الخيار الذي يمثله جان جاك روسو. فهو يقول أنه نوستالجي وأنه يود العودة إلى الطبيعة !!

    جاء ذلك في سياق الهجوم الذي شنه نيتشه على روسو بسبب أفكاره التي ساهمت في قيام الثورة الفرنسية: “أنا أيضا أتكلم عن عودة إلى الطبيعة وإن كان الأمر لا يتعلق بعودة إلى الوراء بل بإرتقاء صعودا إلى طبيعة راقية حرة وفظيعة أيضا. لقد كان نابيلون نوعا من العودة إلى الطبيعة على النحو الذي أفهمه من العودة إلى الطبيعة. أما روسو فإلى أي شيء يريد أن يعود هذا الرجل؟ هذا الانسان الحديث الأول: مثالي وسوقي.. كان يريد العودة إلى الطبيعة هو أيضا. إلى أين كان يريد روسو أن يعود؟ أمقت روسو في الثورة أيضا. إنها التعبير التاريخي الكوني عن المثالي السوقي. ما أمقته فيها هو الأخلاقية الروسوية، الحقائق المزعومة للثورة التي تجعلها ما تزال قادرة على التأثير وعلى إقناع كل مسطح ورديء”(48).

    إن نيتشه إنسان يعيش خارج التاريخ ومحزن جدا أن يطرح من قبل بعض المثقفين العرب في القرن الواحد والعشرين، استنادا إلى مزاعم تفكيكية، بوصفه ثائرا! ثائر على ماذا؟ على أجمل وأنبل القيم والمباديء التي دفعت البشرية من أجلها دماء ودموع غزيرة. إنها غيبوبة تضاف إلى الغيبوبات الكثيرة التي يغط فيها مثقف (ما بعد الحداثة).

    ________

    • من كتابنا: (في نقد التفكيك) صدر في مارس 2015 عن منشورات الإختلاف بالجزائر بالإشتراك مع منشورات ضفاف بلبنان ودار الأمان بالمغرب.

    الهوامش والمراجع

    1- سعد البازعي، استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى،2004 ص 72

    2- المصدر السابق ص 73

    3- Christopher Norris, Deconstruction, Routledge, 2002, p. 56

    4- نيتشه، هذا هو الإنسان، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الثانية 2006 ص 2

    5- المصدر السابق ص 13

    6- المصدر السابق ص 155

    7- Spivak, Translator Preface, Of Grammatology, p. xxi

    8- Derrida, Of Grammatology, Translated by Gayatri Spivak, John Hopkins University Press, 1997, p. 19

    9- نيتشه، العلم المرِح، ترجمة حسان بورقية ومحمد الناجي، أفريقيا الشرق، 2000 ص 123

    10- نيتشه، هذا هو الإنسان، ترجمة ، علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الثانية 2006، ص 163

    11- Cited by Spivak, Translator Preface, Of Grammatology, p.

    12- نيتشه، هذا هو الإنسان، ترجمة ، علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الثانية 2006، ص 137

    13- المصدر السابق ص 135 و136

    14- نيتشه، من وراء الخير والشر، ترجمة جيزيلا فالور حجار، دار الفارابي، الطبعة الأولى2003 ص 90

    15- المصدر السابق ص 185

    16- المصدر السابق ص

    17- المصدر السابق ص 259

    18- نيتشه، غسق(أفول) الأصنام، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2010 ص 25

    19- المصدر السابق ص 26 و28

    20- المصدر السابق ص 27

    21- المصدر السابق ص 33

    22- المصدر السابق ص 32

    23- المصدر السابق ص 26

    24- المصدر السابق ص 26

    25- نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2007 ص 133

    26- نيتشه، من وراء الخير والشر، ترجمة جيزيلا فالور حجار، دار الفارابي، الطبعة الأولى2003 ص 206

    27- نيتشه، غسق(أفول) الأصنام، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2010 ص 149 و 150

    28- برتراند رسل، حكمة الغرب، الجزء االثاني، ترجمة فؤاد زكريا، عالم المعرفة، الكويت، العدد 365 يوليو 2009 ص 176

    29- فؤاد زكريا، نيتشه، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثالثة، ص 122

    30- Christopher Norris, Deconstruction, Routledge, 2002, p. 70

    31- Ibid. p. 7

    32- كريستوفر نوريس، دريدا: فصل، نيتشه وفرويد وليفيناس: حول أخلاقيات التفكيك، ترجمه حسام نايل ونشره بكتابه: صور دريدا: ثلاث مقالات حول التفكيك، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة، الطبعة الأولى 2002 ص 148

    33- جاك دريدا، المهماز، ترجمة عزيز توما وابراهيم محمود، دار الحوار، طبعة أولى 2010 ص 105

    34- المصدر السابق ص 109

    35- المصدر السابق ص 92

    36- Derrida, Writing and Difference, Translated by Alan Bass, Chicago University Press 1978, p. 292

    37- نيتشه، غسق(أفول) الأصنام، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2010 ص 179

    38- نيتشه، هذا هو الإنسان، ترجمة ، علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الثانية 2006، ص 156

    39- Derrida, Writing and Difference, Translated by Alan Bass, Chicago University Press 1978, p. 292

    40- Ibid., p. 292

    41- نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2007 ص 40

    42- نيتشه، من وراء الخير والشر، ترجمة جيزيلا فالور حجار، دار الفارابي، الطبعة الأولى2003 ص 243

    43- المصدر السابق ص 151

    44- نيتشه، غسق(أفول) الأصنام، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2010 ص 149

    45- المصدر السابق ص 151

    46- المصدر السابق ص 164

    47- المصدر السابق ص 163

    48- المصدر السابق ص 163.

    (منقول).

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...