السبت  25  مارس  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • مسرح الشارع .. الاستجابة لمقاومة التيار

    March 20, 2017  

    صلاح شعيب

    من خلال دعم قناة الشروق حانت فرصة لممثلين للخروج إلى الهواء الطلق، وتقديم عروضهم، وتذكير الناس بأهمية المسرح. لقد دخلوا الجامعات، والأسواق، ومحلات الزحام، ليقيموا فيها مسرحا يقدم عددا من القضايا الراهنة التي لديها علاقة مباشرة بحياة المواطنين ومستقبلهم. مسرحيو السودان ظلوا ملح الأرض منذ زمان طويل. هم من أوائل الطليعة المعرفية الذين نشروا التنوير بأشكاله كافة. فمنذ أن وفد إلينا المسرح في حقبة العشرينات عن طريق الجاليات الأجنبية اقتبس مسرحيونا عروضها التي تتم في دائرة ضيقة ثم ترجموها في واقعنا. فإذا كان الشاعران إبراهيم العبادي، وخالد أبو الروس، مثلما يشير بعض الأكاديميين، إلى أنهما من أوائل من سودنوا العمل المسرحي بناءً على التجارب السابقة لآخرين، فإنهم منحوا المجتمع كله الفرصة للوقوف على أهمية المسرح، ودوره في تطوير الثقافة. وهذه الخلفية الشاعرية للبنات الأولى للمسرح السوداني بشكله المتكامل جعلته أكثر ثراءً في أخيلته، ومفرداته، وبنائه. بل إن تلاحم الشعر، والدراما، ظل القاسم المشترك الملحوظ في كل مراحل تطور المسرح السوداني حتى انتهينا إلى تجربة فرقة السديم المسرحية التي يعدها الكاتب من أعلى تجليات الظاهرة المسرحية المتطورة التي وصل إليها مسرحنا. بل إن القارئ يلحظ أن النص الشعري الذي ابتدره العبادي من خلال المك نمر” و”أبو الروس” من خلال “خراب سوبا” ظل يلقي بظلاله على مادة المسرح في كل مراحله.

    وقد قامت النصوص الشعرية بدور كبير في توطيد رسالة هذا الفن، ليس فقط على مستوى المعروض المسرحي، والدرامي، في الموصلات الإعلامية، وإنما على مستوى المدارس، والأندية الثقافية كذلك. ولم يقف الأمر عند النصوص الشعرية المحلية، والعربية الملحمية فحسب، وإنما استعان الرواد الأوائل بترجمات لمسرحيات من الأدب العالمي في جوانبها الشعرية، والروائية، والقصصية. وهنا لا يمكن إغفال دور أحمد الطيب، والذي يعد من أول الحاصلين على شهادة الدكتوراه في السودان عموما، والمجال خصوصا. ولعل من خلال دوره التربوي، وتأثيره، في بخت الرضا انتقل المسرح بخشبته، ورسالته، إلى كل نواحي البلاد عبر كل المراحل التعليمية. وهاهنا لا يمكن أيضا نسيان الدور العظيم الذي قدمه الفكي عبد الرحمن، والذي ظل لأكثر من نصف قرن رمزا تربويا، ومسرحيا، وإداريا.

    وما بين التجارب الأولى للشاعرين المذكورين والسديم تنوعت المدارس المسرحية بتنوع الخلفيات الفكرية، والبيئية، والثقافية، والفنية، لرواد المسرح. ولاحقا قطعت الإنقاذ التطور المتصاعد في النماذج المسرحية، إذ بسبب طبيعة المشروع الحضاري كان لا بد من استهداف المسرحيين، والدراميين، لكونهم يمثلون حقل الاستنارة. فمن ناحية ساهمت هجرة المبدعين في تكلس العمل المسرحي، وشحه. ومن ناحية أخرى صار المسرحيون في الداخل أشبه باليتامى الذين يجدون المضايقات، والتهميش، في الإذاعة والتلفزيون. ولذلك تقلص الاهتمام بالمسرح القومي، وصار بلا ميزانية معتبرة، فيما أصبحت الرقابة الذاتية والرسمية سببا في غياب المواسم المسرحية، والتي كانت تشجع المسرحيين في تقديم عروضهم بلا عرقلة، أو تحرشات سياسية. وبرغم من أننا عاصرنا محاولات الأستاذ مكي سنادة في سعيه إلى خلق حركة مسرحية في النصف الأول من التسعينات عبر مهرجان الفرق والجماعات المسرحية إلا أن مشروعه اصطدم بتحديات جمة في ظل الخصام التاريخي بين المثقفين والسلطة.

    -2-

    ممثلو الهواء الطلق امتدت عروضهم إلى عدد من أقاليم البلاد ليناقشوا أمام الجمهور الذي يلتف حولهم تلقائيا مواضيع تتصل بالوعي المجتمعي. وقد نجح هؤلاء الممثلون في مهامهم حتى إن بعض المتفرجين يقتحمون حلبتهم، ويصبحون جزء من النقاش دون أن يتوقع كاتب السيناريو ذلك. ولكن براعة الممثلين تستجيب لهذا التدخل المفاجئ، ويستمر العرض خارج النص حتى يعود الممثلون لتكملة ما تبقى من السيناريو المحدد لاستهداف الظاهرة، أو القضية محل التناول. وبعد نهاية العرض الذي يستمر في الغالب لمدى ثلث الساعة تتاح الفرصة للجمهور للإدلاء بدلوه ليضيف لطرح الممثلين بعدا آخر. وهاهنا يتحول المتفرج إلى شخص متفاعل مع مضمون المسرحية وما حوت من إشارات وإيماءات ولعلك تحس من خلال آراء الجمهور بأن الممثلين قد أوصلوا الفكرة الأساسية لذهن الذين تابعوا العرض المسرحي وذلك برغم غياب المؤثرات المسرحية المعروفة في فضاء مسرح الهواء الطلق. إذ لا يستعين الكادر بميكرفون، أو موسيقى، أو إكسسوارات، أو مكياج، أو إضاءة. كل ما في الأمر أن هناك ممثلين، وساحة أرض طليقة، وجمهور يقف على أرجله لمشاهدة العرض الذي يبرع فيه ممثلون أمثال سامية عبدالله، وإخلاص نور الدين، ومحمد المهدي الفادني، ومحمد عبدالله موسى، وإبراهيم خضر، ومختار بخيت، وعدد آخر من المسرحيين الذين ارتبطوا بالوجود في البلاد، وفضلوا البحث عن أية كوة لمواصلة رسالة المسرح والدراما.

    القضايا الحيوية التي يناقشها هؤلاء المسرحيون تتنوع في مواضيعها وتمس ظاهرات جديدة تمددت في الممارسة الاجتماعية بسبب الظرف السياسي الراهن، والذي أدى للتدهور الحادث في الخدمات العامة، وغياب الاهتمام بها من قبل المسؤولين. وكما نعلم أن هناك أسبابا معلومة تمنع هؤلاء المسرحيين من تقديم أعمال أكثر عمقا تنفذ إلى ما وراء هذه القضايا، وتطعن الفيل في خاصرته. ولكن من الناحية الأخرى ليس أمام المسرحيين والدراميين من فرص سواء عبر الموصلات الإعلامية الرسمية، والخاصة، للتفكير في تنفيذ نصوص تعالج الأزمة الشاملة من جذورها الفكرية، والدينية، والسياسية. فالمتوفر لدراميي ومسرحيي البلاد المحاصرين في الداخل فقط هو تنفيذ مسرح، وتقديم دراما، لا يقلقان السلطة الحاكمة. ولذلك فشل مشروع مكي سنادة الباكر، ومسرح البقعة الذي أنشأه علي مهدي، ومحاولات المسؤولين في دراما التلفزيون، ومحاولات أخرى جماعية وفردية لإنعاش العمل الفني في المجال، ولجعل العمل الدرامي منتظما حتى يصبح الجمهور متفاعلا معه، ومشجعا له، ومستوعبا لفكرته. ولهذا لم تأت تجارب مسرح الهواء الطلق من فراغ. فمن جهة لا يوجد بديل للمسرحيين الذين فضلوا عدم قفي آثار زملائهم بالهجرة سوى أن يستنبطوا من الأفكار التي تربطهم بالجمهور. وكذلك الاستفادة من الهامش الضيق للحرية لنشر الوعي والاستنارة من خلال التطرق للقضايا الماثلة التي تخص المواطن، وتجعله قادرا على فهم دوره الإيجابي للتعامل مع الواقع بدلا عن التكبل بقيوده الجمة.

    -3

    تاريخ مسرح الهواء الطلق، أو مسرح الشارع أو مسرح الفرجة، أو مسرح الرتينة، مثلما يسميه بعض مؤرخي المسرح قديم، ومنغرس في تربة السودان. وأذكر في حوار أجريته مع إسماعيل خورشيد، ويس عبد القادر، أنهم ردوا الظاهرة إلى بداية القرن الماضي. وحكيا في ذلك الحوار المنشور في صحيفة الخرطوم إبان صدورها في القاهرة أنهما كانا يستعينان بالرتينة في مطلع الخمسينات لزيارة القرى حتى يقدما مسرحا في فناء القرية، وهكذا يتجولان في فيافي الشرق، والغرب، والجزيرة، بتلك الرتينة ليقيما إسكتشات درامية بعد صلاة المغرب. وحكى لي يس أنه جسد ذات مرة دور الخائن فتفاعل معه الجمهور حتى أن أحدهم اقتحم الحلبة، مستلا سكينه، والشرر يتطاير من عيونه. كاد ذلك الشخص البرئ يفتك بيس لولا تدخل الناس لإقناعه بأن الموضوع مجرد تمثيلية، وليست حقيقة. وهكذا كان المسرحيون يجذرون للاستنارة في ظروف صعبة ليسهموا في زيادة وعي الجمهور بقضاياه. ولاحقا جاءت جماعة مسرح الشارع بقيادة سعد يوسف، والشفيع إبراهيم، ومحمد السني دفع الله، ثم عاصرنا تجربة كواتو المسرحية التي كونها السماني لوال، وديرك الفريد، واستيفن أوكيرا، والتي كانت تقدم عروضها للناس وخصوصا النازحين من مناطق النزاع. كما أن جماعة السديم المسرحية بقيادة المخرج قاسم أبو زيد، والممثلين يحيي فضل الله، وموسى الأمير، وصالح عبد القادر، لها تجارب مماثلة. وربما لا يسعف الحيز بالإشارة الى كل التجارب المسرحية التي تصل إلى الجمهور في مواقع عمله، أو الأسواق، أو الساحات العامة.

    ولكن المهم هو أن هذا النوع من المسرح ما يزال أمامه مناطق خصبة للازدهار في ظل المقيدات الكثيرة التي جعلت العنكبوت يعشعش في مسارح السودان، وفي ظل شبق الرأسمالية الإسلاموية في التعدي على دور المسرح والسينما التي كان آخرها اغتنامها مسرح تاجوج بكسلا. الآن انفتحت آفاق جديدة للمسرحيين بعد استفادتهم من الميديا الحديثة. وشاهدنا تجارب جريئة فردية لمحمد تروس، وعوض شكسبير، في نقد الواقع السياسي. وبرغم أن هاتين التجربتين انحصرت في حيز عرض ضيق إلا أن التفاعل الكبير معها ربما يحفز مسرحيين كثر في الداخل والخارج على التطوير بأن تقدم مسرحيات، وأعمال درامية للجاليات السودانية. وهذا الأعمال، يمكن، بعد عرض، توثيقها ونشرها في اليوتيوب. وبنظرة إلى بعض الأعمال الدرامية فإن نسبة المشاهدة لمسرح الشارع فاقت في بعضها الثلاثين ألف نقرة. ولو قارنا هذا الرقم بعدد الذين كانوا يحضرون عروض المسرح القومي إبان انتظامه فإن البون سيكون شاسعا. وهذا يعني أن المسرح الذي يقدم الدراما والغناء كمكان يمكن تعويضه بمسرح اليوتيوب الذي يتيح مجالا كبيرا لكل المبدعين للانتشار ليس على مستوى الإطار المحلي فحسب وإنما الإقليمي، والدولي أيضا. وهذا الفتح الإعلامي الجديد والذي هو في بدء طوره ربما يرث دور الكثير من الفنون السبعة التي كانت إلى زمان قريب تهيمن على الاهتمام الجمهور. ولعل فرص المسرحيين في الخارج أفضل في تقديم نصوص عميقة نظرا لغياب الرقابة كما أن وجودهم في مناطق متعددة من العالم قد يساهم في تطوير خبراتهم البصرية، والوقوف على أفكار مسرحية جديدة فوقا عن الوعي الجديد الذي اكتسبوه. إن الانفجار الكبير في توفر أدوات التواصل الاجتماعي ينبغي أن يكون محفزا كبيرا للمسرحيين، والدراميين، والسينمائيين، لمغالبة الظروف التي غيبت مساهمتهم الثقافية، والفنية، بسبب الظرف السياسي الذي لا يعترف بدور الفن في التغيير. ونعتقد أن هؤلاء المبدعين المحترفين إن تقاعسوا عن استغلال هذه الفرصة فإن هناك عددا من مبدعي وهواة الجيل الجديد سيفعلون في الراهن أو المستقبل. والأمل أن تكون تجارب الناشطين في مسرح الهواء الطلق، أو الشارع، عبرة لكل المبدعين لإمكانية خلق بدائل تدفعها الميديا الجديدة الى الأمام وتؤرشفها للأجيال القادمة.

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...