السبت  25  مارس  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • إين الحقيقة؟ في جدل الخلاف بين دكتور عشاري و خالد التجاني

    March 20, 2017  

    زين العابدين صالح عبد الرحمن

    قرأت مقال الأستاذ خالد التجاني المنشور في جريدة إيلاف يوم 8 مارس 2017، بعنوان ” بعد نفاد صلاحية أخر نسخ ( الحركة الإسلامية) أنتهي الدرس… فهل من معتبر؟!” ثم قرأت مقال الدكتور عشاري أحمد محمود المنشور في صحيفة ” سودانيل الالكترونية” بعنوان ” الحركة الإسلامية كالدولة العميقة و لزوم تفكيكها” حلل فيه د عشاري ما كتبه التجاني في مقاله، من خلال سطور المقال يعتقد د. عشارى إن بعض الكتاب الإسلاميين و من ضمنهم الأستاذ خالد التجاني بدأوا في كتاباتهم الفصل بين الإسلاميين و العسكرين في سلطة الإنقاذ، بهدف إيجاد صكوك لبراءة الحركة الإسلامية، من ما اغترفته الإنقاذ من فشل سياسي و اقتصادي و فساد، و كل إنتهاكات الحقوق و القمع التي تمت في ظل السلطة القائمة. ثم ينتقل إلي نقطة جوهرية، هل الحركة الإسلامية هي مجموعة الأفراد الذين في السلطة، أم الذين يخرجون منها و القادمون إليها، أم هي الدولة العميقة التي بنتها، و ظلت متواجدة في كل أجزائها و تفاصيلها، و ممارساتها للقوة و العنف من خلال المؤسسات التي شيدتها و لاتزال عناصرها تديرها؟ لكن يظل هناك سؤالا مطروحا علي د. عشاري: هل كل ما تكتبه بعض النخب الإسلامية في نقد تجربتها الهدف منه تبريرا للخطأ، و في نفس الوقت تبرئة الحركة الإسلامية و تحميل المسؤولية للعسكريين؟ و القضية ليس محاكمة للضمائر بقدر ما هي البحث عن الحقائق. و كتابات الدكتور عشاري تختلف عن كتابات بعض الكتاب الآخرين، حيث إن للرجل منهج و تناول منطقي للموضوعات، و البحث في عمق الموضوع لايجاد الحقيقة، و من هنا يكون الدافع للتعقيب. و ندخل في متن الموضوع.

    كتب الأستاذ خالد التجاني مقالا في صحيفة إيلاف الاقتصادية بعنوان ” بعد نفاد صلاحية أخر نسخ ( الحركة الإسلامية) أنتهي الدرس… فهل من معتبر؟!” يقول في مستهل مقاله ( ليس مجرد أحساس عام ينتاب ” الإسلاميين الحركيين” هذه الأيام، بل هو الواقع بعينه، أن السلطة التي شيدوها بتدبير الانقلاب العسكري في العام 1989، علي حقبة الحكم المدني الثالث، لم يعودوا يملكون فيها مستقرا ولا قرارا، اللهم إلا شيئا من الذكريات ورعاية المصالح الذاتية و الوظيفية، التي لا تزال تربط البعض بدولاب الدولة، و الحقيقة أن خروج ” الحركة الإسلامية” بنسخها المتعددة التي توالدت علي خلفية صراعات قادتها الداخلية علي السلطة و النفوذ، من دائرة القرار في الحكم الإنقاذي ظلت تضعف و توهن تدريجيا حتى بدأت في التلاشي تماما منذ المؤتمر العام للنسخة الحكومية من الحركة الذي جرى في 2012 و الذي سلمت فيه آخر قلاعها للشرعية العسكرية) هذه الرؤية أو التحليل للواقع السياسي لمسار الحركة الإسلامية، هو تحليل يمثل وجهة نظر الأستاذ خالد الخاصة، أم هي رؤية جمعية، يحاول فيها الإسلاميون إيجاد طرق لتبرئة تنظيمهم، و رمي المسؤولية علي المؤسسة العسكرية. و لا نستطيع أن نحاكم الأستاذ خالد من مقال واحد، إنما يجب علينا أن نرجع لمجموعة المقالات التي ظل يكتبها باستمرار، قبل غياب رموز الحركة الإسلامية من واجهة السلطة التنفيذية. لكن د. عشاري لديه رؤية أخرى، عندما كتب معقبا علي مقال الأستاذ خالد التجاني مقالا  في صحيفة ” سودانيل” بعنوان ” الحركة الإسلامية كالدولة العميقة و لزوم تفكيكها”  يقول في بداية مقاله ( بأختصار يريد الأستاذ خالد التجاني النور بمقاله في ” رثاء .. الحركة الإسلامية.. ” تثبيت خدع إسلامية جديدة: أن الحركة الإسلامية السودانية خرجت من السلطة تماما و تركتها للعسكر، و أن جذور أزمة الحركة الإسلامية تتمثل في خطيئة الانقلاب العسكري، و في سوء التقدير السياسي و نفسانيات الإسلاميين، و غياب تجديد الفكر الإسلامي لهداية الحلول لمثل مشكلة التعددية في السودان، و أستحواذ الحركيين الإسلاميين بالسلطان دون القرآن) في مقدمة د. عشاري يحدد إن الأستاذ التجاني لا يمثل رؤيته، بل محاولة من أجل الخداع، و بالتالي هذه الصورة تؤكد أن البعض لا يفصل بين الموقف الذاتي و موقف التنظيم. و قد بدت واضحة بقوله ( بأختصار يريد الأستاذ خالد التجاني النور بمقاله في ” رثاء .. الحركة الإسلامية.. ” تثبيت خدع إسلامية جديدة) فليس هناك فاصلا بين الذاتي و التنظيمي، و مادم الشخص منتميا فعليه أن يتحمل وزر أية فشل حتى إذا توقفت مسيرته مع التنظيم سنين عددا، و هذا الاتهام أيضا كان موجها من قبل للحزب الشيوعي السوداني في عهد مايو، رغم إن الحزب قد خرج من النظام، و بقيت عناصر كانت تنتمي للحزب في السلطة، فالنخب السودانية رغم تباين مدارسها الفكرية لكنهم جميعا لا يختلفون في الثقافة السياسية و خاصة تجاه الآخر.

    و الملاحظ من خلال المقال إن الأستاذ خالد لم يتخذ من تعين الفريق بكري موقفا، إنما رجع للتاريخ و انتقد الحركة منذ إقدامها علي الإنقلاب، فيقول ( فقد كان المضي في طريق الإنقلاب قرار انتحاري قصير النظر، ربط مصير الحركة بقنبلة السلطة الموقوته، لقد كان طريقا ذا أتجاه واحد رهنت فيه الحركة الإسلامية مصيرها النهائي بمصير سلطة إنقلابية، و عندما تصل إلي السلطة بقوة السلاح فلا سبيل للمحافظة عليها إلا بالقوة، و ستبدو أية محاولة لاحقة لإضفاء مشروعية شعبية عليها أمرا هزليا بامتياز، و عندما تتحول المعركة إلي معركة وجود و بقاء بقوة السلاح و عنف السلطة و ليست معركة من أجل القيم الإسلامية المرفوعة ، فالنتيجة معروفة تذبح كل القيم الفاضلة علي عتبة المحافظة علي السلطة بأي ثمن لضمان البقاء في سدتها) و نقد الحركة الإسلامية من داخلها ليست مرتبطة بحدث بعينه، أنما أرتبطت بقناعات هؤلاء الذين كتبوا منتقدين لها في مسيرتها التاريخية مع سلطة الإنقاذ، و ليس الأستاذ خالد التجاني وحده الذي كتب انتقادا فهناك عددا من نخب الحركة الإسلامية، فكتب التجاني عبد القادر عدد من المقالات عن ” تحالف القبيلة و الأمن و السوق” لكي يشرح واقع النظام الذي شيدته الحركة الإسلامية، و توالت مقالات النقد لعدد من كتاب الحركة منهم عبد الوهاب الأفندي و المحبوب عبد السلام و الدكتور الطيب زين العابدين، و نعلم و يعلم الدكتور عشاري، إن الانتقاد ليس تراجعا عن المرجعية الفكرية، و لكنه تقييم للتجربة من جانب، و من جانب أخر تقديم رؤية الإصلاح و المعالجة، و ربما يكون النقد غير مقبول داخل المؤسسة و يمثل رؤية الذي كتبه، لكن د. عشارى لا يرى ذلك، إن أي نقد من شخص منتميا أو كان منتميا لا يمثل رؤية شخصية، إنما هي رؤية تمثل التنظيم، لأنها لديها بعدين العلني و السري، مستعينا بمقولة ” أذهب أنت للقصر و أذهب أنا للسجن.

    و ينتقل عشاري إلي  نقطة أخرى حيث يقول ( بات السؤال عن حقيقة وجود الحركة الإسلامية فعلا مثارا بقوة) ” الصدمة” في أوساط الإسلاميين” لخلافة بكري حسن صالح؛ أنفضاض سامر ” أخر ما تبقي من تنظيمات الحركة الإسلامية علي هامش النظام السلطوي” و غير ذلك من عبارات نهاية عالم الحركة الإسلامية و إزالته من كونية نظام الإنقاذ) و يعتقد د. عشاري إن تعين الفريق بكري حسن صالح رئيسا للوزراء أعتبره بعض الإسلاميين أنفضاض سامر عهد التزاوج بين الحركة الإسلامية و المؤسسة العسكرية، و بالتالي يجب أن يسلط الضوء علي هذه المؤسسة التي تحكم. و لكن يعتقد هذا تبرير و محاولة لتبرئة الحركة الإسلامية من كل الأخطاء و الانتهاكات، بهدف إعادة إنتاجها علي أسس جديدة. لكن في تحليلات السياسة التي تعتمد علي المعلومة، يجب أن تبتعد عن تأثير العاطفة علي البناء التحليلي، و قد تختلف الأراء في ذلك. هناك الذين يعتقدون إن تعين بكري لهدف منه يكون خليفة للبشير، إذا صدق في قوله إنه لن يترشح مرة أخرى، و هناك الذين يعتقدون سيطرة العسكريين و إبعاد الإسلاميين من السلطة. و اعتقد شخصيا إن المسألة أيضا رسالة طمأنة لحلفاء النظام الجدد في المنطقة، و خاصة الأماراتيين الذين لا يرغبون في التعامل مع حركات الإسلام السياسي، كما إن التعامل علي إن الحركة الإسلامية ما تزال تنظيم موحد تتعامل مركزيا، تبقي قراءة غير مكتملة الأركان، إن السلطة قد فرقت بين عضوية الحركة، و أصبحت هناك مجموعات متفرقة، و هذه متوقعة أية تنظيم أيديولوجي يصل إلي السلطة بطريق غير شرعي، و يعتمد علي القوة في البقاء سوف تطاله يد الانقسام في الصراع الداخلي للسلطة، حصلت في كل التنظيمات القومية التي وصلت للسلطة في كل من العراق و سوريا و مصر. و حدث حتى في التنظيمات الثورية التي وصلت السلطة في إثيوبيا و أريتريا و اليمن الجنوبي سابقا، و حدث في الاتحاد السوفيتي و الصين أثناء ثورة ماو سيتونج، و أيضا تحدث الآن في إيران، و بالتالي التعامل معها يجب لمعرفة الأسباب التي أدت للمفاصلة و أثرها علي مستقبل التنظيم.

    و ينتقل دكتور عشاري بنا إلي نقطة جوهرية، عندما يسأل ” ما هي السلطة المدعي فقدانها؟ و يجيب علي السؤال ( فالسلطة التي يقول لنا خالد أن الحركة الإسلامية خرجت منها إلي غير رجعة لا تعني في سييسيولوجيا السلطة، تلك المواقع القيادية في رئاسة العصابة الإسلامية المكونة من بضعة عسكريين و مثقفين يتطابقون كليا أو جزئيا و ظلوا يتبادلون الكراسي و فترات الراحة للأستماع بالأرصدة المنهوبة. بل السلطة كما قال ميشيل فوكو، موجودة في جزيئياتها الصغيرة الموزعة في المجالات جميعها في فضاءات أجهزة الدولة و الاقتصاد و المجتمع، و لا نجد السلطة كالقوة إلا و معها معفتها، لذا يتحدث فوكو عن السلطةالقوة/ المعرفة. و كذا نجد مع السلطة مضادها في المقاومة التي تستهدف تكنولوجيا السلطة- القوة/ المعرفة المتمثلة في العنف و القهر و إرهاب الدولة، و في المعرفة التي تعزز استخدامات تلك التكنولوجيا) و نتفق مع الدكتور عشاري ما ذهب إليه إن السلطة ليست مجموعة القيادات التي في السلطة التنفيذية و التشريعية و القضاء، إنما هي منتشرة في كل إدارات الدولة و أجهزتها و أدواتها و أجهزتها الأيديولوجية، هؤلاء يديرون دولاب الدولة بثقافة الحركة الإسلامية، و التي يقول عنها دكتور عشاري ( فالحركة الإسلامية هي الدولة العميقة ذات الجذور الراسخة في نظام الإنقاذ، لا يغير منه مرض النظام أو مآله إلي إنهيار ذاتي مدو، في أي وقت) و حتى إذا استطاع العسكريون السيطرة الكاملة علي النظام فإنهم سوف يرثون ثقافة الحركة الإسلامية و فهمهم للدولة، و يظل يطبقون ذات المفاهيم، فإذا ذهبت قيادات المفاصلة أو حتى عراب الحركة الإسلامية، سوف تظل الدولة العميقة التي شيدوها بكل أدوات القمع و إحتكارية الوظائف قائمة و تمارس مهامها.

    رغم إن الدكتور عشاري كان قد أشار في مقاله، إن المقال يتكون من ثلاثة أجزاء، و يجئ تعليقي علي المقالة الأولي، و ما يهمني في الموضوع. قضية جوهرية تتعلق بالعملية النقدية من قبل عضوية الحركة الإسلامية، هل هؤلاء لا يجب أن يقدموا رؤاهم النقدية في مسيرة تنظمهم؟ أو إن المقال النقدي لآي شخص منهم هو دافع تبريري، و محاولة لأحياء تنظيمهم من جديد بعد تبرئته من الأخطاء التي إرتكبها؟ إن الفارق كبير بين النقد و التبرير، و في العمل السياسي الذي يهدف لتحول في بنية الدولة مهم معرفة رؤية النخب الإسلامية، و معرفة تصوراتها للمستقبل، إذا كان بالفعل نبحث عن طرق بهدف بناء دولة ديمقراطية مدنية، بعيدا عن دولة المعتقدات الأيديولوجية. إن نقد مقال د. عشاري لمقالة الأستاذ خالد التجاني قد فتح أبوابا للحوار حول الخطاب النقدي الذي يخرج من المثقفين ذوي المرجعيات الإسلامية. مع بالغ التقدير للأستاذين معا. و نسأل الله حسن البصيرة.

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...