السبت  25  مارس  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • الفاضل عباس : العلاقات السودانية المصرية بين الماضي والحاضر

    March 19, 2017  

    (حريات)

    العلاقات السودانية المصرية بين الماضي والحاضر

    الفاضل عباس محمد علي

    مقدمة:

    قامت الحضارات الفرعونية والنوبية العريقة على ضفاف النيل فى كل من مصر وشمال ما يعرف الآن بالسودان منذ آلاف السنين؛ وعلى وجه الدقة تم توحيد مصر العليا ومصر السفلى علي يد الملك مينا مؤسس الأسرة الفرعونية الأولي فى القرن الثاني والثلاثين قبل الميلاد. ومنذ ذلك الزمن السحيق تمازجت الأقدار المصرية بالسودان الشمالي الذى كان يعرف ببلاد النوبة ، (حيث قامت مملكة كوش فى القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد)، “1”(موقع موسوعة التاريخ). وهناك من الباحثين الحديثين مثل البروفيسور شيخ أنتا ديوب، “2” (ديوب)، من يزعم أن مؤسسي الأسر المصرية الأولى كانوا أصلاً من شمال السودان، ويدلل على ذلك بما تبقى من آثار مثل أبي الهول ومنحوتات ورسومات للملك أحمس (على سبيل المثال) وكثيرين غيره من الفراعين المصريين اللذين يحملون تقاطيع كوشية وإفريقية واضحة المعالم.

    وقد ضمّت الملكة المصرية حتشبسوت منطقة النوبة حتى الشلال السادس لنفوذها فى منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وقد تم ذلك على يد القائد المحنك تحتمس الثالث إبن أخيها الذى ورث الحكم عنها فيما بعد، واستمر الوجود المصرى لما يقارب المائة عام ببلاد النوبة، وترك من الآثار المادية والأنثروبولوجية ما لا زال ماثلاً.

    وبما أن تبادل النفوذ كان ديدناً ثابتاً بين شمال وجنوب وادى النيل عبر التاريخ القديم، فقد غزا الملك الكوشي المسمي “كاشتا” مصر وأسس الأسرة الخامسة والعشرين فى منتصف القرن الثامن قبل الميلاد، وتوارث أبناؤه تهارقا وبعانخي حكم مملكة النوبة ومصر الذى امتدت رقعته من ما يعرف الآن بجنوب كردفان حتى سيناء وفلسطين، لمدة خمسة وسبعين عاماً. واستمرت مملكة كوش وعاصمتها “نبتة” – بالقرب من مدينة مروي الحالية بشمال السودان – حتى القرن السادس قبل الميلاد، وبعدها انتقل السلطان لمملكة مروي حيث ازدهرت لثمانية قرون ما عرفت بالحضارة المروية (ذات الإسم المشابه لمدينة مروى الحالية) بمنطقة البجراويية شرق النيل على مسافة قليلة من مدينة عطبرة عند ملتقى نهري أتبرة والنيل بوسط السودان الشمالي، وقد استمرت هذه المملكة حتى القرن الرابع الميلادي، ولها العديد من الإنجازات التي أكسبتها تفرّداً وتفوّقاً على الحضارة المصرية القديمة فى مناحى كثيرة: فقد تم صهر الحديد وصنع أدوات منه للمرة الأولي فى التاريخ البشري، وتمت الكتابة بالحروف الأبجدية وليس بالصور كحال الهيروغليفية المصرية، وكان شكل الأهرامات المروية مختلفاً عن رصيفاتها المصريات: أدق حبكاً وأكثر ألقاً من الناحية المعمارية رغم صغر حجمها نسبياً؛ كما اشتهرت مروي بالإستقرار وتشييد القصور الفخمة المزودة بأحواض السباحة، وبالتجارة مع بلاد العرب والهند ومصر وشمال إفريقيا وجنوب أوروبا….فى الصمغ والبخور والعاج والذهب وغيرها من الصادرات والواردات.

    وبعد اضمحلال وتلاشى الدولة المروية، قامت مملكتا علوة والمغرة النوبيتان المسيحيتان، الأولي عاصمتها دنقلا بأقصى الشمال، والثانية عاصمتها سوبا على النيل الأزرق، جنوب العاصمة الحالية الخرطوم ببضع كيلومترات. وما أن دخلت المسيحية إلى مصر فى القرن الأول الميلادي حتى بدأ النشاط التبشيري فى منطقة النوبة مباشرة، وكان الطلاب المبعوثون من الممالك المسيحية النوبية أهل حضور معلوم بمدرسة الإسكندرية، “3”(مهدى). وقد اكتمل تنصير تلك الممالك عام 550م، واستمرت مسيحية من الناحية الرسمية حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي.

    وبعد قرن من تحوّل الممالك النوبية للمسيحية، جاء الإسلام لمصر على سنابك العرب بقيادة الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه، الذى ما كاد يستقر بالكنانة حتي أرسل جيشاً عرمرماً بقيادة عبد الله بن أبي السرح لفتح بلاد النوبة؛ غير أن ذلك الجيش وجد مقاومة شرسة من النوبيين الذين أجادوا فنون الحرب والتصويب الدقيق للنبال والرماح لدرجة أن العرب أطلقوا عليهم إسم (رماة الحدق)، فلم يجد إبن إبي السرح بدّاً من اللجوء للمفاوضات السلمية ، وعقد مع عظيم النوبة إتفاقية عرفت ب”معاهدة البقط” عام 652م تمتعت بموجبها ممالك النوبة باستقلالها لمدة ثمانمائة عام، على أن تدفع جزية سنوية لوالي مصر نظير حراسة حدودها الشمالية والدفاع عنها إزاء الأعداء الخارجيين. وهكذا استمرت دويلات شمال السودان لفترة ثمانية قرون محتفظة بمسيحيتها ولغاتها المحلية، (و لا زالت معظم تلك اللغات حية حتى الآن بشمال السودان وجنوب مصر)، بينما كانت مصر طوال تلك الفترة وحتى الآن عربية ومسلمة بدرجة أساسية؛ وتعتبر تلك الفترة حاضنة ومبلورة لثمة سوسيولوجية وشخصية سودانية ذات ملامح تختلف عن الشخصية المصرية، ولقد تم فى تلك الأثناء انتشار الإسلام فى ربوع السودان بطريقة سلمية متدرجة بدون إشهار للسيف، واستمر تدفق القبائل العربية البدوية من شمال وادى النيل وعبر الصحراء الكبرى وعبر البحر الأحمر رويداً رويداً – سعياً وراء الكلأ، ولم تكن هنالك مشكلة فى استيعابها بالمراعى السودانية الرحبة التى لا زال البدو الأعراب يجوبونها حتى اليوم دون اكتراث للحدود السياسية؛ ودلفت مجموعات من تلك القبائل المتنقلة نحو المناطق النيلية الحضرية عن طريق المتاجرة والمصاهرة، وسمح لها نظام الإرث النوبي الذى يتناسل الملك فيه بواسطة الأم أن تعتلى السلطة السياسية شيئاً فشيئاً لدى عشرات الإمارات المتفرعة من دولتي علوة والمغرة، وكان هناك أمراء وشيوخ عرب مسلمون لعدة قبائل قبل أن تنهار آخر دولة مسيحية نوبية فى بداية القرن السادس عشر الميلادي.

    وعلى إثر سقوط دولة الأندلس بانهيار غرناطة عام 1498م، تدفق أعرابها بصحبة الكثير من العرب البدو الذين كانوا يجوبون الصحراء الكبرى…..نحو شمال السودان، وأضافوا زخماَ جديداً للقبائل العربية البدوية التى استوطنت الفيافي والسهول السودانية خلال الثمانية القرون السابقة لذلك، وبعد بضع سنوات سقطت مملكة دنقلا المسيحية بشمال السودان؛ ومع حلول 1504م قامت مملكة سنار (السلطنة الزرقاء) العربية المسلمة فى أواسط السودان، علي يد العرب “العبداللاب” المتحالفين مع “الفونج” – القبيلة الخلاسية الآفروعربية، وكانت عاصمتها سنار على النيل الأزرق بمسافة ثلاثمائة ميلاً جنوب الخرطوم، ودان لها كل السودان النيلي حتى الحدود المصرية، إما بصورة مباشرة، أو من خلال ترتيبات معينة تضمن لملك سنار حقوقه فى الخراج والجزية، وتمكّن عشرات الإمارات والممالك السودانية من الإستقلال بأمورها الداخلية.

    ولقد كان للزحف القادم من بقايا الأندلس وشمال إفريقيا أثر ما زال حياً بالمجتمعات السودانية، مثل الانحياز الكامل للمذهب المالكي (بينما المذهب السائد فى مصر هو المذهب الشافعي)، ومثل تلاوة ورش وأبو عمرو الدوري للقرآن الكريم، ومثل الطرق الصوفية كالتيجانية والقادرية والإدريسية والسمانية– القاسم المشترك الأعظم بين السودان والمغرب العربي – ومثل الإسدال فى الصلاة، والثوب النسائي المستخدم فى موريتانيا والسودان بنفس الطريقة، ومثل الذائقة الموسيقية والسلّم الخماسي المستخدم فى موريتانيا والسودان، ومثل التمسك بالقبلية والحياة البدوية (على عكس المجتمع المصري الذى أصبح حضرياً اختفت منه القبلية منذ مئات السنين، بحكم الحياة المستقرة على ضفاف النيل، وفق نواميس التنظيم الإداري البيروقراطي الدقيق المتوارث منذ آلاف السنين ).

    واستمر هذا الوضع لثلاثة قرون، مع ثمة استقرار للعلاقات مع مصر،على أرضية المصالح المشتركة والتجارة والمصاهرة والتعليم فى جو يسوده السلام؛ ومنذ نشأة الجامع الأزهر كان للسلطنة الزرقاء رواق به يسمي “الرواق السناري” مخصص للطلاب الوافدين من جنوب وادى النيل، وكان أولئك الطلاب يعودون بعد التخرج متمنطقين بإجازاتهم العلمية وبالسمت الأزهري المعروف ليعملوا قضاة شرعيين وموظفين ومعلمين للغة العربية والشريعة بكافة بقاع السلطنة الزرقاء، وما زال الرواق السناري موجوداً بالجامع الأزهر حتى اليوم.

    ولكن تلك المملكة الإسلامية العربية السودانية تعرضت لغزو من لدنّ مصر عام 1821م على يد الخديوى محمد علي باشا والي مصر – لحساب السلطان التركي العثماني بإسطنبول، وسقطت مملكة سنار عام 1822 وبدأ العهد العثماني التركي الذى استمر حتي اندلاع الثورة الوطنية السودانية (المهدية) عام 1881 بقيادة الإمام محمد أحمد المهدي القادم من منطقة دنقلا بشمال السودان ومعه مقاتلون من كافة قبائل وأنحاء البلاد، وسرعان ما انتصرت الثورة ودخلت جيوش الأنصار الخرطوم فى يناير 1885م وذبحت الجنرال شارلس غردون باشا سردار الجيش المصرى وحاكم عام السودان الذى كان فى نفس الوقت ضابطاً عظيماً بالإستخبارات البريطانية، مما يشير إلي تغلغل القوى الإستعمارية الأوروبية فى الشرق الأوسط آنئذٍ وتأثيرها القوي على الأوضاع – بل وتسييرها لدفة الأمور فى مصر بالتحديد. وفى الحقيقة كان والي مصر فى تلك الأيام هو الخديوي توفيق باشا ، وكان والغاً فى الفساد المالي والإداري لدرجة بعيدة مما دفع الشعب المصري للثورة بقيادة أحمد عرابي، وكان رد فعل توفيق هو الإستعانة بالإنجليز الذين لم يترددوا فى دخول مصر بجيوشهم عام 1882، (وهو الإحتلال الذى استمر حتى الجلاء فى عام 1954 بعد ثورة يوليو 1952)، رغم أنهم أبقوا على الوالي (ومن بعده الملوك من سلالة محمد على باشا حتى 1952) فى منصبه مع تجريده من معظم سلطاته، ولم يعطوا ذلك الإحتلال توصيف “الاستعمار المباشر” من باب التمويه بالنسبة للمنافسين الإستعماريين الآخرين، وبالتحديد فرنسا؛ ولعل غزوهم لمصر هو أيضاً تحسب وكمون للثورة التى اندلعت فى السودان قبل ذلك بعام، وثورة كالمهدية أمر لا يمكن أن تسكت عليه الإمبريالية البريطانية لأنه يخلق سابقة تهدد مصالحها فى إفريقيا والشرق الأوسط.

    ومن ناحية أخرى كان هناك ما يدل على الروابط الشعبية بين المصريين والسودانيين، حيث أن الإمام المهدى وأنصاره على سبيل المثال كانوا معجبين بأحمد عرابي وبثورته، وقد أمر المهدي الأنصار بألا يقتلوا غردون باشا ما استطاعوا لذلك سبيلا، لأنه كان ينوى مقايضته بعرابي الذى اعتقله الإنجليز وأودعوه سجناً بالمنفى خارج مصر، ولكن أحد الأنصار أرسل رمحه وأهلك غردون فى بهو قصره.

    ومصير الاحتلال البريطاني الذى حاق بمصر عام 1882 سرعان ما حاق بالسودان كذلك، فما كادت الدولة الوطنية السودانية الجديدة تسلخ ثلاث عشرة سنة من عمرها حتى أتاها الجيش البريطاني غازياً بقيادة الجنرال هربرت كتشنر عام 1898- بعد أن فرض الإنجليز على الحكومة المصرية تمويل الحملة مادياً ولوجستياً، وأوهموها بأنها ستكون شريكاً فى حكم السودان؛ وبالفعل أطلق اللورد كرومر – المعتمد البريطاني (الحاكم الفعلي) فى القاهرة – إسم (الحكم الثنائي البريطاني المصري) على النظام الجديد الذى تمخض عن غزو السودان، ورُفع العلمان البريطاني والمصري فى قصر الحاكم العام وفى كل الدور والمؤسسات الحكومية، رغم أن الحكم الحقيقي كان فى يد الإنجليز الذين كان الحاكم العام منهم (الذى هو فى نفس الوقت قائد “سردار” الجيش المصري)، وكذلك مديرو المديريات وضباط الجيش والقضاة وضباط الشرطة وكبار الموظفين بكل الإدارات، وكان المصريون مجرد موظفين صغار، كتبة ومحاسبين، أي مجرد إكسسوارات تساعد فى تسيير الماكينة الإستعمارية البريطانية؛ واستمر هذا الوضع حتي استقلال السودان فى 1\1\1956.

    النظرة الخديوية للسودان:

    علي الرغم من أن السودان انتزع استقلاله فى يناير 1885 من الحكم التركي المتحالف مع الإنجليز، وأنه استمر كدولة ذات سيادة لنيف وعقد من الزمان، إلا أن الدوائر المصرية الحاكمة لم تترك السيادة على السودان خلف ظهرها، واستمرت تدّعيها وتدعو لها كأن شيئاً لم يكن. وحتى بعد أن شارك الوطنيون المصريون فى السلطة بعد ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول ومحمود فهمي النقراشي وغيرهم، لم يتغير الموقف من السودان كثيراً، وكان موضوع السيادة على السودان بنداً ثابتاً فى المحادثات المصرية الإنجليزية الخاصة بالجلاء، كما برز الأمر بصورة واضحة فى اتفاقيتي 1936 و1946 بين الحكومتين، واستمرت النظرة غير الندية للسودان باعتباره مزرعة خلفية مستقبلية لمصر ومصدراً لمياه النيل التى يراها معظم المصريين خطاً أحمراً يعني الموت أو الحياة بالنسبة لهم. بيد أن الحركة الوطنية السودانية نفسها، ومنذ بواكير نشأتها فى عشرينات القرن العشرين، كانت تنادى بالوحدة مع مصر، ربما تأثراً بالجانب الوطني المعادى للاستعمار لدى الحركة الوطنية المصرية، أو لعله تكتيكاً مؤقتاً يهدف للتخلص من الإستعمار البريطاني أولاً، ثم بحث الأمر بعد ذلك مع الأشقاء الجيران: هل فعلاً هي سيادة مصرية؟ أم استقلال للإقليم السوداني ضمن كيان مصري مهيمن؟ أم تحالف فدرالي بين دولتين ذاتي سيادة؟ على كل حال، لقد أثبتت الأيام أن دعوة الوحدة مع مصر كانت مجرد تكتيك مرحلي، بدليل أن الحزب الإتحادي الذى جاء للسلطة قبيل الإستقلال بشعار وحدة وادى النيل، انقلب على عقبيه فى الزمن الضائع وانحاز للإستقلال التام – وهذا ما سنعود له لاحقاً؛ ولنستمر الآن فى الإستعراض التاريخي للعلاقة المصرية السودانية.

    ثورة 1924 السودانية:

    أحست الإدارة البريطانية فى الخرطوم بأن ثورة سعد زغلول ألهبت الحماس وسط السودانيين كذلك وفتحت شهيتهم لتقرير المصير، حتي لو كان تحت التاج المصري، “4”(طه-الحركة السياسية). وبالفعل قامت “جمعية اللواء الأبيض” من المثقفين السودانيين برئاسة الضابط على عبد اللطيف، (وهو أصلاً من جنوب السودان، أي إفريقي مائة بالمائة)، وأصدرت المنشورات التى طالبت بخروج الإنجليز من السودان ومصر، وبالوحدة التامة مع مصر. وسرعان ما اعتقل على عبد اللطيف وحوكم وسجن ثم نفي لمصر حيث تم حبسه إلى أن توفاه الله. وفى نفس تلك الأيام – وبالتحديد يوم 19 نوفمبر 1924 – أغتيل السير لي ستاك حاكم عام السودان أثناء تواجده بالقاهرة فى ظروف غامضة؛ فبينما اتهم الإنجليز العناصر الوطنية المناوئة بتلك الجريمة، أشار كثير من المراقبين إلى أن الإغتيال قد تم فى الغالب الأعم بواسطة المخابرات البريطانية نفسها حتى تجد المبرر الذى يمكنها من التخلص من القوات المصرية الموجودة فى السودان كجزء من اتفاقية 1899 للحكم الثنائي، خاصة بعد ثورة 1919، وبعد أن انكشف التنسيق بين الحركة الوطنية المصرية وجمعية اللواء الأبيض.

    ومهما يكن من أمر، فقد كانت النتيجة المباشرة لمقتل السير ستاك هي الأمر الذى صدر للقوات المصرية بمغادرة السودان فوراً. ولكن، فى نفس اليوم المحدد فى نوفمبر 1924 لمغادرة القوات المصرية، نظم رفاق عبد اللطيف من طلبة الكلية الحربية مظاهرة جابت شوارع العاصمة تطالب بإطلاق سراحه وبخروج الإنجليز من مصر والسودان، وتحولت إلي مجابهة عسكرية مع المفرزة البريطانية الموجودة بالخرطوم؛ وكان هناك إتفاق بين قيادة اللواء الأبيض والضابط أحمد رفعت قائد الكتيبة المصرية أن ينضم الأخيرون لطلبة الكلية فى تمردهم، ولكن الكتيبة المصرية ضربت صفحاً عن ذلك الإتفاق ولم تحرك ساكناً، وانسلّ قطارها بهدوء من الخرطوم بحري باتجاه القاهرة، بينما استمر الجيش والأمن البريطاني فى الفتك بالطلبة والجنود السودانيين وتصفيتهم عن بكرة أبيهم تقريباً، وتمت محاكمة من ألقي عليه القبض من قادة اللواء الأبيض وحكم عليهم جميعاً – ما عدا واحد – بالإعدام. ولقد أحس الوطنيون السودانيون بخيبة أمل كبرى فى زملاء الكفاح المصريين، وشكلت تلك الحادثة نقطة فارقة فى تاريخ الحركة الوطنية السودانية، ومنذ تلك اللحظة نشأ تيار استقلالي قوي شعاره (السودان للسودانيين)، تمخض فى نهاية الأمر (عام 1945) عن قيام حزب يجسد ذلك الشعار، هو حزب الأمة (حزب الطائفة المهدوية – طائفة الأنصار)، وكان أول رئيس له هو العميد عبد الله بك خليل أحد قادة ثورة 1924 (وهو من جذور نوبية مصرية، وكان ضابطاً بالجيش المصري فى بادئ الأمر)، وقد كان مشرفاً على المفاوضات مع الكتيبة المصرية التى وعد قادتها بالاشتراك فى الثورة وحنثوا بالوعد.

    ولقد ظلت الحكومة المصرية طوال تلك الفترة تجأر بالإحتجاج لدى الحكومة البريطانية على السد الذى بناه الإنجليز على النيل الأزرق، (خزان سنار – الذى بدأ العمل فيه قبل الحرب العالمية الأولي ثم توقف ليستأنف عام 1919)، لمد مشروع الجزيرة بمياه الري الإنسيابي، باعتباره مساساً بالحقوق المصرية التاريخية فى مياه النيل. ولكن مقتل السير لي ستاك أعطى دفعة أخرى للإنجليز للمضي قدماً نحو انجاز السد الذى تم افتتاحه فى العام التالي – 1925 – ليروى أكبر مشروع بالري الصناعي فى العالم لإنتاج القطن طويل التيلة، وهو أيضاً (أي إنتاج القطن) تخصص مصري سرعان ما لحقها السودان وبزّها فيه، فكانت الضربة مزدوجة بالنسبة للطبقة الحاكمة المصرية: مياه النيل واحتكار سوق القطن طويل التيلة.

    بروز الحركة الوطنية مجدداً:

    فى الحقيقة، بدأ الحراك نحو تقرير المصير الكامل للسودان، بدون الوصاية أو التبعية لأي من دولتي الحكم الثنائي، منذ وقت سابق لثورة 1924 المنتكسة، غير أنه كان محصوراً بين ثلة من المثقفين؛ ولقد كتب حسين الخليفة شريف، وهو من أحفاد الإمام المهدي، أربعة مقالات بصحيفة “حضارة السودان” فى أغسطس 1920 بعنوان (السودان للسودانيين) أصبح لها دوي هائل ، خاصة بعد الدور المصري التخذيلي إبان ثورة 1924، وبعد الضجة التى أحدثتها الحكومة المصرية بسبب قيام مشروع الجزيرة وبناء خزان سنار، وهو مشروع يصب فى صالح الإقتصاد السوداني مهما كانت نوايا الإنجليز المتعلقة بحاجتهم للقطن طويل التيلة. “5”(طه – نفس المصدر).

    ومن ناحية أخرى، ونتيجة لتعقيدات الوضع الدولي مع نذر الحرب الكونية الثانية فى منتصف الثلاثينات، وبعد أن قامت القوات الإيطالية بغزو الحبشة عام 1935، وقعت الحكومة البريطانية عام 1936 إتفاقية مع الحكومة المصرية حاولت بها أن تشترى الولاء المصري، عازفةًً على نغم “الحقوق المصرية التاريخية” فى مياه النيل، وسامحة للجيش المصري بالعودة للسودان، مع إطلاق وعودٍ مبهمة حول مستقبل السيادة على السودان. “6”(طه. نفس المصدر). ولقد أحيت تلك الإتفاقية جذوة الحركة الوطنية السودانية مجدّداً، وقوّت الإتجاهات التى تنادى باستقلال البلاد عن دولتي الحكم الثنائي، رغم أن الجدل السياسي ما انفك محتدماً حول الوجهة المستقبلية للبلاد، خاصة وهي أصلاً مقسمة لأقاليم، كالشمال والجنوب، بينها فوارق عميقة فى مستوى التقدم الإقتصادي والاجتماعي، ومرزوءة بالإستقطابات العنصرية والإثنية المزمنة والمنهكة؛ وكذلك نجد أن المجتمع السوداني منقسم إلى طائفتين دينيتين بنفس الوزن الجماهيري: طائفة الختمية بزعامة السيد علي الميرغني، التى ينتمي لها معظم أهل الشمال والشرق ومنطقة الجزيرة؛ وطائفة الأنصار يزعامة السيد عبد الرحمن المهدي، التى تتمركز فى دارفور وكردفان وجزء من وسط السودان؛ وهذه تناقضات سعت الإدارة الإستعمارية لإستغلالها وفق مبدأ “فرّق تسد”، كما ساعد على ترسيخها الجهل المتفشّى وطبيعة المجتمع السوداني القروية البدوية، مع ما يصطحبها من ولاءات قبلية مرادفة للولاءات الطائفية فى غالب الأحيان.

    ورغم كل هذه العوامل، تقدم المثقفون السودانيون ليلعبوا دوراً أصبح دوراً تاريخياً بالفعل؛ فقد كتبوا وتكلموا وتحاوروا كثيراً حول اتفاقية 1936 الإنجليزية المصرية وآثارها على السودان، وخلصوا إلي تنظيم أنفسهم داخل بناء جامع يبلور رؤاهم ويوحد صفوفهم لكي يتحدثوا بإسم الوطن ويساهموا فى بناء مستقبله؛ فكان “مؤتمر الخريجين” الذى انعقد عام 1938 وأمّه معظم خريجي المدارس السودانيين بكافة ميولهم وخلفياتهم، وانتخبوا لجنة تنفيذية برئاسة الأستاذ إسماعيل الأزهري (الذى أصبح فيما بعد رئيساً لأول حكومة وطنية – 1954)، وتدرج مؤتمر الخريجين نحو كيان شبيه بحزب المؤتمر الهندى بزعامة المهاتما غاندي الذى كان المتعلمون السودانيون متأثرين به وبنضاله السلمي الجسور من أجل استقلال شبه القارة الهندية طوال الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين.

    فى تلك الظروف اندلعت الحرب العالمية الثانية، وأبلي الجيش السوداني (قوة دفاع السودان) فيها بلاءاً حسناً، وساهم بشكل فعال في هزيمة الإيطاليين بالقرن الإفريقي وإخراجهم من شرق السودان وإثيوبيا منذ أول معارك الحرب، كما ساهم فى دحر الجيش الألماني الذى كان يقوده روميل ثعلب الصحراء فى ليبيا، مما أدّى لرفع معنويات الحلفاء ، وكذلك لرفع سقف المطالب السودانية الخاصة بتقرير المصير، فتقدمت اللجنة التنفيذية لمؤتمر الخريجين عام 1942 (وكان رئيسها فى تلك الدورة إبراهيم أحمد أحد زعماء حزب الأمة الذى نشأ لاحقاً) بمذكرة للحاكم العام مطالبة بوعد قاطع بالنظر فى حق تقرير المصير بالنسبة لأهل السودان عندما تضع الحرب أوزارها، بالإضافة لبعض المطالب الأخرى الخاصة بخدمات التعليم والصحة، وبأوضاع الجنوب وحوجته للتنمية الإقتصادية والإجتماعية.

    وإزاء الوعي المتزايد للطبقة المستنيرة السودانية وجرأتها المكتسبة وانعطافها نحو تقرير المصير وربما الإستقلال التام، سلكت الطبقة الحاكمة المصرية طريقاً جديدة نحو التعامل مع السودان، وهو شراء أكبر شريحة ممكنة من المثقفين لصالح الإتحاد مع مصر، وزرع أكبر كمية من المتعاطفين وضباط المخابرات المصرية فى صفوف الحركة السياسية، خاصة من الأشخاص المقيمين بالسودان منذ عدة أجيال وهم من أصول مصرية، وهي نسبة لا يستهان بها من السكان؛ فنشطت الدعوة “لوحدة وادى النيل” التى تبنّتها ما تسمى بالأحزاب الإتحادية (كالأشقاء والإتحاديين الأحرار وغيرهم)، وفى المقابل نشأت الأحزاب الإستقلالية التى شكلت جبهة تدعى “الجبهة الإستقلالية” من: حزب الأمة، الحزب الشيوعي (الذى كان إسمه آنذاك الجبهة المعادية للإستعمار)، الحزب الجمهوري، الحزب الجمهوري الإشتراكي، إتحاد نقابات العمال وإتحاد الشباب.

    ولم تستجب الإدارة البريطانية لمذكرة الخريجين، بل رفض الحاكم العام استلامها، ولكنها حرّكت المياه الآسنة، فسعى الحاكم العام نحو نقل السلطة للوطنيين السودانيين بالتدريج الذى يريده وبالمواصفات التى تفضلها الحكومة البريطانية، وأصدر خمس قرارات فى سبتمير 1942 كالآتي:

    1. إنشاء مجلس استشاري لشمال السودان
    2. التوسع فى إنشاء مجالس مدن بسلطات تنفيذية واستقلال مالي
    3. إنشاء مجالس مديريات استشارية

    1. التوسع فى استخدام السودانيين فى الحكومة المركزية ولجان المديريات
    2. تسريع إحلال السودانيين محل البريطانيين (السودنة).

    “7”(طه – الحركة السياسية).

    ولقد تم إنشاء المجلس الإستشاري عام 1943 من 218 عضواً يساعدون الحاكم العام فى تصريف أمور الدولة كمستشارين فقط، وليس مشاركين فى صنع القرار. غير أن الأحزاب الإتحادية بزعامة اسماعيل الأزهرى ورعاية السيد على الميرغني رفضت الأسلوب التدرجّي الذى سلكه الحاكم العام ورفضت أن تتعاون معه. وعندما أمر الحاكم العام بقيام “جمعية تشريعية” كبرلمان محدود الصلاحيات عام 1947 قاطعها الإتحاديون تماماً ولم يشاركوا فى انتخاباتها التى تمت بعد ذلك بعام، بينما شارك فيها حزب الأمة برئاسة عبد الله خليل وطائفة الأنصار بزعامة السيد عبد الرحمن المهدي والحزب الجمهوري الإشتراكي الذى كان يمثل الإقطاعيين وزعماء العشائر وكانت كلمة “الإشتراكي” لمجرد التمويه. “8”(طه-الحركة السياسية). أما الشيوعيون والحزب الجمهوري الإسلامي فقد إشتركوا فى مقاطعة الجمعية التشريعية أسوة بالإتحاديين.

    ولكن الإدارة البريطانية مضت فى طريقها متمسكة بالجمعية التشريعية، وتحول مجلس الحاكم العام الإستشاري إلى مجلس تنفيذي “مجلس وزراء” يرأسه هو ويحتل معاونوه الإنجليز المناصب المفصلية فيه، كالداخلية والدفاع والقضاء والخدمة المدنية، مع تعيين بعض السودانيين من زعماء حزب الأمة كوزراء للزراعة والصحة والتربية (وهم على التوالى: عبد الله خليل والدكتورعلي بدرى وعبد الرحمن على طه). واستمر هذا الوضع حتى عام 1954، إذ قامت فى هذا الأثناء ثورة يوليو 1952 فى مصر وأعقبتها مباشرة المفاوضات الإنجليزية المصرية المفضية لإتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان التى تم التوقيع عليها يوم 12 فبراير 1953.

    ثورة 23 يوليو 1952 المصرية:

    ما من شك فى أن الثورة التى قام بها الضباط الأحرار فى مصر للإطاحة بالملك فاروق وأسرة محمد على باشا أحدثت تغييرات بركانية فى المنطقة بأسرها، خاصة وادى النيل؛ ولقد تعاطفت معها كل الفعاليات والفصائل السياسية السودانية ، بما فى ذلك الأحزاب الإستقلالية، ربما لأن قائدها فى السنوات الأولى كان محمد نجيب ذا الجذور السودانية، “9”(نجيب)، فقد ولد فى السودان لأم سودانية من أصل تركي وأب مصري أتى مع جيش كتشنر عام 1898 وأقام بالسودان، ونشأ محمد بالخرطوم وحلفا ومدني وتعلم فى مدارسها، ثم ذهب لمصر حيث التحق بالكلية الحربية وتخرج ضابطاً بالجيش المصري، وعاد للسودان ليلتحق بالكتيبة العسكرية المصرية لبضع سنين، وشارك فى حرب فلسطين عام 1948، واشتهر بالشجاعة والكارزمية وفضائل الأخلاق، وكان على صلة بالسودانين الذين يؤمون أرض الكنانة لأغراض سياحية أو تجارية أو علاجية. ومنذ أيامه الأولى كأول رئيس لجمهورية مصر أجرى محمد نجيب محادثات واتصالات مكثفة مع كل ألوان الطيف السياسي السوداني، خاصة الإتحاديين والإستقلاليين، وأبدى تفهماً لرغبة السودانيين فى تقرير مصيرهم بأنفسهم بعيداً عن الخديوية التى تصرّم عهدها على كل حال، وكان له أثر واضح على الوفد المصري برئاسة جمال عبد الناصر الذى كان يتفاوض مع الإنجليز بخصوص السودان إلي أن توصل للإتفاقية المذكورة. (والجدير يالذكر أن ثورة يوليو أسقطت المطالبة بالسيادة على السودان، واعترفت بحق الشعب السوداني فى تقرير مصيره، كما وافقت على أن يكون مشروع قانون الحكم الذاتي الذى رفعته حكومة السودان بقيادة الحاكم العام إلى دولتي الحكم الثنائي فى 8 مايو 1952 أساساً لمفاوضاتها مع الأحزاب السودانية ومع الحكومة البريطانية.)

    “10”(طه – نفس المصدر).

    ورغم ذلك، فقد بقي شيء من رواسب السيادة على السودان فى نفوس معظم قادة ثورة يوليو، فهم حقيقةً لم يسقطوا شعار وحدة وادى النيل ولم يقبلوا بإنفصال السودان عن مصر ، وراهنوا على قدرتهم فى التأثير على الرأي العام السوداني، فعملوا على توحيد الأحزاب الإتحادية ودعمها وخوض أول انتخابات بها ، وكذلك الإستفتاء الذى نصت عليه الإتفاقية، علّه يأتي لصالح الوحدة الإندماجية مع مصر. وقد جمع اللواء محمد نجيب بمنزله فى القاهرة مندوبى كل الأحزاب الإتحادية، (الأشقاء، والجبهة الوطنية، ووحدة وادى النيل، ومؤتمر السودان، والإتحاديين الأحرار)، وظل يشجعهم ويلح فى الوساطة بينهم ، بمساعدة الصاغ صلاح سالم عضو مجلس الثورة والمسؤول عن ملف السودان، حتى أعلنوا قيام الحزب الوطني الإتحادى – جامعاً لكل الأحزاب الإتحادية – من دار نجيب يوم 2 نوفمبر 1952.

    وفى 20 أكتوبر 1952 زار القاهرة وفد يمثل الإستقلاليين وحزب الأمة والأنصار بقيادة السيد عبد الحمن المهدى، ووجد ترحيباً هائلاً من الحكومة المصرية ومن تنظيم الإخوان المسلمين بقيادة عبد القادر عودة، “والإخوان المسلمون أنفسهم كانوا من دعاة السيادة المصرية على السودان.” “10”(طه – نفس المصدر). وتوصل المسؤولون المصريون مع السيد عبد الرحمن ووفده لإتفاق هيكلي شكل أساساً لإتفاقية تقرير المصير التى صدرت عن محادثات جمال – هيد فى 12 فبراير 1953.

    وهكذا فإن الرؤى السودانية قد توحدت فى قاهرة المعز بفضل جهود محمد نجيب ورفاقه، وبدأ العد التنازلي لتوقيع الإتفاقية التى أجمعت عليها كل القوى السياسية السودانية، رغم أن كل جناح كان يضمر خطة مستقبلية يأمل فى إماطة اللثام عنها فى الوقت المناسب، أي بعد الإنتخابات النيابية التى حدد لها شتاء 1953 لتنتهى فى فبراير 1954 وتعقد الجلسة الأولي للبرلمان الجديد فى أول مارس 1954. وبالفعل جاءت الإتفاقية ملبية لطموحات جميع الأطراف المعنية، رغم أن الجانب الإنجليزي حاول أن يتلكأ بحجة أن الجنوب لم يكن ممثلاً فى محادثات القاهرة مع القوى السياسية السودانية، وأنه، أي الجنوب، ربما يفضل تطوراً دستورياً يختلف عن الشمال. وقد تخطت الأحزاب هذه العقبة بإستقطاب الأحزاب الجنوبية الموجودة فى الساحة لصالح الإتفاقية، قاطعين لها عهداً جنتلمانياً بالنظر فى مطلبها الخاص بالحكم الذاتي الإقليمي فى إطار سودان موحد بعد الإنتخابات النيابية وبعد قيام الجمعية التأسيسية المناط بها وضع دستور البلاد.

    وبالفعل بدأ تنفيذ الإتفاقية حسب الجدول الزمني المتفق عليه، واكتسح الحزب الوطني الإتحادي الإنتخابات لمجلسي النواب والشيوخ بفارق ضخم مكنه من تشكيل أول حكومة وطنية منفرداً، إذ حصل على 51 مقعداً فى مجلس النواب، وحصل حزب الأمة على 22 مقعداً فقط، ليكون حزب الأمة هو المعارضة – فى معيّة الأحزاب الصغيرة الأخرى الشمالية والجنوبية ؛ ولقد استبشرت الحكومة المصرية خيراً بتلك النتيجة التى أنفقت الغالى والنفيس من أجلها، ولكن هل جاءت الرياح بعد ذلك بما تشتهى السفن المصرية؟

    استقلال السودان: 1|1|1956:

    لقد اتضح بعد عامين من الثورة المصرية أن محمد نجيب كان مجرد رمز وغطاء تمويهي استخدمه الضباط الأحرار لفترة مؤقتة، وفى نوفمبر 1954 تخلصوا من محمد نجيب وحبسوه ببيت معزول فى عرض الخلاء لمدة 30 عاماً حتى نسيه الناس، وهكذا فقد حسم الصراع على السلطة داخل مجلس الثورة لصالح جمال عبد الناصر. ويبدو أن تعاطف السودانيين مع النظام المصري كان رهيناً بوجود محمد نجيب، لأن ذلك التعاطف أخذ فى الإنحسار لدى كل من الأحزاب الإستقلالية والإتحادية على السواء بعد إبعاد نجيب.

    وأخذت العلاقات بين الإتحاديين والنظام المصري تمر بالعديد من الأزمات والكبوات، وكان أولها مباشرة بعد حبس محمد نجيب، حيث تعرّض أحد زعماء الحزب الوطني الإتحادي والوزير بحكومة الأزهري الأولى وهو خضر حمد للإعتقال وإساءة المعاملة أثناء زيارة رسمية للقاهرة لأنه كان يحمل فى حقيبته نسخة من قصيدة الشاعر السوداني أحمد محمد صالح عن محمد نجيب بعد المصير الذى آل إليه، وصالح هذا كان من زعماء الحزب الوطني الإتحادي وعضواً بمجلس رأس الدولة الخماسي الذى حلّ مكان الحاكم العام؛ وتقول القصيدة:

    ما كنت غدّاراً ولا خوّانا كلا و لم تك يا نجيب

    ياصاحب القلب الكبير تحية من أمة أوليتها الإحسانا

    الثورة الحمقاء كنت صمامها من كل شائبة وكنت ضمانا

    أخذت من إسمك روحها وحياتها ومضت فكانت رحمة وحنانا

    ياويح مصر ما دهى أبناءها فمضوا على أحقادهم عميانا

    ركبوا رؤوسهم فكانت فتنة هوجاء ما تركت لهم إخوانا

    “11”(موقع Adab)

    وفى تلك الظروف أخذت الشقة تتسع أيضاً بين النظام المصري والحكومة البريطانية، حيث أن مصر الثورة، بزخم إعلامها الطنّان، خاصة إذاعة صوت العرب، أخذت تحرّض الدول العربية والشرق أوسطية التى ما زالت ترزح تحت النفوذ البريطاني، وأخذت تنحو صوب المواقف الراديكالية المعادية للإمبريالية بصفة عامة، ومنذ مؤتمر باندونق بإندونيسيا عام 1955 لدول عدم الإنحياز أصبح القادة المصريون من زعماء تلك الكتلة وآبائها المؤسسين.

    وفى نفس الوقت أخذت الشقة تضيق بين الحكومة البريطانية وحكومة الأزهري والحزب الوطني الإتحادي، “12”(طه-السودان)؛ فقد بعث أنتوني إيدن وزير الخارجية البريطاني فى أول يناير 1954 بكتاب للسير روبرت هاو الحاكم العام موضحاً السياسة البريطانية فى السودان أثناء المرحلة الإنتقالية، مؤكداً ضرورة تحسين العلاقات مع السيد علي الميرغني والإتحاديين وتشجيع أي اتجاهات بداخله للإبتعاد عن المعسكر المصري، مع عدم التخلي عن السيد عبد الرحمن وحزب الأمة. وقد كتب وليام لوس مستشار الحاكم العام مذكرة فى 13 أغسطس 1954 جاء فيها:

    (هناك مؤشرات تدل على أن فكر الحزب الوطني الإتحادي وبوجه خاص طائفة الختمية يتجه نحو الإستقلال. إن أعضاء الحزب الوطني الإتحادي وطنيون قبل أن يكونوا اتحاديين، وكلما ذاقوا طعم السلطة ونمت قوتهم فإن وطنيتهم ستتصاعد.) ، واقترح لوس دعوة الزعيم الأزهري لزيارة بريطانيا فى نفس عام 1954. “13”(نفس المصدر).

    وبالفعل توجه الرئيس الأزهري بصحبة وفد ضخم من قادة الحزب وطائفة الختمية إلى لندن يوم 7 نوفمبر 1954، حيث التقوا الملكة ورئيس الوزراء ونستون تشيرشل ووزير الخارجية أنتوني إيدن. ولقد نشط العمل منذ تلك الزيارة على تشجيع الإتحاديين لسلوك طريق الإستقلال الكامل، بعيداً عن أي إرتباط بمصر. وبينما كان النظام المصري يدفع بإتجاه رابطة دستورية مع السودان حتى لو اختار شعبه الاستقلال فى الاستفتاء الذى نصت عليه اتفاقية تقرير المصير، إلا أن الحاكم العام ومعاونوه وقفوا سداً منيعاً أمام الطموحات المصرية، وجاء فى برقية للحاكم العام إلى الخارجية البريطانية ما يلي:

    (إننا نرفض الحجة التى تقول بوجود روابط طبيعية واقتصادية وإثنية ودينية بين مصر والسودان تجعل من الضروري إقامة رابطة دستورية بين البلدين. إن القرب الطبيعي والدين المشترك والتجانس الإثني لا تعتبر أساساً للرابطة السياسية بين بلدين. إن القاهرة هي المركز الديني والثقافي لإسلام الشرق الأوسط تماماً كما أن الفاتيكان هو مركز العالم الكاثوليكي، ولكن هذه ليست حجة لرابطة سياسية خاصة بين مصر والسودان، أو لرابطة مماثلة بين مصر وأي دولة شرق أوسطية ثانية، أو بين إيطاليا وأي دولة كاثوليكية أخرى. يضاف إلى ذلك أن ثلث سكان السودان ليسوا عرباً أو مسلمين، كما أن هناك مزيجاً من الدم الإفريقي فى جزء كبير من باقي السكان.) “14”(نفس المصدر).

    وأثبت روبرت هاو الحاكم العام بالأرقام أنه لا توجد روابط إقتصادية خاصة بين مصر والسودان تلفت النظر، وأن حجم التجارة مع مصر ينخفض بإطّراد بالمقارنة مع تجارة السودان مع باقي العالم؛ ففي عام 1920 كانت واردات السودان من مصر تشكل 50% من وارداته، والصادرات تشكل 46% من جملة الصادرات السودانية، ولكن فى عام 1953 أصبحت الواردات من مصر فقط 8%، والصادرات لمصر 6%، كما أن البلدين متنافسان فى تصدير القطن طويل التيلة الذى يعتمد عليه الإقتصاد السوداني.

    وعلى الرغم من أن دستور الحزب الوطني الإتحادي كان ينص على الإتحاد مع مصر، إلا أنه لم تكن لدى المكونات المختلفة للإتحاديين رؤية متجانسة حول نوعية هذا الإتحاد ، ولم يفصح المسؤولون فى الحكومة الوطنية الأولى عن طبيعة الإرتباط مع مصر بعد تقرير المصير، وأحجم الأزهري عن تفسير كنه الإتحاد المتوقع مع مصر حتى لا يفجر أي خلافات فى حزبه أو مع النظام المصري قبل الوقت المناسب؛ غير أن الوثائق التى تم الكشف عنها مؤخراً أشارت إلى أن الرئيس الأزهري كان قد أسرّ لوليام لوس مستشار الحاكم العام فى 16 فبراير 1954 أن الإستقلال التام هو هدفه بلا أدنى شك. “15”(نفس المصدر). ولقد أدلى السيد على الميرغنى فى نفس تلك الأيام بتصريحات مشابهة، ناعياً فيها “وحدة وادى النيل” و”التاج الواحد”، باعتبارها شعارات تجاوزها الزمن، (فالأمة السودانية ترغب فى الإستقلال التام وستحصل عليه). “16”(نفس المصدر).

    ويبدو أن النظام المصري أحس بالنوايا الإستقلالية لدى الإتحاديين وبالتقارب الذى تنامي بينهم وبين الحكومة البريطانية، فعمل على تعطيل الإتفاقية أو إلغائها بشكل أو بآخر؛ إذ حدث تمرد للقوات الجنوبية بمدينة توريت بجنوب السودان يوم 18 أغسطس 1955، ونشبت محرقة هائلة بمعظم مدن الجنوب راح ضحيتها مئات الشماليين المدنيين المقيمين بذلك الجزء من الوطن كتجار وموظفين، وبعد ذلك بأربعة أيام اجتمع صلاح سالم وزير شؤون السودان بالسفير البريطاني فى القاهرة وأوضح له أن الأوضاع تستوجب إعلان حالة طوارئ دستورية، مشيراً إلى المادة 102 (2) من دستور الحكم الذاتى الذى فصلته اتفاقية تقرير المصير والتى تعطى الحاكم العام سلطة إعلان حالة طوارئ لمدة 30 يوماً، ولكن الحاكم العام كان قد اكتفى بحالة الطوارئ العادية وترك لحكومة الأزهرى أن تسيطر على الموقف بطريقتها الخاصة. “17”(نفس المصدر). ولقد تشكك الإتحاديون فى نوايا النظام المصري، خاصة عندما أعاد الإعلام نشر حديث قاله صلاح سالم قبل ذلك بستة أشهر (فى 21 أكتوبر 1954) لأنتوني نتنج وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطاني وبحضور جمال عبد الناصر، جاء فيه: (أنه يتوقع فوضى وإراقة دماء فى السودان بعد ستة أو سبعة شهور)؛ فهل كان ما يتوقعه هو تمرد الفرقة الجنوبية؟ هكذا تساءل السودانيون فى تلك الأيام، ولا زال الغموض يلف الأسباب الحقيقية التى فجرت ذلك التمرد الذى تناسلت منه حرب أهلية دامت لنصف قرن…وما زال السؤال قائماً: من هو المحرض الرئيس الحقيقي لذلك التمرد؟

    ومن ناحية أخرى فقد قطع النظام المصري شوطاً أبعد فى تردى علاقته مع الغرب، حيث أقدمت مصر على خطوة جريئة أغضبت الحكومة البريطانية، وهي إبرام صفقة سلاح مع تشيكوسلوفاكيا فى 27 سبتمبر 1955 اعتبرها الإنجليز كسراً لإحتكار تصدير السلاح لمصر الذى كانت يتمتع به الغرب، وإرباكاً لتوازن القوى مع اسرائيل. وقرر مجلس الوزراء البريطاني أن يكون الرد على عبد البناصر فى السودان، وفى 6 أكتوبر 1955 بعث هارولد ماكميلان وزير الخارجية بالبرقية التالية لنوكس هيلم الحاكم العام فى الخرطوم:

    (نظراً لقيام مصر بإبرام صفقة سلاح مع تشيكوسلوفاكيا، فإننا لم نعد بحاجة لمراعاة شعور المصريين كما كنا نفعل من قبل. هناك حجة قوية الآن لتسريع عملية حصول السودانيين على الإستقلال. إن الخطة الأصلية بموجب الإتفاقية تتطلب إجراء انتخابات لجمعية تأسيسية قبل تقرير المصير. أما الخطة التالية التى دعا لها البرلمان السوداني فتقضى بإجراء إستفتاء. ولكن الإجراءين يتطلبان إشرافاً دولياً. وليس هناك سببٌُ يحول دون السماح للسودانيين بإتخاذ القرار الذى يفضلونه بشأن الاستقلال دون المرور بتلك العمليات الصعبة والتى ربما تكون خطيرة. أرجو أن تقوم بإبلاغ رئيس الوزراء السوداني بأن حكومة صاحبة الجلالة على استعداد للإعتراف باستقلال السودان على الفور إذا كانت تلك هي رغبة السودانيين. ونقترح أن يكون الإشعار العلني فى غضون أربع وعشرين ساعة بعد إبلاغ الأزهري، وبالتالي يتم تجنب خطر التسريب للمصريين. وسيبلغ عبد الناصر قبل نشره مباشرة.) “18”(نفس المصدر).

    وقد لاقت الدعوة البريطانية هوىً فى نفوس السودانيين حكومة ومعارضة، وأجمعت كل الأطراف المعنية على ضرورة إختصار الطريق نحو الإستقلال؛ وبالفعل تم الإتفاق بين الحزبين الرئيسيين، الوطني الإتحادي والأمة، على إعلان الإستقلال من داخل البرلمان، وقد حدث ذلك فى يوم 19 ديسمبر 1955، وتم تحديد اليوم الأول من يناير – بعد أقل من اسبوعين – ميقاتاً لإشهار الإستقلال وإنزال علمي الحكم الثنائي ورفع العلم الوطني على قصر الحاكم العام الذى أصبح يعرف بالقصر الجمهوري.

    ورغم السلاسة التى تمت بها عملية الإستقلال ونقل السلطة للسودانيين، ورغم اعتراف النظام المصري ومباركته للخطوات التى فضلها السودانيون، فقد ترك إرث الحكم الثنائي وقبله الحكم العثماني آثاراً سلبية وإيجابية لدى كثير من المصريين والسودانيين على السواء، وتميّزت العلاقات بين البلدين منذ استقلال السودان حتى اليوم بالتذبذب بين الإستقرار النسبي والأزمات المتكررة، بين الصعود والهبوط، من خلال العديد من القضايا العالقة والملفات التى لم تحسم بعد.

    قضبة مياه النيل

    لم يكن السودان ومصر طرفين فى أي إتفاقية خاصة باستغلال مياه النيل طوال العهود الإستعمارية، إذ كانت تلك الإتفاقيات تتم بين الدول الإستعمارية، ويبدو أنه لم تكن هناك حاجة لثمة محاصصة بين دول حوض النيل، وذلك بسبب توفر الأمطار فى معظم مناطق السودان، وفيما قبل الإنفجار السكاني الذى لازم مصر فى الآونة الأخيرة وازدياد حاجتها لمياه النيل. ولم تتعرض إتفاقية الحكم الثنائي عام 1899 لمسألة مياه النيل، ولكن بما أن تلك الإتفاقية كفلت لبريطانيا سيطرة كاملة على إدارة السودان، فقد ظلت الحكومة البريطانية تستخدم بطاقة مياه النيل بين الفينة والأخرى للمساومة أو التهديد أو الضغط على الحكومة المصرية؛ وعندما أعدت يريطانيا سنة 1913 خططها لإنشاء خزان سنار ومشروع الجزيرة (300000فدان) ، تذمّرت الحكومة المصرية وعبرت عن اعتراضها، ولكن مضى المشروع حتى أنتج قطنه عام 1925 تلبية لحاجة مصانع النسيج بلانكشير فى بريطانيا. واستمر الحراك المصري معبراً عن القلق الخاص بتناقص هذا المورد بالنسبة لمصر، حتى وافقت الحكومة البريطانية على توقيع إتفاقية مكتوبة مع الحكومة المصرية، وهي إتفاقية سنة 1929 لمياه النيل.

    ولقد منحت هذه الإتفاقية السودان فقط 4 مليارات متراً مكعباً سنوياً من مياه النيل ومنحت مصر 48 ملياراً، وذلك هو الحجم التقديري للمياه التى تتدفق داخل السودان عبر النيل الأزرق والأبيض وفروعهما لتشكل نهر النيل. ويلاحظ أن الإتفاقية تمت بين الحكومتين البريطانية والمصربة (في إطار الوضع الشبيه بالإستقلال الذى أسبغ على مصر بعد دستور 1922 مع استمرار الإحتلال من قبل الجيش البريطاني والنفوذ الذى ظل يتمتع به المعتمد البريطاني فى القاهرة)، فى غياب لأي تمثيل، ليس فقط من جانب السودان، ولكن أيضاً من قبل الدول الأخرى ذات العلاقة بمياه النيل – إثيوبيا، يوغندا، كينيا، الكنغو، رواندا وتنزانيا. وكان لا بد أن يأتى يوم تطالب فيه هذه الدول بحقوقها فى مياه النيل، وهذا بالضبط ما حدث فى الأعوام القليلة الماضية.

    ولقد دخلت الحكومة المصرية فى مفاوضات مطوّلة مع الحكومات الديمقراطية المتعاقبة على السودان منذ إعلان استقلاله، بهدف زيادة حصتها من مياه النيل، نظراً للمشاريع الطموحة التى كانت القاهرة تخطط لها مثل السد العالي بأسوان واستصلاح الأراضي الصحراوية، وكانت تلك المفاوضات متعثرة على الدوام، حتى جاء نظام الجنرال إبراهيم عبود فى نوفمبر 1958 منقلباً على الديمقراطية، وكان أول “إنجاز” حققه بطريقة الحسم العسكري المباغت هو إبرام عدة إتفاقيات مع مصر عام 1959، كان أهمها اتفاقية مياه النيل التى منحت مصر بموجبها 18.5 مليار متر مكعب سنوياً والسودان 55.5 مليار، كما استوجب قيام السد العالي بجنوب مصر إقتطاع شريحة ضخمة من الأراضي السودانية لتغمرها مياه بحيرة ناصر خلف السد العالي بأسوان، وكان ذلك يعني إغراق عدة مدن وقرى سودانيه مثل “حلفا” ظلت قائمة منذ آلاف السنين، وبالفعل اختفت تلك الرقعة من الوجود مع ما تحمله من عمران وآثار على سطح الأرض وباطنها، وتم ترحيل سكان المنطقة قسراً لبقعة فى وسط السودان الشرقي ذات طبيعة ووجود جغرافي وديمغرافي غير مألوف بالنسبة لهؤلاء القادمين الجدد، إسمها “خشم القربة”، وكل ذلك نظير تعويض زهيد من الحكومة المصرية لم يقبله السكان المهجّرون، فاندلعت مظاهراتهم في الخرطوم وحلفا وغيرها من المدن السودانية، وتم قمع تلك المظاهرات بقوة الحديد والنار. “19 موقع التاريخ”.

    ولقد كان الظلم الذى تعرض له سكان حلفا النوبيون (أو الحلفاويون) من الأسباب التى ألهبت المقاومة ضد نظام عبود العسكري، إلى أن أطاحت به الجماهير فى أكتوبر 1964 عبر إنتفاضة سلمية عارمة تعرف بإسم “ثورة أكتوبر”. وفى فترة الحكم الديمقراطي الذى أعقب ثورة أكتوبر أعاد الإعلام والحركة السياسية فتح ملف حلفا وصفقة مياه النيل لعام 1929 وتم توجيه العديد من الإنتقادات والإتهامات والبلاغات ضد المشاركين فى المفاوضات التى قادت لإتفاقية إعتبرها كثير من السودانيين جائرة ومجحفة فى حق البلد وفى حق الحلفاويين. بيد أن النظام الديمقراطي نفسه لم يكن من القوة والثبات بمكان، وشابته الصراعات الحزبية والإنقسامات داخل الأحزاب والاستقطاب الحاد بين اليسار واليمين، مما قاد لحل الحزب الشيوعي بواسطة الحكومة بتحريض من الإخوان المسلمين وطرد نوابه من البرلمان عام 1966؛ وما هي إلا بضع سنوات حتى جاء إنقلاب عسكري آخر فى 25 مايو 1969، ولقد أشارت كل الدلائل والمعطيات إلى أنه قومي عربي ناصري بالإتفاق والتنسيق مع اليسار، وكان قائد الإنقلاب هو جعفر نميري الذى جيء به على غرار محمد نجيب كرمز كاريزمي مقبول لدى كل الأطراف، ولكن يبدو أن التاريخ لا يكرر نفسه فى كل الأحوال بنفس الطريقة، فلما حان وقت التخلص من النميري بإنقلاب داخل إنقلاب، (كما فعل عبد الناصر وعبد الحكيم عامر مع محمد نجيب)، من خلال الحركة التى قام بها شريحة من الضباط الأحرار الأكثر راديكالية بقيادة المقدم بابكر النور والرائد هاشم العطا والرائد فاروق حمد الله فى 19 يوليو 1971، لم يكن التخلص من النميري من السهولة بمكان، إذ عاشت تلك الحركة لثلاثة أيام فقط عاد بعدها جعفر نميري للسلطة مجدداً وفتك بجماعة 19 يوليو، ومعهم قادة الحزب الشيوعي ونقابات العمال الذين صفاهم عن بكرة أبيهم، فدانت له البلاد وظل جالساً على مقعد الرئاسة دون منافسة تذكر لخمس عشرة سنة كاملة، حتى قضت عليه انتفاضة أخرى سميت “انتفاضة رجب / إبريل 1985”.

    ومرت العلاقات السودانية المصرية أثناء الديمقراطية الثانية (1964-1969) بمرحلة شد وجذب، أساساً بسبب الملفات العالقة التى سلط عليها الشارع السوداني ضوءاً كثيفاً، مثل مياه النيل ومأساة حلفا؛ إلا أن مصر نفسها كانت فى محنة رانت عليها منذ نكسة يونيو 1967؛ وبعد أن استوي نميري على السلطة فى أعقاب حركة 19 يوليو 1971، تحسنت العلاقات بصورة درامية مع النظام المصري، واتجه نظام النميري نحو تمكين الرأسماليين المصريين فى السودان عبر مشاريع التكامل الزراعي والإقتصادي، وعبر إتفاقية الدفاع المشترك، مما سبب تذمراً وسط قطاعات واسعة من الحركة السياسية السودانية؛ وعموماً استمر الوضع كما هو عليه بالنسبة لمياه النيل ، عملاً بإتفاقيتي 1929 و 1959.

    ولكن الدول الإفريقية التى تقع على فروع النيل المختلفة والبحيرات التى تغذيه أخذت تطالب بنصيبها وتتحدث عن التعاون بين كل دول حوض النيل من أجل الإستثمار الأمثل لهذا المورد، مع حفظ حقوق الجميع والعدل بين كل الأطراف المعنية. وكانت نتيجة هذا الإتجاه الجديد ميلاد “مبادرة حوض النيل – فبراير 1999” التى تم التوقيع عليها فى تنزانيا بواسطة مصر والسودان ويوغندا وإثيوبيا والكنغو الديمقراطية وبوروندى ورواندا وتنزانيا وكينيا وإرتريا، هادفة لتدعيم التعاون الإقليمي لتحقيق التنمية المستدامة من خلال الاستغلال المتساوى للإمكانيات المشتركة التى يوفرها حوض نهر النيل.

    ولكن نظراً للحاجة المتزايدة للماء والطاقة الكهربائية المائية من قبل دول المنبع مثل إثيوبيا، فقد سعت بعض الدول لفتح ملف المحاصصة النيلية، وفى مايو 2005 وقعت خمس من دول المنبع (إثيوبيا وإرتريا ويوغندا وكينيا وتنزانيا) اتفاقية تطالب بتقسيم مياه النيل بصورة عادلة بين دول المنبع والمصب، وقد وقفت منها مصر موقفاً رافضاً للغاية، وتبعها السودان فى ذلك دون سبب منطقي واضح سوى الارتهان لدى النظام المصري، وجددت مصر الحديث عن عدم السماح بالمساس بحقوق مصر التاريخية التى كفلتها إتفاقية 1929 وإتفاقية 1959؛ ولكن الدول الإفريقية المعنية حاججت بأنها كانت مغيّبة عن تلك الإتفاقيات وليس هنالك نص فى القانون الدولي يلزمها بها، واعتبرت تلك الإتفاقيات لاغية من طرفها. وتم عرض إتفاقية 2005 مجدداً على مؤتمر شرم الشيخ لدول حوض النيل فى مايو 2010، ولكن مصر والسودان عارضاها مرة أخرى، بينما أجمعت عليها كل الدول الأخرى. “20”(موقع موسوعة التاريخ).

    وعلى الرغم من الحديث عن التحريض الخارجي والمخططات الإسرائيلية المتعلقة بتشييد مشاريع ضخمة فى أثيوبيا قد تؤثر على نصيب دول المصب من مياه النيل، إلا أن مصر والسودان تبدوان كأنهما تغردان خارج السرب؛ إن معاداة ثمانية دول إفريقية تشاطئ النيل مثلها لن تجدي فتيلا، والأسلوب الأمثل هو إعلاء شان المبادرة التى وقعت فى 1999، ومساعدة الدول الإفريقية المعنية على تحسين وسائل تخزين المياه وعلى الإستفادة القصوى من الأمطار…الخ؛ أو، على الأقل، الإستمرار فى الحوار السلمي الفني بصبر وتؤدة مع باقي دول حوض النيل حتى يتم التوصل لحلول مقبولة لدى الجميع؛ أما السباحة ضد التيار والتمترس خلف مسألة “الحقوق التاريخية” دون سند قانوني مقنع فهو موقف ضعيف من جانب مصر والسودان، وتوسيع للشقة مع الجيران الأفارقة الذين انضمت لهم مؤخراً دولة جنوب السودان يوم 9 يونيو 2011.

    مشكلة حلايب

    فى الوقت الذى كانت الحكومة المصرية تخطط لبناء السد العالي فى أواخر الخمسينات، وكانت على وشك إقناع السودانيين بالتنازل عن منطقة حلفا التى ستبتلعها بحيرة السد، وهو ما تم بالفعل عبر إتفاقية 1959، كانت تخطط أيضاً لضم رقعة حدودية أخرى على الركن الجنوبي الشرقي من مصر، مساحتها 20.580 كم مربع، وهي منطقة حلايب. فقد تفجرت هذه المشكلة فجأة عام 1958 عندما احتلتها كتيبة من حرس الحدود المصري بدعوى حراسة عملية التصويت فى استفتاء رئاسة الجمهورية بين جمال عبد الناصر وشكرى القوتلي، بينما كانت الحكومة السودانية منهمكة فى الإعداد للإنتخابات النيابية التى حدد لها يوم 27 فبراير من نفس العام؛ واعتبرت حكومة عبد الله خليل ذلك غزواً بلا مسوّغ، وهي فى الحقيقة محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومحاولة لتقوية الحجة القانونية التى يمكن أن تسمح لمصر بإدعاء ملكية حلايب؛ ولكن سبق السيف العزل، فلقد تمت عدة إنتخابات سودانية داخل مثلث حلايب “دائرة البشارين”، مؤكدة الحق السوداني فى هذه المنظقة، آخرها الإنتخابات النيابية فى عام 1953 ، وكان هناك نائب لمنطقة حلايب بالبرلمان السوداني الأول، وذلك فى حد ذاته حسب القانون الدولي إعتراف بالأمر الواقع – وهو تبعية حلايب للسودان، طالما تم السماح بقيام تلك الإنتخابات ولم يكن هناك أي احتجاج عليها أو شكوى لدى مجلس الأمن.

    ولقد كانت الحكومة السودانية مدركة لهذه النقطة، إذ تقدمت بشكوى لمجلس الأمن مباشرة بعد الغزو المصري ، وذلك بكتاب من رئيس الوزراء إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 20 فبراير 1958 ، أشار فيه للتدخل المصري غير الشرعي ولحشود القوات المصرية على الحدود المشتركة، وبما أن مصر تصر على إجراء استفتاء فى إقليم سوداني وبما أن السودان عازم على حماية إقليمه، فإن الموقف قد يؤدي إلى إخلال بالسلام ولربما يتطور إلى نزاع مسلح. وظل السودان يجدد هذه الشكوى سنوياً كشرط لإبقائها حية أمام القانون الدولي، وهذا ما ذكره مؤخراً مدير إدارة السودان بوزارة الخارجية المصرية الذى أبلغ مجلس الشعب المصري فى 24 فبراير 1992 أن “السودان لم يسحب شكواه من مجلس الأمن وأنه يقوم بتجديدها سنوياً”. “21”(طه – حلايب وحنيش).

    ومباشرة بعد شكوى السودان لمجلس الأمن، أصدر الرئيس عبد الناصر أوامره لقواته بالإنسحاب الفوري من منطقة حلايب ، من داخلها ومن الحدود المصرية السودانية جنوب غرب مصر؛ ويبدو أن الحكومة المصرية لم ترغب فى إشعال حرب مع شعب تعتبره شقيقاً، وقال عبد الناصر قولة فى تلك الأيام ساهمت فى إعادة المياه إلى مجاريها بين البلدين: “إن صلة الدم التى تربطنا بأهل السودان أقوى من الماء.” ولما اجتمع مجلس الأمن فى 21 فبراير 1958 لبحث شكوى السودان تلا مندوب مصر البيان الصحفى الذى أصدرته الحكومة المصرية صباح نفس اليوم وأعلنت بموجبه الانسحاب وتأجيل بحث مسألة الحدود إلى ما بعد الإنتخابات السودانية، فقام مجلس الأمن بتأجيل بحث النزاع وترك شكوى السودان مدرجة فى جدول أعماله. وبناءاُ عليه فإن النزاع سيتقرر على أساس الوضع القانوني الذى كان قائماً فى تاريخ الشكوى – 21 فبراير 1958- ، ولن تؤثر فى ذلك الأعمال أو الأنشطة التى قد يباشرها أحد الطرفين فى المناطق المتنازع عليها بعد ذلك التاريخ بقصد تدعيم مركزه القانوني. “22”(طه – نفس المصدر).

    ورغم أن المصريين لم يطالبوا بحلايب طوال فترة الحكم الثنائي الذى كانوا جزءاً منه، و لا فى الفترة من 1958 إلى 1992، إلا أن الحجة التى يسوقونها تقول بأنه لا حاجة لذلك ، حيث أن إتفاقية 1899 وضّحت أن الحدود بين مصر والسودان هي خط عرض 22 ش، وأن ذلك يُدخل منطقة حلايب ضمن الحدود المصرية. وبناءاً على ذلك، إعترضت مصر عام 1992 على الترخيص الذى منحته الحكومة السودانية لشركة كندية أرادت أن تستخرج النفط من منطقة الجرف القاري التابع لمثلث حلايب على البحر الأحمر، فانسحبت الشركة قبل أن تستثمر فى منطقة غير مستقرة ومتنازع عليها. والجدير بالذكر أن الأقمار الصناعية فى تلك الأيام قد كشفت عن كميات هائلة من مخزون النفط بهذه المنطقة، بالإضافة للمعادن النفيسة الأخرى. وبعد ذهاب الشركة الكندية مباشرة، تجددت الرغبة المصرية فى إحياء ملف حلايب، واقتحم الجيش المصري المنطقة فى نفس العام ورفع العلم المصري فى مدنها: شلاتين وحلايب وتجمعاتها السكنية الأخرى، وعمل علي تمصير المنطقة وظل مقيماً بها حتى الآن. ولم تقم حكومة السودان هذه المرة بأي مقاومة تذكر لأنها كانت محاصرة فى مناطق أخرى – فى جنوب السودان كانت الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق تشن حرباً شرسة دوخت حكومة الخرطوم (نظام الإخوان المسلمين الذى جاء للسلطة عن طريق إنقلاب عسكري فى 30 يونيو 1989)، وفى شمال السودان كان التجمع الوطني الديمقراطي، الذى يضم حزب الأمة والحزب الإتحادي الديمقراطي – وريث الوطني الإتحادي – والحزب الشيوعي وحزب البعث وقوات التحالف وإتحاد العمال، يشن معارضة ضد النظام عملت على عزله إقليمياً ودولياًً، وزاد من تلك العزلة أن نظام البشير كان من الدول التى أيدت العراق فى غزوها للكويت فى أغسطس 1990، فتوترت علاقته بدول الخليج حيث يعمل آلاف السودانيين، لا سيما فى القوات النظامبة بتلك الدول. ولم يعوّل نظام البشير على أي تأييد أو مساندة إذا أراد أن يثير مسألة حلايب لدى الجامعة العربية أو غيرها. والتزمت الحكومة السودانية صمت القبور تجاه مسألة حلايب، خاصة بعد أن قدم لها النظام المصري الكثير من الدعم فى صراعاتها مع المعارضة، وكانت الوساطة المصرية هي التى قادت لإتفاق القاهرة فى يونيو 2005 بينها وبين التجمع الوطني الديمقراطي، والذى طويت بموجبه صفحة أساسية من صفحات المعارضة، وعاد قادة التجمع للخرطوم وانخرطوا فى النظام القائم وشاركوا فى انتخاباته وأصبحوا جزءاً من حكوماته المؤتلفة.

    رغم ذلك تبقى قضية حلايب عالقة تنتظر الحل، إذا أخذنا الآتي فى الإعتبار:

    1. السكان الموجودون بمنطقة حلايب هم سودانيون مرتبطون بباقى بطونهم وأفخاذهم بتلال البحر الأحمر وشرق السودان، وهم البشاريون والحمدأواب والعبابدة والأمرأر وغيرهم من فروع قبائل البجة التى تتحدث لغات أخرى غير العربية (هي لغات ذات نسب مع المروية القديمة والتقرينية لسان الإرتريين والأمهرية لغة معظم الإثيوبيين )، وقد ظلوا يرفضون ويقاومون الإحتلال المصري منذ عام 1992، ولقد تم اعتقال زعيم البشارين، أكبر قبيلة بالمنطقة، الطاهر هساي رئيس مجلس بلدية حلايب عام 2010 بواسطة الأمن المصري وظل موجوداً بالمعتقلات المصرية إلى أن توفى داخل السجن. وهناك العديد من المعتقلين الآخرين من زعماء منطقة حلايب بالسجون المصرية حتى الآن. “23”(موقع موسوعة التاريخ).
    2. رغم أن إتفاقية 1899 حددت خط عرض 22 فاصلاً بين مصر والسودان ، إلا أن نظارة (وزارة) الداخلية المصرية أصدرت قرارات عام 1902 و1907 جعلت منطقة حلايب تابعة للسودان من الناحية الإدارية، حيث أنها مأهولة بأقوام سودانيين وليس للمصريين أي علاقة عرقية أو ثقافية أو تجارية بها، وتفصلها عن مصر مئات الأميال من الأراضي الجرداء والصحراء القاحلة والجبال الموحشة، بينما لا تفصلها عن بورتسودان سوى مسافة قصيرة، يقطعها السكان المحليون يومياً على ظهور الجمال براً وعلى قوارب صيد الأسماك بحراً. “24”(طه – نفس المصدر ).
    3. الخرائط العالمية والمحلية حتى فى مصر نفسها ظلت تظهر مثلث حلايب كجزء من السودان منذ بداية القرن العشرين حتى الآن، باستثناء الخرائط الجديدة التى أخذ النظام المصري يروج لها داخلياً منذ 1992؛ وقرينة الخرائط دليل على أن العالم يشهد بتبعية حلايب للسودان.
    4. محاولة ضم حلايب للأراضي المصرية ، كما يرى بعض المراقبين، هي مجرد توسع داخل أراضى الغير الذين يمرون بظروف ضعف وعدم استقرار، جرياً بشكل أساسي وراء مورد النفط: إذ حدث شيء مماثل لغزو حلايب على الحدود الغربية لمصر، ففى يوم 21 يوليو 1977 توغلت القوات المصرية بأمر من الرئيس السادات لمسافة 200 ميلاً داخل الأراضى الليبية واحتلت طبرق ووضعت يدها على مناطق انتاج النفط بولاية برقة بشرق ليبيا، فجأة وبدون أي مبرر منطقي أو سابق نزاع حدودي بين البلدين؛ ولكن سرعان ما انسحبت القوات المصرية على إثر الضجة العالمية الرهيبة التى تفجرت.
    5. إن حسم مشكلة حلايب لا يمكن أن يتم بالطريقة التى لجأ إليها النظام المصري ، وهي الغزو العسكري عندما يكون النظام فى الخرطوم ماراً بحالة من الوهن والتراجع ومسكوناً بالخوف على كراسي الحكم، إنما بالحوار السلمي أو بالتحكيم الدولي. والملفت للنظر أن الحكومة المصرية ترفض هذا الخيار، وذلك مما يضعف موقفها أمام الرأي العام السوداني والعربي والدولي. فهنالك كثير من النزاعات التى فصلت فيها محكمة العدل الدولية وأدى ذلك لحسمها وإحلال السلام مكان الصراع والإقتتال، (كما حدث بالنسبة لإقليم أوزو بشمال تشاد الذى تغولت عليه ليبيا عام 1978 حتى أخرجتها منه محكمة العدل الدولية عام 1987). “25”(بولاك). وهذا هو المصير الذى ينتظر مشكلة حلايب، خاصة مع تباشير الديمقراطية التى تلوح الآن فى الأفق المصري بما تبشر به من إمكانية توفر أجواء الشفافية والمسؤولية الأخلاقية، وإمكانية حدوث تغيير من هذا القبيل فى السودان كذلك، حتى يمكن معالجة القضايا العالقة بين البلدين مثل مشكلة حلايب فى ظروف صحية وأجواء ملائمة وبحضور فاعل للشعوب والمجموعات المعنية.

    الخاتمة:

    لقد استعرضنا تاريخ العلاقات المصرية السودانية بشيء من الإختصار، فالموضوع أكثر عمقاً وتعقيداً من معالجته فى هذا الحيز الضيق، أو فى مبحث واحد، ولكن أردنا فوق هذه الأرضية المقتضبة أن نصل للوضع الراهن.

    ونجد أنه قد غاب عن سماء البلدين أي شكل من أشكال التعاون السلس والمتدرج الذى كان يمكن أن يفضى لنوع من الوحدة كالتى نراها اليوم بين دول الإتحاد الأوروبي، أو على الأقل كنوع من الإنسجام والعمل المشترك الذى تشهده العديد من التكتلات الإقليمية كمجلس التعاون الخليجي. ولقد كان بين دول الإتحاد الأوروبي حتى نهاية الحرب الكونية الثانية ما طرق الحداد، ولكنها تخلت عن حساسيات الماضي ويممت وجهها شطر التعاون السلمي الإقتصادي والسياسي، بدءاً بالسوق الأوروبية المشتركة، حتى بلغت الإتحاد الأوروبي ذا البرلمان الموحّد والعملة الواحدة، وحيث إمكانية التنقل والإستثمار بالنسبة لرؤوس الأموال والقوى العاملة بين كافة دول المنظومة.

    كان هناك اتجاه نحو تمتين التعاون بين مصر والسودان أيام حكم الجنرال النميري 1969-1985، إذ وقع الرئيسان السادات ونميري فى فبراير 1974 على منهاج العمل السياسي والتكامل الإقتصادي بين البلدين، وأعقباه فى 15 يوليو 1976 بتوقيع إتفاقية الدفاع المشترك، وتم استكمال ميثاق التكامل فى 12 أكتؤبر 1982. ولكن ظلت القوى السياسية المعارضة للنميري تجافى ذلك التكامل باعتباره درعاً لحماية النظام وليس البلد، وتفوح منه روائح الإرتهان للجهات الغربية والإسرائيلية، (ففى تلك الأيام تم ترحيل اليهود الفلاشا من إثيوبيا لإسرائيل عبر السودان، بتنسيق مع نظام الخرطوم وإشراف المخابرات الأمريكية)، وقد تم التكامل الإقتصادي والعسكري المزعوم فى غياب الشفافية والديمقراطية عن البلدين؛ وما أن جاءت حكومة الديمقراطية الثالثة بعد انتفاضة أبريل 1985 حتى تم إلغاء اتفاقيات التكامل مع الحكومة المصرية.

    وبعد التوتر الذى شاب العلاقات بين البلدين منذ مجيء نظام البشير للسلطة عام 1989، مروراً بمحاولة إغتيال الرئيس مبارك بأديس أبابا فى يونيو 1995، هدأت الأحوال خلال السنوات الأخيرة لحسنى مبارك، خاصة بعد نجاح الوساطة المصرية بين نظام البشير والمعارضة ممثلة فى التجمع الوطني الديمقراطي عام 2005، وقدمت حكومة السودان مكافأتها فى شكل العديد من الإقتراحات الخاصة بتطوير التعاون والتكامل بين البلدين، وقد أبرمت إتفاقية الحريات الأربع بين البلدين ، حرية التملك والتنقل والاستثمار والعمل فى نفس ذلك العام، ومُنح المستثمرون المصريون آلاف الأفدنة لزراعتها بالسودان، ولكن شيئاً من ذلك الإستثمار لم يتم إنجازه عملياً على الأرض، فالإستثمار فى الزراعة بتطلب صبراً وزمناً طويلاً قبل أن يؤتي أكله، والرأسماليون المصريون كانوا يفضلون مجالات عائدها أسرع كتجارة العقار والأسهم والسندات وغيرها.

    ولقد تجددت الدعوة مؤخراً لإحياء مشاريع التكامل المصرية السودانية، وتمت زيارة للسودان بواسطة رئيس الوزراء المصري عصام شرف يوم 29 مارس 2011، وفى خلالها تمت إتفاقيات اللجنة العليا التى شملت الأمن الغذائي وبعض المشاريع المشتركة وتحسين آليات الاستثمار. ومن ضمن المشاريع الزراعية المقترحة تم الإتفاق على مشروع مصري بمنطقة الشوكة بجنوب النيل الأزرق بمساحة تبلغ 160 ألف فدان، ومشروع أرقين بشمال غرب السودان الذى تبلغ مساحته مليوني فدان؛ وليس هنالك حتى الآن ما يشير للجدية فى تنفيذ هذه المشاريع التى ظلت حبراً على ورق، وفى حقيقة الأمر، ما زال البلدان يكابدان عدم الإستقرار طوال العامين المنصرمين، وظل السودان خاصة يواجه عدة حروب داخلية – فى دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الزرق، ومرة أخرى فى الجنوب، مما شل حركته وأربك حسابات النظام الحاكم فيه لدرجة بعيدة.

    وعموماً، عندما يحين الوقت للنظر فى موضوع التعاون والتكامل الإقتصادي مع الجيران، لا سبيل لتجاوز الماضى بخيره وشره فيما يختص بالعلاقات بين شطري وادى النيل…إلا بتطوير التعاون بين البلدين والسير به نحو تكامل إقتصادي وسياسي حقيقي يخدم شعبي البلدين؛ وبقدرما يتم من تقدم إقتصادي واستقرار سياسي وازدهار للتجارة وتبادل المنافع بين البلدين فى أجواء الشفافية والعدل والإحترام المتبادل لسيادة كل شعب على أرضه، بقدر ما تنجذب دول أخرى لصيقة ومجاورة نحو ثمة محور إقليمي كهذا يبدأ بمصر والسودان، وهي جنوب السودان وإثيوبيا وإرتريا، وجميعها ذات مصلحة فى تكامل من هذا القبيل، على غرار التكتلات الإقليمية المعروفة، يسهم فيه كل فصيل بما لديه من موارد، كالأيدى العاملة أو المواد الخام أو الطاقة الكهرومائية أو النفط أو المنتوجات الصناعية أو المحاصيل الزراعية، ويبدأ بالحريات الأربعة ذاتها المطبقة الآن بشكل مبتسر بين السودان ومصر، رغم أنها جاءت نتيجة لمزايدات بين النظامين وبها كثير من لي الأذرع، وبعيداً عن إرادة الشعبين. وإذا أريد للحريات الأربع أن تكون دعوة حق تقود لتقدم ملموس فى العلاقات، فوق أرضية المصالح المشتركة، فلا بد أن تتم باستشارة الشعوب المعنية، وذلك يعنى الحكم الرشيد والشفافية والبعد عن الفساد الإداري والمالي والإلتزام بحرية القضاء وحرية الصحافة والتبادل السلمي للسلطة وضمان حريات الإنسان الأساسية فى كل الدول المعنية بما يضمن لكل الأقليات أو المجموعات العرقية أو المهنية أوالنقابات العمالية والفلاحية أن تعبر عن رضائها أو عدم رضائها عن أي تفصيل أو مرحلة فى تطبيق الحريات الأربع أو أي من إجراءات التكامل الإقتصادي والسياسي المزمع. هذا ما ينفع الناس، أما الزبد فيذهب جفاءاً.

    الهوامش:

    1. موقع موسوعة التاريخ
    2. ديوب . ص 40
    3. مهدي. ص 19
    4. طه. الحركة السياسية. ص 30
    5. طه. نفس المصدر. ص 31
    6. طه. نفس المصدر. ص 55
    7. طه. نفس المصدر. ص 163
    8. طه. نفس المصدر. ص 505
    9. نجيب. المقدمة.
    10. طه. الحركة السياسية. ص 555
    11. موقع adab
    12. طه. السودان . ص 115
    13. طه. نفس المصدر. ص 116
    14. طه. نفس المصدر . ص 147
    15. طه. نفس المصدر. ص 169
    16. طه. نفس المصدر. ص 172
    17. طه. نفس المصدر. ص 267
    18. طه. نفس المصدر. ص 287
    19. موقع موسوعة التاريخ
    20. نفس المصدر
    21. طه. حلايب وحنيش. ص 130
    22. طه. نفس المصدر. ص 131
    23. موقع موسوعة التاريخ
    24. طه. حلايب وحنيش. ص107
    25. بولاك. ص 151

    المراجع:

    1. طه: الدكتور فيصل عبد الرحمن على طه

    (الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان 1936-1953)

    دار الأمين للنشر للطباعة والنشر، القاهرة (1998)

    1. د. فيصل عبد الvحمن على طه

    (السودان على مشارف الإستقلال 1954-1956)

    مركز عبد الكريم ميرغني، أم درمان (2010)

    1. د. فيصل عبد الرحمن علي طه

    (حلايب وحنيش: مقالات فى القانون الدولي)

    مركز عبد الكريم ميرغني (0200)

    1. مهدي: الدكتورة نوال عبد العزيز مهدي

    (رياح الشمال: دراسة فى العلاقات المصرية السودانية)

    المطبعة التجارية الحديثة، القاهرة (1985)

    1. موقع موسوعة التاريخ altareekh

    http/vp.altareekh.com/t53948

    6 . موقع آداب Adab الموسوعة العالمية للشعر العربي.

    http:/www.adab.com/

    7.نجيب: اللواء محمد نجيب

    (كنت رئيساً لمصر)

    المكتب المصري الحديث (1984)

    References in English:

    1. Churchill, Sir Winston: (The River War)

    Carroll and Graff (1899 and 2000)

    1. Collins, Robert O.  A History of Modern Sudan)

    Cambridge University Press (2008)

    1. Diop, Cheikh Anta :(The African Origin of Civilization)

    Laurence Hills Books (1974).

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    تعليق واحد على “الفاضل عباس : العلاقات السودانية المصرية بين الماضي والحاضر”

    1. عباس محمد علي في March 21st, 2017 10:12 am

      نقول لجداد الكيزان الساعين لتسييس وإستغلال موضوع الآثار وتحويله لسلاح بيد الثورة المضادة ‏التي يفتعلها نظام كيزان السودان وبمساعدة (قطر) لمصلحة إخوان مصر ضد الشرعية الثورية التي ‏أطاحت بأخوان مصر نقول لهم أن يكفوا و يصمتوا لن ينجيكم زعيق إعلامكم من نفس المصير ‏‎!!!!‎

    لا تتردد في ترك التعليق...