الأربعاء  23  أغسطس  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • حوار مع عالم الاجتماع آلان تورين عن كتابه الأخير (نحن، الذَّوات البشريَّة)

    March 14, 2017  

    (ترجمة جهاد الحاج سالم)

    (نحن، الذَّوات البشريَّة) عالم الاجتماع التّسعيني آلان تورين يتحدّث عن كتابه الأخير

    ترجمة وتقديم: جهاد الحاج سالم

    *تقديم عام:

    نشر آلان تورين، أحد أعلام العلوم الاجتماعيّة المعاصرة، في أكتوبر الماضي كتابه الجديد “نحن، الذوات البشرية” (Nous, Sujets Humains). وفي هذا الكتاب، يحاول عالم الاجتماع التسعيني تأسيس فكر اجتماعي جديد قادر على الإلمام برهانات العالم المعاصر، وهو عالم يتشكّل على أنقاض المجتمعات الصناعيّة التي حلّل مسارات نشأتها وأفولها في كتابه “نهاية المجتمعات”. ففي منظور تورين، تأسّست المجتمعات الصناعيّة التي عرفت ارتفاعاً غير مسبوق في الإنتاج بما في ذلك الموارد المتاحة للاستهلاك، على الصراع بين الطبقات الاجتماعيّة، والتنافس السياسي بين الأحزاب، وحروب الدول الأمم وتحالفاتها. وكانت ميزة هذه المجتمعات الأساسيّة هي وعيها بقدرتها على إنتاج ذاتها بذاتها، في انفصال عن كلّ مبدأ خارجي مبدع، وهو ما تجلّى في أشكال الفكر الاجتماعي الوضعي التي أنتجتها حول نفسها هادمةً بذلك أشكال الفكر الاجتماعي المقدّس التي هيمنت على وعي المجتمعات السابقة للتصنيع، وهو عين ما يكثّفه مفهوم التاريخانيّة (Historicité)، الذي نحته تورين للبرهنة على الحسّ الكوني والأساسي بقدرة البشر على خلق العالم الاجتماعي وتحويله بأنفسهم، وهو ما تطوّر مع المجتمعات الصناعيّة وتبلور في مشروع الحداثة.

    فمع أفول المجتمعات الصناعيّة، كما يرى آلان تورين، بدأ نوع جديد من المجتمعات في البزوغ: مجتمعات متمحورة حول الذّات،  والذات هي العنصر الذي تستمدّ منه شرعيّتها، ويشكّل تطوير الذاتيّة وازدهارها أفقها الأساسي، وهي المجتمعات التي يسمّيها مجتمعات التذويت (les sociétés de subjectivation). وبالطبع، فإنّ هذا الأمر يعود أساساً إلى التطوّرات المهمّة التي عرفتها التكنولوجيا الحديثة، حيث لم تعد التقنية تفعل فعلها في المجال الطبيعي والاقتصادي فحسب، بل في الفاعل البشري نفسه. فهي بصدد تحويل تجربتنا الجماعيّة للعالم، بذات الأثر الذي كان لتطويرات صناعات الميكانيك والكهرباء على مجال الإنتاج في القرنين 19 و20. إلاّ أنّ ألق الوعد الذي تقطعه المجتمعات الجديدة، لا ينفي وجود عوائق ومخاطر جمّة قد تمنع تحقّقه. ففي ظلّ القدرة المتزايدة لتكنولوجيات الإعلام والاتصال الحديثة على صياغة الوعي البشري، وهيمنة الرأسماليّة الماليّة على الاقتصاديّات العالميّة قياساً ببقيّة القطاعات الأخرى المنتجة، ونزوع الأنظمة السياسيّة في مناطق عديدة من العالم نحو اكتساء أشكال جديدة من التسلطيّة، فإنّ الذاتيّة البشريّة تغدو، على غرار الموارد الماديّة للطبيعة، مهدّدة من قبل نوع جديد من السلطة. ويحلّل تورين طبيعة هذه السلطة الناشئة التي يسمّيها سلطة كليّة، فهي تمتاز في نظره بالقدرة على السيطرة، لا على مجال الموارد الاقتصاديّة والمحيط الطبيعي فحسب، بل وبصفة أساسيّة على مجال الذاتيّة البشريّة، وذلك من خلال التحكّم في صوغ تأويلات البشر لأنفسهم وأفعالهم، عبر الإشهار والموضة والإعلام والبرمجة الرقميّة. غير أنّ السلطة الكليّة لا تشكّل في رأي تورين مصطنعاً تقنيّاً أو اقتصاديّاً محضاً، بل هي في المقام الأوّل مصطنع سياسي. ذلك أنّها تخدم المصالح الضيّقة لطبقة ضئيلة من النخب السياسيّة والماليّة والتكنوقراطيّة، كما تصوّرها عبارة “الـ1% الحاكمة” التي تلهج بها ألسنة الشباب الأمريكي.

    ولعلّ الاستنتاج الأساسي الذي يطوّره آلان تورين في مؤلّفه الجديد، هو أنّ المجتمعات المعاصرة ليست مجتمعات ما بعد صناعيّة، بل هي تخضع بالأساس لنمط اشتغال مضادّ للمجتمعات الصناعيّة ومشروع الحداثة الذي بلورته. فإن كانت الحداثة قد سمحت للمجتمعات بالمرور من المقدّس إلى الذات، من خلال استكشاف البشر لقدرتهم على ابداع أنفسهم ومحيطهم، بل وتدمير أنفسهم بأنفسهم في انفصال عن كلّ مبدأ خارجي ومتعال؛ فإنّ هذه القدرة، التي وسمها عالم الاجتماع أنطوني غيدنز (Anthony Giddens) بالتفكّر (la refléxivité)، يتمّ استغلالها راهناً من قبل السلطات الكليّة من أجل السيطرة على الذّات البشريّة والتحكّم في أدوات بنائها. وفي هذا الصدد، يرى تورين أنّ مشروع الحداثة يقوّضه الآن فاعلو التحديث أنفسهم، وهم طبقة المقاولين الرأسماليّين والتكنوقراط والسياسيّون، وذلك عبر توظيف العقل والتكنولوجيا من أجل خدمة المصالح الخاصّة وتطوير قدرات السلطات الكليّة في الهيمنة على الذاتيّة البشريّة، وهو ما يلغي الأفق الكوني والتحرّري للحداثة.

    وعبر الاستكشاف التحليلي لمختلف أبعاد العالم الاجتماعي حديث التشكّل، يخلص تورين إلى ضرورة مقاومة السلطة الكليّة المتاحة للنخب المهيمنة  باستدعاء نوع جديد من الفاعلين الجماعيّين بديلاً عن الحركات الاجتماعيّة التي عرفتها المجتمعات الصناعيّة. ذلك أنّ الفعل الجماعي في مجتمعات التذويت لم يعد يتشكّل حول المسائل الاجتماعيّة والاقتصاديّة، كما كان الحال في المجتمعات الصناعيّة، بل أساساً حول المسألة الأخلاقيّة. ومن هنا، فإنّ الحركات العماليّة والنقابيّة القديمة فقدت دورها الأساسي في بناء التحوّلات التاريخيّة، وذلك بسبب احتواء أغلبها ضمن المؤسّسات الاقتصاديّة والبيروقراطيّات الإداريّة والسياسيّة، وتركيزها حصراً على مسائل الإنتاجيّة الصناعيّة وتوزيع الرّبح. ففي مجال الأخلاق، أي في الصورة التي يشكّلها كلّ فرد عن نفسه والقاعدة التي يسنّها لتحديد ما يرضاه ويرفضه لنفسه، تكمن اليوم إمكانات بناء وعي جماعيّ نقدي بقضايا العالم المعاصرة. فسواء أرهف عالم الاجتماع السمع لصرخات الشباب الذين صنعوا انتفاضات “الربيع العربي”، أو هتافات المحتجّين في ساحات “وول ستريت”، أو شعارات نشطاء حركة “الإنكيدادو” في إسبانيا وأمريكا اللاتينيّة، بل حتّى خطابات البابا فرانسوا أمام البرلمان الأوروبي، فهو يلاحظ بسهولة كيف غدت الكرامة فكرة أساسيّة عند هؤلاء الفاعلين الجماعيّين المنتفضين ضدّ هيمنة السلطات الكليّة على ذاتيّتهم. وفكرة الكرامة، في نظر تورين، ليست فكرة ثقافيّة أو ماديّة أو اجتماعيّة، بل فكرة أخلاقيّة صميمة. ذلك أنها تعرّف الإنسان لا بما يتعالى عنه أو يرتبط به، بل بما هو بشريٌّ فيه. ولذلك تمثّل الكرامة، إلى جانب الحريّة والعدالة، حقّاً بشريّاً أساسيّاً يجب جعله مناط الصراع ضدّ السلطات الكليّة التي تسعى إلى سلب الإنسان بشريّته من خلال السيطرة على أدوات بناء ذاتيّته.

    وبناءً عليه، يرى تورين أنّ مقاومة السلطة الكليّة اليوم تتمّ عبر بناء حركات إيطيقيّة تطرح فكرة الكرامة كمدخل للدفاع عن الحقوق البشريّة الأساسيّة، وتقرنها بفكرة أخرى مركزيّة هي: الديمقراطيّة. ففي سياق مجتمعات التذويت، وهي مجتمعات معرفة بالأساس، فإنّ الدفاع عن الديمقراطيّة يكون أساساً عبر النضال من أجل تعميم منتجات المعرفة ضدّ الاحتكارات التكنولوجيّة والعلميّة، حتى يكون جميع الأفراد متساوين في قدرات كلّ منهم على معرفة ذاته وبنائها بذاته ضدّ السلطات الكليّة التي تسعى إلى السيطرة على أدوات بناء الذاتيّة البشريّة، إضافة إلى تطوير أشكال انتظام أفقيّة جديدة يتاح ضمنها لكلّ فرد تأكيد ذاتيّته عوض أن تذوب في التنظيم أو شخصيّة الزعيم وكلاهما من أشكال المقدّس الدنيوي الجديدة على شاكلة ما عرفته الحركات الفاشيّة والنازيّة والشيوعيّة. غير أنّ هذه الحركات الإيطيقيّة الديمقراطيّة، كما ينبّهنا تورين، ليست سوى إمكان ينبغي تحويله إلى واقع عبر الانتظام والحراك الميداني، وهي عمليّة قد تواجه فيها أعداءً آخرين غير السلطات الكليّة، ألا وهي أضداد الحركات الاجتماعيّة (les anti-mouvements sociaux)، التي تمثّل نوعاً مخصوصاً من الحركات لا تحمل في أحشائها أيّ مشروع ذاتيّة جديدة سوى فكّ الذاتيّة عن الآخر عبر تدميره بالعنف. مثال ذلك، في نظر تورين، هو تنظيم الدولة الإسلاميّة الذي يتمثّل مجمل مسعاه في تدمير الغرب “الكافر” والاستعماري ومسح جلّ آثاره من المنطقة الإسلاميّة، ويبني ذاتيّته على هذه المعادلة السّالبة مما يجعل منه قوّة إلغاء لا للغرب فحسب، بل لمجمل تاريخ مجتمعات الإسلام السابق واللاحق للحظة تأسيس “الخلافة الراشدة” واستئنافها معه. وهو مشروع مآله، برأي تورين، الانهيار مهما سبّب من أضرار بالمنطقة العربيّة وغيرها من مناحي العالم. لأنّ تأسيسه القائم على وعد العودة إلى ذاتيّة ماضية ومتخيّلة، يجري على عكس إرادة الحياة وتأكيد قدرة الذّات على صنع تاريخها بنفسها، كما أظهرته المجتمعات العربيّة في ربيع انتفاضاتها. وليس أدلّ على ذلك من شعار الثورة التونسيّة المستلهم من شعر أبي القاسم الشابي: “إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بدّ أن يستجيب القدر”.

    وإجمالاً، لا يخرج المؤلّف الجديد لآلان تورين عن المسار الفكري السوسيولوجي الذي اختطّه لنفسه منذ أواخر الستّينات، بدءاً من دراساته حول الحركات الاجتماعيّة في أوروبا وأمريكا اللاتينيّة في مختلف حقول الصراع الاجتماعي العماليّة والطلابيّة والنسويّة والإيكولوجيّة، وصولاً إلى كتبه الأخيرة وهي تمثّل سعياً نحو تشييد نظريّة اجتماعيّة جديدة قادرة على استيعاب تحوّلات الاجتماع المعاصر في زمن أفول المجتمعات الصناعيّة. إنّه مسار يطبعه، من جهة، الالتزام العلمي الموضوعي الذي ظهر في قدرة تورين على الإبداع النسقي للمفاهيم والمقولات والتدابير المنهجيّة في شكل نظريّة عامة للفعل الاجتماعي تعتبر بحقّ نموذجاً إرشاديّاً مستقلاً وفذّاً في حقل النظريّة الاجتماعيّة الحديثة، ومن جهة أخرى، الالتزام القيمي العميق تجاه قضايا المجتمع، وهو انحياز قوامه الانحياز للقوى الاجتماعيّة المستغلَّة والمهيمن عليها والإيمان بقدرة البشر على إنتاج واقع اجتماعي مغاير أكثر عدلاً وتحرّراً. وقد أدّى التقاء الالتزام العلمي وبالالتزام القيمي في مرحلة سابقة من مسار تورين، خلال فترة عمله حول الحركات الاجتماعيّة في أمريكا اللاتينيّة خلال سبعينات القرن الماضي، إلى إنتاج منهجيّة “التدخّل السوسيولوجي” (l’intervention sociologique) التي أسّس من خلالها تصوّراً جديداً لحرفة عالم الاجتماع يتجاوز أدوار الاستكشاف والتحليل الموضوعي للعالم الاجتماعي نحو الانخراط في تغييره، وذلك عبر توظيف المعارف العلميّة في مساعدة الحركات الاجتماعيّة على صياغة وعي ممنهج برهاناتها وخصومها ومشروعها التاريخي الذي تحمله للمجتمع. وهو التقاء لم ينفرط في مسار تورين الفكري السوسيولوجي رغم ابتعاده عن العمل الميداني وتوجّهه نحو العمل التنظيري، وهو ما يتّضح في حواره الأخير الذي نقدّمه إليكم مترجماً إلى العربيّة.

    *تعريف مختصر بآلان تورين:

    ولد آلان تورين سنة 1929 بفرنسا، وهو يعتبر اليوم أحد أعلام العلوم الاجتماعيّة الحديثة. كرّس أعماله الأولى لدراسة تحوّلات عالم الشغل في فرنسا أثناء خمسينات القرن الماضي، وعرف بدراسته لتحوّلات العمل الأجير في مصانع شركة السيارات رينو (Renault). اشتهر بنظريّته حول الفعل الاجتماعي في المجتمعات الصناعيّة المتحوّلة التي نحت لها تسمية “المجتمعات ما بعد الصناعيّة” أو “المجتمعات المبرمجة”، وعمل طوال السبعينات على تطوير نظريّته وتعميقها حيث لقيت صدى واسعاً في الأوساط السوسيولوجيّة الأوروبيّة والأمريكيّة خصوصاً. ومنذ نهاية السبعينات، كرّس تورين أعماله لتشييد سوسيولوجيا مشاركة ومناضلة من خلال تتبّعه لعدد من الحركات الاجتماعيّة في أوروبّا وأمريكا اللاتينيّة، قبل أن يدخل، منذ التسعينات، طوراً جديداً من التفكّر السوسيولوجي حول مكانة الفرد في المجتمعات الديمقراطيّة وصعوبات العيش المشترك وإمكاناته في عالم معولم. أسّس سنة 1958 مخبر علم الاجتماعي الصناعي، الذي سيغدو سنة 1970 مركز دراسات الحركات الاجتماعيّة، صلب المدرسة التطبيقيّة للدراسات العليا بباريس. كما أسّس سنة 1981 مركز التحليل والتدخل السوسيولوجي في المدرسة العليا للدراسات الاجتماعيّة بباريس، التي يشغل صلبها حاليّاً خطّة مدير دراسات.

    من أهّم كتاباته:

    .Sociologie de l’action, Seuil, Paris, 1965

    La Voix et le Regard: sociologie des mouvements sociaux, Seuil, Paris,1974

    .Critique de la modernité, Fayard, Paris, 1992

    Un nouveau paradigme: Pour comprendre le monde d’aujourd’hui, Fayard, Paris, 2005

    .La fin des sociétés, Seuil, Paris, 2013

    .Nous, sujets humains, Seuil, Paris, 2015

    *نصّ الحوار:

    تعتبرون أنّنا دخلنا، مع نهاية المجتمعات الصناعيّة، حقبة “ما بعد اجتماعيّة”. ما المقصود من ذلك؟

    كانت المجتمعات السّابقة عن التصنيع تتفكّر ذاتها بمصطلحات سياسيّة أساساً. فالكتب المدرسيّة تستحضر الملكيّات المطلقة وحكم القانون والأمّة والدّولة، وتسمّى الفلاسفة الذين تناولوا تلك المواضيع، من ماكيافيلي إلى توكفيل مروراً بهوبس ولوك ومونتسكيو أو روسو، بفلاسفة الحقّ أو الفلاسفة السياسيّين. ومع الثورة الصناعيّة، انقلب كلّ شيء: لقد انبهرت المجتمعات بقدرتها على إبداع وتحويل وحتى تدمير ذاتها بذاتها بفضل تقنياتها وآلاتها ورساميلها. ولأوّل مرّة، وآخرها قطعاً، تفكّرت المجتمعات ذاتها بمصطلحات اقتصاديّة واجتماعيّة، من خلال العمل والطبقات الاجتماعيّة والنقابات والتنافس والاستثمار. نحن بصدد الخروج من هذه المجتمعات “الاجتماعيّة”. هذا هو مناط كتابي السّابق، والموسوم بـنهاية المجتمعات: المجتمعات التي تتفكّر ذاتها بمصطلحات اجتماعيّة.

    في أيّ نوع من المجتمعات نحن داخلون إذن؟ فأنتم ترفضون مصطلح المجتمع “ما بعد الصناعي”…

    أنا أرفضه بسهولة خاصّة وقد كنت من أوائل الذين استعملوا عبارة “المجتمع ما بعد الصناعي”، رفقة “دانيال بيل” (Daniel Bell) في الولايات المتّحدة الأمريكيّة. فقد كنّا نرغب في ابراز أنّ التكنولوجيّات الجديدة، الخاصّة بالمعلومات والاتصال، تشوّش تجربتنا بأثر حاسم يضاهي ما كان لاستخدام البخار والكهرباء. لكن تطوّر الإلكترونيات لا يكفي لتفسير التغيير في مجتمعاتنا. فهو يشوّش الممارسات، لكن هل ينتج، لوحده، تحوّلاً فعليّاً في المجتمع؟ لا أعتقد ذلك، بالرغم من بلاغة آثاره. ففي المجتمعات الصناعيّة، تعلّقت السلطة أساساً بالسيطرة على الخيرات والرساميل والمواد والآلات، أي، باختصار، السيطرة على العالم الموضوعي. ومع ظهور تكنولوجيّات المعلومات والاتصال، حدث أمر عجاب: إنها تكنولوجيّات لبناء الذاتيّة وتحويلها بما يسمح بالتأثير في الفاعل الإنساني نفسه، بحيث أضحى رهان السلطة السيطرة على الأرواح وتحويلها وصناعتها. والحقّ أنّ الفكرة ليست جديدة. فقد شهدنا، خلال القرن العشرين، تجربة الكليانيّة التي كان هدفها أيضاً السيطرة على الأرواح عبر الخطاب والصورة وعرض الشخصيّة أو عبادتها. وأنا لا أجزم بالكامل بأنّنا نعيش كلّنا في مجتمعات كليانيّة اليوم، لكنّني أطرح فكرة أنّ السلطة غدت كليّة.

    كيف تعرّفون هذه السّلطة “الكليّة”؟ وما هي الأشكال الّتي تتَّخذها؟

    تنزع أنظمة السلطة الأساسيّة الممارسة في عالمنا الراهن إلى السيطرة على العالم الموضوعي والاقتصادي، المتعلّق بالخيرات، كما عالمنا الذاتي المتعلّق بالتصوّرات والآراء وأنماط الاستهلاك. الأمر يتعلّق حقّاً بشكل جديد من المجتمعات. وأنا أميّز بين ثلاثة أنماط، لعلّ أبرزها وأقربها للحركة الكليانيّة القديمة الحزب-الدولة الذي صاغ الإتحاد السوفياتي نموذجه، والذي يمثّل الحزب-الدولة الشيوعي الصيني مثاله الأهمّ اليوم. في حين يتّصل النمط الثاني بالعالم الغربي حيث نجحت الرأسماليّة الماليّة في بسط هيمنتها. لقد قطعت هذه الرأسماليّة الجديدة مع الاقتصاد الفعلي، فأغلب الرساميل المتوفرة موظّفة في أنشطة تخلو من كلّ وظيفة اقتصاديّة منتجة، بل يمكن أن تكون لا مشروعة، مثل تجارة السلاح والمخدّرات، وهدفها تعزيز امتيازات أصحاب السّلطة، أو الـ1% الحاكمة كما يقول الشباب الأمريكي. أما الشكل الثالث من السلطة الكليّة، فيحيل على ما أسميه “الاستبداد ما بعد القومي” الذي أزاح الأحزاب الناشئة عن التحرّر من الاستعمار، وهو الواقع الذي ألفناه منذ سنة 1979، مع تولّي الخميني السلطة في إيران. إنّه العالم الإسلامي الذي يكون فيه الحكم باسم الدين. وقد سبق لعالم الاجتماع جون دفينيو (Jean Duvignaud) أن أقام تعارضاً بين المسيحيّة، بما هي دين، وبين نزعة التمسّح (Chrétienté) المميزّة لمجتمع ديني. وقد غدا الإسلام، في هذه البلدان، معادلاً للتمسّح.

    نلاحظ جيّدًا، في مجتمعاتنا الغربيّة، صعوبة معارضة هذه السلطة الكليّة. في رأيكم، كيف يمكن مقاومتها؟

    في مواجهة هذه السلطة الكليّة، يجب على أعدائها استدعاء أمر أقوى من الكلّي، وهو الكوني. فلا تكفي المعارضة من خلال فرض حقوق سياسيّة واجتماعيّة أو ثقافيّة، بل يجب استدعاء أمر من طبيعة مغايرة كليّاً، ألا وهو الكائن الإنساني في قدرته على تحويل محيطه، بل وإبداع ذاته بذاته كذلك. فحين كانت هذه القدرة ما تزال بعد ضعيفة، اعتقد البشر أنّ الإبداع يكمن في مبدأ مقدّس خارج ذواتهم. فكان الله، والملك، ومن ثمّة التقدّم. أما اليوم، فلم يعد بإمكاننا الاعتماد  لا على الله أو الملك أو التقدّم، فنحن نعيش في عالم ندرك ضمنه أنه لا وجود لمبدأ مبدع مقدّس خارج عن الإنسان. ونحن نمتلك وعياً متقدّماً بأنفسنا، بقدرتنا على إبداع أنفسنا كـ”ذوات”، وبتحويل أنفسنا وحتى تدميرها، من خلال استعمال الأسلحة النوويّة وتخريب محيطنا ونظامنا المناخي. لقد هيمن قتل “الذات” على مرحلة ما بعد الحرب، على يد البنيويّين من جهة، والماركسيّين من جهة أخرى. وأنا أريد إعادة لملمة الذات، والتلويح بـ”الذاتيّة” كشعار يعني، لكلّ واحد منا، استعادة الذات الكامنة فيه، والحركة التي يتحوّل ضمنها كلّ فرد إلى فاعل اجتماعي قادر على دعم الحقوق الإنسانيّة الأساسيّة والكونيّة والدفاع عنها كلّما تمّ تحقيرها.

    في نظركم، ما هي هذه الحقوق الإنسانيّة الأساسيّة؟

    كوني فرنسياً، فأنا مدفوع إلى رفع ثلاثي “الحريّة والعدالة والأخوّة” في المقدّمة. إلا أنّه لا أحد اليوم يذكر الأخوة. لقد تم تعويضها، منذ قرن، بالتضامن. وبالنسبة لي، مع كل ما أكنه من احترام للأخوّة، أريد أيضاً استبدال “التضامن”. نحن في حاجة فعليّة لقوى حاشدة تحرّكنا في سبيل رؤية أخلاقيّة معارضة لكل أنظمة السلطة. ولذلك اخترت مصطلحاً نسمعه يتردّد في كلّ الأنحاء، ويستعمله البابا فرانسوا في كلّ المناسبات: إنها الكرامة، وهي كلمة متعيّنة في آنٍ في الواقع الملموس ونابعة من صميم نظام الأخلاق. ففي المجتمعات الجديدة، لم يعد الفعل الجماعي يتشكّل حول الإشكالات الاقتصاديّة، وانظروا إلى النقابات والأحزاب العماليّة، فهي إمّا تلاشت أو هي في انحدار. إنّنا نجد في المجال الأخلاقي، أي في مجال الصورة التي يشكلها كلّ عن نفسه وما يقبله ويرفضه باسم كرامته، وعياً جماعياً بصدد الازدهار: أريد أن أُعامل معاملة الكائن البشري، أريد أن أُحترم، وأن تحترم كرامتي، أريد ألاّ أُهان. الحقوق الأساسيّة تتمثّل إذن في الحريّة والعدالة، وهما كلمتان متّصلتان ومتكاملتان يستحيل فصلهما عن بعض، ومنهما تنبع الكرامة.

    في سبيل الدفاع عن هذه الحقوق الأساسيّة، نراكم تدعون إلى أشكال جديدة من الحشد…

    يجب أن تكون الحركات الجماعيّة الجديدة أخلاقيّة وديمقراطيّة في آنٍ، أي في صراع مع السّلطات الكليّة، كما كانت سابقاً في برلين سنة 1989، وفي ساحة تيان آنمان ( Tian’anme) في بكين في ذات السنة، ومع الربيع العربي سنة 2011. وفي سبيل ذلك يجب أن يستيقظ أولئك الذي يتوفرون على ظروف حياة مقبولة من سباتهم، وأن يستردّوا زمام الكلام، ويعيدوا الأولويّة للحقوق على حساب المصالح، ولاحترام الذات والآخر على حساب نسبيّة سياسيّة وثقافيّة كسولة. في فرنسا مثلاً، وحدها أقليّة قويّة، تمثّل بين 40 % و45% من المجتمع، تعيش في العالم المعولم والشبكات العالميّة. وهي تتركّز، إجمالاً، في جهتي باريس وليون. فهل فكرنا في هذه الوضعيّة كما ينبغي؟ ففي بداية هذه السنة، بعد اعتداءات شارلي هيبدو والمدرسة اليهوديّة في فانسين (Vincennes)، نزل أربعة مليون شخص إلى الشارع، وقد أظهرت الدراسات أنّ لهم مستوى تعليمياً فوق المتوسّط، وأنّ عددهم كان أكثر في المدن الجامعيّة. في المقابل، لم يشارك بعض الأشخاص في المسيرة. وهل تعلمون ما هي المدينة التي شهدت أقلّ نسبة مشاركة؟ إنها هينان-بومون ( Hénin-Beaumont)، مدينة ماري لو بان. هذه هي الجبهة القوميّة، النقيض لحركة أخلاقيّة-ديموقراطيّة. وفي مدينة دونكيرك (Dunkerque)، التي تعيش وضعاً في غاية السوء، لم ينزل إلى الشارع سوى 3% من السكان. وفي مدينة هافر (Haver)، 4% فحسب. إنّ التقاطعات واضحة، حيث تستفيد الجبهة القوميّة من هذه الوضعيّات، وحين يتآكل العالم الريفي، ترى النّاس يندفعون نحوها. لذلك ألاحظ بقلق الضوضاء التي تملأ هذا البلد، من الدعوات إلى السّياديّة، وامتداح فرنسا المتماهية مع جوهر مخصوص، وصولاً إلى رفض الآخر بوصفه دنيّاً بسبب اختلافه. يجب أن نوجه تفكيرنا بعجالة صوب هذه الأسئلة ونبدأ في التحرك.

    *نشر نصّ الحوار الأصلي بالفرنسيّة على موقع Télérama بتاريخ 16/10/2015.

    http://www.telerama.fr/idees/alain-touraine-sociologue-les-nouvelles-technologies-nous-bouleversent-autant-que-la-vapeur-ou-l-electricite,132581.php

    (نقلاً عن الاوان).

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...