الأربعاء  23  أغسطس  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • حوار مع محمد الحداد : في الإصلاح الديني والسياسة ودور المثقف

    March 13, 2017  

    (اجرى الحوار نادر الحمّامي)

    الجزء الأول: مفهوم الإصلاح الديني كما طُرح بداية من القرن التاسع عشر

    د. نادر الحمامي: مرحبًا بكم في سلسلة الحوارات المتجددة الدائمة مع الباحثين والأساتذة والمفكرين الذين ندعوهم إلى الحوار معهم حول جملة من القضايا المعرفية والفكرية. ونرحب اليوم في هذا الحوار بالأستاذ الدكتور محمد الحداد، أستاذ الحضارة بالجامعة التونسية، وهو وإن كان في هذا الاختصاص الواسع أي الحضارة، فإنّ اختصاصه الدقيق موجه بالأساس إلى الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، وهو مختص في الفكر الإسلامي بصفة عامة والبحث فيه والحفر في خطاباته بالأساس، وفي هذا السياق العام وهذا المبحث الكبير تتنزل جملة أعماله بداية من أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه بجامعة السوربون وكان محورها حول محاولة في نقد العقل الثيولوجي (Essais de la critique de la raison théologique) بالاستناد إلى أنموذج محمد عبده بالأساس، ومتابعةً لهذا العمل كان كتابه ”محمد عبده قراءة جديدة في خطاب الإصلاح الديني”، بالإضافة إلى دراسة الوثائق المتعلقة بالأفغاني والتي طرحت سؤالاً كبيرًا هو ما الإصلاح الديني؟ ثم ”حفريات تأويلية في الخطاب الإصلاحي العربي”، وتفكيك المواقف المتعلقة بالتنوير في السياق العربي والإسلامي، ثم نجد كتابات أخرى لدى الأستاذ الحداد ويمكن أن نقول بأنّها تمثل ضربًا من ”الصرخات”، كما سماها بعض النقاد، من قبيل ”البركان الهائل” وهو كتاب مهدى إلى واحد من أهم رموز التنوير والفكر الحر الطاهر الحداد، لبحث آليات الاجتهاد الإصلاحي، ثم كتابه حول ”ديانة الضمير الفردي ومصير الإنسان في العصر الحديث”. من خلال جملة هذه الكتب يبدو أنّ الأستاذ محمد الحداد يوجّه نظره إلى الفكر الإصلاحي بداية من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، ولكن بحديثه عن الإصلاح، وبحديثه عن مصير الفكر العربي، فإنّ مشاغله تبقى مشاغل الرّاهن، توصيفًا لهذا الراهن الذي يعيش أزمة، وبحثًا عن آليات الخروج من تلك الأزمة بالعودة إلى هذا الفكر الإصلاحي وإنشاء ورشات حوله. خاصة أنّ ما يُطرح من حلول يهدف إما إلى العودة إلى تلك الأصول واستنساخها، وإمّا أنه يهدف إلى استنساخ التجارب الخارجة عن الأطر العربية والإسلامية لابتداع حلول ملائمة للفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر. ونحن اليوم سعداء جدًّا باستضافة الأستاذ محمد الحداد، ونشكره على قبوله دعوتنا للحوار معه.

    مرحبا بك أستاذ محمد

    د. محمد الحدّاد: مرحبًا بك أستاذ نادر، وشكرًا لمؤسسة مؤمنون بلا حدود على هذه الاستضافة.

    د. نادر الحمّامي: لا أدري إن كان التقديم الذي استمعتَ إليه فيه توصيف شامل للمشاغل التي تطرحها من خلال دراساتك وأبحاثك، ووفقًا لهذا التوصيف، هل أنّ المجتمعات العربية والإسلامية والفكر العربي بصورة عامة تعيش فعلاً ”أزمة”، ولو أنّ هذا المفهوم نفسه في حاجة إلى معالجة أخرى، ما يحتّم علينا، ضرورة، إعادة قراءة ما أنتجه مصلحو فكر النهضة بداية من القرن التاسع عشر للخروج من الأزمة الراهنة؟

    د. محمد الحدّاد: أقدّم لك بداية الأسباب التي جعلتني أتجه إلى هذه المباحث بصفة خاصة، فإذا نظرنا إلى الفكر العربي المعاصر نجد قناعة لدى كل المفكرين بصفة عامة أنّ الفكر لا ينطلق من لا شيء، فبالضرورة أنّه يبني على شيء ما سابق. والفكر العربي المعاصر، بداية من القرن العشرين مع نشأة المدارس الحديثة، انطلق من الفكر العالمي؛ أي أنّ إنتاجه كان أساسًا من خلال الترجمة والتعريب والتعريف بالتيارات الفلسفية والفكرية الحديثة، مثل الماركسية والوجودية وغيرها… أي أنّ كل التيارات الحديثة كانت تجد لها صدًى في البيئة الفكرية العربية، وفي ما بعد أي بعد عشرات السنين وقع الانتباه إلى مسألة وهي أنّ هذا الانفتاح على الفكر الكوني ظل نخبويًّا، أنّ هذه التيارات الحديثة كانت معروفة في مستوى النخبة لكنها كانت بعيدةً جدًّا عن الجانب الأكبر من الناس. من هنا دخل الفكر المعاصر إلى المرحلة التالية وهي محاولة إيجاد علاقات بين هذه التيارات الحديثة وبين التراث العربي الإسلامي، ومن هنا بدأ الاهتمام بإيجاد تيارات عقلانية أو عقلية في التراث، من ذلك الاهتمام بالمعتزلة وبابن رشد، وبدأ الاهتمام بتقسيم العلوم الإنسانية والاجتماعية بالعودة إلى شخصيات تراثية من المفترض أنّها كانت سباقة نوعًا ما فيما يشبه العلوم الإنسانية والاجتماعية، مثل ابن خلدون وغيره… هذه المرحلة الثانية من الفكر العربي المعاصر، وهي ذاتها وجدت نفسها بعد ذلك في مأزق، وهذا المأزق يمكن أن نفسره بأمرين؛ الأمر الأوّل هو أنّها أدت إلى كثير من عمليات الإسقاط، أي إسقاط أفكار حديثة على تراث قديم، فالعقلانية الحديثة لا يمكن أن تكون في سياق عقلانية (أو معقولية) ابن رشد نفسها، وهذا قد أدى إلى مشكل أوّل كبير وهو عملية الإسقاط تلك، وأدّى أيضًا إلى مشكل ثان كبير وهو أنّ العودة إلى التراث في البداية كانت مجرد وسيلة لتأصيل الأفكار الحديثة، فإذا بالتراث يصبح هو المبحث الرئيسي وتهمَّش الأفكار الحديثة وتندثر وتصبح المعارك حول التراث نفسه. فأنا عندما بدأت التفكير وبدأت الدراسات فكّرت في أنّه ينبغي أن نفتح المجال لمرحلة ثالثة لا تنطلق من التراث لتأصيل الأفكار الحديثة، ولكن تنطلق من القرن التاسع عشر أي من الفترة التي نسمّيها عصر النهضة، لأنّ العالم قد تغيّر والقرن التاسع عشر هو قرن العولمة سواء في البلدان العربية أو في الصين أو في اليابان أو في الهند هو القرن الذي تعولمت فيه آثار الثورة العلمية والصناعية والرأسمالية الحديثة. ولهذا فأنا دعوت منذ البداية إلى تقسيم التراث نفسه إلى ما أسميه التراث البعيد، والذي اعتبرت أنّه ينبغي أن ندرسه، ولكن هذا التراث مختلف عن قضايانا المعاصرة لأنّه نشأ في عصر مختلف تمامًا، عصر لا توجد فيه رأسمالية ولا مفهوم دولة وطنية ولا مفهوم ديمقراطية ولا علوم بالمعنى الحديث… وما دعوته بالتراث القريب أي تراث القرن التاسع عشر الذي له قيمة تأسيسية والذي إذا انطلقنا منه سنجد أنفسنا في الإشكاليات نفسها التي نطرحها اليوم.

    د. نادر الحمّامي: ومع وجود الإشكاليات نفسها التي ظهرت في التراث القريب بداية من القرن التاسع عشر، والتي طرحها رواد الإصلاح، وإن كانت متشابهة مع تسارع الثورات العلمية والتقنية وحتى العلوم الاجتماعية مع تغيّر البنية الاجتماعية والذهنية، فهل ما يطرح بالعودة إلى ذلك في الإصلاح اليوم هو من قبيل الاستخدام المنهجي فحسب أم من أجل استلهام الحلول؟

    د. محمد الحدّاد: أشكرك على هذا السؤال لأنّني أعتقد أنّ من بين أسباب سوء الفهم الذي واجهته أعمالي هو هذه المسألة؛ فأنا عندما أقول بالعودة إلى القرن التاسع عشر لا أقول إنّنا سنعود إلى حلول القرن التاسع عشر، لأنّه لا توجد حلول أصلًا فهؤلاء قاربوا تلك الإشكاليات وبدأوا في فهمها ولم يتسنّ لهم الوقت ولا الظروف كي يفكّروا حقيقة في حلول، إلا أنّهم كانوا واعين بهذه المشاكل، وكان هناك نوع من التعامل الإيجابي مع الحلول الكونية التي طرحت في ذلك الوقت. ولنأخذ مثالاً بسيطًا، فنحن مع الثورات العربية أعتقد أنّنا فشلنا في هذه الثورات لأنّنا بقينا نجادل كثيرًا في مسألة الدولة هل هي دولة وطنية أم هي دولة دينية، وإذا عدنا إلى القرن التاسع عشر سنرى أنّ أشخاصًا مثل الطهطاوي الذي لم تتطلب منه المسألة تفكيرًا طويلاً للوصول إلى نتيجة أنّه لابد من الدولة الوطنية، فقد كان هناك أريحية أكبر في التعامل مع الأفكار الحديثة. وعندما أدعو إلى العودة إلى القرن التاسع عشر فذلك لأنّني أعتقد أنّ الفكر لا يمكن أن ينطلق من صفحة بيضاء، فلا بد أن نؤسس على شيء موجود، وثانيًا أنا أنطلق من المعاينة التي ذكرتها لك منذ قليل وهي أنّ الحديث انطلاقًا من الفلسفة الكونية فقط لا يكفي، لأنّ الأمور بهذا الشكل تظل نخبويةً ولا تمس جزءًا أكبر من الناس. فبما أنّنا نحتاج إلى نقطة انطلاق فهي ستكون القرن التاسع عشر، وهذا لا يعني أنّنا سنعود إلى حلول القرن التاسع عشر، وإنّما ستكون فقط نقطة انطلاق نبني عليها، ففكرة الدولة الوطنية مثلاً كانت موجودة في القرن التاسع عشر ودافعت عنها شخصيات إصلاحية مثل ابن أبي الضياف وخير الدين التونسي ومثل الطهطاوي، فلماذا لا أنطلق من هؤلاء ثم أواصل التفكير في الدولة الوطنية التي تعرضت إلى كثير من التطورات والاهتزازات بالمقارنة مع القرن التاسع عشر. ومشكلة الدولة الوطنية هي إحدى المشاكل الأساسية في الفكر السياسي الحديث، فلا أحد اليوم يعود إلى الدولة الدينية أو فكرة إمبراطوريات عابرة للقارات مثل الإمبراطورية العثمانية، وهكذا فتلك الفترة بالنسبة إلي هي منطلق وليست نهاية.

    د. نادر الحمّامي: أي أنّ الأسئلة نفسها تتجدد ولكن علينا اليوم أن نقدّم أجوبة جديدة، فالحل لن يكون بالعودة إلى تلك الدول الشمولية الكبرى، وأنت حفرت كثيرًا في هذا الخطاب الإصلاحي وبينت هذه المزية، على الأقل، في أنّه يمكن الانطلاق منه، ولكن تلك الحلول التي قدّمها رواد الإصلاح على اختلافها من محمد عبده إلى الكواكبي إلى رشيد رضا وغيرهم، بقيت في جملتها تُطرح اليوم لدى بعضهم كما هي، ولم يتعدّ الأمر مجرّد ترميق للمنطق نفسه.

    د. محمد الحدّاد: فعلاً، هذه مشكلة وعملية الترميق التي تشير إليها هي عملية قد بدأت منذ الثمانينات أي منذ فترة قصيرة، وأسبابها أنّه في السبعينات، نتيجة وجود ظاهرة الإرهاب في مصر، اتّجه بعض الذين ينتمون إلى الإخوان المسلمين إلى السّطو على التراث الإصلاحي وجعله مقدّمة لظهور فكر الإخوان المسلمين، وكان من أبرز الذين قاموا بهذا العمل الدكتور محمد عمارة الذي نشر أغلب الأعمال الكاملة لهؤلاء الإصلاحيين. أنا بدأت أبحاثي منذ الثمانينات أي مع بدايته هو، وتبين لي أنّه يقوم بعملية سطو، فلا علاقة بين الفكر الإصلاحي وبين الفكر الأصولي الذي نشأ مع الإخوان المسلمين، ففي الثمانينات نتيجة الأسباب التي ذكرتها كان هناك هذا التوجه الذي مثّله محمد عمارة ويوسف القرضاوي والعديد من الأشخاص الآخرين الذين قاموا بالسطو وتغيير الأبوّة؛ بما أنّ أبوّة سيد قطب أصبحت محرجة فإنّهم تأخروا قليلاً إلى الوراء وأرادوا أن يربطوا هذا الفكر بالطهطاوي وبمحمد عبده وبالكواكبي إلى غير ذلك. ولقد بينت في أبحاثي أنّ هذا لم يكن موجودًا عند نشأة الحركات الأصولية، وبالعكس تمامًا فعندما نعود إلى ما كتبه سيد قطب عن ذلك الجيل نرى أنّه كان كلام استنقاص، وأنّه يعتبر أنّ ذلك الجيل كان منبهرًا بالغرب، وأنّ الحركات الأصولية أتت لتعود إلى الإسلام الحقيقي وليس إلى الإسلام المنبهر بالغرب الذي تمثله حركات الإصلاح الديني. وفي تونس نجد الشيء ذاته عندما نعود إلى النصوص الأولى سنرى كيف أنّ خير الدين اُعتبر شخصًا مغررًا به ومنبهرًا بالغرب وحُمّل نتيجة الاستعمار إلى غير ذلك. فعملية الترميق التي تشير إليها قام بها، في الحقيقة، اتجاه سياسي معيّن وأنا كنت دائمًا أتّجه إلى تحرير الفكر النهضوي من عملية الترميق التي وقعت والتي لا تستند إلى مستندات تاريخية حقيقية.

    د. نادر الحمّامي: ما يدعم ذلك أنّ هنالك محاولات من داخل المؤسسات الدينية الكبرى مثل الأزهر في مصر أو الزيتونة في تونس فالأعلام الذين كانوا مجددين فعلاً قد تمّت مقاومتهم عن طريق المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية؛ نذكر على سبيل المثال الطاهر الحداد في تونس أو طه حسين في مصر وحتى محمد عبده قبل ردّة تلميذه رشيد رضا…

    د. محمد الحدّاد: ردّة تلميذه كانت نتيجة ظهور الحركة الوهابية لأنّه في عهد محمد عبده لم يكن هناك حركة وهابية بعد، لأنّها ظهرت في أواخر العشرينات من القرن التاسع عشر ومحمد عبده كان قد توفي آنذاك، ورشيد رضا قد ارتبط بهذه الحركة الوهابية وأعاد تأويل محمد عبده حسب الوهابية، وهذا ما كنت قد تطرقت إليه في أطروحتي حول محمد عبده. وقد بينت أنّ محمد عبده لا علاقة له بذلك لأنّه لا التراث الوهابي ولا حتى كتب ابن تيمية أصلاً كانت موجودة في ذلك الوقت؛ فكتب ابن تيمية بدأت تنتشر في العشرينات مع نشأة الحركة الوهابية في طورها الجديد لأنّ الحركة الوهابية مرت بثلاثة أطوار والطور الثالث هو الذي أدى إلى نشر كتب ابن تيمية أي ما يسمى السلفية الجديدة. ومحمد عبده لم يعش في ذلك العصر وقد توفي قبل ذلك وبالتالي فهو لم يتأثر بذلك، في حين أنّ رشيد رضا هو الذي كتب تاريخ محمد عبده (تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده) ولكن ذلك كان بعد ثلاثين سنة من وفاة محمد عبده، فهو قام بإعادة تأويل الحركة الإصلاحية الجديدة، ذات الاتجاه السلفي الجديد الوهابي الذي لم يخفه رشيد رضا، بما أنّه يقول في كتب أخرى ينبغي أن نكون مع هذه الحركة وأنّ هذه الحركة ستنتشر إلى غير ذلك… ويتواصل هذا السطو مع كتاب معاصرين مثل يوسف القرضاوي ومثل طارق رمضان وغيرهما، وفي الحقيقة فإنّ كتبي لا تستطيع أن تزاحم هؤلاء لأنّ وراءهم أجهزة دعاية ضخمة جدًّا، فأنا لدي مثلاً مقال أوضّح فيه هذه المسائل وقد نشر، وفي المقابل أنتجت قناة الجزيرة سلسلة وثائقية كاملة حول هذا الفكر وقد أخذت مادتها من ذلك التأويل الوهابي، ومن ثمّ لا يمكن لنا نحن بكتب أكاديمية أن ننافس أجهزة ضخمة مثل قنوات تلفزية ودور نشر قوية جدًّا، ومع ذلك سأقول مثل غاليلي (Galilée) ”ومع ذلك فالأرض تدور” لأنّ الوثائق التي قدّمتها تبين صحّة قراءتي لهذا التاريخ وتبيّن أنّ ما قام به الآخرون هو سطو على هذا التاريخ، عندما ينشر محمد عمارة مثلًا الأعمال الكاملة للأفغاني أو محمد عبده فإنّه يقدم هذه الأعمال في الحقيقة ناقصة وليست كاملة، فهناك نصوص لم يوافق عليها هو فألغاها.

    د. نادر الحمّامي: صحيح، وقد لاحظت هذا انطلاقًا مما نشره في دار الشروق حول الأعمال الكاملة لمحمد عبده، فإنّ ما تعرّض إليه محمد عبده في مسألة الإصلاح الديني وإصلاح الأزهر ورد مبتورًا إلى حدّ كبير، بالإضافة إلى إخراجه لكتاب علي عبد الرازق في تلك الطبعة المسبوقة بنص المحاكمة، والنص في حقيقة الأمر كان مشوّهًا… سنرجع إلى دور المثقف وفاعليته أيضًا أمام هذه الأجهزة، ولكن بودّي أن أسأل وأنت تبرّئ محمد عبده مما تسميه سطوًا وأسميه رجعيّة، ونعرف جميعًا الخصومة بين الجامعة ممثلة في فرح أنطون ومحمد عبده، فهل كان هذان خيارين أمام الفكر الإصلاحي في الفكر العربي في تلك الفترة؟ وهل إذا ما برّأنا محمد عبده نكون بالضرورة ضد المنهج المقابل الذي مثّله العلمانيون أساسًا من خلال فرح أنطون، أم هنالك خيار آخر؟

    د. محمد الحدّاد: لقد كتبت في كتابي ”ديانة الضمير الفردي” فصلاً حول هذه المناظرة أو الخصومة بين محمد عبده وفرح أنطون، وقد بينت أنّ هذه الخصومة هي خصومة متجاوَزة لأنّ ما قاله محمد عبده قد تجاوزه التاريخ، وأنّ ما قاله فرح أنطون أيضًا قد تجاوزه التاريخ، لأنّ الفكرة التي دافع عنها فرح أنطون حينئذ فيها الكثير من الأشياء الإيجابية إلا أنّها مرتبطة بفكرة الدولة الليبرالية كما كان يتصورها المفكرون قبل قيام الحرب العالمية الأولى، وفيما بعد أصبح هناك اتفاق على أنّ الدولة لا يمكن أن تكون بالشكل الليبرالي المطلق الذي كان سائدًا آنذاك والذي تأثر به فرح أنطون.

    هناك جانب ثان يبدو لي مهمًّا أيضًا في المسألة وهو مرتبط بما يقوله فرح أنطون من أنّ الإيمان ينبغي أن يكون فرديًّا وهذه فكرة أتفق معها تمامًا ولكن الدين خطاب أيضًا، وباعتباره كذلك فإنّه يصبح مسألة اجتماعية وبالتالي فينبغي أن تُفسح الفرصة أيضًا للمتديّن حتى يجد نوعًا ما من التوفيق بين إيمانه وبين العصر. فعملية الإصلاح الديني من وجهة نظري هي هذه المحاولة التأويلية لإيجاد نوع من التوازن بين الإيمان وبين مقتضيات العصر، فلا يمكن الاكتفاء بالحل التقليدي الذي يقول بأنّ كل شخص ينبغي أن يبقي إيمانه في قلبه، لأنّ هناك خطابًا دينيًّا في المجتمع وإذا لم تُقدّم مستندات خطاب ديني جديد فسيحصل أنّ الأطراف التقليدية هي التي ستسيطر على المجال الديني، وبسيطرتها تلك سوف تسيطر على المجتمع، بل أكثر من ذلك، فلم يعد المشكل فقط كما تصوّره محمد عبده مع المؤسسات التقليدية بل أصبح مع الحركات الأصولية التي هي أقوى حتى من المؤسسات التقليدية، فإذا تركنا المجال الديني سائبًا في المجتمع بحجة أنّ الدين شيء فردي سيحصل أنّ هذه المجموعات ستسيطر على جزء كبير من الناس، وبالتالي ستسيطر على جزء كبير من المجتمع، وهذا ما نعيشه اليوم، فمن ثمّ كان لابد من التشجيع على فكر ديني بديل، ولاحِظْ أنّ الاشتغال على هذه الفكرة بدأ منذ فترة قريبة، ولو كان الاشتغال عليها منذ محمد عبده لكان لدينا فكر ديني أكثر انفتاحًا وأكثر عصرانية مما نجده اليوم، لأنّ الاعتقاد بأنّ الدين سوف يضمحل في المجتمع هو اعتقاد خاطئ، وبما أنّه كذلك فليس أمامنا سوى أمرين إما أن نترك الفراغ، والطبيعة تأبى الفراغ، أو نحاول أن نزاحم الأفكار الدينية التقليدية التي لم تعد مناسبة للعصر بفكر آخر تجديدي وإصلاحي.

    د. نادر الحمّامي: هذا على المستوى الفكري، فالدين لا يجب أن يُترك سائبًا، وعلى المستوى السياسي ألا يجب أن يبقى الدين تحت أنظار الدولة ومن مشمولاتها، وألاّ يتم الفصل بين الدولة والدين فصلاً كاملاً؟

    د. محمد الحدّاد: طبعًا لأنّ رؤية فرح أنطون لم تكن رؤيته هو وحده، فهي رؤية الفكر السياسي الليبرالي الذي كان موجودًا في القرن التاسع عشر، والذي يعتبر أنّ الدولة لا يجب أن تتدخل لا في المجال الاقتصادي ولا في المجال الديني وأنّ المجتمع هو الذي سيجد التوازن، وهذا ليس صحيحًا، فقد بيّنَت بداية القرن العشرين والحرب العالمية الأولى أنّ الدولة لها دور تعديلي في الاقتصاد وفي الدين وفي الثقافة وفي كل الأمور. فلو تركت الدولة مجال الدين مفتوحًا اليوم في أي بلد عربي دون تدخّل فالذين سيستفيدون من ذلك إنّما هم الأصوليون وليسوا أنصار الحداثة. وهذه الفكرة عندما كنت أدافع عنها في البداية كان الحداثيون التقليديون يعتبرون أنّني بذلك أريد التوفيق مع هذه الأفكار الأصولية، ولكن ذلك غير صحيح، فعندما نرى التاريخ، نجد أنّ هناك مشكلة مؤسسات تقليدية، ولكن أيضًا مشكلة أصولية، وفي أوروبا عندما سقطت المؤسسات التقليدية أدّى هذا إلى الحداثة ولكنه أدّى أيضًا إلى نشأة الحركات الأصولية. والشيء نفسه بالنسبة إلينا نحن فإضعاف المؤسسات التقليدية مثل الأزهر ومثل الزيتونة لن يؤدّي إلى أن يصبح الناس حداثيين وإنّما سيؤدّي بالإضافة إلى ذلك إلى أن يصبح جزء من الناس أصوليين. ولذلك كان لابد أن نفكّر منذ البداية في إيجاد فكر ديني بديل يكون إصلاحيًّا ويكون متلائمًا مع العصر وهذا ليس فيه أي حنين إلى الماضي بل عكس ذلك إنّما هو استباق لما سيحصل في المستقبل، ولهذا أعتقد أنّ كتاباتي لم تفهم لهذا السبب، لأنّها اعتبرت وكأنّها مجرد عودة إلى القرن التاسع عشر في حين لم يكن هذا هو المقصود.

    وحتى أختم في مسألة هذه الخصومة فإنّ محمد عبده كان مفتي مصر وكان يستطيع أن يصدر فتوى ضدّ كتاب فرح أنطون ويمنعه أو أن يصدر فتوى حتى بتكفير فرح أنطون، لكنه لم يفعل ذلك، بل واجهه بكتاب مقابل، على الرغم من أنّ محمد عبده كان مشهورًا جدًّا في ذلك الوقت في حين أنّ فرح أنطون لم يكن مشهورًا. وبصرف النظر عن كتاب محمد عبده بكل الأخطاء والإشكاليات التي فيه فإنّ هذا الموقف إيجابي؛ أي أنّ المفتي لا يرد بإصدار فتوى وإنّما يرد ببحث بديل حتى وإن كان بحثه ضعيفًا وهذا ما لم يعد يوجد اليوم لا من المفتي ولا ممن هو دونه.

    د. نادر الحمّامي: هذه مداخل جيدة لمحور ثان يكون حول الإصلاح الديني وعلاقاته بالفكر وبالسياسة وبالدولة.

    الجزء الثاني: الإصلاح الديني وعلاقاته بالفكر وبالسياسة وبالدولة

    د. نادر الحمامي: نستأنف حوارنا مع الأستاذ محمد الحداد للحديث عن جملة من المشاغل التي طرحها في أبحاثه ودراساته انطلاقًا من فكرة الإصلاح بصفة عامة، ويبقى الإصلاح الديني جانبًا من المنظومة الإصلاحية فهناك إصلاح اجتماعي وإصلاح اقتصادي وإصلاح سياسي، وسنحاول التركيز هنا على مسألة الإصلاح الديني بصفة خاصة. كما يعلم الأستاذ الحداد، ونعلم جميعًا، أنّ الإصلاح الديني الذي هو لفظ أو مصطلح قد ظهر في الغرب في إطار الإصلاح الديني البروتستانتي أساسًا، وامتد لاحقًا إلى الفكر العربي وقد انطلق في الغرب من المؤسسة الدينية نفسها، يعني الإصلاح في إطار الكنيسة، فهل المقصود بالإصلاح الديني في الواقع الاجتماعي العربي والإسلامي مطابق للإصلاح في الواقع الغربي المسيحي، أوّلاً؟ وهل يمكن (وهذا هو السؤال الثاني المركزي بالنسبة إلي في هذا الحوار) أن يكون الإصلاح الديني منطلقًا من المؤسسات الدينية أم إنّه يكون من خارجها؟

    د. محمد الحدّاد: انطلق الإصلاح الديني في أوروبا من خارج المؤسسة الدينية، بما أنّ لوثر حاول في البداية أن يصلح الكنيسة من الداخل من خلال مجموعة الاقتراحات التي قدّمها للكنيسة، لكن الكنيسة رفضت هذه الاقتراحات وأعلنت حرمانه، أي ما يقابل الكفر بالنسبة إلى المسلمين. وانطلقت بالتالي حركة الإصلاح من خارج المؤسسة الدينية المسيحية لكن ما ينبغي الإشارة إليه هو أنّ كلمة الإصلاح الديني خرجت في نهاية القرن التاسع عشر ثم في بداية القرن العشرين خاصّة، من المجال الديني بصفة عامة، وأصبحت مفهومًا يستعمله علماء الاجتماع والمؤرّخون خارج هذا الصراع بين البروتستانتية والكاثوليكية، هذا ما نجده مثلاً لدى ماكس فيبير (Max Weber) الذي تحدث عن الإصلاح الديني باعتباره ظاهرة اجتماعية واقتصادية لها تبعات على نشأة الليبرالية؛ فماكس فيبير لم يكن متحيّزًا لا للكاثوليك ولا للبروتستانت، ولا كانت هذه المعركة الدينية تهمّه أصلاً، وما أثار اهتمامه في قضية الإصلاح الديني هو علاقتها بمسألة ظهور الرأسمالية، ومنذ ذلك الحين أصبحت كلمة الإصلاح الديني مفهومًا في العلوم الاجتماعية والاقتصادية والتاريخ، وفي القرن العشرين بصفة خاصة بدأ يظهر العديد من المؤرّخين الكبار الذين استعملوا كلمة إصلاح ديني، واهتموا بالإصلاح الديني من موقع تاريخي بحت لا علاقة له بالصراع الديني بين الكاثوليك والبروتستانت؛ من ذلك نذكر مثالاً عما يسمّى بمدرسة التاريخ الجديد أو مدرسة الحوليات، فتعرف أنّ أب هذه المدرسة هو لوسيان فابر (Lucien Febvre) وأنّ من أوّل الدراسات التي أصدرها هذا الشخص، كتاب عنوانه (Martin Luther, un destin)، وفي هذا الكتاب دعا إلى الخروج بعبارة إصلاح ديني من هذا التجاذب الديني لجعلها مجرد مصطلح أو مفهوم تاريخي. وعلى هذه الشاكلة أتى العديد من الباحثين الآخرين ووُجد هذا الاتجاه.

    وعندما ذهبت أنا إلى جامعة السوربون لإعداد أطروحتي وجدت هذا الجدل الذي لم يكن جدلاً دينيًّا أبدًا، بل كان جدلاً داخل العلوم الإنسانية والاجتماعية، وبين المؤرخين؛ أي بين أشخاص لم يكونوا، بالضرورة، لا كاثوليك ولا بروتستانت، حتى أنّ بعضًا منهم كان ملحدًا في الأصل، وبالنسبة إليهم هو مفهوم تابع للعلوم الإنسانية والاجتماعية، أي أنّه مفهوم إجرائي ذو خلفية تاريخية دينية، ولكنه فيما بعد تحول إلى مجرد مفهوم إجرائي مستعمل في العلوم الإنسانية والتاريخ. وكان الجدل آنذاك، وحتى في الفترة التي درست فيها في السوربون، متواصلاً. وهو يتمحور في النقطة التالية: وهي أنّ بعضهم كان يقول بضرورة أن نوسّع هذا المفهوم باعتباره مفهومًا تاريخيًّا ينبغي أن نوسّعه على كل التجارب الدينية، وبعضهم الآخر يقول: يجب ألا نوسّعه وأن نتركه في المجال الغربي فقط. وأنا باعتباري باحثًا قادمًا من مجتمع عربي إسلامي، كنت مع توسيعه لأنّ هذا المفهوم إن لم نوسّعه سيبقى غربيًّا، وسنجعل العقلانية غربية والعلم غربيًّا إلى غير ذلك، مع العلم أنّ هناك إلى الآن مفكرين كبار يمكن أن أذكر منهم مارسيل غوشيه (Marcel Gauchet) (1946)، وهو شخص مهم جدًّا، يقول بأنّ الإصلاح الديني مفهوم لا ينطبق إلا على التاريخ المسيحي، أي لا يمكن أن يوجد إصلاح ديني في ديانة أخرى، وأنا أقول عكس ذلك بأنّ هذا المفهوم هو مفهوم كوني، ويمكن أن ينطبق، بالتالي، على أي تجربة تاريخية أخرى، فهو مفهوم قد تجاوز العلاقة بالبروتستانتية، لأنّه في الأصل كان يستعمل لدى البروتستانت فقط، وكان مفهومًا سلبياًّ لدى الكاثوليك، ثم في ما بعد قد تقبله الكاثوليك أنفسهم حتى وإن غيّروا الكلمة بكلمة أخرى، فالمهم أنّهم تقبلوا الفكرة، ثم فيما بعد خرج عن الصراع الديني أصلًا، وأصبح مفهومًا اجتماعيًّا تاريخيًّا، وأنا أستعمله دائمًا بهذه الصفة.

    وبهذه الطريقة يمكن أن نطبقه على كل المجتمعات الأخرى، وأذكر أنّه كانت لدينا جمعيّة في مدينة بولونيا في إيطاليا، التي كانت فيها أوّل جامعة في أوروبا، وكانت الجامعة التي فتحت مجال التعامل مع التراث العربي، وفي هذه المدينة أسسنا ناديًا للأكاديميين العالميين، وفكّرنا في الإصلاح الديني انطلاقًا من مختلف التقاليد الدّينية الكاثوليكية والبروتستانتية والهندية والهندوسية والبوذية وغير ذلك، واعتبرنا أنّه ينبغي أن نوسّع هذا المفهوم لأنّه مفهوم كوني ولأنّ كل الأديان مضطرّة، عندما توجد تغيرات اجتماعية عميقة جدًّا ونوعيّة وليست كمية، أن تعيد تأويلاتها الذاتية حتى تتلاءم مع هذه الوضعيات، وعندما نتحدّث عن تغييرات نوعية أعطي مثالاً: التغير من الاقتصاد الوسيط إلى الرأسمالية الحديثة هو تغيّر نوعي، فهناك تغيرات اقتصادية كثيرة حدثت في الماضي، لكن الانتقال من نظام زراعي إقطاعي إلى نظام رأسمالي هو مختلف عن التغيرات الكمية الكثيرة التي حدثت في السابق، والانتقال من الشكل الإمبراطوري في الحكم إلى شكل الدولة الوطنية هو تطور نوعي وليس تطوّرًا كميًّا، أي أنّ الانتقال من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية هو انتقال ولكنه انتقال كمّي، فليس انتقالاً في طبيعة الحكم وإنّما هو انتقال في الناس الذين سيتولون الحكم، إذن فهو ليس انتقالاً نوعيًّا بينما الانتقال إلى الدولة الوطنية هو انتقال نوعي.

    عندما تحدث انتقالات نوعية فإنّ الفكر الديني يكون مضطرًّا أن يعيد تأويلاته الذاتية، وإذا لم يفعل ذلك فسنبقى في الوضع الذي عليه البلدان العربية الآن، وهو أنّ الإنسان ممزق بين التأويلات القديمة التي يقدّمها الدين والتي تجاوزها العصر؛ فالدين يقول لا ينبغي التعامل بالربا، بكل أنواع الربا بما في ذلك الفائدة على المال، في حين لا يمكن أن يوجد اقتصاد حديث بدون فوائد على الأموال، والسبب أنّه في القديم لم يكن يوجد تضخم بينما الاقتصاد الحديث كلّه مبني على ظاهرة التضخّم، وبالتالي لا يمكن أبدًا ألا توجد فوائد على الأموال، لأنّ قيمة المال تتغير بفعل التضخّم بين سنة وأخرى، وحتى بين يوم ويوم، وبالتالي فالاقتصاد الحديث فيه فوائد على الأموال بالضرورة. وهكذا ينبغي إعادة تأويل مسألة الربا مثلما فعل محمد عبده الذي يميّز بين الربا وبين الفائدة على الأموال، وتلك طريقة لقبول جزء مما كان الأقدمون يعتبرونه ربا، وهذا هو التطوّر النوعي الذي لا بد للفكر الديني أن يتلاءم معه، وإلا فسيبقى الإنسان ممزقًا بين تأويلات لم يعد بالإمكان تحقيقها الآن وواقع بعيد جدًّا عن تلك التأويلات. هذا يؤدّي إلى تمزّق المجتمع، فالفكرة التي أودّ التأكيد عليها أنّ المسألة ليست مسألة كماليات وليست ترفًا فكريًّا، ولكنها مسألة مجتمع، فلكي يقوم المجتمع ينبغي أن توجد أشياء مشتركة إلى جانب الاختلافات حتى لا تكون الهوة كبيرة جدًّا، مثلاً، بين الإيمان الديني للناس وبين واقع المجتمع.

    د. نادر الحمامي: هذا المفهوم الإجرائي لمسألة الإصلاح الديني، وهذا التطور النوعي، ألا يساوي نوعًا من البحث عن المشروعية التي تُعطَى للمثقفين والأكاديميين من خارج المؤسسات الدينية لتقديم آرائهم لا في الدين فقط، بل في كل ما يتعلّق بالمجتمع تنظيمًا واقتصادًا واجتماعًا، لأنّه إذا فهم الإصلاح الديني على أنّه يتعلّق فقط بالجانب الديني فإنّ الساهرين على المؤسسة الدينية والمنتمين إليها دائمًا لهم حجة أنّ من يقدّم مقترحًا للإصلاح الديني بالمعنى المتداول والشائع فإنّه ينبغي بالضرورة أن يكون منتميًا للمؤسسة الدينية وإلا فإنّه يعتبر متطفلاً، فلو ذكرت ما قلته في مسألة الربا أو الفائدة أمام شخص ينتمي إلى المؤسسة الدينية، سيقول لك بأنّ هذا الموضوع حكر على المختصين في العلوم الشرعية، وما دخل الجامعيين في هذا الأمر، إلى غير ذلك من تلك الحجج.

    د. محمد الحدّاد: لا بد أن نذكر أوّلاً أنّ المؤسسات الدينية قد ضعفت، وفي كثير من البلدان لم يعد يوجد أصلاً مؤسسات دينية، وثانيًا فإنّ مشكلتنا نحن اليوم ليست فقط مع المؤسسات الدينية وإنّما مشكلتنا مع الحركات الدينية التي هي أيضًا نشأت من خارج المؤسسات الدينية، وبالتالي فالحديث عن احتكار المؤسسات الدينية للخطاب الديني هو حديث طوباوي، فحتى وإن تركنا جانبًا المثقفين ولنفترض أنّه تم تكفيرهم وتقتيلهم جميعًا مثلما قتل ابن المقفع وغيره، فحتى هذا لن يحل مشكلة المؤسسة الدينية، لأنّ المنافسة لا تأتي في الحقيقة من المثقفين، وإنّما هي تأتي من الحركات الدينية السياسية، التي هي أقوى بكثير من كل المؤسسات الدينية، وبالتالي دعنا نتجاوز قضية الاختصاصات لأنّها مجرّد طرح طوباوي، فالمسألة هي أنّه لا توجد أي مؤسسة دينية اليوم تحتكر الخطاب الديني، فالخطاب الديني أصبح مفتوحًا للجميع، وهذا أمر طبيعي لأنّه يرتبط بمصير مجتمعاتنا. ونحن، باعتبارنا مواطنين في هذه المجتمعات، من حقّنا أن نهتم بالسياسة وبالاقتصاد وبالدين لأنّ هذه العناصر الثلاثة هي التي توجّه مصير مجتمعنا؛ أي أنّها توجّه مصيرنا نحن ومصير أبناءنا. عندما يتقاتل الشيعة والسنة في العراق، ويقتلون بعضهم بعضاً، فهذا الأمر لا يمس الإمام السني والمرجع الشيعي فقط، وإنّما هناك مئات الآلاف من الناس العاديين الذين سيقعون ضحية هذه الصراعات، ومن ثمّ فتدخلنا نحن في هذه القضايا لا يمكن اعتباره تطفّلاً، وإنّما هو من باب اعتبارنا مواطنين ومصير مجتمعاتنا هو أمر يهمنا لأنّه مصيرنا في النهاية ومصير أبنائنا.

    د. نادر الحمامي: أنت تدعو إلى افتتاح ورشات للإصلاح الديني بالمفهوم الذي قدّمته، ولكن ربما بقيت هذه الدعوات، كما قلت في التقديم، نوعًا من ”الصرخات” التي لم تجد استجابة كبيرة من ناحيتين؛ أي من ناحية الباحثين أنفسهم الذين لم يقوموا بمبادرات لإنشاء هذه الورشات ومن ناحية المجتمع، فلا صدى لذلك اجتماعيًّا، ما يجعلني أتساءل عن تشخيص هذه العوائق التي يواجهها الإصلاح سواء في المستوى المعرفي العلمي أو حتى في المستوى الاجتماعي.

    د. محمد الحدّاد: أنا خضت مجادلات مع شخصيات دينية كبيرة، ومع بعض منهم كانت النتيجة إيجابية، وهنا أترحّم على الشيخ وهبة زحيلي (1932-2015) الذي توفي مؤخّرًا، وكنّا قد التقينا في إحدى الندوات، وحدث بيننا صدام عنيف لأنّنا لم نكن ننطلق من المنطلقات نفسها، لكن فيما بعد أصبحنا أصدقاء لأنّنا تحاورنا بمناسبة تلك الندوة ثم شاءت الصدف أن نلتقي في ندوات أخرى؛ هذا الشيخ كان شيخًا تقليديًّا جدًّا وصارمًا جدًّا، ولكنه كان لطيفًا ويصلك ذلك الانطباع حين تتحدّث إليه. وقد أصبحنا شيئًا فشيئًا أصدقاء فعلاً، على الرغم من الاختلاف الكبير في المنطلقات الفكرية، لذلك فأنا أومن دائمًا بفضيلة الحوار، وبأنّ الناس أعداء ما يجهلون، كما أومن دائمًا بأنّه عندما تتكلم مع شخص وعندما تعمّق له الفكرة فسيتغيّر رأيه شيئًا فشيئًا. ولهذا فقد كنت دائمًا مع مبدأ الحوار؛ مع المؤسسات التقليدية ومع الحركات الإسلامية… فالحوار هو دائمًا بالنسبة إليّ قيمة، لا يُزحزح، بالضرورة، الأفكار ولكنه يمكن أن يزحزح العداوة الكبيرة التي تحصل بين الناس.

    إلا أنّ الصعوبة التي وجدتها كانت مع من أسمّيهم الحداثيين التقليديين أو بعبارة ابن سينا ”مقلّدة الحداثة” فابن سينا تحدّث عن مقلّدة الأرسطية أو مقلّدة المشّائين، أي أولئك الذين كانوا يعمدون إلى حفظ متن أرسطو ويسردونه كما هو دون محاولة التوفيق بينه وبين واقع العصر. كان ابن سينا يسميهم هكذا، وأنا هنا أعتبر مقلّدة الحداثة، من ضمن أكبر المشاكل، وهم الناس الذين لا يريدون أن ينظروا إلى الواقع والذين يقولون، مثلاً، إنّ الدّولة لا يجب عليها أن تتدخّل في المجال الديني، والحال أنّ الدولة إذا لم تتدخل في المجال الديني فإنّ الحركات الأصولية هي التي ستسيطر على المساجد، إذن ينبغي على الدولة أن تتدخّل، وبالتالي ينبغي عليك أنت أيها الحداثي التقليدي أن تراجع مسألة فصل الدين عن السياسة. انظر مثلاً شخصًا مثل محمد الشرفي الذي كان شجاعًا، فبعد تجربته في الحكم، توصّل إلى أنّ الدولة لا يمكن أن تتخلّى نهائيًّا عن الميدان الديني، وكتب هذا في كتابه. لقد كان على مقلّدة الحداثة في تونس وغيرها أن يقرؤوا كتاب محمد الشرفي، لأنّه من خلال التجربة توصّل إلى الفكرة التي يمكن أن نتوصّل إليها عبر التأمّل في الواقع؛ فالميدان الديني ليس مجرد كلام وإنّما هو مساجد وزكاة وأشياء أخرى، وإذا فصلت الدولة عن كل هذا، فذلك يعني أنّ الحركات الأصولية هي التي ستملأ الفراغ، وبالتالي فينبغي أن تراجع فكرة الفصل التام بين الدولة والدين. نعم يجب الفصل بين الدولة والدين، بمعنى أنّ الدولة ليس من حقها ولا من واجبها، أن تتدخّل في عقائد الناس أو أن تفرض عليهم شيئًا، فالدولة هي حامية الحريات بما في ذلك حرّيات الناس الذين لا يؤمنون بالدّين، من هذه الناحية ينبغي أن يكون هناك فصل بين الدولة والدين، ولكن الدين، أيضًا، مجموعة من المؤسسات الموجودة مثل المساجد وغيرها، وباعتبارها مؤسسات على الملك العام، فهي ”مرفق عمومي” كما نعبّر عن ذلك اليوم في تونس، فالدولة ينبغي لها أن تتدخّل فيها، لأنّ الدولة إذا تركت المرفق العام هكذا على حاله فإنّه سيؤول إلى الفوضى، وبذلك، في هذا المستوى الثاني، لا يمكن أن تكون الدولة مفصولة عن الدين.

    د. نادر الحمامي: بما أنّك فتحت هذا الباب حول الحداثة والحداثيين، وقد تحدثت عن الحداثيين السلفيين، أو التقليديين الذين تحنطوا في مسألة أنّه ينبغي تطبيق العلمانية بمفهومها كما هو موجود في النظريات الأولى، ولم يفطنوا إلى أنّ المسألة تغيّرت كما تغيّر مفهوم الديمقراطية والحرية وغيرها من المفاهيم الأخرى، فإنّ هناك في الحقيقة صنفًا آخر من الحداثيين هم الذين يؤصّلون قيم الحداثة في الموروث القديم، وهذا النوع من التأصيل يأخذ واجهة حداثية لأنّه ضرب آخر من ضروب السلفية أو حتى الماضوية.

    د. محمد الحدّاد: نعم، وهذا بالنسبة إليّ هو ضرب من السلفيّة، وحتّى الاتجاه الذي يسمى بالاتجاه القرآني أيضًا، الشيء نفسه، فهذه كلّها طرق لا تاريخية في طرح القضايا، وأنا أرى أنّ تعريف السّلفية هو اللاتاريخية، فلا يهمني عمّا يدافع الشخص، وما يهمّني هو أنّ كل شخص يدافع عن فكرة لا تاريخية هو في اعتباري شخص سلفي.

    د. نادر الحمامي: لكن إن قدّمنا هذه الطروحات فالإشكال يبقى في المستوى الاجتماعي، في الحقيقة، أي في من سيقوم بهذا الدور أساسًا. أنت قلت إنّ المؤسسة التقليدية لا إشكال معها، وربما الإشكال الأكبر هو مع الحركات التي لم تخرج من المؤسسات الدينية التقليدية، وهذا صحيح، فلو نظرنا في هذه الجماعات سنجد ألا أحد منها تكوّن في المؤسسات التقليدية، وإنّما الإشكال مع الحداثيين المؤصّلين والحداثيين التقليديين بالمعنى الدغمائي للحداثة أيضًا. فكيف يمكن أن يصل الأمر اجتماعيًّا، لأنّ الهدف في نهاية المطاف هو اجتماعي، وليس أن نتداول مسائل الإصلاح الديني في حواراتنا أو ندواتنا، فقط. المشكلة أنّ أفكار الإصلاح بمفهومه الشامل تواجه بالرفض اجتماعيًّا.

    د. محمد الحدّاد: اجتماعيًّا، أنا لست متأكدًا أنّ هذه الأفكار مرفوضة، فمن حسنات فترة الثورة أن تعرّفتُ على مؤسسات سبر الآراء، وكان سبر الآراء ممنوعًا قبل ذلك في المجتمعات العربية، وبحكم الحرية الموجودة أصبحت تلك المؤسسات تعمل، وقد أصبحتُ كثير الاهتمام بمتابعة سبر الآراء؛ فعندما تنظر إلى سبر الآراء يعطيك نتائج لا تتوقعها، ففي حين يكون في ظنّك أنّ المجتمع في جزئه الأكبر محافظ فإنّ نتائج سبر الآراء تبيّن أنّ الأمر ليس كذلك، من الصحيح أنّ الأغلبية في مجتمعاتنا محافظة لكنّ جزءًا كبيرًا من الناس ليس محافظًا، والمشكلة ليست في العدد، في الحقيقة، ولكن المشكلة هي في ما يسمى بالفرنسية (la visibilité)؛ أي أنّه يوجد خطاب سائد ومهيمن إلى درجة أنّه يعطي الانطباع أنّه هو الذي يمثل نسبة 99 % من الشعب، مثلما كان الناس يظنون أنّ الرؤساء منتخبون بتلك النسبة المرتفعة، وهناك جزء مهم جدًّا من الشعب، وربما، هو يمثل القوى الحية في المجتمع التي هي مستعدّة للاستماع إلى خطاب آخر لكن ذلك الخطاب لا يصل إليها، أو ربما هي ذاتها لا تعمد إلى الوصول إلى هذا الخطاب، عن جبن، وتسلك بالتالي سياسة النعامة، أي أنّها تعرف أنّ الأفكار السائدة غير صحيحة ولكنها تفضل ألا تواجهها عمليًّا وتكتفي بالصمت تجاهها. لكن هناك في المجتمعات طلب، فعندما نتحدّث اليوم مع الناس نجد قسمًا أكبر منهم يريد أن يحتفظ بإيمانه، وفي الوقت نفسه يشعر أنّ الأفكار السائدة اليوم حول القضايا الدينية لا يمكن أن تتنزل في مجتمع حديث مثل مجتمعنا اليوم. إذن هناك طلب وهناك مسؤولية لدى المثقّف أن يقوم بما يسمّيه محمد أركون ”التكفّل بالموضوع الدّيني” (la prise en charge de la question religieuse)؛ والتكفّل بالموضوع الديني ليس موقفًا دينيًّا، وليس موقفًا إيمانيًّا، وإنّما هو موقف مجتمعي، فأنت تعيش في مجتمع وفي ذلك المجتمع قضايا اقتصادية وأخرى سياسية وجزء من تلك القضايا مرتبط بتصوّرات دينية، وعندما تريد أنت الديمقراطية فإنّك ستواجه مستبدّين، ولكنّك ستواجه أيضًا أولئك الذين يريدون إقامة دولة دينية، فعندما نتحدّث عن الإصلاح الديني فنحن نتحدث عن شيء مرتبط بكل الإصلاحات الأخرى في المجتمع الذي يمكن أن يشرّع تلك الإصلاحات كما يمكن أن يعيقها، وعملنا باعتبارنا مثقفين هو أن نحاول ألا يعيق الفكر الديني الإصلاحات الضرورية في المجتمع وألا يبقى المجتمع يعيش فيما يسمى بالازدواجية يعني أن يؤمن بشيء ويفعل شيئًا آخر.

    د. نادر الحمامي: أي أنّ هناك قابلية، ولكن هناك عدم دعم من الأجهزة التي تتحكم في المجتمع، أفكّر في الإعلام تحديدًا، لأنّني سمعتك بصورة مباشرة في مداخلة نُظّمت حول تكريم الأستاذ هشام جعيط، وقد تحدّثت عن مسألة الإعلام، أذكر كلامك بأنّ هذه الوسائل متخلّية عن دورها أو متنكرة لدورها الحقيقي في إيصال صوت هذا المثقف أو الأكاديمي لأنّها هي الأوسع انتشارًا شئنا هذا أم أبينا، وهي تفضّل أشياء أخرى يضيق المقام بذكرها الآن، وربما هي بحاجة إلى الانخراط في الدور الإصلاحي، ولكن المثقف له دور أيضًا في أن يقنع وسائل الإعلام بأنّ بضاعتها نافقة.

    د. محمد الحدّاد: كنت قد بعثت في كلية الآداب بمنوبة ماجستير الدراسات الدينية المقارنة، وفي ذلك الوقت كان كل الناس يقولون بأنّها ستكون مخاطرة كبيرة وستؤدّي إلى الفوضى والكثير من المشاكل، ولكن لم تؤدّ إلى شيء من هذا، فقد كانت الأمور تسير بطريقة طبيعية، وإذا وُجدت مشاكل فهي من النوع الذي يوجد في كل شهادات الماجستير الأخرى، هذا يدلّ على أنّ الناس يتقبّلون، إذا كانت الأمور مطروحة أمامهم بطريقة معقولة. المشكل يكمن في التقبّل أي أنّ آليات التقبل غير موجودة، فالإعلام لا يقوم بأي دور في هذا المجال إما خوفًا أو لأسباب أخرى، مثل الأسباب التجارية، فانظر، على سبيل المثال، كيف يتجاهل الإعلام التونسي شخصيّة مثل هشام جعيط الذي نكاد لا نراه في الإعلام، فهناك شخصيات لا يسمح لها أبدًا أن تمر في الإعلام، فشيء طبيعي حينئذ أنّ الناس لا يستمعون إلى أطروحات جديدة، ولذلك هم يظنّون أنّ الأطروحات الوحيدة الحقيقية والصالحة هي ما يتم تداوله، إذن فالمسألة بسيطة جدًّا كي تُفهم، فإذا قارنّا مثلاً بما حصل في أوربا، وإن أخذنا مثالاً: اختراع الطباعة، نجد أنّ دراسات عديدة تبين كيف أنّ الناشرين الأوائل الذين استعملوا تقنية الطباعة كان أغلبهم بروتستانت، وكانوا يوظفون وسيلة الطباعة لنشر أفكار الإصلاح الديني، ولم ينتبه الكاثوليك إلى ذلك إلا بعد عشرات السنين، فبدأت الكنيسة تشجّع أفرادها لأن يكون لهم دور نشر.

    د. نادر الحمامي: إذن أنت تصحح المفهوم؛ فالإصلاح الديني لا يتعلّق بالدين فقط، وقد صححت الفكرة القائلة بأنّ المجتمعات العربية محافظة، وبيّنت أنّها في أغلبها محافظة ولكن يمكن أن تتقبّل العديد من الأفكار عن طريق الحوار وإيصال المعلومة. بقي الآن دور الأكاديمي والمثقف اليوم وعوائقه وتقصيره هو نفسه، وسيكون هذا مجالاً للنقاش أيضًا، وسنلاحظ ما يقوم به هذا المثقف وأين يسجّل حضوره؛ هل هو في السلطة أم هو خارجها، وهل يجب أن يكون داخل السلطة ولكن من خارجها مثلاً… تلك ستكون المشاغل التي سنتطرق إليها في محور ثالث من هذا الحوار.

    الجزء الثالث: المثقّف ودوره

    د. نادر الحمامي: نجدد ترحيبنا بالأستاذ محمد الحداد في هذا الجزء الثالث من حوارنا معه، وقد وصلنا إلى نقطة مهمّة، في تقديري، اشتغل عليها الأستاذ الحداد، وهي دور المثقف ودور الأكاديمي، وسأحاول لاحقًا أن أسأل عن الفروق بين كليهما، ولكن أذكر ما كتبه الأستاذ الحداد بمناسبة صدور ثلاثية هشام جعيط حول السيرة ”تاريخية الدعوة المحمدية في مكّة أو الوحي والقرآن والنبوّة” وكان العنوان الذي اختاره هو ”أيّها المسلمون لقد كتب هشام جعيط كتابًا”؛ هذا العنوان اللافت للنظر الذي حاول أن يقول من خلاله: انتبهوا لقد صدر كتاب مهم لشخصيّة مهمّة لم ينتبه إليه أحد. وفي الحقيقة، بقطع النظر عن محتوى الكتاب أو محتوى المقال حوله، فالمقال هو لفت نظر باتجاه كتاب وجب أن يعي الناس أهميتَه. وهنا كان المثقف يقوم بدوره ولكن لا صدى في الأجهزة التي يجب عليها نظريًّا أن تنشر هذا الفكر وأن توصله إلى المجتمع، هذا المجتمع الذي قال عنه الأستاذ الحداد إنّه ليس بالمحافظة التي نظنّها، وبالتالي فقد يحل تبسيط هذه المسائل وإيصالها إليه العديد من القضايا، والسؤال الذي أطرحه هو: هل التقصير متأتّ من المثقف فعلاً؟ أم هو متأتّ من الوسائل السياسية التي لا تريد للمثقف أن يوصل صوته إلى المجتمع؟

    د. محمد الحدّاد: أعتقد أنّ المثقف يتحمّل جزءًا من المسؤولية، ولكن الجزء الأكبر منها تتحمّله السياسات، فالسياسات العامة لا تريد للمواطن أن يفكّر بعقله، لا في هذا الميدان ولا في أي ميدان من الميادين، ومن ثمّ ليس هناك سعي جاد وحقيقي لجعل المواطن العربي يفكّر بطريقة سليمة خاصة أنّ الإنسان لا يمكن أن يفكّر إلا عندما يحصل على المعلومات، والحال أنّه ليست هناك إمكانيات للحصول على المعلومات الصحيحة والدقيقة، سواء كانت في مجال التاريخ أو كانت في مجال الاقتصاد الحالي مثل ما يتعلّق بالظروف الحقيقية للبلاد؛ أي نسب العاطلين عن العمل، والنسب الحقيقية للتضخم، فأغلب ما ينشر من أرقام اقتصادية في بلداننا هي أرقام مزيفة، مثلما أنّ أكثر ما ينشر عن تاريخنا من معلومات هو مزيّف تاريخيًّا. وهكذا، أصبح التزييف هو الأصل عندنا في كلّ المجالات، ولهذا لا تنتظرْ أن تكون معلوماتنا حول تاريخنا مثلاً معلومات دقيقة وصحيحة إذا كانت معلوماتنا حول الواقع الحالي، أي حول نسبة التضخم أو نسبة البطالة، مزيفة.

    أنا أميّز بين مهنة الأكاديمي ومهنة المثقف، فالأكاديمي هو الذي يقوم بعمله، والمثقف هو الذي يقوم بعمله أيضًا، ولكنه لا يكتفي بذلك. وأودّ هنا أن أؤكّد على مسألة المثقف الذي يقوم بعمله، لأنّ المثقف الذي ينطلق من فراغ أيضًا وبدون دقة وبدون معرفة، هو ليس مثقفًا وإنّما هو ثرثار. فالمثقف هو الشخص المتخصص في ميدان ما لكنه لا يكتفي بهذا التخصّص، وإنّما يحاول انطلاقًا من معرفته هذه أن يساهم في البناء العام للمجتمع، فتكون هذه المساهمة انطلاقًا من معرفة، ويمكن له أن يجعل هذه المعرفة نفعية فقط، أي أن يقدّم معرفته للناس الذين يموّلونه سواء لأنّه يعمل في جامعة أو لأنّه يُستدعى باعتباره خبيرًا، مثلاً، وبالتالي فهو يبقى بعيدًا عن المشاكل، أو يمكن أن يقبل بأن ينخرط في الجدل الاجتماعي، وهذا يمكن أن يتسبب له في مشاكل، والمثقف هو هذا النوع الثاني، ولهذا فعلى المثقف جزء من المسؤولية ولكن المسؤولية الأكبر تكمن في هذا الزيف الذي يطبع مجتمعاتنا في كل المجالات بدون استثناء. وأنا عادة ما أقسّم كتبي إلى قسمين؛ فهناك كتب أعتبرها أبحاثًا أكاديمية، ولكن هناك كتب أخرى قد جعلتها تبسيطًا للأبحاث الأكاديمية وهي كتاب ”مواقف من أجل التنوير”، وكتاب ”قواعد التنوير”، وكتاب ”التنوير والثورة”، فدائمًا هناك كلمة تنوير، وهذه الكتب هي تبسيط للقضايا الأكاديمية، من ذلك الفصل الذي أشرتَ إليه والذي نُشر في شكل مقال عندما أصدر هشام جعيط كتاب ”تاريخية الدعوة المحمدية في مكة” وهو الجزء الثاني، وكتاب جعيط يقدّم طريقة جديدة في قراءة السيرة النبوية المكية، لأنّ الجزء الثالث مختلف عن ذلك، وعندما صدر هذا الجزء حول مكة كان يُفترض أنّه سيكون حدثًا، فليس دائمًا يكتب مؤرخون عرب مشهورون ولهم صيت عالمي مثل هشام جعيط، في السيرة النبوية، ونحن دائمًا نشتكي من أنّ المستشرقين هم الذين يحتكرون هذا المجال، وقد أتى شخص وحطّم ذلك الاحتكار الاستشراقي عن أحقّية، لأنّه من داخل الحضارة العربية الإسلامية ذاتها، ولأنّ المستشرقين أنفسهم يعترفون بقيمته، فهو شخص فيلولوجي من الفيلولوجيين الكبار، فقد كتب سيرة فيها تطبيق للقواعد الفيلولوجية ولكن بحسّ مسلم وليس بحس شخص ليس له أي علاقة بالإسلام، أو بحس شخص يبطن نوعًا من العداوة للإسلام. لكل هذا كان يفترض أن يلقى الكتاب اهتمامًا كبيرًا، ولكن ما فاجأني هو أنّ الكتاب ووجه بصمت رهيب، فحتى بعض الصحف التي كانت تستجوب آراء جعيط في السياسة وفي بعض القضايا الأخرى، سكتت عندما كتب حول السيرة، وهذا ما يبيّن أنّ المثقف يواجه مشكلتين؛ المشكلة الأولى هي التكفير والقمع وغير ذلك، ولكن المشكلة الثانية التي لا ننتبه إليها عادة، وهذا ما يجعل بعضهم دائمًا يوجه سهام النقد للمثقف ويجعله هو المسؤول، هي مؤامرة الصمت.

    أذكر أنّني عندما قررت أن أعود من فرنسا إلى تونس، وفي لقائي الأخير مع المرحوم محمد أركون، قلت له في جملة الحديث الذي دار بيننا إنّني أتوقّع أنّي حين أتحدّث مثلما أتحدّث معك سوف تحدث لي مجادلات ومشاكل، فقال لي: ”لا تخف، فلن تحدث لك أيّ مشاكل، لأنّهم سيواجهونك بالصمت وليس بالمجادلة، لأنّهم عندما يجادلونك سيجعلونك مشهورًا، وهم أذكى من أن يُشهروك، سيقتلونك بالصمت”، كانت هذه كلماته، وكانت نصيحة من أعزّ النصائح التي تلقيتها في حياتي، لأنّ الصمت يقتل المثقف أكثر من التكفير وأكثر من الاغتيال، فحين يتم اغتيال مثقف سيصبح مشهورًا، وعندما يكفّر مثقف فإنّه سيصبح مشهورًا أيضًا، لكن حين يواجه بالصمت فذلك ما يقتله، لأنّه سيتساءل آنذاك عن جدوى أن يواصل الكتابة، وبالتالي سيتوقف عن الكتابة حين يجد جبالاً من الصمت أمامه. هناك جزء من المثقفين العرب وقع قمعهم واغتيالهم، وهناك جزء آخر أنزلت به عقوبة أشد وهي النكران والصمت، وربما لهذا السبب نجد الجزء الأوّل من ثلاثية هشام جعيط حول السيرة يختلف عن الجزء الثاني والجزء الثالث، وكأنّه ليس من الكتاب نفسه.

    د. نادر الحمامي: إذا قُتل الكاتب ماديًّا أو قتل معنويًّا بالصمت، هل يصبح ذلك مبررًا للاستقالة؟ ألا توجد حلول أخرى أمام الكاتب؟ ربما يكون تبسيط الأعمال الأكاديمية جزءًا من الحل، ولكن لا يمكن أن يمثّل الحل كله بالنسبة إلى المثقف الذي يعي دوره جيدًا، فلا بد من إيجاد حلول أخرى.

    د. محمد الحدّاد: المثقف إنسان في النهاية، وأي إنسان مُعرّض لأن يصاب بالإحباط عندما يقوم بمجهودات كبيرة وهذه المجهودات تواجَه بالتجاهل، ولهذا أعتقد أنّ الكثير من مثقفينا الآن، مثلما هو الحال في الماضي، قد قتلوا بسبب هذا الإحباط، لأنّ عملية كتابة كتاب هي عملية مكلفة وتأخذ وقتًا كبيرًا جدًّا وهذا الوقت يكون على حساب الأسرة وعلى حساب المداخيل المالية لأنّ كتابة كتاب لا تفيد ماليًّا كثيرًا، إذن فعملية الكتابة هي عملية مكلفة جدًّا، من ناحية الوقت ومن ناحية التضحيات التي يقوم بها الإنسان، فإذا لم يجد الكتاب قرّاء ولم يجد رواجًا، فمن الطبيعي أن يؤدّي ذلك إلى الإحباط، ولهذا أعتقد دائمًا أنّ المثقف مظلوم، وأنّ هذه الاتهامات المتواصلة للمثقفين، والقول إنّهم في أبراجهم العاجية إلى غير ذلك، هي جزء من الحملة ضد المثقفين. أنت لا تعطيني الكلمة وفي الوقت نفسه تتهمني أنّني في برجي العاجي وتحمّلني مسؤولية عدم الكلام، وفي ذلك قمّة “الشماتة”، وليست السلطة وحدها هي التي تضايق المثقف وتهاجمه بل كل الناس الذين يرون مصالح معيّنة في إبقاء الأمور على ما هي عليه، كلّهم يشاركون في هذه المؤامرة ضدّ المثقّف.

    د. نادر الحمامي: بمناسبة الكلام عن السلطة، وخاصة السلطة السياسية، فعلاقة المثقف بالسلطة هو موضوع قديم ومتجدد دائمًا، هل ترى دور المثقف من داخل السلطة من أجل ممارسة التغيير الاجتماعي، أم من خارجها، أم يكون من خلال المزاوجة بين التداخل والتخارج عن السلطة في الوقت نفسه؟ لأنّ هناك اتهامات توجّه للمثقفين، من ناحية، بأنّهم لا يهتمون بالشأن العام وبأنّهم في أبراجهم العاجية، ومن ناحية أخرى يوجّه الاتهام إليهم أنّهم مثقفو سلطة إلى غير ذلك من الاتهامات العديدة التي توجه إلى المثقفين الذين يمارس عليهم نوع من ”الشماتة” كما قلت، أًذكر في هذا المجال كتاب إدوارد سعيد خاصة حول المثقف ودوره، أي كيف يكون المثقّف داخل السلطة ولكن من خارجها في الوقت نفسه، فهذه هي المهمة الصعبة بالنسبة إلى المثقف وعلاقته بالسلطة السياسية تحديدًا.

    د. محمد الحدّاد: طبعًا، فالسلطة ليست فقط السلطة السياسية، فهناك سلطات عديدة في المجتمع بما فيها السلطة السياسية التي هي جزء من السلطة بمفهومها العام. لا أعتقد أنّ في بلادنا مثقف سلطة بالمعنى الحقيقي للكلمة، بمعنى أنّ السلطة تحتاج إلى المثقف، فالسلطة تًعتبر أنّها لا تحتاج إلى المثقف أصلاً، وهي في أفضل الحالات تضعه في الصورة للإيحاء بأنّ الجميع موجودون في ”الصورة العائلية”، ولكن لا يعني هذا أنّها تستشيره أو تأخذ برأيه، وفي ذلك استعادة لمرايا الأمراء لتزيين المجالس، وحتى في هذا المجال أعتقد أنّه قد أصبح هناك تأخّر كبير لأنّ الوزير الذي كان يدعو أبا حيان التوحيدي لمسامراته لم يكن له تليفزيون في ذلك الوقت، فهو مضطر لأن يدعو شخصًا ليسامره، وكان التوحيدي يسامره ويستغل تلك الفرصة لإدخال أفكار تنويرية لينير بها الحاكم، الآن الحاكم له تليفزيون، ومن ثمّ لم يعد يحتاج إلى مسامرة المثقف، فحتى هذه الحيلة التي كان يستعملها مثقفو مرايا الملوك لم تعد مطروحة اليوم. وبالنسبة إليّ فإنّ المثقف الذي يساهم في التغيير سواء كان داخل السلطة أو خارج السلطة يجب أن يُشكر على ذلك، إذا ساهم فعلًا في التغيير، مثل أن يدخل شخص السلطة ليكون وزيرًا للتربية أو للشؤون الاجتماعية ويساهم في تغيير مناهج التربية ويساهم في تغيير الأوضاع الاجتماعية، أو طبيب، مثلاً، يتقلّد وزارة الصحة ويساهم في تحسين الأوضاع الصحيّة المتردّية للناس، أنا أعتبر أنّه قام بعمل جيّد، فما هو المشكل في ذلك؟ هل أنّ الشخص الذي يبقى على الرّبوة، ويلازم موقف الإدانة سيكون أكثر نفعًا للمجتمع منه؟ في النهاية، المشكلة بالنسبة إليّ ليست أن يكون المثقف داخل السلطة أو خارجها، وإنّما المشكلة هي أن يقوم هذا المثقف بدوره في التغيير الاجتماعي.

    د. نادر الحمامي: هناك دور آخر للمثقف في جزئه الأكاديمي، خاصة في مستوى الجامعة، أمامه جمهور من الطلبة ومن الباحثين وربما يكون هذا مجالاً آخر لنشر الفكر الجديد ونشر التنوير، وفي الحقيقة، لا يمكنني أن أمر في الحوار معك دون الحديث عن دور الجامعة والدور الأكاديمي داخلها ونوعية التدريس والمواضيع المطروحة إلى غير ذلك، أي دورها في نشر الفكر التنويري، وقد أثرتً فكرة التنوير في العديد من العناوين.

    د. محمد الحدّاد: نعم إنّ الجامعة فضاء يمكن أن يكون مواتيًا فعلاً لهذا النوع من العمل، لكن لا يوجد في الجامعة العلوم الإنسانية والاجتماعية فقط، ومكانة هذه العلوم في جامعاتنا العربية ضعيفة جدًّا، وهي مهمّشة في كل الحالات وضعيفة وأحيانًا لا توجد أصلاً، ومن ثمّ ينبغي أن ننظر إلى الجامعة ككل، وهي ككل مفصولة عن الفكر الحداثي، فجامعاتنا تقدّم معرف تقنية يحفظها الطالب ويستعملها في ما بعد، وهذا عائق من عوائق التحديث في مجتمعاتنا، ولنأخذ مثالاً الأطبّاء؛ تعرف أنّه في عصر النهضة الأوروبية كان الأطباء فلاسفةً وحتى في تراثنا نذكر ابن سينا وابن رشد والرازي وكلّهم كانوا أطباء، وفي الوقت نفسه كان لهم دور تنويري في المجتمع، أما الآن فليس لدينا أي جامعة تدرّس الطب وتدرج حتى مسألة بسيطة بساعة أو حتى محاضرة واحدة في الفلسفة، مثلاً، أو في فلسفة الأخلاق (l’éthique) التي هي مرتبطة بالطب لأنّ الطبيب يواجه حالات أخلاقيات؛ فالطبيب أمام شخص وصل إلى درجة الموت ولكن لم يمت، هل يواصل إعطاءه الدواء أم أنّه يقبل بفكرة الموت؟ هذه ليست مشكلة طبيّة، وإنّما هي مشكلة فلسفية والطبيب يواجهها دائمًا، ففي كلّيات الطب عندنا يُنظر إلى الطبيب باعتباره آلةً لا يُعنى بالإنسان باعتباره إنسانًا وإنّما يهمّه الانسان باعتباره جسدًا فيه تركيبات كيميائية وهو يصف له الدواء الذي هو تركيبة كيميائية أيضًا. وبحكم هذا الانفصال عن العلوم الإنسانية والاجتماعية أصبحت تلك المعارف هامشية، ثم داخل كلّيات العلوم الإنسانية والاجتماعية، أصبح التفكير مهمّشًا بدوره لأنّه ربّما يحدث مشاكل، لذلك يَستحسن الأستاذ أن يقوم بدرس حول مسائل لا تثير له المشاكل وهكذا يصل إلى التقاعد وهو في أحسن حال دون أن يجلب لنفسه المشاكل. أنت أمام ميدان مهمّش وداخل هذا الميدان المهمّش يوجد تفكير مهمّش.

    د. نادر الحمامي: إذن هناك ضرورة لتدريس العلوم الإنسانية والاجتماعية التي هي في الحقيقة المحرّكة للشعوب، والشعوب المتقدمة قامت على تلك العلوم، التي أصبحت تعاني من التهميش في هذا العصر الذي تغلب عليه التقنية، والإصلاح الديني بمفهومه الشامل يطرح مسائل الإصلاح التربوي والجامعي باعتبارها أحد محاور التفكير، ولكن الإصلاح التربوي وصولاً إلى الجامعة ومع إقامة ورشات الإصلاح ما يزال يعاني من ضمور الفكر النقدي، والتحليلي، ما يجعلنا في حاجة إلى عملية إصلاح جذري للتعليم.

    د. محمد الحدّاد: سُمّيت الجامعة في الأصل بهذه التسمية لأنّها تجمع اختصاصات متعددة ومتحاورة بعضها مع بعض، وليس هناك شيء يمكن أن نسميه تعليمًا جامعيًّا ما لم يعد إلى الفكرة الأساسية وهي هذا الجمع بين الاختصاصات وإيجاد تحاور بينها، فما دمنا في كليات الهندسة لا نعرف أوّليّات العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولا نعرف حتى أوّليات الطب، فنحن لسنا في جامعات، فالمهندس يمكن أن يكون مهندسًا كبيرًا وأفكاره في الطب هي أفكار عجوز لم تدخل المدرسة الابتدائية، والشخص الذي يدرس العلوم الإنسانية والاجتماعية ينبغي أن يكون قادرًا أن يختار درسًا في الرياضيات، لأنّ الرياضيات مهمّة جدًّا في تلك العلوم التي يختص فيها، والشخص الذي يدرس الطب يجب أن يسمح له النظام التعليمي الجامعي أن يدرس مادة في فلسفة الأخلاق، وبذلك يمكن أن نتحدّث عن جامعات، فنحن في عصرنا هذا لسنا، في الحقيقة، في وضع جامعات لأنّنا في جزر منعزلة بعضها عن بعض، ومن ثمّ لا يمكن للجامعة أن تحدث هذه النهضة الثقافية في المجتمع.

    د. نادر الحمامي: هل ما يشاع من أنّ أصحاب تكوين العلوم الصحيحة هم الأكثر انتماء إلى الجماعات العنيفة من بين بقية الشباب؟ هل أنت مع هذا الانطباع أو الافتراض الذي يرجع ذلك إلى نقص الفكر النقدي لديهم؟

    د. محمد الحدّاد: هذا مما لا شك فيه، فالإنسان عندما يكون مفتقدًا للحس النقدي، ولم يقع تطوير هذا الحس النقدي في الأسرة منذ الصغر، وأن يُواجه الطفل عندما يسأل بالصمت أو بالقمع، ثم لم يطوّر التعليم فيه هذا الحس النقدي لأسباب عديدة يعاني منها التعليم الابتدائي والثانوي ومن بينها الكم الذي لا يسمح للمتعلّم أن يفجّر طاقاته النقديّة، ثم لا يسمح له في الجامعة باعتبارها المرحلة الأخيرة بالنقد لأنّه دائمًا يأخذ الكلام ويعيده على مبدأ بضاعتكم ردّت إليكم، سواء كان مختصًّا في الطب أو مختصًّا في التاريخ أو غير ذلك، وهكذا إذا كانت فترة التكوين بكاملها وهي تبدأ عادة من سن السادسة إلى سن الخامسة والعشرين، ليس فيها حسن نقدي، فمن أين سيأتي في ما بعد هذا الحس النقدي؟ ليس لدينا لا في الأسرة ولا في التكوين التربوي ولا في التكوين الجامعي مجال حقيقي للحس النقدي، بل إنّ الأمر لا يقتصر على الحس النقدي فقط، وإنّما هو مرتبط بمسألة القدرة المنهجية والتنظيم، فأنا مع تدريس الرياضيات في الجامعة لغير المختصين فيها، ومن حسن حظّي أنّني درست الرياضيات إلى مستوى البكالوريا، وتحولت إلى الآداب في ما بعد. الرياضيات شيء مهم جدًّا لأنّها تعوّد الإنسان على التفكير المستقيم والمنطقي، وللأسف لا يوجد اهتمام بذلك في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وبالتالي فالنتيجة لا يمكن أن تكون إلا ما نحن عليه، وما نحن عليه من وضع اليوم خطير جدًّا، لأنّنا في عصر العولمة المتوحشة، التي لم تعد تسمح للبدوي أن يبقى في خيمته يشرب الشاي، فإمّا أن تُنافس في هذه المعركة الحضارية الكبرى أو إنّهم سيسلبونك حتى خيمتك، ولهذا فحتى فكرة الطمأنينة والسكينة بالمعنى القديم لم تعد اليوم ممكنة، وأصبحت مستحيلة، فهي قضية وجودية فأن توجد مجتمعاتنا أو لا توجد، والمثقف له دور وليس هو الفاعل الوحيد ولكنه فاعل من الفواعل الاجتماعية التي لها دور في الانفتاح الواعي على العالم، وإذا لم يحدث ذلك الانفتاح الواعي فإنّنا سنضطر إلى انفتاح غير واع وهو انفتاح اتّباع سيجعلنا نقبل الأشياء كما تفرض علينا.

    د. نادر الحمامي: إذن، في نهاية المطاف، هذا هو ما يمكن تلخيصه بصورة عامة، أنّنا في إطار الإصلاح العام لا يمكننا العودة إلى الماضي لأنّ ذلك مستحيل كما لا يمكننا الاكتفاء بالاتباع والاستنساخ أيضًا لأنّ ذلك لا يمثّل حلاًّ، ولعلّ ذلك يدعونا إلى التفكير في المصير، أي مصير الإسلام لا باعتباره دينًا فقط وإنّما مجتمعًا وحضارة، فكيف ترى هذا المصير في كلمة أخيرة؟

    د. محمد الحدّاد: التأويلات الدينية لها أهمية كبيرة، لأنّها يمكن أن تعيق الإصلاحات في المجال الديني كما يمكن أن تسرّعها، إلا أنّ التأويلات الدينية السائدة عندنا تعيق كل أنماط الإصلاح الأخرى في المجتمع، وهذا الأمر خطير، لذلك فإنّ مسألة إعادة تأويل النصوص الدينية أمر ضروري، وليس المطلوب القضاء على النصوص الدينية ولكن المطلوب إعادة تأويلها بصفة نوعيّة تقوم على الاجتهاد، وبدون ذلك سنظل نواجه المشاكل نفسها، وسنظل دائمًا في حالة ضعف وانهيار أمام النظام العالمي. في القرن التاسع عشر الذي بدأت دراساتي بالاهتمام به، كان العرب يقارنون أنفسهم بإنجلترا، في حين أصبح العرب اليوم في درجات أقل حتى من البلدان الإفريقية (مع احترامي طبعًا للبدان الافريقية).

    د. نادر الحمامي: هذا الوعي بالجهل، كما يقول الفلاسفة، هو أوّل درجات التقدّم، ولإعادة تأويل النصوص في إطار الإصلاح الديني لا إلغائها ربما يكون منطلقًا لتلك الورشات التي طالما دعوتَ إليها من أجل إصلاح شامل، وعلى هذا الأمل، أو لنقل الرّجاء، نختم حوارنا معك أستاذ محمد الحداد شاكرين لك كل الشكر قبول إجرائه معنا، وإلى فرصة لاحقة.

    (نقلا عن مؤمنون بلا حدود).

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...