الإثنين  26  يونيو  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • كمال الجزولي : العَدَاءُ لِلنِساءِ فِي قَانُونِ النِّظامِ العَام !

    March 4, 2017  

    ( كمال الجزولي )

    العَدَاءُ لِلنِساءِ فِي قَانُونِ النِّظامِ العَام !

    كمال الجزولي

    (1)

    بمقالتنا المنشورة في هذا المكان قبل أسبوعين، والموسومة بـ (العداء للغناء والموسيقى في قانون النِّظام العام)، ابتدرنا هذه السِّلسلة على خلفيَّة ما رشح عن نيَّة المشرِّع تعديل هذا القانون السَّاري بولاية الخرطوم منذ 1996م، مساهمة منَّا في تعيين ما ينبغي أن تمتدَّ إليه يد الإصلاح، وتعميق الوعي بظلاماته على قطاعات معتبرة في مجتمعنا. وتأتي هذه المقالات كتركيز للأفكار الواردة في ورقة كنَّا قدَّمناها في ورشة (معهد التدريب والإصلاح القانوني ـ فبراير 2000م)، حول (تجربة النِّظام العام ومدى مساسه بالحقوق والحريَّات)؛ وكذلك في ورشة (مجموعة المبادرات النِّسائيَّة ومؤسَّسة فريدريش آيبرت ـ أبريل 2000م)، حول (المرأة والقانون)؛ كما نشرت بجريدة (الصَّحافة)، في يونيو 2000م؛ ثمَّ تواتر، لزهاء العشرين عاماً الماضية، نشرها في شتَّى الصُّحف الورقيَّة والإلكترونيَّة، وتقديمها ضمن مختلف فعاليَّات منظمات المجتمع المدني، إضاءة لمخاطر هذا القانون الكارثيَّة على مجمل التَّكوين النَّفسي الاجتماعي في بلادنا. ولئن خصَّصنا مقالة اليوم للكشف عن عدوان هذا القانون على قطاع (النِّساء)، بالذَّات، فإننا لنستغرب ضعف حساسيَّة بعضهنَّ إزاءه، حيث ترفض، مثلاً، مريم جسور، النَّائبة السَّابقة لرئيس المجلس التَّشريعي لولاية الخرطوم، إلغاء أيٍّ من مواده، معتبرة أنه “لا يتعارض مع الدُّستور، وأن صلاحياته .. لا تتعدَّى النَّواحي التَّنظيميَّة!” (الجَّريدة؛ 20 أكتوبر 2012م). وبما أننا عرضنا، في مقالة (الغناء والموسيقى) المذكورة، لعدوان هذا القانون على (النِّساء) من زاوية مشاركتهنَّ في الاحتفاليَّات المختلفة، وشروط هذه الاحتفاليَّات نفسها، فلن نكرِّر شيئاً مِن ذلك هنا، وإنَّما سنعرض، أدناه، لجوانب أخرى من هذا العدوان.

    (2)

    ــ هكذا نجد أن المادة/1/9/أ توجب تخصيص باب و10 مقاعد لـ (النِّساء) في البصَّات، وتُقرأ مع المادة/1/9/ب التي تحظر جلوس الرِّجال مكان (النِّساء)، والعكس. وعادة ما يُقال في تبرير هذين النَّصَّين إنه شُرِّع لأجل (تكريم النِّساء)، وإنها لفرية كبرى، فثمَّة ملحظان يثيران شكَّاً جدِّيَّاً في صدقيَّة هذا التَّبرير الهشِّ:

    أوَّلهما: أن هذا العدد من المقاعد يقلُّ كثيراً عن عدد من يستخدمن البصَّات يوميَّاً، وبالتَّالي يقصر عن قامة التَّكريم المزعوم، ناهيك عمَّا ينطوي عليه، في الحقيقة، من ميزات إضافيَّة للرِّجال!

    ثانيهما: أن المنطق نفسه الذي يقوم عليه هذا التَّبرير يدفع للتَّفكير في ما إذا لم يكن ثمَّة من يتوجَّب تكريمه في مجتمعنا غير (النِّساء)، كالمسنِّين، مثلاً، أو أصحاب الاحتياجات الخاصَّة، فلماذا (النِّساء) وحدهنَّ؟!

    وإذن فـ “تكريم النِّساء”، كخلفيَّة لهذا النَّصِّ، محض غطاء لتحجيم دورهنَّ في الحياة العامَّة، بالحدِّ من حركتهنَّ اليوميَّة!

    ــ وأفرد المُشرّع الفصل الخامس لضوابط محلات تصفيف شعر (النِّساء)، وتفصيل أزيائهنَّ، بذات العقليَّة الثِّيوقراطيَّة المستريبة في جنسهنَّ كمصدر للشُّرور. فالمادّة/14 تنصّ على ضوابط العمل في محلات التَّصفيف، بحيث يُحظر دخولها على الرِّجال، ويطلُّ مدخلها الوحيد على الشَّارع! كما تنصُّ المادّة/2/15 على وجوب أن تدير المحلَّ امرأة لا يقلُّ عمرها عن خمسةٍ وثلاثين عاماً (!) حتى لو كان المحلُّ مملوكاً لرجل! وتحظر المادة/16 استخدام أيِّ عاملة في المحلِّ إلا بعد التَّأكُّد من استقامتها، وحسن سيرتها، وحصولها على شهادةٍ تثبت تأهيلها الفنِّي “من جهة مختصَّة”! وتمنح المادة/17 الشُّرطة سلطة تقديريَّة لمداهمة هذه المحلات وتفتيشها في أيِّ وقت! أمَّا في ما يتعلّق بمهنة التفصيل فلا تشترط المادة/18 لمزاولتها سوى الحصول على المؤهِّل، لكنها، دونما منطق واضح، لا تقيِّدها بقيود مهنة التَّصفيف!

    ــ مهما يكن من أمر، فثمة جملة من الملاحظات ترد هنا كالآتي:

    الملاحظة الأولى: أن حظر دخول الرِّجال محلات التَّصفيف يثير التَّساؤل المشروع عمَّا إذا كانت تلك هي المهنة الوحيدة التي يلامس فيها الرِّجال أجساد (النِّساء)؛ فثمَّة مهن محترمة أخرى، كالطب مثلاً، يحدث فيها ذلك، ربما بأكثر مِمَّا يحدث في هذه المهنة، غير أن المشرع لا يفرض عليها (فضيلته) بقانون!

    الملاحظة الثَّانية: أن الصَّرامة التي اتبعها المشرِّع في تقصِّي مداخل ومخارج هذه المحلات، والشَّوارع التي تفضي إليها، وتحديد أعمار من يُدرنها بخمس وثلاثين سنة (دون أن يوضح الحكمة من ذلك!)، علاوة على منح الشُّرطة سلطة مداهمتها وتفتيشها في أيِّ وقت، كلَّ ذلك لا بُدَّ يستدعي إلى الأذهان شروط عمل المباغي سيئة الذِّكر منذ أيام الإدارة البريطانيَّة، كما وأنها، لا بُدَّ، تضع شرف هذه المهنة، وأخلاق من يمتهنونها، ومن يرتدن محلاتها، بل وذويهنَّ محلَّ الشُّكوك والرِّيَب!

    الملاحظة الثَّالثة: أن المشرِّع يشترط حصول من يزاولن هذه المهنة على شهادة تأهيل من (جهة) مختصَّة، رغم علمه بعدم وجود مثل هذه (الجِّهة)!

    الملاحظة الرَّابعة: أن المشرِّع يتناقض حين لا يحظر على الرِّجال منافسة (النِّساء) في امتلاك هذه المحلات، في الوقت الذي يبدي فيه أكبر الحرص على عدم اختلاطهم بهنَّ فيها! بعبارة أخرى، يتشدَّد المشرِّع في الحظر عندما يتناول المسألة من زاوية الاسترابة في جنس (النِّساء)، لكنه يترخَّص في الإباحة عند تناولها من زاوية الاستثمار الرَّأسمالي! مع ذلك لا يوضِّح كيف لرجل أن يستثمر في المحل دون أن يتمكن من الوقوف بنفسه على أحواله! وحتى لو سلمنا مع المشرِّع بأن ذلك يمكن أن يتم عن طريق وكيلة (في الخامسة والثلاثين!)، فإنه لا يوضِّح أين يمكن للمالك/الرَّجل أن يجتمع بها للوقوف على أحوال استثماره، مع كون القاعدة أن علاقات العمل تمارس في مكان العمل!

    ــ وبعد قرابة العشر سنوات من تأسيس شرطة ونيابات ومحاكم (النِّظام العام) تأسَّست شرطة ونيابات ومحاكم (أمن المجتمع) التي عُهد إليها بإضافة تطبيق نصوص أخرى من (القانون الجنائي لسنة 1991م) إلى تطبيقات هذا القانون، كنص المادة/1/152 التي تجرِّم وتعاقب “من يأتي في مكان عام فعلاً أو سلوكاً فاضحاً أو مخلاً بالآداب العامة، أو يتزيَّا بزي فاضح أو مخل بالآداب العامَّة، أو يسبِّب مضايقة للشُّعور العام”. وتنصُّ الفقرة/2 من هذه المادَّة على اعتبار “الفعل مخلاً بالآداب العامَّة إذا كان كذلك في معيار الدِّين الذي يعتنقه الفاعل، أو عرف البلد الذي يقع فيه الفعل”؛ علماً بأن هذه (المعايير) و(الأعراف) خاضعة بدورها لنوع ومستوى (تديُّن) و(ثقافة) الشُّرطي أو وكيل النِّيابة أو القاضي الذين يعهد إليهم بتقييم الفعل!

    ــ وقد فتحت المطاطيَّة التي صيغ بها القانون، بوجه عام، والسُّلطات التَّقديريَّة الواسعة الممنوحة فيه لمن يقومون بتطبيقه، مصاريع جميع الأبواب لإضافة كلِّ ما قد يخطر، أو لا يخطر، على البال، مِمَّا لم ترد بشأنه نصوص صريحة، كمطاردة (النِّساء) الفقيرات، وبالذَّات بائعات الشَّاي والأطعمة وغيرهنَّ مِمَّن لم يجدن ما يكسبن به قوتهنَّ سوى الأنشطة الاقتصاديَّة الهامشيَّة (ومثلهنَّ الباعة الجائلون). فليس صحيحاً، إذن، الاعوجاج بالنَّقد إلى آليَّة إنفاذ القانون، دون القانون ذاته، ففي ذلك كثير من الانصراف المعيب عن (العود) إلى (الظلِّ)!

    (3)

    ترتيباً على ذلك ما تلبث أن تنطرح، منطقيَّاً، أسئلة ثلاثة أساسيَّة حول ما إن كان من الممكن اعتبار هذا القانون (عادلاً):

    أوَّلاً: على قاعدة (الحقِّ) و(الواجب)، حسب الموازنة الدَّقيقة المركوزة في صميم الأوضاع الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة السَّائدة؟

    وثانياً: بمعيار (الحريَّات) و(المساواة) بغضِّ النَّظر عن الجِّنس (ذكور/إناث)؟

    وثالثاً: وفق ثقافات من يُطبَّق عليهم بالمستوى الذي يؤهِّله لسلاسة قبولهم به؟

    نضع الأسئلة الثلاثة معاً بإزاء غلبة ملامح الظلم الاقتصادي والاجتماعي والثَّقافي على هذا القانون، مع تركيزه الواضح على ظلم (النِّساء)، بالذّات:

    فأمَّا بالنِّسبة للسُّؤال الأوَّل، فإن السُّودان قد أرغم، كمستعمرة سابقة، على الالتحاق بالنِّظام الرَّأسمالي العالمي، بينما لم يتخط، في تطوُّره الذَّاتي، مرحلة ما قبل الرَّأسماليَّة، حيث عملت بريطانيا، باعتبارها بلد المتروبول، على صياغة اقتصاده خارج مسار تطوُّره الطبيعي، لتلبية احتياجاتها هي، وبخاصة للقطن في مجال صناعة النَّسيج في لانكشير. كانت تلك هي بداية خطة الإبقاء على البلاد محض مصدر للخام وسوق للتوزيع، مِمَّا اقتضى تحجيم أي نزوع وطني صوب تطوير الإنتاج الزِّراعي، وإرساء القاعدة الماديَّة التكنيكيَّة للصِّناعات الثَّقيلة، حتَّى في مرحلة ما بعد الاستقلال السِّياسي. هكذا انطبع التَّطوُّر الرَّأسمالي في بلادنا، كما في سائر المستعمرات السَّابقة، بطابع الإنتاج الهامشي، والنَّشاط الطفيلي، والنمط الاستهلاكي، وغيرها من التَّشوُّهات التي أنتجت ظاهرتين من أهمِّ أسباب التَّشقُّقات الاجتماعيَّة: التَّضخُّم والازدحام في مدن الوسط، من جهة، بفعل النُّزوح من الرِّيف، دون توفير أدنى الاستعدادات لاستيعاب النَّازحين، من جهة، ومن جهة أخرى تفاقم النَّمط الاستهلاكي، وانتشار القيم السَّالبة عند الفئات والشَّرائح الطفيليَّة في المجتمع، مقابل التَّدهور المريع في مستوى دخول أغلب المواطنين، بحيث يزداد الأثرياء ثراء، والفقراء فقراً، إلى حدِّ أن تجرَّفت الطبقة الوسطى، وبلغت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر عموماً 96%، حسب أغلب البيانات المحليَّة والعالميَّة، مِمَّا انعكس، بالضَّرورة، على أوضاع (النِّساء) أيضاً.

    من هتين الظاهرتين تتفرَّع سائر الظواهر السَّالبة، كالدعارة المقنَّعة، وإدمان المخدِّرات، والخمور البلديَّة، وتفكُّك البناء الأسري، وازدياد معدَّلات الانهيارات النَّفسيَّة والعقليَّة، مِمَّا يتناقض طرداً، ليس فقط مع كلِّ القيم التي تشكِّل جوهر العدالة الاجتماعيَّة، كأحد أهمِّ المقاصد الكليَّة للإسلام، وإنما يتناقض، أيضاً، مع كلِّ قيم الاحترام الواجب لكرامة الآدميين، (نساءً) ورجالاً، كما يتصوَّرها الوجـدان السَّليم حسـب فطـرة الله التي فطر الناس عليها. إن الفقر من أخطر معكوسات قيم العدالة الاجتماعيَّة، والإسلام يعتبره قريناً للكفر، ونتاجاً مباشراً للظلم، إلى الحدّ الذي يبرِّر التَّمرُّد على القانون، وهو المسؤول المباشر عن استشراء الظواهر السَّالبة المشار إليها، والتي تؤدي، بالضرورة، إلى اختلال موازنة (الحقِّ) و(الواجب).

    وأمَّا بالنِّسبة لما إذا كان ممكناً اعتبار هذا القانون (عادلاً) بمعيار قواعد (الحريَّات) و(المساواة) بغضِّ النَّظر عن الجنس (ذكور/إناث)، فلا يستطيع حتَّى أعجل نظر إلى هذا القانون أن ينكر، إلا من رمد، القدر الهائل من التحيُّز فيه ضدَّ المرأة، والنَّاشئ عن آيديولوجيا ذكوريّةٍ مترتبة على أوضاعٍ اقتصاديّة اجتماعيَّة ظالمةٍ، بشكلٍ عام، وعن مواقف فكـريَّة متوارثة، تاريخـيّاً، داخل الجَّماعة العربيَّة المسلمة، في المنطقة وفي السُّـودان، مَدْخُـولة بتأثيراتٍ إغريقيَّةٍ ورومـانيّةٍ وفارسيَّة بعيدةٍ عن جوهر المقاصد الكليَّة للإسلام بشأن المرأة. فوضعها في إطار الحضارتين الإغريقيَّة والرومانيَّة كان وضع الكائن المهمَّش، أو (المتاع المصون)، حتى أن أفكار أرسطو حول تعليم المرأة اعتبرت في مرحلة لاحقة من التَّطوُّر أفكاراً ثوريَّة. وكان الفُرس، أيضاً، يعتبرون المرأة كائناً شريراً قادراً على جلب النَّحس وتخريب الدُّنيا، فعوملت على هذا الأساس! وقد اجتمع استضعاف المرأة مع تهميشها في مجتمعات القرون الوسطى البربريَّة، الجِّيرمانيَّة، الصِّربيَّة، والآريَّة، بسبب سيادة العقليَّة الثِّيوقراطيَّة، باجتهاداتها الفقهيَّة الكنسيَّة التي تبرِّر ذلك الاستضعاف والتَّهميش.

    غير أن الإسـلام اتخـذ، على النقيض، ومنذ فجـره الباكـر، موقفاً إيجابيّاً من المرأة، إذ نَزَّهها القرآن من صفات الشَّيطان الرَّجيم، جالب الشرِّ، التي ألصقت بها: “فاستجاب لهم ربُّهم إنِّي لا أضيِّع عمل عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى بعضكم من بعض” (195 ؛ آل عمران) ـ “إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصَّادقين والصَّادقات والصَّابرين والصَّابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدِّقين والمتصدِّقات والصَّـائمين والصَّـائمات والحافظـين فروجهم والحافظـات والذَّاكـرين الله كثيراً والذاكـرات أعـدَّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً” (35 ؛ الأحزاب). وهذه الآية تنصُّ بوضوحٍ “على أن الجِّنسين متساويان، وبدقَّة، بصفتهما أعضاءً في الجَّماعة، فالله يُفاضل بين هؤلاء الذين هم جزء من أمَّته، هؤلاء الذين لهم الحقُّ في ثوابه بدون حدٍّ. وليس الجِّنس هو ما يحدِّد فضله؛ إنه الإخلاص والرَّغبة في خدمته وطاعته” (فاطمة المرنيسي؛ الحريم السِّياسي ـ النَّبي والنِّساء، ط 2، دار الحصاد، دمشق 1993م، ص 150).

    هنا يثور السُّؤال المشروع: من أين، إذن، تسلل مفهوم (الحريم ـ مصدر الشرِّ) إلى تديُّن وثقافة المسلمين العرب، خصوصاً السُّودانيين؟! والإجابة: من تركيا. لقد جاءنا هذا المفهوم، مثلنا مثل كل البلدان التي ألحقت بتركيا، ليس من الإسلام، بل من هذا البلد الذي تأثَّر بثقافة القبائل الآريَّة التي نَزَحَت من البلقان، حاملة الفكرة (الفارسيَّة) عن (المرأة ـ الشرِّ) لتتلاقح مع الفكرة (الرُّومانيَّة) عن (المرأة ـ المتاع) لتُنتج النظرة السَّالبة التي ما زالت تؤثِّر، حتى الآن، على معاملة الرَّجل الأوربِّي العادي للمرأة. وقد لعب تحوُّل الخلافة الرَّاشدة إلى مُلكٍ عضود، بانتقالها إلى مركز الثِّقل لتأثير الحضارتين الرُّومانيَّة والفارسيَّة في الشَّام وبغداد، الدَّور الأكبر في تعطيل الإسلام المستنير، بشأن المرأة خصوصاً، والابتعاد عن أصوله في القرآن والسنة. وبعد أيلولة الخلافة إلى الباب العالي كان لا بدَّ أن تنداح دوائر الأثر السَّالب للثَّقافة التُّركيَّة لتطال الأصقاع التي انبسطت سلطتها عليها، ومنها السُّودان.

    وأمَّا بالنِّسبة لما إذا كان ممكناً اعتبار هذا القانون متَّسقاً مع ثقافات النَّاس الذين يُطَبَّق عليهم بولاية الخرطوم، بالأخص من النَّازحين إليها بكثافة من الرِّيف، فيكفي أن نشير إلى تعليق مدير شرطة النِّظام العام، في ورشة عمل (مركز التَّدريب القانوني) المار ذكرها، على ملاحظة ورقتنا أن المشرِّع قد اعتبر القادمين من (الهامش) إلى هذه الولاية بمثابة الأجانب القادمين، رجالاً و(نساءً)، من دولة أخرى، فيتوجَّب عليهم الخضوع لقانون الدَّولة القادمين إليها، وذلك من باب الفهم الصَّائب لمنطق الاقتصاد السِّياسي الكامن في خلفية علاقات هذا النَّصِّ، حيث قال المدير بالحرف الواحد: “من لا يرغب في الخضوع لهذا القانون فإن عليه ألا يجيء إلى هذه الولاية”!

    فإذا وضعنا في الاعتبار عدم تشكُّلنا الهويوي، بعد، كشعب واحد، واستحالة الحديث، بالتَّالي، إلا مجازاً، عن ثقافةٍ سودانيَّة واحدةٍ، بفعل شمول بلادنا لمئات القوميَّات، والعناصر، والمجموعات القبَليَّة والإثنيَّة، وكذلك الأديان، والثَّقافات، واللغات، فضلاً عن مختلف العوامل السَّالبة التي يتمثَّل أبرزها في هشاشة البنيات التَّحتيَّة للوحدة المتجانسة، والنَّهب والتَّخريب الاستعماريَّين، والاستعلاء البغيض الذي ظلت تمارسه على سواد غير المستعربين وغير المسلمين الطبقات والفئات والشَّرائح العليا من المستعربين المسلمين، والفشل التَّاريخي لنخب هذه المجموعات التي تعاقبت على حكم البـلاد منـذ الاسـتقـلال، فإن عـبارة مـديـر شرطـة النظام العـام تخـتزل، بدقّـةٍ متناهيةٍ، وصرامةٍ عسكريّةٍ مشهودة، فكرة العربوإسلامويَّة السُّلطويَّة المنحازة إلى مثلث الوسط الذهبي، بـ (مركزويَّته) المستعلية على بقية (الهوامش) التي اضطر أهلها، بما فيهم (نساؤهم)، لهجر بواديهم وقراهم، بسبب الفقر والجفاف والتصحُّر، والنُّزوح إلى حيث يشكِّلون، منذ حين، حزاماً عشوائيَّاً ضخماً حول الخرطوم الكبرى!

    على أن المفارقة، مع ذلك، ما تلبث أن تطلَّ برأسها من بين ثنيات هذا القول، لتخلخل الفكرة برمتها، إذ أن هذا القانون يتصادم، أيضاً، مع الكثير من الثَّقافات الرَّاسخة حتَّى في هذا النِّطاق الجُّغرافي المحدَّد (مثلث الوسط)، وبالتالي تتصاغر خلفيَّته الاجتماعيَّة والفكريَّة إلى حيِّز بالغ الضيق، يكاد لا يتجاوز تصوُّرات النُّخبة الحاكمة!

    (4)

    نحن، إذن، بإزاء ظواهر ناشئة، بالأساس، عن أوضاعٍ اقتصاديَّة سياسيَّة وتاريخيَّة محدَّدة، وعن تفاعلات في الفكر والثَّقافة مترتِّبة على هذه الأوضاع. ولكن الدَّولة، بدلاً من التَّعاطي مع هذه الظواهر بترتيبات من جنسها، لَجَأَت إلى سلاح التَّشريع، فأصدرت (قانون النِّظام العام) كمجموعة نصوصٍ فوقيَّة تعكس موقفاً متخلفاً من كلِّ شئ، بما في ذلك (النِّساء)، وتتَّجه، مباشرة، لإشاعة جوٍّ من القهر الغليظ حولهنَّ. فهذا (القانون) يُعبِّر، بالتالي، عن العجز بأكثر مِن القدرة؛ والقضيَّة التي يخدمها ليست، كما قد يبدو، حماية قيمٍ عامَّة، أو حراسة فضائل أساسيَّة، بقدر ما هي قهر (النِّساء)، وتوسيع (حقِّ) السُّلطة في (ضبط) سلوكهنَّ، ضمن (الضَّبط العام) لسلوك المواطنين على مقاس (تصوُّرها) هي لدونيَّتهم إزاءها، ولجدوى الإبقاء على (خوفهم العام) منها؛ فيروح المشرِّع يعتدي، كلما وجد إلى ذلك سبيلاً، على الحريَّات العامَّة، والحقوق الأساسيَّة، وضمنها حريَّات (النِّساء) وحقوقهنَّ، فضلاً عن حقوق وحريَّات الأسر، وحرمة المساكن، وخصوصيَّة الجِّوار، والحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة كافَّة.

    ولئن كان ثمَّة ما هو أسوأ من هذا (الاعتداء)، فهو تأسيسه، زوراً وبهتاناً، على منصَّة الإسلام! وقد كشفت دراسة بعنوان (معيار الإسلاميَّة Islamicity Index) أعدَّها، عام 2010م، أكاديميون مختصُّون من خلفيَّات مسلمة بجامعة جورج واشنطن، تحت إشراف البروفيسير حسين اسكاري، أستاذ الاقتصاد الدَّولي والعلاقات الدَّوليَّة بالجَّامعة، وأعادوها في يونيو 2014م، وأخيرا في ديسمبر2016م، أن ترتيب السُّودان جاء الـ 202 من جملة 208 دولة، من حيث الالتزام بمعايير (القيم الإسلاميَّة)، بما في ذلك (إسلاميَّة الحكم والقانون)، أي فى ذيل القائمة التي تصدَّرتها دول كالدنمارك، وكندا، وبريطانيا، وأستراليا، وهولندا! بل وتفوَّقت على السُّودان دول كأمريكا، واليابان، وحتَّى .. إسرائيل! وفي يناير المنصرم وصف البروفيسير اسكارى لإذاعة البي بي سي الدُّول التي تذيَّلت القائمة بأنَّها “.. لا يمكـن اعتبارها إسلاميَّة مهما توسَّعنا فى الخيال والرصد”!

    ***

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...