الأربعاء  18  أكتوبر  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • المثقفون الإسلاميون والمُفظِعات الجماعية : في الذكرى الثلاثين لمذبحة الضعين

    March 4, 2017  

    (عشاري أحمد محمود )

    المثقفون الإسلاميون والمُفظِعات الجماعية : في الذكرى الثلاثين لمذبحة الضعين

    د. عشاري أحمد محمود خليل

    أولا،

    الذكرى الثلاثون لمذبحة الضعين

    (1)

    بنهاية هذا الشهر، تحل الذكرى الثلاثون لمذبحة الضعين (28 مارس 1987). تأتي هذه الذكرى في وقت نتذكر فيه المُفْظِعات الجماعية التي اقترفها النظامان الدمويان في السودان بقيادة عصابات المثقفين الإسلاميين المتحالفين مع العسكر في الخرطوم والعصابات القبيلية الحاكمة في جوبا: التطهير العرقي، التعذيب، تشريد السكان المدنيين، تدمير المساكن والممتلكات، اغتصاب النساء والفتيات كاستراتيجية حرب مرسومة، الاسترقاق، التمثيل بالجثث. في دارفور وجنوب كردفان وفي جنوب السودان، وفي مسارح للجريمة إضافية.

    جميعها أفعال تشترك في خصائص النذالة والوحشية والشر، وتتشكل منها جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

    (2)

    لا يتجاوز أحدٌ سلفا كير ميارديت في مجال الاقتراف المجاني للمفظعات الجماعية إلا نائبُه السابق رياك مشار تينج ذورغون المعروف كذلك بدمويته وبهوسه بتقتيل المدنيين لتحقيق أهدافه العسكرية والسياسية والشخصية، ومعه زوجته أنجلينا تينج بلباسها العسكري تحرض زوجَها وتحثه على مزيد تقتيل.

    وما المجاعة الراهنة في جنوب السودان التي أعلنت عنها الأمم المتحدة إلا بسبب المفظعات الجماعية والفساد المريع مما ظل ينتجه هذان المجرمان الدوليان المفلتان من العقوبة، سلفا ورياك، وكذا بسبب الأفعال الاستعمارية الخبيثة التي ظل ينفذها ضد شعب جنوب السودان الطاغيةُ المطلوب القبض عليه لدى المحكمة الجنائية الدولية لكنه يظل الفار من العدالة، عمر البشير رئيس نظام الإنقاذ. ولنتذكر أن عمر البشير أرسل طائرة خاصة لمساعدة رياك مشار في النجاة بجلده بعد أن أوشكت قوات سلفا كير أن تجهز عليه في الحدود اليوغندية الكونغولية.

    (3)

    فلنعتمد يوم 28 مارس من كل عام، وهو يوم مذبحة الضعين، يومَ المقاومة السِّلمية ذات الشراسة الأخلاقية ضد القوى السياسية والعسكرية والمؤسسات الحكومية والقيادات القبيلية وميلشياتها.

    وبالدرجة الأولى فلنعتمده يوم المقاومة ضد المثقفين صنَّاع تغبيش الوعي الشعبي والمدافعين خلسة وفي العلن عن جرائم نظام الإنقاذ ونظام سلفا كير في جوبا.

    أي، هي المقاومة ضد الكيانات التي كانت أو تظل مسؤولة عن إنتاج المُفْظِعات الجماعية، أو كانت الكيانات وتظل تنكر حدوث هذه المفظعات، أو هي تدلس حقيقتها، أو هي توزع صكوك الغفران على مقترفي المفظعات، بينما الغفران حق أصيل للضحايا في قبورهم ولأقاربهم وليس حقا لمثقف غاصب لا علاقة له بالضحايا وكل علاقته صداقتُه مع الجناة. وأقصد هنا د. عبد الله علي إبراهيم الذي سأعرض لمشروعه عن “الحقيقة والتعافي” في النصف الثاني من المقال.

    أتحدث عن هذه المفظعات الجماعية في السودان، وفي جنوب السودان، وفي الأماكن ذات العلاقة المباشرة عبر الحدود الدولية.

    (4)

    عبر الحدود الدولية، في اليمن. حيث يقترف المرتزقة أعضاء مليشيات الجيش الإسلامي السوداني المفظعات ضد أهل اليمن، بعقد الإيجار مع أثرياء شيوخ المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في حربهم العدوانية الثابت في التقارير الدولية أنها انطوت على جرائم عالمية ضد المدنيين.

    من بين هؤلاء المدنيين من عملت معهم في اليمن وكنت أدربهم على مدى نصف عام ويزيد، وأتابع حياتهم في ظروف العدوان الأجنبي: أخصائيون اجتماعيون، وأطفال أصبحوا اليوم شبابا، والأمين العام للجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان بالبرلمان، وقضاة، ووكلاء نيابة، وموظفون في مؤسسات حماية الأطفال، وأساتذة في الجامعة.

    لقد وجد الشيوخ فرصة استعراض فحولتهم من على البُعد، وراء درقة المرتزقة السودانيين، ومن الطائرات في سلامة الأجواء المخفية وراء السحاب، استعراض الفحولة ضد شعب فقير وجائع ومريض ومحاصر.

    فما فعل شعبُ اليمن الفقيرُ الجائعُ المريضُ المحاصر، وهو الشعبُ العظيم الكريم المعطاء، لا يأت ذكر السودانيين إلا وتهللت الأسارير وانفتحت الأبواب، وقد كنت وعشت هناك، ماذا فعل شعب اليمن ضد أهل السودان، ليستحق شعبُ اليمن هذا العدوان الجبان المنطلق من أرض السودان وهو الشعب اليمني في محنة استضعاف؟

    فيتعين على الشباب أن يمسكوا كذلك بهذه القضية اليمنية-السودانية التي ستؤرقهم في المستقبل.

    ثانيا،

    لزوم اندراج الشباب في المقاومة السياسية

    (1)

    يوم 28 مارس هذا العام. فليندرج جميع الشباب في المقاومة السياسية المستمرة، ذاتها المقاومة السلمية ذات الشراسة. ويشمل هذا النداء شباب الإسلاميين المخدوعين بالوهم أن الحل في الإسلام، ففي كل شابة هنالك بعض أمل.

    كل في موقعه المكاني في الدولتين وأينما كان، ومن موقفه السياسي كيفما كان، فليقاوم، لوحده أو في معية آخرين، بالطريقة التي يراها، ولا تكون المقاومة إلا وفق فهم أنها مقاومة جماعية، وأنها دائما ضد أعضاء العصابات الإجرامية الفاسدة المسؤولين عن اقتراف المفظعات الجماعية، مثل المفظعة مذبحة الضعين موضوع هذه الوقفة في 28 مارس للذكرى.

    (2)

    إن المقاومة الدائمة غير مشدودة إلى نقطة نهاية، وغير مشغولة بالتسآل عن متى يسقط نظام الإنقاذ الإسلامي الدموي، أو متى يسقط مستنسخُه البغيض في جمهورية جنوب السودان.

    وهي هذه المقاومة، بسلميتها واستمراريتها وشراستها، قَدَرُ الشباب السودانيين في شِقَّي الوطن وفي مساحات دول المهجر والمنافي، قَدَرُهم لأنا لم نورِّثْهم إلا هذي كارثة الوطن المتمثلة في الإسلاميين المتوحشين.

    لكن هذه المقاومة تظل المَعين المتدفق لتثبيت الكرامة الإنسانية، على المستوى الفردي وعلى مستوى الجماعة الشبابية، ولتركيب لغة الأمل في تغيير السودانَيْن، لا يهم موحديْن أكان السودانان أم غير موحدين.

    فلن تكون لشباب السودانَيْن من كرامة أو أمل بدون المقاومة الموضوعُها الأساس نزعُ الشرعية عن المجرمين الطغاة في الدولتين. بما في ذلك، في السودان، البدء بالقطيعة الشاملة المستمرة ضد الإسلاميين وعزلهم بصورة كاملة وحاسمة. حيث لا مجال لترضيات أو ابتسامات أو مضاحكات مع الإسلاميين. لأسباب واضحة ومعروفة للشباب.

    وحيث لا يوجد أصلا مجال لحوار حر مع الإسلاميين. كذلك للأسباب المعروفة.

    ثالثا،

    لزوم التصدي لإغراق الإسلاميين الصحف الإسفيرية بالهراء

    (1)

    وكذا المقاومةُ موضوعُها المثقفون المشاركون في صناعة التدليس. التدليس على حقيقة المفظعات الجماعية. وهم هؤلاء المثقفون دعاة نسيان “التاريخ” وطمسه وتغييبه، فالتاريخ عندهم هو “الماضي”، على طريقة الفنان ترباس، حيث لا معنى بالطبع أن نرجع نفتش الماضي إلا على سبيل الشجن والأسى لفراق سعاد وحنان، في الأغنية.

    (2)

    وبمناسبة الأغنية، دونك سعي الإسلامي خالد موسى للتلهية عن قضايا الحياة والموت في سودان الإنقاذ (سودانايل، “نحو قطيعة ثقافية …” 27 مارس 2017). يريد خالد صرف الأنظار عن جرائم نظام الإنقاذ، ومن ثم سعيُه مع بقية الإسلاميين في “سلاح الكتابة” لإغراق الساحة الخطابية الإسفيرية بنتف كلامات ملفقة لا علاقة لها بشيء، لينتهي الكلام في مثل مقاله إلى موضوع “الحزن” في الأغنية السودانية، بينما الحزن العميق دموعه تغرق مسارح جرائم الإسلاميين وبيوت الضحايا في كل مكان.

    وحيث إن “الأغنية” ليست موضوع محادثة بينما السودان يتعرض للنهب، تحديدا بواسطة العصابات الإسلامية، وبينما جنوب السودان يحترق يواجه شعبه خطر المجاعة الوشيك، وللإسلاميين في ذلك يد تاريخية ذات نتن.

    (3)

    فنقطتي هي قصد الإسلاميين إغراق الصحف الإسفيرية بالهراء، لخدمة أغراضهم السياسية. وهي نقطة لصيقة بانشغال المثقفين الإسلاميين بصناعة التدليس للتغطية على جرائم النظام العالمية.

    فأرى أن يتصدى الشباب لهذا خطاب التدليس، في سياق المقاومة الفكرية المستمرة، احتفاء بالذكرى الثلاثين لمذبحة الضعين.

    رابعا،

    نظرة يا سايحين! للعبد لله …

    (1)

    لا يقتصر الأمر على كتابة خالد موسى الموجهة إلى أدمغة المريدين، بل يتعداه إلى نوع آخر من أنواع الكتابة لدى الإسلامي د. عبد الله علي إبراهيم في خطابه ذي القسمات الثابتة دفاعا عن نظام الإنقاذ (“سائحين زي ديل …” سودانايل 28 فبراير 2017؛ “مانديلا وسمفونية التآخي …”، سودانايل أول مارس 2017).

    تتلخص فكرة عبد الله في لزوم إعطاء فرصة إضافية لكيان إسلامي يضاحكه عبد الله ويناغمه باسم الدلع “سايحين زي ديل” [نلقاهم وين؟]، وهو التنظيم الجهادي المعروف باسمه الرسمي (سائحون الحركة الإسلامية التصحيح).

    هؤلاء السائحون من مقترفي ذات نوع المفظعات الجماعية موضوع الذكرى بالعيد الثلاثين لمذبحة الضعين، باعترافهم المتذاكي الذي غلفه عبد الله في عدة عبارات تلطيفية مثل “مجاهدين”، و”مسائل خلافية”.

    (2)

    كتب عبد الله أنه كان دائماً متفائلا منذ فترة حكم عبود في أن “للحركة الإسلامية يوماً تستعدِل مسارها بعد عثرة كبرى …فهي “ربيبة” الديمقراطية في اتحادات الطلاب ونقابات العمال والبرلمان”.

    ثم أزلق عبد الله مباشرة العبارة الانسحابية المؤقتة: “وإن لم ترع حرمتها [المؤسسات]”

    ثم عاد عبد الله مجددا للمواصلة في المساج: “لكنها [الحركة الإسلامية] ستفيق يوماً من ضلالها لتعود سيرتها الأولى”.

    (3)

    ثم انتهى عبد الله إلى أنه كان واثقا من أن الإسلاميين “سيعودون من التيه إلى شريعة الديمقراطية”.

    هنا لا تسعف عبد الله حركته الاستخفائية في التلاعب بالمعاني الهاربة من الشكل اللغوي في كلمة “شريعة” بدون أداة التعريف. فهو بالطبع يريد الشريعة الإسلامية الصحيحة التي تطبقها الإنقاذ كتكنولوجيا للقهر وصناعة الخنوع بين الشباب، شريعة جلد الفتيات والشابات، وتخلف فقه الأحوال الشخصية الذي يطبقه معشوقوه قضاة الشريعة.

    لكن نلاحظ أن عبد الله حشر مع “شريعة” كلمة “الديمقراطية” التي يكرهها عبد الله مثل كراهيته لكلمة “المقاومة”، وكان يوما قال إنه يحب الديمقراطية، وسيقول لك عبد الله بالتذاكي إنه قصد بعبارة “شريعة” معنى لغويا لا اصطلاحيا. يعني بالعربي شريعة يعني طريق، طريق الديمقراطية، أو مسار الديمقراطية، لا “الشريعة البطالة”، في عبارة النميري.

    (4)

    ثم بإعمال رِكَّة اللغة انتقل عبد الله فيما يبدو إلى تخصيص الحديث ليكون عن السائحين، فقال إن السائحين أو هم الإسلاميين “سيعودون بهيئة لم ينتظرها أحد من مجاهدين سائحين. سينكرون سيماء “ساحات الفداء” منهم.

    وخلص إلى إن السائحين “سيكونون أكثرنا شرهاً للوطن وديمقراطيته. لقد تربوا في دفع الثمن الغالي له”.

    وكلها من حركات عبد الله لترميم أنقاض المعسكر الإسلامي، وهي مهمة الترميم التي ينبري لها عبد الله، فمشروعه الفكري العروبي الإسلامي يقوم كله على وجود الإنقاذ، ولأن الإنقاذ تترنح، فهو يتمسك بما تبقى من عمر الشباب في شريحة السايحين، يعرف أن شباب الإسلاميين في العشرينات إسلاميتهم وإسلامهم قِشرة، وأنهم سيكتشفون في القريب خدعة الإسلامية كعقيدة سياسية فاسدة بدون مستقبل، وسيضيقون بضيق الشريعة.

    (5)

    لا يريد د. عبد الله أن يعترف أن السائحين كمجاهدين أصوليين كانوا من بين قوات الاستعمار العربي الإسلامي فيما أصبح اليوم جمهورية جنوب السودان المستقلة. وأنهم السائحين قتلوا المدنيين الجنوبيين تقتيلا، في خدمة الدولة الإسلامية الاستعمارية التي كانت تريد بالقوة والاستهبال الاستيلاء على موارد النفط في جنوب السودان، بينما كانت هذه الدولة تخادع السائحين لا تخدعهم أنها كانت بجيشها في جنوب السودان لنشر الإسلام واللغة العربية ولمحاربة الشيوعية والكفر.

    فهؤلاء السائحون الذين تجاوزت أعمارهم اليوم الثلاثين والأربعين لم يعودوا كما كانوا سذجا، بعد أن أدركوا من تجربتهم أن المشروع الإسلامي في جنوب السودان كان هدفه ذلك نهب البترول وموارد الجنوب والاستيلاء على الأراضي والذهب والثروات بأنواعها.

    وحيث وجد عبد الله أن الفئات المتمكنة في نظام الإنقاذ المترنح غير قابلة للتزيين وأصبحت فضيحة، توكل على الله في مشروع مستحدث لنفض الغبار عن ملفاته القديمة مع السائحين وتنفيذ إعادة صياغة وتجيير وتجميل لهذا الكيان الذي يدعي عبد الله، باللفة، أنه كيان غير معروف عنه جشع الإسلاميين في الإنقاذ وفسادهم.

    لذا اقترح د. عبد الله في مقاله إعطاء هؤلاء السائحين فرصة إضافية في مجال التحكم في مصير السودان، وهو يعتمد لغتهم ويدعم إتاحة الفرصة لهم لقيادة مشروع “الإصلاح والنهضة” في السودان! هكذا.

    (6)

    ولأن شكَّارتَها هي دلاَّكتُها، يشرح د. عبد الله أن السائحين محل غرامه والله العظيم يريدون “الإصلاح القادم عميقاً”، وكذا إنهم يريدونه إصلاحا مُعبِّرا عن “إرادة في بناء مشروع إصلاحي وطني عام وشامل وعميق وعاجل”. والله العظيم. وحاجات كتيرة حلوة تانية كمان –بعد الست صفات المتهافتة.

    وإن أنت كنت تعرف شيئا عن ساحات الفداء في نهاية الألفية السابقة أو قرأت عن السائحين أو ذهبت إلى موقع سائحون في الفيس بوك، أو قرأت أخبارهم، أو حتى شاهدت صورهم، فأنت تعرف أن معرفتهم لا تتجاوز الأوهام والخرافات الإسلامية، وعبد الله ذاته وصفهم بالشطط واستخدم في الإشارة إليهم عبارات استعلائية مغلفة.

    وستعرف أنه ليس في مقدور السائحين بناء أي مشروع من أي نوع، بله أن يكونوا رواد “النهضة” في السودان!

    فالتجربة في تقتيل الجنوبيين لا تُكسب المرء أية معرفة تؤهله لقيادة مشروع إصلاحي من أي نوع، خاصة وأنَّا لم نسمع بسائح عاد إلى قرية في جنوب السودان كان يوما شارك في تدميرها وحرق أهلها، على الأقل ليعتذر أو ليتفكر ويتأمل ويتذكر.

    (7)

    في سياق مقاله الأول عن سايحين أزلق عبد الله عدة عبارات وأشلاء جُمل للتدليس على جرائم هؤلاء السائحين في أراضي جنوب السودان. فالحرب الاستعمارية في جنوب السودان كانت في أغلبها حربا ضد المدنيين. وهي الحقيقة التي كانت تخفيها وحدة ساحات الفداء في برنامجها التلفزيوني.

    والمعروف أن وحدة ساحات الفداء لم تكن إلا مصنعا لإنتاج الأكاذيب من كل نوع، مثل أن الله كان يوحي إلى المجاهدين بالحلول العسكرية والتكتيكات، ومثل الحديث العنصري ذي الغباء عن رائحة المسك التي كانت تنبعث من دماء الشهداء الإسلاميين، على عكس خبث رائحة دماء ضحاياهم من الجنوبيين الكفار، ودونك الكذب والخرافات الشبقية والولع الإسلامي بالحور العين المنتظرات مستعدات للشهداء في الجنة، وبقية ضروب الهذيان والهلوسة الجنسية.

    (8)

    في مقاله الثاني عن الكورة ومانديلا أفصح د. عبد الله عن منحه السائحين شهادة عفو رئاسي عن تلك جرائمهم في جنوب السودان. فقال:

    “أعجبني من أمرهم [السائحين] أمران. إنهم يتفهمون اعتراضات غيرهم عليهم لسابق خدمتهم الخالصة، بقلبهم ودمهم، للإنقاذ في مسائل خلافية”.

    ولا يفصح عبد الله عن طبيعة هذه “المسائل الخلافية” التي تم فيها بذل السائحين قلوبهم ودمائهم في الخدمة الخالصة للإنقاذ. لكنا بالطبع نفسر ما أراد عبد الله التدليس عليه في هذي عبارته الخفافية “مسائل خلافية”.

    (9)

    فأفسر أن “المسائل الخلافية” التي تم بذل الدماء والمشاعر فيها هي الجرائم ضد المدنيين في جنوب السودان، فقد كان تقتيل المدنيين وإرهابهم مشدودا إلى منعهم من دعم الجيش الشعبي للتحرير، وهذا النوع من تقتيل المدنيين من سلوكيات كل جيش استعماري. بعلة استحواذ المستعمر باستحقاقية في بلاد الغير يعرف أنها استحقاقية فالصو، فيقترف الجرائم السهلة ضد المدنيين بحثا عن راحة نفسية.

    قال عبد الله إن السائحين لا يريدون أن “يُستَخْذوا بهذا التاريخ [الإجرامي] فتتعطل مساهمتهم المستمرة لرفعة الوطن وخلاصه”. وأمعن في التزيين بالقول إنهم “استوعبوا درس خبرتهم في الوطن من فوق أجساد شابة بذلوها للموت (أو الشهادة في نظرهم).

    هكذا منح عبد الله السائحين شهادة الصلاحية لتجريب حظهم في كيف يكون حكم السودان في رؤية السائحين، ويصمت عبد الله عن فهم السائحين لدور الدين في الدولة، طبعا، لأنو عارف هذا الباب يجيب كلام الشريعة التي يهرب من سيرتها الإسلاميون بعد انكشاف كل خدعهم عن “الشريعة السمحاء”، وهم اليوم يلهثون لتغيير اللغة والأحكام والجرائم ذاتها، ما عايزين السيرة، يريدون رضا أمريكا.

    (10)

    ثم كانت حجة عبد الله في اعتماده مساواة أخلاقية بين الحقيقة والباطل، فعبد الله يضع باطل السائحين في خدمتهم الجيش الاستعماري الإسلامي في مستوى واحدٍ مع الحقيقة المطابقة لحقوق الجنوبيين أصحاب الأرض في حياة بدون استعمار شمالي عربي إسلامي.

    والموازنة التي سطرها عبد الله ذاتها مغالطة شنيعة، فهو قال:

    “اتفقتَ معهم أو لم تتفق، وكفى بذلك. ومن كان بلا خطيئة فليرمهم بحجر. ناهيك من أنهم لم يطلبوا مغنماً ولا ذكراً. ومحاججة طالب الموت من أشق الأمور”.

    (11)

    أقول لعبد الله، أراك مثل سلفا كيير في جوبا وهو يستغل كل منبر عام لتمرير ذات خدعتك عن “الحقيقة والتعافي”. فأنت وزعت صكوك الغفران شمال يمين على السائحين، وكأن تقتيل النساء والأطفال وحرق القرى في جنوب السودان مناظرة في المدرسة الابتدائية عما إذا كان الإنسان مخيرا أم مسيرا. “اتفقت معهم أم لم تتفق وكفي!”،

    فهكذا يكوم الخم الإسلامي في المحاجة عند د. عبد الله.

    وأقول لك، يا عبد الله، ما أنت تعلمه جيدا: إن الحق في منح العفو الغفران بل مقصور على مُلاكه الأصيلين ضحايا إجرام هؤلاء السائحين.

    بالإضافة إلى أن أغلبية الضحايا اليوم في القبور أو مبعثرة عظامهم في غابات جنوب السودان، أو تم حرق أجسادهم، وما عادت الأجساد إلا رمادا تذروه الرياح وعظاما صغيرة منثورة.

    ومن ثم ينتقل الحق إلى من بقي على قيد الحياة من أفراد أسر الضحايا وإلى مجتمعاتهم المحلية.

    فلا الضحايا في قبورهم ولا أقاربهم الأحياء ولا قادة مجتمعاتهم المحلية خولوك يا عبد الله للحديث بشأن استحقاقاتهم في العدالة. خاصة وأنت مثقف إسلامي ثابتة أصلا استماتتك في الدفاع عن معذِّبي أولئك الضحايا ومُقتِّليهم.

    (12)

    وهنالك مقالك الأخير عن الكورة في جنوب أفريقيا، وفي المقال قدمت خدعتك الجنوب أفريقية عن لجان “الحقيقة والتعافي”، ذاتها خدعة سلفا كيير.

    أقول إنها خدعة، هذي حجوة “الحقيقة والتعافي”، ليس فقط لأن السودان ليس جنوب أفريقيا، بل لأنك انحرفتَ عن تمثل معايير الخدعة التي استلفتها تريد استزراعها في وضعية السودان، مما يجعلها خدعة فالصو بالعكس فمزدوجة:

    ألف،

    قبل توزيعك صكوك العفو والغفران لمريديك السائحين، كان يتعين على هؤلاء السائحين أن يمثُلوا مطأطأة رؤوسهم من الخجل والعار بين يدي الضحايا الجنوبيين في قبورهم، ثم في حضرة الأقارب الذين لم يتمكن السائحون في الماضي من إبادتهم.

    وهذا شرط أساس لضمان قدر من المصداقية في برنامجك المقترح عن “الحقيقة والتعافي”.

    باء،

    أن يقدم السائحون كشفا تفصيليا بالجرائم التي اقترفوها ضد ضحاياهم المدنيين في جنوب السودان المطلوب عفوهم عما سلف. والسائحون اعترفوا باقتراف تلك الجرائم في عموميات لغة “الجهاد”، لكنهم لم يفصلوها،

    أراك يا عبد الله تريد للسايحين زي ديل الغفران كدة على الماشي، وأنت تعرف تِحِت تِحت تفاصيل الجرائم التي اقترفوها ضد المدنيين في قرى جنوب السودان، في سعيهم لتنفيذ البرنامج الإسلامي هناك، وأحيانا كانت جرائمهم لمجرد التشفي وإطفاء الحرقة أن الإسلام ما ماشي في الجنوب، ولم يكن دين السائحين مرغوبا فيه لدى المستعمَرين الكارهين السائحين بعلة أن دين السائحين مصدر أفعالهم الإجرامية.

    جيم،

    أن يُعبِّر السائحون عن ندمهم على أفعال النذالة التي اقترفوها في أرض لم تكن أرضهم ولم يزوروها يوما في حياتهم إلا كمجموعة مليشيات معتدية تابعة للجيش الاستعماري الإسلامي.

    ويتحدث أهل الجنوب عن “الاستقلال”، حيث لا يكون الاستقلال إلا من الاستعمار.

    جننتنا يا عبد الله بالاستعمار الذي لا تراه إلا بريطانيا. بينما أنت تدلس على الاستعمار حين يكون عربيا إسلاميا. وستأتينا قريبا بحجة الشكلانية أن الاستعمار له مكونات محددة غير متوفرة في هذا الوضع السوداني، وبقية الكلامات.

    لكن، ماذا عن فكرة الماركسيين في السبعينات عن “الاستعمار الداخلي”، على أقل تقدير؟

    وماذا عن أن ملايين الجنوبيين تم تقتيلهم وتسبيب موتهم بسبب الجهاد الإسلامي في الجنوب، بينما لم يكن ذلك هو الحال في سياق الاستعمار الإنجليزي الذي كان منحازا إلى شعب الجنوب ضد الشماليين المستحوذين بالعنصرية وقلة الأدب؟

    أما بقية شروط خدعة “الحقيقة والتعافي” فتعرفها تتعلق بالاعتذار، وبجبر الضرر، وبتقديم ضمانات عدم العود إلى ذات سوء الأخلاق والشر.

    (13)

    فقط بعد الامتثال لهذي شروط “الحقيقة والتعافي” يأتي طلب العفو الغفران. وليس تحقيق الطلب تحصيل حاصل كما أنت تريد، بالعافية.

    فالضحية والأقارب يعرفون أن السايح الذي كان أتى بتلك جرائم النذالة والقسوة ميؤوس من صلاحه، وأنه لن يكون جادا في الاعتذار يريد فقط تخليص رقبته، وهم سيرفضون منح العفو. ومن حقهم أن يرفضوا. وأصلا لن تحدث في السودان لجان حقيقة وتعافي إلا على طريقة الإسلاميين المعروفة، وهي التزوير.

    ولأنك أدركت أن الضحايا أو أقاربهم سيكتشفون خدعتك عن “الحقيقة والتعافي”، لذا أردتها لعبة أم غُمُتِّي، براحة، بالليل، في ليلة قمرية مع السايحين ديل بس، “بلح وفول سنة الإنقاذ فينا”. خلاس عفيت ليكم يا سايحين جرائمكم في جنوب السودان!

    يريد د. عبد الله استغفال الضحايا وأسرهم ومجتمعاتهم المحلية في جنوب السودان، وهو أصلا لا يتحدث عن هؤلاء الضحايا الحقيقيين ولا يكترث لهم، فقد وضع في مكانهم “المعارضة الشمالية” وهي لا تمثلهم.

    وهو لا يتحدث إطلاقا عن أن الحقيقة والتعافي بشأن السائحين بل محلهما في قرى جنوب السودان!

    ومن بعد الاحتيال على الضحايا بخدعة “الحقيقة والتعافي”، وعدَنا عبد الله بخدعة جديدة قديمة، من تحت الكُم، اسمها “الروحانية المدنية”!

    (14)

    يعرف الشباب الآن أن من خدع عبد الله الكتابية استعارته لأية رواية أو فيلم أو بيت شعر أو محادثة مع المريدين، أو كلام المسيح، أو أية علامة لغوية أو غير لغوية، ثم استعصاره من العلامة ما هو غير موجود فيها.

    وبمجرد طق الحنك، يُثَبِّت عبد الله في النص ما ليس له مقابل في الحقيقة، يعني هو يُثَبِّت الفالصو، وكله من المساحيق لتزيين قبيح وجه الإنقاذ.

    فحتى كلام عبد الله المتكثر في مقاله عن الكورة في جنوب أفريقيا لا علاقة له بالسودان في شيء، فجنوب أفريقيا قبل حضور الفاسدَين أمبيكي وزوما كانت دولة ديمقراطية واعدة لم يأت رئيسها مانديلا إلى الحكم في معية زبانية أشداء على ظهر دبابة، مثل الإسلاميين. ولم تكن في جنوب أفريقيا بعد استقلالها بيوت أشباح أو حزب ديني يعذب معارضيه ويشردهم ويقتلهم.

    خامسا،

    الإمام وعذوبة الكلام

    كذلك بحركة بارعة أزلقها عبد الله خلسة في مقاله عن مانديلا وسمفونية التآخي، وهي طريقته في الإزلاق، مسح عبد الله بجرة قلم مُجمل التاريخ الدموي والعنصري للصادق المهدي، حين كيَّف عبد الله مقاميةً ساميةً للصادق المهدي كالحكيم خارج التاريخ لكنه بحكمته يتدخل في التاريخ، فقال لنا عبد الله عليكم نسيان الماضي، ولتتذكروا “كلمة عذبة للإمام الصادق المهدي”: “من فش غبينته ودَّر مدينته”، هكذا!

    والاستخدام للمثل الساري ليس في محله، على طريقة عبد الله. فعبد الله يحتال بالمثل للقفز إلى مشروعه لدعم نظام الإنقاذ بأية وسيلة، حتى لو كانت الوسيلة فالصو عديل كدة.

    فأسمعُ عبد الله يعبر عن دواخله بترجمة للمثل من عذب كلام للصادق المهدي:

    يا حركات دارفور يعني خلوا الزعل دا، حاجة بسيطة إنو الجنجويد قتلوا شبابكم، واغتصبوا أخواتكم وزوجاتكم، وحرقوا بيوتكم،

    تعالوا نعمل حفلة، “حقيقة وتعافي”، وكمان عندي ليكم رقصة جديدة “صلح وطني تاريخي”! ولو عايزين تفشوا غبينتكم، الإنقاذ حتطلع دينكم!

    سادسا،

    في الهلوسة والضحك

    فلا ينضب مخزون الخدع التي ينتجها د. عبد الله ويعيد تدويرها وتسويقها في كل سياق لخدمة أغراضه الثابتة.

    فانظر خدعته المستلفة من عيسى المسيح في سياق مسعى عبد الله لمخارجة السائحين من جرائمهم في خدمة نظام الإنقاذ، وهو يوجه كلامه إلينا نحن: “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”!

    يريد عبد الله أن يقول لنا وأنتم في المعارضة كذلك مثل هؤلاء السايحين ومثل بقية ناس الإنقاذ، في حياتكم “خطايا”.

    أي، في هَلْوسة عبد الله، إنَّا نحنُ كنا يوما مثل السايحين وبقية الإسلاميين كذلك اقترفنا الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في جنوب السودان، ثم في دارفور، وكمان في جنوب كردفان!

    كم يَضحكُ علينا د. عبد الله علي ابراهيم، لكنه في ذات الوقت يُضْحِكُنا!

    في الذكرى الثلاثين لمذبحة الضعين.

    عشاري أحمد محمود خليل

    ( منقول ) .

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...