الأربعاء  23  أغسطس  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي

    February 26, 2017  

    (ياسين الحاج صالح)

    سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي

     ياسين الحاج صالح

    إلى ذكرى ميشال سورا، شهيدنا

    كنت في اسطنبول منذ نحو 10 أيام حين التقيت بشيوعي من تركيا، شرح لي أن ما يجري في سورية هو مؤامرة امبريالية على نظام تقدمي معادٍ للامبريالية. وبقدر ما خلا كلام المناضل اليساري التركي من أي معلومة أو لمعة تحليلية تفيد أي شيء عن بلدي، لم يكن مجدياً أي شيء حاولت قوله. كنت السوري الذي خرج لأول مرة من بلده، وهو في الثانية والخمسين، يتلقى الصورة الحقيقية لما يجري في البلد من شخص يحتمل أنه زار سورية مرة أو مرات قليلة، أو لم يزرها.

    ما يشبه هذه الواقعة تكرر مراراً في العالم الحقيقي أو الافتراضي. يجادل ألماني أو بريطاني أو أميركي السوري في شأن تكلمه عن قضيته التي يبدو أنهم يعرفون الحقيقة بشأنها أكثر منه. تنكر علينا الولاية المعرفية، أي قدرتنا على توفير المعلومات والتحليلات الأكثر إحاطة في شأن بلدنا. فإما أنه لا قيمة لما نقول فيما يخص قضيتنا، أو نحصر في المجالات الدنيا للمعرفة، كمصادر لاقتباسات يضيفها الصحفي أو الدارس الغربي إلى المعرفة التي ينتجها هو. هذه التراتبية المعرفية التي قد تتقبل أننا مصدر معلومات، وقد تأخذ اقتباساً بما يعطي الانطباع بمصدر سوري، لكنها قلما تستند إلى تحليلاتنا، واسعة الانتشار وغير منقودة في الغرب. هناك مقالات وأبحاث وكتب لغربيين عن سورية، لا تحيل إلى مصدر سوري واحد، وخاصة من معارضي الحكم الأسدي. ولسبب ما تبدو سورية بلداً عاماً، يعرف الصح بشأنه أي مهتمين عارضين في أي مكان أكثر من المعارضين الذين يوضعون دوماً في وضع دفاعي، يستأنف عملياً نفي وجودهم ذاته في بلدهم. وبالقدر نفسه تنكر علينا الولاية السياسية على نحو يستأنف تجريدنا من أي جدارة سياسية وفكرية في بلدنا من قبل الدولة الأسدية. وفي المحصلة، نكون نحن السوريون بلا شأن أو أهمية في قضيتنا. هذا ينطبق على اليسار الأنتي أمبريالي في الغرب وغير الغرب، وينطبق بقدر طيب أيضاً على المركزيين الغربيين من تيارات المينستريم، وطبعاً اليمين.

    المينستريم يقارب سورية (والشرق الأوسط) عبر واحد من ثلاث خطابات: خطاب جيوسياسي، مع مركزية أمنية إسرائيلية وأولوية الاستقرار؛ و/أو خطاب ثقافوي أو حضاروي متمركز حول الإسلام والإسلاميين والإرهاب الإسلامي وحقوق الأقليات؛ و/أو خطاب حقوقـإنساني، يتعامل مع السوريين كضحايا (معتقلين ومعذبين، لاجئين، جياع، تنقصهم الخدمات الصحية…)، ويغفل الأبعاد السياسية والاجتماعية لصراعاتنا. المشترك بين الخطابات الثلاثة أنها غير مسكونة، تخلو من البشر، من الأفراد والمجموعات، من حس الحياة الاجتماعية، من ما يعيشه ويحلم به الناس.

    اليمين الغربي يشارك في الخطابين الأولين، الجيوسياسي والثقافوي.

    لكن ماذا بشأن اليسار؟ العنصر الأساسي في تعريف اليسار الأنتي امبريالي لنفسه هو الامبريالية ومناهضتها طبعاً. والامبريالية هي شيء موجود بمقادير كبيرة في أميركا ثم أوربا، وهي إما غير موجودة في غيرهما أو موجودة فقط بمقادير ضئيلة. والشيء الأساسي في الصراعات الدولية هو مناهضة المقادير الكبيرة من الامبريالية، وعدم الالتهاء بصراعات ثانوية مع مقاديرها الصغيرة أو بصراعات محلية أخرى غامضة. وقد أغنى هذا الخطاب غير المسكون بدوره، وغير المحتاج إلى معرفة أي شيء عن السوريين، عن معرفة سجل هذه الصراعات الأخيرة بأكبر قدر من التفاصيل.

    وفي هذا الشأن، وعلى نحو متناقض، لعبت القضية الفلسطينية التي اهتدى عموم الأنتي امبرياليين إلى تأييدها متأخرين، في تسعينات القرن العشرين وما بعد، دوراً في معاداتهم للكفاح السوري. إذ أن انطباعاتهم العامة من موقعهم البعيد العالي في المراكز الامبريالية تفيد أن سورية ضد إسرائيل التي تحتل أرضاً سورية، وسورية تالياً مع فلسطين وضد الامبريالية التي هي مع إسرائيل. وبما أن سورية تحت حكم الأسرة الأسدية منذ نحو نصف قرن، فإنهم، أولئك الرفاق، مع الأسديين. هذا تقريباً هو لب الفكر السياسي لما يمكن تسميته الأنتي امبريالية من فوق. أما أن يكون السوريون تعرضوا لفلسطنة جذرية على يد إسرائيل داخلية متوحشة، وأنهم مباحون للإبادة السياسية والفيزيائية مثل الفلسطينيين، فهذا يقع خارج هذه المقاربة الجيوسياسية الجاهلة والمبتذلة للأنتي امبرياليين من فوق، التي تضع بين قوسين السياسة والاقتصاد والثقافة والتحت الاجتماعي وتاريخ سورية الفعلي.

    على هذا النحو من ربط صراعنا بصراع كبير كوني، هو الصراع الوحيد الحقيقي في العالم، ينكر أي استقلال ذاتي لأي من الصراعات الاجتماعية والسياسة الجارية في أي مكان، ويغدو المناهضون للامبريالية، وخاصة منهم المقيمون في المراكز الامبريالية المفترضة، هم الأفضل تأهيلاً لقول الحقيقة عن الصراعات الجارية في أي مكان. المنخرطون مباشرة في الصراع لا يعرفون ما يجري فعلاً إلا معرفة جزئية بالكاد، و”غير علمية”. في زمن الحرب الباردة كان الشيوعي الأرثوذكسي يعرف مصالح الجماهير الحقيقية، ويعرف اتجاه التاريخ، وهم ما كان يكفي كي يأخذ الموقف الصائب دوماً. لكن هذا الموقع المتعالي على التاريخ كان يضعه في موقع عالٍ جداً على الجماهير في حياتها الفعلية، وعلى الصراعات الاجتماعية والسياسية الحقيقية. موقع يمكن وصفه بالضبط بأنه امبريالي من حيث أنه يتوسع على حساب الصراعات الفعلية ويلحقها به، ولا يهتم برأي المنخرطين فيها أو بمعرفة شيء عنهم. ما يميز الأنتي أمبريالين الغربيين أن أكثرهم لا يعرف شخصا واحداً من جماهيرنا، وأنهم لا يعرفون ما يتجاوز انطباعات ضبابية عن تاريخ بلدنا كي يعرفوا شيئاً عن انضباطه المحتمل بالسير في اتجاه التاريخ العام أم خلافه. هذا يجعل تدخلهم في شؤوننا تدخلاً امبريالياً بكل معنى الكلمة: تدخلاً من فوق، يجردنا من الذاتية والقدرة على تمثيل قضيتنا، وتُبطِّنه علاقة قوة نشغل فيها موقع الضعيف الذي لا شأن له، ويخلو كليا من حس الرفقة والتضامن والشراكة.

    هذا يبقى صحيحاً حتى حين يكون اليسار المناهض للامبريالية إلى جانب الثورة المصرية أو التونسية مثلاً. هو إلى جانبهما بناء على خطابات فكرية مبتذلة ومبسطة، تنحدر من زمن الحرب الباردة. أي أن الرفيق الأنتي امبريالي مع الثورتين في تونس ومصر للسبب نفسه الذي “صمّده” ضد الثورة السورية: الموقف من المقادير الكبيرة من الامبريالية في البيت الأبيض و10 داوننغ ستريت… وفي الحالين نحن في سورية، كما في مصر وتونس، غير مرئيين إلا من هذا المنظار الذي يقلل من قيمتنا إلى أقصى حد. نبقى تابعين لشيء آخر هو الوحيد المهم، الصراع ضد الامبريالية (وهو صراع لا يخوضه الأنتي امبرياليون، كما سأقول للتو). من زمن الحرب البارة يتذكر اليسار الأنتي امبريالي أن سورية كانت أقرب إلى الاتحاد السوفييتي، وأن نظامها إذن مضاد للامبريالية، وتالياً فهو ضد من يقاومون هذا النظام. التمركز حول الامبريالية بوصفها شيئاً موجوداً في الغرب يضفي على مناهضيها تمركزاً غربياً لا يقل عن تمركز عتاة الامبرياليين أنفسهم.

    لا ينبغي الرد على ذلك بأن الدولة الأسدية ليست ضد الامبريالية باي معنى لهذه الكلمة. ينبغي، أولاً وأساساً، تأكيد الاستقلال الذاتي للصراعات الاجتماعية والسياسية من أجل الديمقراطية والعدالة اجتماعية عن هذا المخطط الكبير، المجرد، والقول إن هذا المخطط بالذات هو نزعة امبريالية إلحاقية، تجب مقاومتها. فلا وجه عادلاً، مثلاً، لنفي حق الكوريين الشماليين في مقاومة نظامهم الفاشي بناء على هذا المخطط المجرد الذي يميل بالأحرى إلى إخراسهم، تماماً مثلما يفعل نظامهم.

    يلزم دون ريب إعادة بناء أرضية فكرية وسياسية لنقد العالم وتغييره، لكن الأنتي امبريالية المركزية لا تصلح لذلك إطلاقاً لتشربها النزعات الإلحاقية الامبريالية، ولمركزيتها الغربية، وخلوها من أي مضمون ديمقراطي. ما يمكن أن يكون منطلقاً أصلح لبناء فكر النقد والتغيير في العالم هو النظر في الصراعات الفعلية وفي العلاقات الفعلية بين أطراف الصراع. من ذلك مثلاً التفكير بأن بنية العالم الأول الغربي المسيطر عالمياً، أعيد إنتاجها في بلداننا، ومنها سورية، فحصلنا على عالم أول داخلي تمثله نخبة الدولة الأسدية وعلى عالم ثالث مباح تتوسع هذه الدولة في قتله وتدمير بيئاته الاجتماعية. فلسطنة السوريين يكمن سرُّها هنا، في العلاقة بين العالم الأول الأسدي والعالم الثالث للسوريين السود. والمهم أنه على هذا النحو تحولت الامبريالية من جوهر موجود في الغرب، إلى هياكل سلطة محلية مستبطنة، تحرسها نخب سلطة، لا يندر أن تنتحل بلاغة مضادة للامبريالية من أجل تخوين أي اعتراض داخلي وقمع الانشقاقات السياسية المحتملة. وهذا صحيح بخاصة في الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر تدويلاً في العالم، اي التي تميزة بحضور امبريالي عدواني مديد ومحروس بالقوة، موجه ضد الديمقراطية والتغير السياسي.

    على هذا الأساس فقط فإن العمل على إسقاط الدولة الأسدية هو بالضبط نضال ضد الامبريالية من تحت، وأن انتصار الدولة الأسدية على الثورة هو انتصار للامبريالية، وتثبيت للعلاقات الامبريالية في سورية والشرق الأوسط والعالم. أما الأنتي امبرياليون من فوق فهم مجرد طفيليين لا يعرفون شيئاً، أسهموا عملياً في انتصار الامبريالية عبر مناهضتهم للثورة السورية.

    وبعد أن نقول إن هناك استقلالاً ذاتياً للصراعات المختلفة يوجب أن تُفهم بنيتها الداخلية وتواريخها قبل المسارعة إلى إلحاقها بصراع مجرد، متعالٍ على المجتمعات والبشر العيانيين، بعد ذلك فقط يفيد القول إنه ليس هناك شيء مضاد للامبريالية، حتى إذا فهمناها كجوهر مكنون في الغرب، في الدولة الأسدية، ولا شيء شعبي أو تحرري، أو وطني عالم-ثالثي. هناك حكم فاشي سلالي، يتلخص تاريخه خلال نصف قرن في تكون برجوازية جديدة بالغة الثراء وشديدة الوحشية، ومستعدة لتدمير البلد كي تبقى في الحكم إلى الأبد. وكما أشرت للتو فإنه ينسخ بنية علاقة السيطرة الامبريالية في علاقته مع محكوميه، وهذا النسخ البنيوي أبلغ تأثيراً بألف مرة من أي بلاغة خطابية مناهضة للامبريالية. وفي تكوين هذه الطبقة من اصحاب الامتيازات وفي إيديولوجيتها التي تحتفي بحداثة شيئية (حداثة المظهر وليس العلاقات ولا الحقوق ولا القيم…) استعداد عنصري قوي، ينظر إلى فقراء السوريين، من المسلمين السنيين بخاصة، مثلما ينظر اليهود الإشكناز الغربيون إلى الفلسطينيين العرب المسلمين (حتى إلى اليهود السفادريم الشرقيين في وقت سابق)، ومثلما ينظر بيض جنوب أفريقيا العنصرية في ثمانينات القرن العشرين وقبله إلى السود: متخلفون، غير عقلانيين، متوحشون، إبادتهم ليست أمراً مهماً، هذا إن لم تكن شيئاً مرغوباً. وهذه النظر لا تخص النخبة الأسدية وحدها، بل إن هذه بالذات تجد ما يُقوّي قلبها في التماهي بنظام رمزي وسياسي دولي تصعد فيه نزعة الإسلاموفوبيا عالمياً.

    ومعلوم على كل حال أن هذا الدولة الأسدية التزمت بكل ما قد نفترض أنها إملاءات امبريالية طول تاريخها: حراسة الحدود مع إسرائيل منذ عام 1974، ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط، ضرب الاستقلالية الفلسطينية، معاملة السوريين كعبيد وتدمير أي منظمات سياسية أو اجتماعية أو نقابية مستقلة. الدولة الأسدية جزء لا يتجزأ مما أسميه النظام الشرق أوسطي، القائم على مركزية الأمن الإسرائيلي، وضمان الاستقرار، وتجريد المحكومين في بلداننا من السياسة. هنا السر في الاستثناء الديمقراطي العربي أو الإسلامي، وليس ما تقوله التفسيرات الثقافوية الرائجة في الغرب. ونسخ الامبريالية لنفسها في نظام كهذا، أو إعاة إنتاج ذاتها فيه، ينسخ في الوقت (هنا بمعنى يُلغي) نظرية الامبريالية التقليدية كشيء موجود في أميركا، أو فيها وفي أوربا. وهو ما يعني أن اليسار الأنتي امبريالي يعاني من بدائية فكرية، تضاف إلى نزعاته اللاديمقراطية والبطريركية العميقة.

    وبالمناسبة، هناك أنتي امبرياليون شيوعيون محليون تابعون للدولة الأسدية. وهم بالضبط من كانوا أتباعاً مخلصي للاتحاد السوفييتي ضمن الشيوعية السورية في سنوات الحرب الباردة، البكداشيون وتفرعاتهم (نسبة إلى خالد بكداش الذي كان الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الرسمي التابع لموسكو حتى وفاته في مطلع تسعينات القرن الماضي، حيث ورثته زوجته وصال فرحة، ثم أورثت الحزب لابنهما عمار عند وفاتها). البكداشيون اليوم من الطبقة الوسطى المتعلِّمة بنموذج حياتها المعوْلم، يقيمون في مراكز المدن، منفصلين تماماً عن المعاناة الاجتماعية لمواطنهيم، ومفتقرين إلى أي إبداعية. وحين كان سوريون متنوعون يتعرضون خلال جيلين للاعتقال والإذلال والتعذيب والقتل، كان البكداشيون يثابرون على اجترار بلاغة مناهضة الامبريالية التي لا تكلفهم شيئاً، مقابل سكوت تام على محنة بلدهم المديدة، وعلى تحول سلطاني بطريركي للنظام، تحولت سورية بمحصلته إلى ما أسميه الدولة الأسدية، أي البلد المملوك ملكية خاصة للعائلة الأسدية ومحظييها. هنا مثال واضح لتواطؤ مناهضة الامبريالية من فوق مع الامبريالية من تحت.

    في المقام الثالث، بعد أن نتكلم على الاستقلال الذاتي للصراعات العينية المختلفة، وبعد أن نبرز أنه لا شيء أنتي امبريالي في الدولة الأسدية، ينبغي مساءلة الأنتي امبرياليين عن نضالهم ضد الامبريالية. لا أعرف مثالاً واحداً من هذا الرعيل الغربي المضاد للامبريالية تعرض لاعتقال أو تعذيب أو تمييز قانوني وسياسي، أو حرمان من السفر أو فصل من العمل أو منع من الكتابة في بلده “الامبريالي”. أظن هذه حرمانات لا تقع في عالمهم أصلاً، ولعلهم لا يعرفون معنى الحرمان من السفر أو الكتابة أو التعذيب. فهم مثل الأفريقي الذي لا يعرف معنى الحليب، ومثل السوري الذي لا يعرف معنى كلمة رأي، والسويدي الذي لا يعرف معنى كلمة نقص، ومثل الأميركي الذي لا يعرف معنى عبارة بقية العالم، في النكتة المعروفة التي تسأل الأربعة عن رأيهم بنقص الحليب في بقية العالم. لم ألمس بأية صورة أن أحداً من الرفاق الأنتي امبرياليين تستاء الامبريالية منه أو تضطهده أو تفكر باغتياله أو حتى تشن حملات تشويه كلامية عليه. علما ان الاغتيال الفعلي أو المعنوي كان من الممارسات الامبريالية المألوف حتى سبعينات القرن العشرين، في العالم الثالث بخاصة، وبقدر ما حتى في الغرب. تخطر بالبال أمثلة غيفارا وباتريس لومومبا ومهدي بن بركة وأنجيلا ديفيز، وغيرهم كثيرون.

    ولا يبدو أن أولئك الرفاق يدركون في أية أوضاع امتيازية هم، قياسا إلينا نحن السوريين. لا أريد إثارة شعور بالذنب عند يساريين غربيين تقليديين، لكن أطلبهم بالتواضع، وأن يوجهوا عيونهم نحو التحت، عموم الناس في سورية وغيرها، وليس نحو قتلة مثل بشار الأسد وأشباهه، وصحفيين غربين منافقين سئموا من لندن وباريس وبرلين وروما ونيويورك، ويجدون متعة واختلافاً في تجريب دمشق والقاهرة وبيروت وغيرها. يعرفون أن راتب ألوف الدولارات الشهري الذي ينالونه يُمكِّنهم من العيش حيث يشاؤون.

    لا نريد لهم، كسوريين ديمقراطيين، أن يخسروا حقوق السفر وحرية الرأي والنشر التي ينعمون بها. لكن كيف لا يكونوا مطالبين بأن يتضامنوا معنا، نحن المحرومين من مثل هذه الحقوق، وبأن يدينوا الطغمة التي تثابر على حرماننا، نحن عموم السوريين، منها؟

    وما أبنيه على هذه النقاط الثلاث هو أن الجماعة مخطئون ثلاثة أخطاء كبيرة، كل واحد منها لا يغتفر: يلحقون صراعنا ضد نظام متوائم مع السيادة الامبريالية في الشرق الأوسط، بل هو أحد ركائز سيادتها في الشرق الأوسط، بصراع ضد الامبريالية لا يخوضونه، وليسوا في أية مواقع قريبة من خوضه. وبينما لا يفعلون شيئاً ضد الامبريالية فإن كثيرين منهم يساندون نظاماً رجعياً بالغ الوحشية في صراع يجهلون كل شيء عنه. وما أستخلصه من ذلك هو أن نزعتهم الأنتي امبريالية تحيل إلى هوية مشتهاة لهذه المجموعات، وليس إلى عمل فعلي يقومون به. اليسار الأنتي امبريالي اليوم طائفة صغيرة متحجرة، ليست عاجزة عن الهيمنة فحسب، بل هي طائفة رجعية متعجرفة وجاهلة. غرامشي يستحق ورثة أفضل.

    وجذر هذه الأخطاء الثلاث هو في تصوري تقادم تفكيرهم حول الامبريالية، النظرية الجوهرانية التي تفترض أن الامبريالية جوهر موجود في الغرب، وليست نظاما للعلاقات الدولية، يتجسد بصور مختلفة باختلاف حقول الصراعات السياسية والاجتماعية في البلدان والأقاليم. نعيش في سورية واحداً من أقسى أشكال نظام العلاقات هذا، محرومين من الحريات السياسية، ومباحين لطغمة حاكمة فاسدة وإجرامية، جعلت من سورية حكماً وراثية في سلالة من القتلة.

    ******

    قلت قبل قليل إن هناك شيء امبريالي متأصل في الأنتي امبريالية اليسارية. الصراع السوري بالذات مثال طيب لإثبات ذلك.

    تنكر الإدارة الأميركية، ومعها في ذلك النظام الأوتوقراطي الروسي، استقلالية الصراع السوري عن الحرب ضد الإرهاب. إدارة أوباما فعلت كل شيء كي لا تفعل شيئاً يمكن أن يستفيد منه السوريون في كفاحهم، وهذا حتى بعد أن انتهك بشار الأسد خط أوباما الأحمر. لماذا؟ لأنها فضلت بقاء بشار الأسد في الحكم، مرشح المؤسسة الإسرائيلية المفضل الدائم لحكم سورية، أو أن يجري تغير سوري متحكم به تماماً، أي ألا يمتلك السوريون التغير السياسي في بلدهم. الولايات المتحدة متدخلة عسكرياً في سورية منذ أيلول عام 2014، ضد داعش والقاعدة. وهذه حرب لا يبدو أن الأنتي امبرياليون يعترضون عليها مثلما اعترضوا قبلها بعام حين بدا أن إدارة أوباما قد تعاقب بشار الأسد على انتهاكه خطاها الأحمر (وليس على قتله السوريين، بالمناسبة). وهذا رغم أن المسؤولين الأميركيين تسابقوا وقتها على القول إن الضربة في حال حدوثها ستكون محدودة، حتى أن جون كيري قال في لندن في الأسبوع الأول من أيلول 2013 إن الضربة المحتملة ستكون “صغيرة إلى حد لا يصدق”!

    الأصل في ذلك كله هو أن الإدارة الأميركية ألحقت الصراع السوري بالحرب ضد الإرهاب، وحاولت فرض معركتها هذه على السوريين، ليتخلوا عن معركتهم هم ضد نظام الطغمة الأسدية. هذا ما فعلته الامبريالية.

    وما لا يبدو أن مروجي مفهوم الإرهاب من الأنتي امبرياليين الغربيين يدركونه هو أن الحرب ضد الإرهاب متمركزة حول الدولة، حول تصور دولاني للنظام الدولي يُقوّي الدول، ويضعف المجتمعات والمنظمات السياسة والحركات الاجتماعية والأفراد. وهي حرب تتيح لبشار الأسد أن يكون شريكاً في قضية توافق سيطرة الأقوياء في العالم، بعد أن كان بلا قضية طوال عامين في مواجهة شعبه. لكن لعل المسألة ليست مسألة عدم إدراك. هناك شيء دولاني متأصل في تكون اليسار الأنتي امبريالي المنحدر من سنوات الحرب الباردة، يعزز من حقيقة أن اليساري الأنتي امبريالي النمطي هو، بطبيعته وتكوينه، جيبوليتكي المنظور. لعله لذلك كان التروتسكيون والفوضويون، وهم دولانيون أقل ومجتمعيون أكثر، إلى جانب السوريين في كفاحهم.

    ورغم أنه ليس هناك نجاح واحد في سجل محاربة الإرهاب، وأن هناك ثلاثة بلدان محطمة بفعلها: أفغانستان والعراق وسورية، فإن هذا السجل غير مفاجئ من قوى امبريالية تتميز بالغطرسة والعنصرية، ولا تدفع أي حساب عما ترتكبه من جرائم أو تلحقه من دمار بمجتمعات غريبة.

    اليسار الأنتي امبريالي، مثل الامبريالية نفسها، ألحق الصراع السورية بشيء آخر، “تغيير النظام”. تغيير النظام في سورية يبدو تدبيراً امبريالياً من وجهة نظر الرفاق اليساريين الأنتي امبرياليين. هذا أسوأ من خطأ بمائة مرة. هذا إهانة للسوريين، لكفاحنا خلال جيلين ولمئات الألوف من الضحايا، وهو كفاح لا يعرف عنه معظم هؤلاء الرفاق أي شيء بالمناسبة.

    أكرر: الامبريالية، والأميركيون تحديداً، لم يريدوا تغيير النظام في أي وقت، وبعد المذبحة الكيماوية في آب 2013 بحثوا عن مسوغات لأنفسهم كيلا يؤذونه رغم أنه توفرت لهم ذريعة قوية جداً وقتها لو كانوا يريدون تغييره أو مجرد إيذاءه. تغيير النظام في سورية هو مبادرتنا نحن السوريون، وهو مشروعنا نحن. فإما أن الأنتي امبرياليين يعتبروننا عملاء للامبريالية، وبعضهم ليسوا بعيدين عن قول ذلك. ومنهم في إيطاليا من اعتدوا قبل شهور على صور تقرير سيزار لضحايا صناعة القتل الأسدية. أو أن كل تغيير للنظام السياسي هو شيء سيء ويخدم الامبريالية. لكن أليس هذا تعريفاً جيداً للرجعية، بالأحرى؟

    الإلحاق هو سمة جوهرية للامبريالية، والأنتي امبرياليون الذين يلحقون صراعنا بصراع آخر (لا يخوضونه فوق ذلك) لا يختلفون في شيء عن الامبرياليين الذين يقومون بالشيء ذاته. يجمع الطرفين إنكار قضيتنا وإنكار ولايتنا السياسية وتمثيلنا لأنفسنا. وما يقولونه لنا عملياً هو إنهم هم من يحدودن الصراعات الصحيحة، وأننا غير جديرين بالثورات وبإنتاج المعرفة عنها وعن العالم. لكن أليس هذا تعريفاً جيداً للامبريالية، بالأحرى؟

    وبالمناسبة، إلحاق صراعنا بشيء آخر هو السمة الجوهرية للحكم الأسدي، الذي لا يكف منذ ما يقترب من نصف قرن من اغتيال حقوق محكوميه وحرياتهم وقمع محاولاتهم امتلاك السياسة في بدلهم، على مذبح صراع ضد إسرائيل لا يخوضه. هذا بينما أظهر استعداداً طيباً لخوض حربين ساخنتين في الداخل السوري، كلفت الأولى عشرات الألوف والثانية مئات الألوف حتى اليوم. ثم إن إلحاق كفاحنا بشيء مختلف عنه هو أيضا سمة الإسلاميين الذي عملوا على تسخير صراع السوريين من اجل امتلاك السياسة، أي من أجل الحرية، لشيء خارجي عنها، الشريعة أو الدولة الإسلامية أو الخلافة.

    والمشترك في حالات الإلحاق الأربعة هذه كلها، إلحاق الحكومة الأميركية وأتباعها وروسيا وأتباعها وإيران وأتباعها لصراعنا بحرب لا تنتهي ضد الإرهاب، إلحاق اليسار الإنتي امبريالي الغربي لصراعنا بصراع ضد الامبريالية مفهومة كشيء موجود في بلدانهم الغربية، وإلحاق الحكم الأسدي لتطلعات السوريين التحربرية بصراع ضد إسرائيل لا يخوضه، وإلحاق الإسلاميين صراعنا العام بصراع من أجل تطلعاتهم الطائفية الخاصة، المشترك بينها هو البطريركية، تصرف جهة نافذة ما كأب عارف بكل شيء، يقرر وحده ما هو صحيح للأولاد الصغار الذين هم نحن. إن لم يقبل من جرى تطفيلهم على هذا النحو قرار الأب، يعتبرون جاهلين أو عملاء أو كفار، ويحرمون من الكلام ومن السياسة، أو من الحياة ذاتها، ويجري قتلهم بالأسلحة الكمياوية أو البراميل المتفجرة أو التجويع أو عبر صناعة موت منظمة في السجون والمشافي.

    وتقديري أن في أساس هذه المواقف البطريريكية الرجعية من قبل أصحابنا الأنتي أمبرياليين، شيئان. أولهما تحول لليسار الشيوعي وورثته إلى مواقع الطبقة الوسطى المتعلمة، المنفصلة عن المعاناة الإنسانية، والعاجزة عن الإبداع مثل بكداشيينا المحليين (وهذا مرتبط بتحولات الاقتصاد في بلدان الرأسمالية المركزية ونزع الصناعة وتراجع وزن الطبقة العاملة الصناعية، وظهور يسار “الكامبس”، وهو لا يفعل شيئاً، ويعرف القليل رغم موقعه في الأكاديميا…). لم يعد هناك شيء ثوري أو تحرري في تكوينهم، وهم لا يخوضون أي صراعات حقيقية. والثاني هو المخططات الفكرية للحرب الباردة، أي المعرفة بالتذكر على الطريقة الأفلاطونية، وكذلك العقم الفكري وجدب الإبداعية. المصادر المعرفية عن سورية لهذه اليسار هي أمثال الصحفي “المسرور”embedded روبرت فيسك الذي رافق دبابات النظام وهي تقتحم داريا قرب ومشق، وتقتل مئات من سكانها، قبل أن يتطور إلى إجراء مقابلات مع قتلة مثل جنرال المخابرات الجوية جميل حسن، وينشرها في ما يفترض أنها منابر مستقلة في خدمة الديمقراطية مثل الإندبندنت، ومثل باتريك كوكبيرن، والرجل شريك لفيسك في صداقة طغمة ألحكم الأسدي، وأشكك في أن أي منهما يعرف معارضاً يسارياً سورياً واحداً. ومثل سايمور هيرش الذي أفسدته جائزتا بوليتزر، فصار متثبت التفكير على الهاي بوليتكس، لا يرى شيئاً تحت. ومثل بشار الأسد نفسه، وهو يحظى بمقابلات في الإعلام الغربي، وبزيارات وفود من اليسار الغربي (ومن الفاشيين واليمين المسيحي الغربي) لم يكن يحظى بمثلها قبل أن يقتل مئات الألوف من محكوميه.

    لم تعد لهذا اليسار قضية حية من أي نوع. يتطفل على قضية كقضيتنا لا يكاد يعرف عنها شيئاً فيسيء كثيراً. وهو يشعر بالذنب لأنه لا ينقصه شيء، فيوجه مشاعره المضطربة ضد ميركل وتيريزا ماي وأوباما وترامب…، فيقف إلى جانب بشار الأسد بعد أن كان أقنع نفسه بأن بشار ضد هؤلاء. وهو أقل معرفة وأدنى فضولاً بكثير من أن يفكر بحال محكومي بشار الأسد الذي لا يعرف عنهم غير انطباعات مشوشة من مشاهدات في التلفزيون أو قراءات في صحف.

    ********

    وليس في كل ذلك ما يقول لأي يساريين غربيين ألا يتدخلوا في شؤوننا، أو ألا يكون لهم قول عما نقوله عن صراعنا. نريدهم أن يتدخلوا. نحن نتدخل في شؤونهم، ولن نكف عن ذلك. نعيش في عالم واحد، وينبغي الدفاع عن العالمية دوماً، في التحليل وفي العمل. لكننا نتوقع منهم تواضعاً واستعداداً أكبر للاستماع، وأقل لإعطاء الدروس، ومعرفة لا تقوم على التذكر. وأن يكونوا ديمقراطيين، لا يلحقون صراعنا بغيره، ويأخذون في الاعتبار رأينا في شؤوننا، وأن يقبلوا أننا مساوون لهم وأنداد.

    وليس فيما سبق أيضاً ما يقول إننا، نحن الديمقراطيون السوري المعارضون للدولة الأسدية على حق في كل ما نقول لأن قضيتنا عادلة، أو أننا لا نقبل نقداً من غيرنا. نريد أن ننتقد وأن نُنصح، لكن لا يبدو أن ناقدينا يعرفون عنا شيئاً لينتقدوننا أو ينصحوننا. لا يروننا أصلاً. منظوراتهم المتعالية تجعلنا غير مرئيين. لو كانوا أكثر انفتاحاً على وقائع الصراع السوري وديناميكياته وتحولاته عبر السنين لكانوا في وضع أفضل لبلورة تصورات أفضل إحاطة، ولنقدنا أيضاً. شركاؤنا من اليساريين الغربيين، وهم ليسوا قلة، هم ديمقراطيون راديكاليون واشتراكيون وفوضويون وتروتسكيون، اقتربوا من عالم التحت السوري وأصغوا لروايات السوريين. وليس بينهم واحد وضع يديه في أي ملوثة بالدم المراق والمال المسروق من مثل بشار وطغمة القتلة واللصوص من أركان حكمه.

    لسنا تبسيطيين نرد صراعنا إلى بعد واحد هو الصراع ضد الطغمة الأسدية. هناك بعد ثان، الصراع ضد المنظمات العدمية الإسلامية. لكن ليس خارج أوساطنا، نحن المنخرطين في الصراع السوري على أسس ديمقراطية وتحررية، يمكن تطوير سياسة ديمقراطية جذرية في شأن الإسلاميين. هذا إلا إذا كانوا يعتقدون أن الكره الماهوي للإسلاميين، الذي قد تكون محركاته طبقية أو طائفية، هو شيء ثوري. مخطئون جداً إن كانوا يعتقدون بذلك. هذا صراع ديني أو طائفي، رجعي حتماً وعنصري غالباً. الموقع الأمثل قطعاً للصراع ضد الإسلاميين هو الموقع الديمقراطي الثوري المناضل ضد الفاشية الأسدية.

    ولسنا غافلين، بعد ذلك، عن بعد ثالث لصراعنا، يتمثل في تدخلات متنوعة من مراكز امبريالية تقليدية أو صاعدة، مباشرة أو عبر وكالات إقليمية، في صورة دول أو منظمات ما دون الدولة. وهنا أيضاً نرى أن الموقع الأكثر اتساقا وجذرية ضد الإمبريالية هو الذي يدرج الاستعمار الداخلي الأسدي في حسابه، وينحاز للضعفاء والمحرومين في سورية والإقليم. أولئك الذين يظنون أن بشار الأسد وطغمته سند لهم في الصراع ضد الامبريالية مُغفّلون جهلة في أحسن الأحوال، وعنصريون معادون للديمقراطية في أسوئها.

    هذا الصراع الثلاثي الأبعاد يُعرِّف العالمية بالنسبة لنا، إن لم يكن للعالم ككل.

    ولا أقول بعد كل هذا أننا لسنا مقصرين، أو أن ما نقوله عن هذه القضايا وغيرها هو الحكم النهائي بشأنها. نحن نعمل ونتعلم. تقصيرنا الأكبر يتمثل في أننا مشتتون، قوانا غير منظمة، وهو ما زاده شرط الاعتقال والقتل تحت التعذيب الذي طال جذع الثورة الاجتماعي، وشرط اللجوء، والتحطيم الواسع للمجتمع السوري على يد الطغمة الأسدية وشركائها الامبرياليين والتنظيمات العدمية الإسلامية. جهودنا تصطدم في كل وقت بالمدى المذهل وغير المسبوق للمأساة السورية. لكننا مستمرون في العمل.

    والخلاصة أن الصراع فيما يخصنا، نحن الديمقراطيون واليساريون السوريون، هو صراع من أجل الاستقلال: استقلال بلدنا عن قوى مستعمرة وضعت على وجهها مثل كل القوى المستعمرة في التاريخ أقنعة كاذبة تتكلم على السيادة أو الوحدة أو التعددية أو محاربة الإرهاب…، واستقلال صراعنا عن مستعمرين آخرين، يفرضون علينا الصمت ويريدون منا أن نكون نسخاً منهم، تحت أقنعة كاذبة أيضاً، مثل مناهضة الامبريالية ومحاربة الإرهاب.

    نقد اليسار الأنتي امبريالي الغربي وغير الغربي هو فيما يخصنا مساهمة في الصراع من أجل الاستقلال، أي من أجل الحرية، وجهد لامتلاك الكلام منفتح على بناء شراكات تقوم على الرفقة والمساواة.

    (منقول).

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...