الإثنين  25  سبتمبر  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • حوار مهم لأستاذ العلوم السياسية البارز بروفيسير / عطا الحسن البطحاني

    February 9, 2017  

    (حوار شمائل النور)

    حوارات المصير،،،،، مع الأكاديمي ، بروفيسور عطا الحسن البطحاني

    ينطلق أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم والأكاديمي النشط، بروفيسور عطا الحسن البطحاني، في تحليله للأزمة من مرتكزات (المصالح القابضة)، و يعتقد البطحاني أن الإنقاذ مكثت كل هذه السنوات وفشل معارضوها في إسقاطها،لأنها نجحت بامتياز في خلق شبكات من المصالح مرتبطة جميعها بأجهزة الدولة، وهو ما يطلق عليه البطحاني هنا (ريع الدولة)، هذه الشبكات أصبحت أركان الإنقاذ…ثم يمضي بالقول؛ “استنفد نظام الاسلاميين فترة حكمه فى الجهاد، (والأممية الإسلامية)، ويحذر البطحاني مما وصفه بـ (حالة السيولة السياسية) من أن تغري مجموعة تمتلك قدراً كافياً من القوة يمكنها من الهيمنة على مجموعة أخرى، ثم يطرح سؤاله،؛ من الذى يمتلك القدر الكافِي من القوة التى ستطيح بالتوازن الهش والسيولة الماثلة الآن؟

    أجرته: شمائل النور

    كيف ترى الوضع الآن؟ وهل من خارطة للخروج من “عنق الزجاجة”؟

    الخروج من عنق الزجاجة (الأزمة) و فى واحدة من أهم أبعاده يأتى من جانب القوى التي ادخلت بلادها فى الازمة او داخل الزجاجة. نستخلص هذا من تجارب الغير: سواء فى امريكا الجنوبية، جنوب شرقي آسيا، أوروبا الشرقية أو حتى جنوب افريقيا. وذلك لسبب بسيط وهو ان مصالحها تقتضي ذلك. مصالحها التى أوجدتها، وربتها وحافظت عليها عبر القهرالمنهجي والمؤسسى لجهاز الدولة فترة حكمها ايا كان اسم وعنوان ذلك القهر المنهجي والمؤسسي. لاحظي أن فترات اللجوء للقمع فى تلك التجارب كانت متلازمة مع فترات النمو الاقتصادي.

    كأنك تُبرر لاستخدام القمع مقابل النمو الاقتصادي؟

    بالطبع ليست هذه دعوة لاستخدام القمع لانجاز التنمية. ولكن وفي الواقع التاريخى اثناء تجربة نظم القهر السياسى وبحكم طبيعة ما أوجدته من “تنمية” و “تحديث” و “تغيير” استطاعت مجموعات منها ان تبنى لنفسها مناطق ومواقع نفوذ ومصالح خارج جهاز الدولة – الشيء الذى سهل فيما بعد عملية الانتقال والتغيير السياسى . وهذا يحقق لها هدفين:

     (1) لا تحتاج للتحكم المباشر على جهاز الدولة التنفيذي

    (2) ربما تقل نزعتها لتوظيف القمع والقهر المنجهي– فهناك من سيقوم بهذه المهمة خير قيام: عبر مؤسسات الدولة “الشرعية” ومنطق اقتصاد رأس المال الذى حقق النجاح والتنمية بالرغم من الثمن.

    لكن، ماذا عن الواقع السوداني؟

    قارني ذلك بما جرى ويجري عندنا هنا. القمع المنهجي والمؤسسي الممارس منذ نهاية يونيو 1989م لم يترافق مع نمو اقتصادي (نمو انتاجى حقيقي) والطبقة الاسلامية الحاكمة فشلت فى أن تخلق لنفسها مواقع نفوذ ومصالح مستقلة عن جهاز الدولة – أي لم تنجز نموا اقتصاديا( زراعي، صناعي) مغروسا فى تربة الوطن ويمكنها ان تديره فيما بعد وهى بعيدة عن مواقع الجهاز التنفيذى للدولة. انظرى لأجهزة الدولة المتحكمة تفترس المواطن عبر الميزانية كل عام وكأنها كواسر تنهش جسد ضحيتها.

    وكيف بالإمكان الفصل بينهما؟

    فى هذه الحالة – الحالة التى تعتمد شبكات المصالح الملتحقة بأجهزة الحكم بالكامل ليس على ما تحقق من نمو بل على ما تبقى للمواطن من موارد معيشية – في هذه الحالة هذه المجموعات وجهاز الدولة في وضع توأمين سياسيين وفصلهما قد يحتاج لعملية جراحية.

    لابد من عملية جراحية، إذًا كيف؟

    النمو الاقتصادى والتنمية يخلقان البيئة التى تمهد للفصل بين شبكات وطبقات المصالح وبين جهاز الدولة بشكل سلمى عبر الانتقال السياسى لنظام جديد كما الاتحاد السوفيتي وشرق أوروبا وجنوب شرقى آسيا وجنوب افريقيا. الأنظمة الستالينية فى روسيا وأوروبا، بل حتى النظام العنصرى فى جنوب أفريقيا حدث فيها التحول من الداخل. وصلت النخبة الحاكمة لقناعة استحالة استمرار النظام بصورته القديمة، فانبثقت قيادات إصلاحية من داخل النظام(غورباتشوف، و دي كليرك) وحتى هذه القيادات الإصلاحية لم تهبط من السماء. إنما هى نتاج للتحول الاجتماعى الناتج من نمط التنمية الذى أدى إلى تغيير نوعى فى تركيبة المجتمع، بالطبع ليس المجال هنا مجال مقارنة بين ما حدث فى الاتحاد السوفيتى وجنوب افريقيا ،وما حدث ويحدث فى السودان. لكن هذا لا يمنع من استخلاص بعض الدروس من تجربة التحول فى هذه البلدان.

    ما الذي سهل المهمة هناك؟ ولماذا تبدو صعبة هنا في السودان؟

    بالرغم من الأدلة على فشل المشروع الإسلامي في السودان، لم تبرز للوجود شريحة إصلاحية من داخل النظام تعمل على تعديل بنية النظام من الداخل وتلتقي مع المعارضة فى نصف الطريق؟ لماذا لايوجد “نصف” غورباتشوف أو “ربع” ديكليرك سوداني؟ وبدلا عن العمل الانكباب على تعديل وإصلاح النظام من الداخل تفر الحركة الاسلامية إلى”الهجرة إلى الله”.

    برأيك، هل تعتقد أن للسلطة تصورا واضحا للخروج من الأزمة، أم لا تعيها؟

    كل الأنظمة الأوتوقراطية والديكتاتورية عندما تحاصرها الأزمة السياسية وتهددها تلجأ للدفع بجزرة للمعارضة. أثناء الحركة الوطنية وتصاعدها فى الأربعينيات من القرن الماضى دفعت الإدارة البريطانية بالمجلس الاستشارى وتصاعد النضال ضدها ثم جاءت بالجمعية التشريعية ورفضتها الحركة الوطنية وهكذا، ويمكن أن أذكر أمثلة من دول أخرى. وفى جنوب افريقيا عمل النظام العنصرى على توسيع قاعدة تمثيل باسترداف ممثلين لما يسمى بالملونين والهنود وبعض الأفارقة السود.

    كأنك تُشير إلى الحوار الوطني؟

    نعم، الآن النظام يدفع بما يسميه “حوار الوثبة” أو الحوار الوطنى والتى انتهت نتائجه الى جدل يدور حول 15% لمن تذهب فى إطار التعديلات الدستورية التى زادت من تركيز السلطة فى الأجهزة التنفيذية مكتفية بوجود أقرب للرمزية لرئيس الوزراء وتجاهل لمقترحات تعديل قانون الأمن والحريات وفك الارتباط بين الحزب الحاكم وجهاز الدولة.

    إذاً، كيف تُقيّم هذه النتائج؟

    يمكن قراءة التغييرات فى ميزان القوة بزيادة ونقصان النسبة التي يقول المؤتمر الوطنى إنه مستعد للتنازل عنها – فإذا زادت حدة المصادمات وتصاعد المد الجماهيري المقاوم قد يلجأ النظام لوثبة جديدة أو يزيد نسبة المشاركة لـ 30% أو 50% حسب تبدلات الموازين. كأننا – ونحن بالفعل – فى سوق المساومات السياسية Political Marketplace حيث التاجر القطاعى (وطبعا التاجر معروف ولا يحتاج منى لتسمية) يساوم الزبائن وقد يتدخل طرف ثالث يقول “باركوها يا جماعة”! وفى علم السياسة هذا هو “نظام الزبائنية”.

    بصورة عامة، كيف تقيّم حوار (الوثبة)؟

    أن يرسخ النظام طبيعته القمعية تحت اسم الحوار الوطني هو إعلان الفشل التاريخي للنظام. ذلك أن مشروع الإسلاميين الذى قام على محاولة إحداث تغيير نوعي/هيكلي فى المجتمع السوداني نجح فقط فى إحداث التغيير المعاكس لاتجاه التاريخ.

    هل تعني الإسلاميين، حكومة ومعارضة؟

    الملاحظ أن الإسلاميين (حكومة ومعارضة) لايملكون مرجعية لتقييم تجربة حكمهم غير الإشارات المتكررة لـ (تجنيب) البلاد الانزلاق إلى مصير سوريا وليبيا واليمن!

    ألا يعتبر (تجنيب) البلاد الانزلاق، محاولة منهم لإنقاذ ما يُمكن؟

    السؤال هل يملكون حقا القدرة على تجنيب البلاد الانزلاق ؟ وباعتبار أنهم يتحدثون بأكثر من لسان وتعددت فرقهم ، فالسؤال مجددا من فيهم يملك المقدرة ؟ أين نجدهم ؟ في أوساط اصحاب المال؟ في الحزب السياسي الحاكم ؟ فى أجهزة الخدمة المدنية؟ بالاجهزة العسكرية والامنية ؟ ما هي حاضنة الإصلاح من الداخل وسط الإسلاميين ؟

    هل نُسمي هذا يأسا من أي إصلاح يقودهالإسلاميون ؟

    استنفد نظام حكم الاسلاميين فترة حكمه فيما لا يجدي من وجهة نظر الوطن. فقد استهلك النظام فترة حكمه فى الجهاد، (والأممية الإسلامية)وبالرغم من تسييس الخدمة المدنية بالكامل، وتحويل ملكية مؤسسات وموارد الدولة لأفراد يدينون بالولاء للجبهة (باسم التحرير الاقتصادى) وبالرغم من اكتشاف النفط والتوسع الكمى فى التعليم العالى،وهندسة النظام الأهلي والتحركات السكانية، إلا أن كل ذلك لم يكن كافيا لإحداث النمو والتنمية المطلوبين لأن ما تم جرى إنفاذه في الأساس خارج دائرة الإنتاج المستوعب لمئات الآلاف من الخريجين الجامعيين والموظف لقدرات الغالبية فى الريف والمدن والمستجيب لاحتياجاتهم. ففترة الحكم خلقت طبقة وسطى غير منتجة وفى حالة فصام شخصي: فالاقتصاد له وجهه المزدوج :إسلامى من جهة تبرير مكاسب الريع وتابع لاشتراطات صندوق النقد الدولي من جهة أخرى، وعلى المستوى الاجتماعي – الثقافي ميل للحداثة الغربية والسعي للتمسك بزي اسلامى. وقد أحال التشويه الاقتصادى البلاد لساحة للقوى المالية الاقليمية والدولية الطامعة في موارده الطبيعية او التي لا تجد مكانافى الاقتصاديات المتقدمة وجعل من اقتصاد البلاد حالة نموذجية لما يمكن تسميته نظام ” خصخصة الربح وجماعية التكلفة ” Privatizing profit socializing cost

    كأن المواطن خارج هذه المعادلة؟

    نظرت السلطة للمواطن نظرة سلبية- فهو موضوع للترويض ومصدر للجباية، وليس كإنسان له حقوق وقدرات انتاجية يستثمر فيها بتوفير الخدمات الأساسية (من تعليم وصحة). بل أصبح مستوى الحياة الذى يعيشه المواطن شرطا ضروريا لتأمين الامتيازات لأصحاب السلطة وهامش ربح الأنشطة غير الإنتاجية (انظري مرافعات عادل الباز ضد شركات الاتصالات) وإن رفع المواطن رأسه فالميزانية التي اعدت لعام 2017 هي ميزانية حرب (على المواطن)على حد قول أحد اعضاء البرلمان نفسه. فى ظل هذه الظروف من أين يأتي من ينادى بالاصلاح من الداخل دون أن تتأثر مصالحه؟

    يكاد الجميع يتفق حول فشل تجربة الإنقاذ، بما في ذلك إنقاذيون كُثر، ومع ذلك، هي باقية، ولم يحدث تغيير؟

    يعود ذلك – بدرجة كبيرة – الى الملاحة الماهرة للنظام وسط ألغام التعقيدات والتوازنات الإقليمية والدولية ومستفيدا بصورة مباشرة وغير مباشرة من “الثراء المواردي” للبلاد، أيضا نجاح النظام فى توزيع موارده الريعية بين مكوناته وأجنحته بحيث يحافظ على توازن واستمرارية “مركز القوة” الداعم للنظام مع السعي لتوسيع قاعدة النظام بتدرج لا يخل بالمعادلة الداخلية للسلطة، فتوسيع القاعدة بصورة كبيرة قد يخل بالمعادلة الداخلية للسلطة (شبكات المصالح القابضة) وقد يفتح الباب لمطالبات ربما لا تتوفر لها الشروط إلا بإزاحة ركن أو أركان يرتكز عليها النظام وهذا يفسر التردد فى تعديل قانون الأمن وتوسيع الهامش الحقيقى للحريات العامة.

    ما يجري الآن من تداعيات لمخرجات الحوار الوطني، تدور في ذات النقطة؟

    مخرجات الحوار الوطني انعكاس لتوازن القوة على مستويين: مستوى “خارج الحوار” النظام وحلفائه من جهة والمعارضة المدنية والعسكرية من جهة أخرى، وواضح أن ميزان القوة أبدى ميلا للطرف الاول مما دفع النظام بالمضي قدما فى حواره.

    وهناك مستوى التوازن “داخل الحوار” بين المؤتمر الوطنى وتوابعه من جهة والمؤتمر الشعبي وحلفائه من جهة أخرى، وهنا أيضا حالف الحظ المؤتمر الوطني وأجاد تكتيكات المراوغة والمماطلة ودفع بالتوصيات التي رضي عنها وأبعد تلك التي تشكل تهديدا للحلقات والشبكات القابضة. ولكن أخيرا مع ملاحظة أن حالة السيولة التى تميز المشهد السياسي بأكمله تفتح الباب للتأثير المتبادل بين مستويات خارج الحوار وداخل الحوار – فالتأخير فى تشكيل الحكومة وإدراج توصيات الحريات والدور المتعاظم للولايات المتحدة فى تحديد قسمات المشهد السياسى (وأنصبة الحكم ومن يشارك ومن لا يشارك) تفتح شهية التكهنات بدخول لاعبين جدد لن ترضى عنهم المجموعات المتنفذه لأن فى ذلك انتقاصا لنصيبها.

    كيف تنظر لمدى فاعلية ومستقبل الأحزاب والحركات الشبابية؟

    لا يملك أحد صك قوانين ومراسيم للعمل العام ضد النظم الديكتاتورية التي تصادر الحقوق والحريات. فالمجال واسع ومفتوح لمن يريد أن يعمل ويبتكر أدوات النشاط السياسي حسب موازين القوة التي تشكل طبيعة النظام السياسي.

    هل تقصد بالمجال الواسع، أن هناك خيارات؟

    نعم..هنا تتعدد الخيارات فهناك من يرى ان هناك دائما مجالا مفتوحا للنضال اللا عنفي (نموذج غاندي) وهناك من يبني علاقة تكاملية بين النضال القانوني واللا قانوني (نموذج مانديلا) – اى بقدر ما يفسح القانون المجال للعمل تنحسر مساحة اللا قانوني والعكس صحيح وهناك من يتبنى فى إطار المنظومة الرأسمالية النضال العنفي (نموذج جيفارا).

    أين نحن من هذه النماذج؟

    اعتقد اننا نجد في الساحة السودانية تداخلا بين هذه النماذج ، أما مستقبل الحركات الشبابية فمن الصعب التنبؤ بتفاصيل الخريطة السياسية من حيث القوى التى ستبرز فى الساحة – لكن من الواضح ان القوى الشبابية بمسمياتها المختلفة ستفرض لها وجوداً فى الساحة السياسية سواء من داخل الأحزاب او خارجها. فقط يبقى “التنظيم” أحد أهم العوامل التى سترسم مصير هذه الحركات ولنا فى التجربة المصرية عظة وعبرة حيث اتضح ان من يكسب السباق فى النهاية هو من يحتفظ بطاقاته التنظيمية ووحدته (الجيش والإخوان).

    كيف تنظر لمستقبل العمل المسلح ، إذا ما حدثت تسوية؟

    هذا يعتمد على شروط التسوية التي بموجبها تدخل إلى ردهات السلطة فإذا وجدتها مغرية لها وتحقق لأفرادها الحراك الطبقي – الاجتماعي ستسعى للذوبان فى النظام ،أما إذا تعثرت مسيرة صعودها الاجتماعى سترجع مرة أخرى لقواعدها تحيي من جديد الدعوة للتمرد كما حدث مع حركة رياك مشار وحركة مناوي. نلاحظ هنا أن درجة استجابة النظام لمطالب الحركات يركز على تسكين القيادات وإدخالها شبكة الريع السلطوي والامتيازات ولا يأخذ فى اعتباره القواعد أو التحول المرتقب على الأرض.

    هل ترى أن بالإمكان الخروج بسلاسة من الوضع الراهن؟

    من الصعب التنبؤ بتفاصيل الخريطة السياسية من حيث القوى التى ستبرز فى الساحة، ولكن فى حالة الانتقال من الوضع الراهن أرى أن المخرج يتمثل فى إجراء تسوية تاريخية وليس تسوية سياسية.

    ماذا تقصد بتسوية تاريخية؟

    أقصد بالتسوية التاريخية أن تأخذ فترة الانتقال نفسا طويلاً يعالج جذور الأزمة ويعقد مصالح بين مكونات المجتمع (وليس نُخبِه فقط) بحيث نتهيأ للانتقال إلى عهد جديد يعمل على إحداث تغيير حقيقي في حياة المواطنين (لا يلغي الصراع والتنافس) ولكنه يقود لانتقال المجتمع للأمام فى اطار حراك المجتمع وديناميته التى لا يستطيع أحد أن يلغيها ،إنما المأمول هو الاتفاق على قواعد بين المكونات وليس الاتفاق القاصر على النخب السياسية كما تم فى مصالحة 1977 وفى اتفاقية نيفاشا 2005 بالرغم من انجازاتها.

    لكن هناك اختلال في موازين القوى، برأيك هل يُمكن حدوث تسوية بهذه المواصفات؟

    نعم، هناك تشتت واضح في توزيع القوى، “فإذا وجدت مجموعة تمتلك قدراً كافياً من القوة يمكنها من الهيمنة على مجموعة أخرى بحيث تنطوي هذه الهيمنة على مكاسب لها فإنها ستفعل ذلك” وأبرزمثالين فى منطقتنا لصحة هذا القانون انقلاب الجبهة الإسلامية فى السودان وانقلاب الحوثيين فى اليمن. فحالة السيولة السياسية قد تغري مجموعة تمتلك قدراً كافياً من القوة يمكنها من الهيمنة على مجموعة أخرى…السؤال من الذى يمتلك القدر الكافِي من القوة التى ستطيح بالتوازن الهش والسيولة الماثلة الآن؟ .

    أشرت فيما سبق، إلى أن اختلال المعادلة الداخلية للسلطة لا يمكن أن يحدث إلا بإزاحة أحد أركان النظام، كيف يحدث ذلك؟

    للأسف ،إنجازات – أو فى واقع الأمر فشل – النظام فى التنمية وتوسيع الماعون الاقتصادى لم يساعد على إيجاد فرص لهذه الأركان وشبكات المصالح للانسحاب تجاه إفساح المجال للقوى الصاعدة. انظرى للفشل فى تصفية الشركات الحكومية التى تتناسل بأسماء أخرى متى ما تم وضع حد لها. وهنا المأزق، فالفئات التى تعيش على ريع الدولة لن تترك مناصبها وامتيازاتها هكذا بدون إيجاد بديل لها- وقد تذهب للمدى الذى تنبت لها زعانف وريش واجنحة “داعشية” وايا كانت طبيعة التسوية (سياسية أم تاريخية) فلا بد من إيجاد مواقع بديلة للذين يحتلون المواقع الآن.

    مواقع بديلة.!؟

    حتى إذا افترضنا إيجاد مواقع بديلة للفئات المتنفذة فهناك قضايا الانتهاكات والجرائم (العدالة الانتقالية) وهى ملازمة بشكل وثيق لأية تسوية حقيقية للخروج من المأزق الحالى. وهناك تجارب عديدة يمكن الاستهداء وأخذ العبر منها. لكن الخشية كل الخشية أن تباغتنا قوانين الطبيعة (الفيزياء) السياسية. فليس هناك كابح الا يفعل “قانون القوة” فعله صرف النظر عن التمنيات والتوقعات.

    متى ما بدأ الحديث عن التسوية الشاملة أو التاريخية، يصعد جدل العدالة والمصالحة…أية وصفة أو نموذج يُمكن تطبيقه في الحالة السودانية، برأيك؟

    لا توجد وصفة واحدة ، وربما على المجتمع المعنى أن يجد الصيغة والطريقة التى تناسبه . لدي دراسة هنا “المصالحة الوطنية: إبراء جراح السودان” نشرتها مجموعة قراءة من أجل التغيير..فى هذه الدراسة استعرضت تجارب عديدة مركزا على ما يمكن الاستفادة منه فى الحالة السودانية. مثلا يتحدث السيد الصادق المهدى كثيرا وينادى بما يسميه “كوديسا تو” على غرار تجربة جنوب افريقيا – كأفضل النماذج المعروفة. ومع اهمية التجارب المقارنة لدينا بالطبع تراثنا الغني في مسائل فض النزاعات والتسويات والمصالحات والعفو، وهذا يشكل لنا رصيدا ضخما يمكن الاستفادة منه…أخيراً من الصعب ألا يترك فشل الحركة الاسلامية وانفصال الجنوب أثرهما على التحولات السياسية المعاصرة. لا يخطئ البعض إن رأى أن مركز الحراك السياسى انتقل من الوسط للأطراف. ومع إدمان الطبقة السياسية الحاكمة للفشل ستتحرك جغرافيا وديموغرافيا النزاعات والإفقار الاجتماعى لملء الفراغ وتعديل موازين القوة.. وليتذكر الجميع اننا لسنا بمنأى عن تأثيرات “فيزياء السياسة”.

    (شمائل النور – التيار).

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    4 تعليق على “حوار مهم لأستاذ العلوم السياسية البارز بروفيسير / عطا الحسن البطحاني”

    1. كاتم سرة في February 9th, 2017 4:53 pm

      شكرا للصحفية الذكية شمائل النور على إجراء هذا الحوار الصحفى مع بروفسور البطحانى استاذ العلوم السياسية. فمعروف عن الاستاذ الجليل توخية العمق فى التفكير قبل الاجابة على اى سؤال ٌيطرح علية وعند الاجابة يتوخى الدقة المتناهية فى التحليل للشأن السياسيى السودانى الآنى. اعجبنى كثيرا كيفية طرح اسئلة تمس عمق الازمة السياسية فى شكل مداخل صحفية متشابكة واجابات بروفسور البطحانى بصراحة اكادمية لا تحتمل التاويل الافتراضى ولمست فى إجاباتة ان العرض منها إضائة طريق كيفية الخروج من النفق المظلم الذى نحن فية الآن واتمنى مستقبلاان يمتعنا الاستاذ الجليل بتحليل سياسى رصين بين الفينة والأخرى واعتقد ان مثل هذة ستكون سلوانا لنا

    2. كاتم سرة في February 10th, 2017 7:16 am

      انااعتبر ما كتبتة اشادة للصحفية الذكية شمائل النور على كيفية طرحها لاسئلة معقدة تحمل فى محتواها عدة اجابات وليس هنالك مجال يذكر للتعليق على اجابات الاستاذ الكبير فهو اجاب على كل الاسئلة التى تشغل اذهان الكثيرن منا عن طرق ومداخل كيفية الخلاص من هذا النظام الذى دمر البلاد ولاذال مصر على تدمير ماتبقى من ارض هذا الوطن

    3. افكار في February 12th, 2017 3:50 pm

      بروف البطحاني دائما في الموعد ولكن هنالك اشياء لا يمكن الاغفال عنها منها امكانية ايجاد سلمي خارج الهبوط الناعم المقدر من امريكا والغرب وتقدير من صاحب قدرة ولاعب اساسي لكن تجارب شعبنا تتفتق عن الكثير دائما بالرغم من فقر وضعف قواه المعارضة وعدم وجود مركز موحد … كلام بروف البطحاني حول الشباب وايجاد وسائل اخرى وتكامل الوسائل القانونية بغير القانونية هو الطريق امام تغيير شامل … التسوية امر بائس واغلب الظن لن تقود الى تغيير حقيقي او ازالة الفقر واطلاق الحريات … هذه البلاد ليست ملكا للجبهة الاسلامية او حلفائها الذين صنعتهم، انها ملك لابنائها، لكل هذا التنوع ولتاريخ ثر من النضال سطرته احزاب وجبهات وشخصيات لا يمكن ان يمر هكذا الى القبر

    4. حورص في May 26th, 2017 11:42 am

      ((نظرة السلطة للمواطن نظرة سلبية- فهو موضوع للترويض ومصدر للجباية، وليس كإنسان له حقوق وقدرات انتاجية يستثمر فيها بتوفير الخدمات الأساسية (من تعليم وصحة). بل أصبح مستوى الحياة الذى يعيشه المواطن شرطا ضروريا لتأمين الامتيازات لأصحاب السلطة وهامش ربح الأنشطة غير الإنتاجية ))

      صدقت وهذا هو أس الداء الذي لافكاك منه إلا بموت المصاب وهو الكنس كنسا نهائيا لا يبقي ولا يذر

    لا تتردد في ترك التعليق...