الإثنين  20  فبراير  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • د. عشاري أحمد محمود خليل : الرئيس الأمريكي والدولة الإسلامية الإرهابية بالسودان

    February 8, 2017  

    (عشاري أحمد محمود)

    الرئيس الأمريكي والدولة الإسلامية الإرهابية بالسودان (1– 4)

    د. عشاري أحمد محمود خليل

    (1)

    سودان الإسلاميين في قائمة الدول الراعية للإرهاب

    (أ)

    أعرض في هذه المقالات للأمر التنفيذي الرئاسي الأمريكي بحظر رعايا سبع دول ذات أغلبية مسلمة، وأركز على دلالات الأمر وتداعياته بشأن السودان على وجه الخصوص.

    يظل السودان، في شكله المتمثل في نظام الإنقاذ، مكيَّفا بقرار وزارة الخارجية الأمريكية، وبالاستناد على قوانين أمريكية، على أنه “دولة راعية للإرهاب”، منذ العام 1993. وليس مع السودان في القائمة الأمريكية القصيرة إلا إيران وسوريا. وهنالك قائمة أمريكية أخرى فيها سبعون “منظمة إرهابية” يقول الأمريكيون في آخر تقرير منشور عن الموضوع في موقع وزارة الخارجية الأمريكية إن السودان كان أو ظل يدعم بعضها، مثل حماس.

    (ب)

    لن تتم إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ما لم يرسل الرئيس الأمريكي ترمب تقريرا مُسبَّبا إلى الكونجرس الأمريكي “يَشْهد” فيه ترمب على أن حكومة نظام الإنقاذ “لم تقدم أي دعم للإرهاب الدولي خلال الستة أشهر الماضية”، وما لم يشهد ترمب في تقريره أن حكومة الإنقاذ “قدمت ضمانات بأنها لن تُقدِّم أيَّ دعم لأفعال إرهاب دولي في المستقبل” (من موقع وزارة الخارجية الأمريكية).

    لكن، وبعد إدراج السودان في دائرة الأمر التنفيذي الرئاسي لحظر المسلمين من دخول أمريكا، وبسبب أن “الإرهاب الإسلامي الراديكالي”، في اللغة الأمريكية، يستحوذ على دماغ ترمب ودماغ مستشاره السياسي ستيف بانون المُصرِّح بكراهيته للمسلمين، لا يرجح أن وزير الخارجية الأمريكية الذي حاول غندور رشوته بتهنئة سيتحمس إلى مضايقة الرئيس ترمب بموضوع هؤلاء الإسلاميين الذين لهم ماض في الإرهاب على مدى ربع قرن من الزمان. فهم يمارسون إرهاب الدولة حتى ضد مواطنيهم، إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وقهرا وتكميما للحريات، فما بالك بإتيانهم حركات إرهابية خارجية هنا وهناك؟

    ترمب لن يهرول، مجازيا، إلى الكونجرس للمحاجة بتقرير لأجل شطب اسم السودان من قائمة “الدول الراعية للإرهاب”.

    (ج)

    لن يكترث ترمب إلى أن حكومة الإنقاذ قدمت لأمريكا كل ما تريده أمريكا لمكافحة الإرهاب، وقد يجد ترمب تسلية في مشاهدة انبطاح الإسلاميين السودانيين بين رجلي السيد الأمريكي يلحسون ماضيهم في الإرهاب، وكذا سيسخر ترمب من استعراض الإسلاميين رضا أوباما عنهم ورفعه العقوبات الاقتصادية قبل نهاية رئاسته، وترمب عازم على مسح إرث أوباما كلية، وقد يتعجب ترمب لغرابة هؤلاء الإسلاميين يتبجحون بأنهم تحصلوا على شرف عظيم بإنشاء أمريكا أكبر مكتب للمخابرات الأمريكية في العاصمة الإسلامية.

    (د)

    لن يغفر ترمب للإسلاميين السودانيين أنهم كانوا يوما يدعمون الإرهاب، ولابد أن ترمب تم تنويره أن أسامة بن لادن كان يعيش في الخرطوم. وأن الإسلاميين في الإنقاذ حاولوا اغتيال حسني مبارك في أثيوبيا. ولن يشفع للإسلاميين لدى ترمب دفعهم فلقد غدرنا بصديقنا الفنزويلي إليش سانشيز، كارلوس خدرناه وسلمناه إلى عميل المخابرات الفرنسية المسيو بليجير ليطير به إلى فرنسا.

    (هـ)

    ومما يظل يشغل الأمريكيين بشأن إرهاب الإنقاذ هو الكيفية التي تم بها تسهيل هروب أولئك قتلة موظفي السفارة الأمريكية في الخرطوم من السجن. وواضح أن الأمريكيين لا يصدقون رواية الإسلاميين عن أنه لا علاقة لهم بتسهيل ذلك الهروب. فكتابة الأمريكيين عن الموضوع تظل مشحونة بالغضب.

    (و)

    في تقديري، لن يغفر ترمب للإسلاميين ماضيهم في الإرهاب لا يهمه أنهم يحلفون والله العظيم توبة. لأن كل غفران من جانبه سيعني في ذهنية ترمب ومريديه تخليه عن التشدد إزاء “الإرهاب الإسلامي الراديكالي” وهو موضوعه الأساس.

    كما إن مزاج ترمب المعكر حاليا بمغالبة التحديات لشرعيته كرئيس لن يمكنه من الصبر لاكتناه غرابة هذي خلطة الإسلاميين-العرب-السود-الفاسدين-مجرمي-الحرب-الإرهابيين، مما هو مجسدن في رموز حكومة الإنقاذ. ولن يعترف ترمب بوجود أي تناقض بين احتقاره هؤلاء اسلاميي السودان ومظاحكاته التلفونية مع السعوديين والإماراتيين.

    (ز)

    وكذا لن تتمكن حكومة الإنقاذ، بسبب ضعفها وعدم شرعيتها، وبسبب ذلك ماضيها في جرائم الإرهاب، لن تتمكن من مجرد التفكير في قطع الاستمرار في تقديم العون للأمريكيين في مجال مكافحة الإرهاب.

    سيكون نظام الإنقاذ الإسلامي بماضيه الثابت في الإرهاب ملهاة ترمب لتذكير الأمريكيين بأنه توجد فعلا دول راعية للإرهاب. ولن يقبل ترمب مجرد التفكير في حذف اسم هذه الدولة الضعيفة يسيطر عليها حرامية من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

    (ح)

    أرى ترمب يستهدف الإيرانيين، فهو لا يثق فيهم وقد حذَّرَهم، وسيأتي قريبا دور الإسلاميين السودانيين الذين لن يسعفهم التهافت ولا المسكنة. عندئذ، لن يجد هؤلاء الإنقاذيون مددا يأتيهم من السودانيين ضحايا إرهاب الدولة الإسلامية في السودان. فقد أدرك السوداني الحقيقة عن خرافات الإسلاميين في خطابهم عن “الوطن”، بعد أن حولوا هذا الوطن بفسادهم إلى ضيعتهم الخاصة لهم ولأبنائهم، بل هم أفصحوا في العلن عن سياستهم لحظر السودانيين المعارضين من دخول السودان، وهي سياسة سرية قائمة، وقد تم تطبيقها ضدي، ليس فقط برفضهم تجديد جوازي للسفر، بل كذلك برفض سفارة السودان منحي تأشيرة سفر اضطرارية للعودة إلى السودان.

    لن يأتي السعوديون أو الإماراتيون لنجدة الإسلاميين السودانيين من غضبة ترمب. خاصة وقد صرح ترمب أن دولا لم يسمها، ونعرف منها السعودية والإمارات، أيدته في تحديد السودان، وهو بين السبع دول، كدولة كذلك تمثل خطرا على أمريكا في مجال ما يسميه ترمب “الإرهاب الإسلامي الراديكالي”.

    فألتفت الآن إلى تقديم الموضوع القضائي المتداخل مع حظر دخول السودانيين إلى أمريكا. ثم أتناول المشكلات المتحدرة من القضية الأمريكية وتأثيرها على السودانيين وعلى نظام الإنقاذ.

    (2)

    طلب ولاية واشنطون إعلان عدم دستورية الأمر التنفيذي الرئاسي

    استهدف الأمر التنفيذي الرئاسي “المسلمين” من الدول السبع، ومن بينها السودان. وقد كان هذا الاستهداف للمسلمين، كمسلمين، هو السبب الأساس في الشكوى القانونية المقدَّمة من النائب العام في ولاية واشنطون، روبرت فيرجسون، ضد الرئيس ترمب وحكومته.

    طلب فيرجسون من قاضي المديرية في مدينة سياتيل بولاية واشنطون، جيمس روبارت، إعلان عدم قانونية الأمر التنفيذي الرئاسي وعدم دستوريته. ودعم فيرجسون طلبه نيابة عن ولاية واشنطون بتقديم تسع بينات مستندية تثبت أن الرئيس ترمب بل قصد “المسلمين”، كمسلمين، بقرار الحظر من دخول أمريكا، وبيَّن فيرجسون أن ذلك التمييز على أساس الدين يخالف مواد قانون الهجرة والجنسية ويخالف مواد الدستور الأمريكي، ودفع فيرجسون أيضا بأن حظر المسلمين مواطني الدول السبع المستهدفة تسبب في الضرر للشركات والجامعات في ولاية واشنطون، وأنه أضر بالعلاقات الأسرية لأشخاص مقيمين بالولاية. أي، إن الولاية ذاتها تضررت من الأمر التنفيذي الرئاسي الذي أصدره ترمب. وقد دعمت بعض كبرى الشركات مثل أمازون دعوى الولاية ضد ترمب.

    تلك كانت القضية الأساس التي تقدمت بها فيرجسون النائب العام لولاية واشنطون، موضوعها طلبه من المحكمة إعلان عدم دستورية قرار الرئيس ترمب.

    (3)

    طلب ولاية واشنطون إجراءات تحفظية لإيقاف تنفيذ الأمر مؤقتا

    ثم تقدم النائب العام فيرجسون، في سياق قضيته الدستورية الأساس، بطلب إجراءات تحفظية، لكي يصدر القاضي “أمرا تحجيميا وقتيا” (temporary restraining order) لإيقاف تنفيذ الأمر التنفيذي الرئاسي، ريثما يتم الفصل في الدعوى الأساس المطالِبة بإعلان عدم دستورية الأمر التنفيذي الرئاسي ذاته.

    أي، إن وقف تنفيذ الأمر التنفيذي الرئاسي سيكون وقتيا. وهو طلب منفصل يأتي في سياق القضية الدستورية الأساس.

    (4)

    المراجعة القضائية على الطريقة الأمريكية

    الموضوع هنا متعلق بعقيدة “المراجعة القضائية”، وهي من إبداع القانون العام الأمريكي.  فمن سلطات القضاة الفيدراليين، ابتداء من قاضي المديرية الفرد، إعلان أن قرارا حكوميا، حتى لو كان من رئيس الجمهورية، مخالف للدستور، ومن ثم يمكن للقاضي إبطال مفعول هذا القرار في جميع أرجاء أمريكا.

    وتنطبق المراجعة القضائية أيضا على أي قانون يصدره الكونجرس، فيمكن للقاضي أن يفصل فيما إذا كان القانون دستوريا. وكله من الفهم الأمريكي لمبدأ الفصل بين السلطات، وللقضاة فقط حق تفسير الدستور في حال وجود اختلاف بين السلطات الثلاث، والرأي النهائي في التفسير للمحكمة العليا.

    (5)

    القاضي يوقف مؤقتا تنفيذ الأمر الرئاسي بحظر المسلمين من دخول أمريكا

    وافق قاضي المديرية جيمس روبارت على طلب ولاية واشنطون لـ “الأمر التقييدي الوقتي” الذي تم به إيقاف تنفيذ الأمر التنفيذي الذي كان أصدره الرئيس ترمب.

    فلمتابعة هذه القضية التي تهم السودانيين، خاصة حملة التأشيرات الذين يسابقون الزمن لدخول أمريكا، يتعين فهم الفرق بين “الأمر التقييدي الوقتي” (Temporary Restraining Order)، من جهة، وما يسمى “الأمر المنعي الابتدائي (Preliminary Injunction)، من جهة أخرى. الأول يمكن منحه للحيلولة دون وقوع ضرر ماثل ووشيك، ويمكن للقاضي منحه دون إعلان الطرف الآخر. وهو يسري لمدة قصيرة، ربما مدة أسبوعين فقط، وله بالطبع شروط صارمة، أهمها إقناع القاضي بوجود خطر وشيك لا يمكن عكسه إن حدث. أما الأمر المنعي الابتدائي فهو لتثبيت الأمور على ما هي عليه ريثما يتم الفصل في الدعوى.

    (6)

    ترجيح نجاح القضية الدستورية ضد ترمب وحكومته

    ارتكز القاضي روبارت في إصداره “الأمر التقييدي الوقتي” على تقديره أن الدعوى الدستورية الأساس من ولاية واشنطون لها خصائص تذهب في اتجاه يرجِّح نجاحها. وذلك شرط لإصدار كل أمر تقييدي وقتي. ومن ثم كان إصدار هذا القاضي جيمس روبارت “الأمر التقييدي الوقتي” بشيرا أن القضية الدستورية الأساس ستنجح.

    وجه القاضي بذلك الأمر التقييدي الوقتي جميع موظفي الهجرة، في طول الإمبراطورية الأمريكية وعرضها، في خمسين ولاية، بعدم تنفيذ الأمر التنفيذي الصادر من الرئيس ترمب. ووجههم القاضي بالإحجام فورا عن تنفيذ أمر الرئيس. وطلب القاضي من وزارة العدل تقديم ردها على القضية الدستورية الأساس.

    أي، إن قاضي المديرية الفرد في المحكمة الفيدرالية بمدينة سياتيل أوقف تنفيذ قرار الرئيس ترمب، في أمريكا كلها. مما هو من سلطاته كقاض فدرالي (فهنالك قضاة الولايات الذين ليست لهم هذه السلطات). وكقاض فدرالي، فإن ولايته مدى الحياة “ما دام سلوكه قويما” (in good behavior).

    (7)

    فلنتذكر بالمقارنة بعض القضاة الفاسدين في السودان

    أردت تبيين هذه النقاط القضائية وفي ذاكرتي القضاة اللصوص الذين عرفتهم مباشرة، بأسمائهم، في السلطة القضائية السودانية الفاسدة، وكنت كتبت عنهم في سودانايل. فقاضي المديرية district judge جيمس روبارت الذي أوقف تنفيذ الأمر التنفيذي الذي كان أصدره الرئيس ترمب، هذا القاضي هو المقابل للقاضية الإسلامية الفاسدة كوثر عوض عبد الرحمن التي كانت كذلك مثله “قاضية مديرية”، لكن في المحكمة العامة بالديوم الشرقية.

    وكنت ألقيت القبض على كوثر متلبسة باقتراف جرائم الاحتيال والتزوير في الأوراق واصطناع المستند وتقديم البينة المختلقة لمحكمة الاستئناف، وبسبب فسادها، ولابد قسمتها ريع النهب والابتزاز والرشاوى مع المتنفذين في السلطة القضائية، تمت ترقيتها إلى قاضية استئناف في الخرطوم بحري. بينما ظل القاضي روبارت الذي كان يوما محاميا “قاضي مديرية” فقط! فالحلقات متصلة دائما.

    (8)

    سريان تنفيذ قرار القاضي روبارت

    هكذا، بذلك الأمر القضائي التاريخي، تم السماح للمسلمين من الدول السبعة، وبينها السودان [الدولة الراعية للإرهاب]، بدخول أمريكا. وتم استئناف العمل في برنامج إدخال اللاجئين السوريين إلى أمريكا. وتحقق تثبيت منع إعطاء أولوية  للمسيحين من بين اللاجئين من الدول السبع، أي عدم التمييز بين مسلم ومسيحي عند الاختيار لإعادة التوطين في أمريكا.

    كذلك أعادت وزارة الخارجية تفعيل ستين ألف تأشيرة كانت ألغتها سرا أثناء ذات الوقت الذي كانت تدور فيه الإجراءات في المحكمة بمدينة سياتيل. وقد وصف أحد أساتذة القانون بجامعة هارفارد هذه الفعلة السرية بأنها ترقى إلى الإساءة إلى المحكمة.

    (9)

    سياق إصدار قرار القاضي روبارت

    يجب أن نتذكر أن لقرار القاضي بمنح “الأمر التقييدي المؤقت” لوقف تنفيذ أمر ترمب سياق تاريخي اجتماعي ونفساني. ذلك بصرف النظر عن أسباب القرار في القانون والسوابق والدستور. ويتعلق هذا السياق المؤثر في القرار بالخجل القومي لدى الأمريكيين بشأن ماضيهم في منع يهود من دخول أمريكا وهم كانوا فارين من النازية. وتم مرارا في المحادثات العود لهذا الموضوع المؤرق.

    وكذا يتعلق السياق بالخجل القومي من قرار السلطات الأمريكية احتجاز “الأمريكيين من أصل ياباني” في معسكرات اعتقال أثناء الحرب العالمية الثانية.

    كذلك جاء القرار القضائي في سياق المظاهرات الشعبية التي اندلعت في مئات المدن الأمريكية تنادي بالسماح للمسلمين الأجانب واللاجئين المسلمين بدخول أمريكا. وكان المتظاهرون من مختلف الديانات والألوان والهويات العرقية والميول الجنسية، نساء ورجالا وشبابا، ومنهم من جاء مع أطفاله في الثامنة والعاشرة لتثقيفهم بأهمية قبول المسلم الأجنبي وأهمية التعاطف الإنساني مع هذا المسلم الأجنبي حين يأتي لاجئا إلى أمريكا.

    ولابد أن القاضي تأثر بهذه المشاهد الرائعة غير المسبوقة في تاريخ أمريكا وقد خرجت الجموع في أكثر من مئة مطار في مدن أمريكا للترحيب بـ “المسلمين” الذين يرفضهم ترمب بدعوى همه بحماية الأمن القومي الأمريكي من “الإرهاب الإسلامي الراديكالي”، وهي لغته radical Islamic terrorism.

    (10)

    غضب الرئيس ترمب من القاضي روبارت

    غضب الرئيس ترمب من قاضي المديرية جيمس روبارت، وفي تغريدة أشار ترمب إلى القاضي جيمس روبارت بــ “ما يُسَمَّى بقاضٍ”، ووصف القرار القضائي بأنه “سخيف”، ووعد مؤيديه أن القرار سيتم رده عند استئنافه!

    (11)

    وزارة العدل تستأنف قرار القاضي روبارت

    في ليلة السبت وفي الساعات الأولى من صباح الأحد 5/2/2017، تقدمت وزارة العدل الأمريكية بطلب مستعجل لدى محكمة الاستئناف الفدرالية في الدائرة التاسعة (مقرها في سان فرانسيسكو بكاليفورنيا). ومثل هذا الطلب المستعجل يستلمه ثلاثة قضاة الكترونيا في حواسيبهم الشخصية في أي وقت على مدار الساعة في أي يوم حتى خلال العطلات، ويوجد موظفون بالمحاكم مختصون بتنبيه القضاة إلى وصول مثل هذا الطلب المستعجل للتو.

    طلبت وزارة العدل من القضاة الثلاثة في الدائرة رد أمر القاضي جيمس روبارت والتوجيه بالعود إلى تنفيذ الأمر التنفيذي الرئاسي كما هو. وقدمت وزارة العدل أسبابها للاستئناف في لغة قوية. وذهبت إلى أن ولاية واشنطون ليس لديها وضع قانوني standing لرفع الدعوى الأساس أصلا، بحجة أن الولاية لا تمثل المسلمين المستهدفين بالحظر، وبحجة أنها كولاية لم يقع عليها ضرر.

    وكذا دفعت وزارة العدل في استئنافها بأن الرئيس الأمريكي له سلطات بتخويل قانوني لإصدار ما يراه من قرارات بشأن الهجرة، وأن هذه القرارات من الرئيس “لا تخضع للمراجعة القضائية”. وأنه لا يجوز للسلطة القضائية أن تتغول على سلطات الرئيس بالتعقيب على قراراته التي يعطيه القانون حق إصدارها.

    (13)

    محكمة الاستئناف تؤيد قرار القاضي روبارت وترفض طلب وزارة العدل

    فجاء الرد سراعا. أيد القضاة الفيدراليون الثلاثة في محكمة الاستئناف “الأمر التقييدي الوقتي” الذي كان أصدره زميلهم قاضي المديرية روبارت. وبذلك رفضت محكمة الاستئناف طلب وزارة العدل إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل ذلك الأمر الوقتي. أي، رفض القضاة السماح بتنفيذ الحظر ضد الدول السبعة، ورفضوا إلغاء برنامج اللاجئين السوريين، ورفضوا أيضا إعطاء أولوية للاجئين السوريين المسيحيين في مقابل اللاجئين السوريين المسلمين.

    (14)

    محكمة الاستئناف توجه الطرفين بتقديم مذكرات إضافية للاستئناف

    ثم وجهت محكمةُ الاستئناف وزارةَ العدل المستأنِفة وولايةَ واشنطون المُستأنَف ضدها بتقديم مذكرات في موعد أقصاه [غدا] يوم الإثنين 6/فبراير/2017 بشأن النزاع القانوني.

    وذلك يعني أنه سيتعين على وزارة العدل، لكي تنجح، أن تبين أن “ضررا لا يمكن عكسه” سيحدث بسبب الأمر القضائي الوقتي، مما بالطبع يعني أيضا أن على وزارة العدل إثبات أن فترة إيقاف الأمر التنفيذي الرئاسي على مدى الأيام القليلة الماضية بعد قرار القاضي روبارت تسببت في إحداث ضرر للأمن الأمريكي لا يمكن إصلاحه، وهي حجة ترمب ابتداء.

    ويعني قرار محكمة الاستئناف أيضا أنه سيتعين على حكومة واشنطون أن تبين أن قضيتها الأساس يُرجَّح نجاحُها، على أساس أهليتها القانونية والوقائعية، وأن تبين أيضا أن ضررا لا يمكن عكسه سيتأتى من تنفيذ الأمر التنفيذي الرئاسي.

    (15)

    ترمب يغرد مجددا

    ما أن خيبت محكمة الاستئناف أحلام ترمب ووعده لمؤيديه أن قرار القاضي أول درجة سيتم إلغاؤه، حتى عبر ترمب عن استيائه في أكثر من تغريدة. وتحسر ترمب على أمريكا التي أصبح القضاة فيها يسلبون سلطات الرئاسة. وحذر من أنه لو وقع حادث إرهابي جراء فتح الأبواب لهذه الجموع الأجنبية سيتحمل القضاة والمحاكم المسؤولية.

    (16)

    الطريق إلى المحكمة العليا

    يبدو أن هذا النزاع سيجد طريقه إلى المحكمة العليا، خاصة في سياق وجود قرار قضائي مخالف من محكمة في بوسطون، وبسبب توقع أحكام قضائية إضافية من الولايات.

    فإن قبلت المحكمة العليا النظر في القضية سينتهي الأمر لصالح ترمب أو ضده. إلا إذا كانت النتيجة 4 ضد 4 حسب الانقسام الحزبي في المحكمة العليا (إذا لم يتم قبول القاضي المرشح من قبل ترمب). حينئذ، يتم اعتماد قرار محكمة الاستئناف.

    بالرغم من أن القاضي روبارت تم تعينيه بواسطة جورج بوش، إلا أن أغلبية القضاة في محكمة الاستئناف من الديمقراطيين.

    في المقالات التالية أقدم ثلاثة أخطاء شنيعة انطوى عليها الأمر التنفيذي الرئاسي بشأن السودان:

    استثناء موظفي الإنقاذ حملة الجوازات الدبلوماسية من الحظر؛

    عدم تمييز الأمر الرئاسي بين السودانيين ضحايا إرهاب الإنقاذ من جهة، والسودانيين عملاء نظام الإنقاذ المقيمين في أمريكا، من جهة أخرى؛

    عدم إدراك ترمب وحكومته الفروق الجوهرية بين “المسلم”، و”الإسلام”، و”الإسلامية”.

    ….

    عشاري أحمد محمود خليل

    سياتيل، ولاية واشنطون.

    ………………

    (2)

    أولا، الحدث القضائي الأمريكي

    (1)

    فيتعين علينا نحن السودانيين، ولا يشمل ذلك المثقفين الإسلاميين أو حلفائهم العسكر، وأستثني من الإقصاء شباب الحركة الإسلامية المخدوعين يعيشون الوهم أن الحل في الإسلام، فيوجد أمل في كل شابة وشاب، يتعين علينا متابعة تطورات الحدث القضائي-السياسي الأمريكي المتعلق بالأمر التنفيذي الرئاسي لحظر المسلمين من سبع دول بينها السودان من دخول أمريكا. وأن تكون المتابعة فعلا سياسيا مشغولا بالمقاومة ضد نظام الإنقاذ.

    أي، أن نعتمد هذا الحدث القضائي-السياسي، هو أصلا يهمنا، منصةً ننطلق منها لتركيز الضوء مجددا على طبيعة نظام الإنقاذ كالدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة، بالإضافة إلى أنها كذلك دولة إرهابية، بالدرجة الأولى ضد السودانيين في الداخل، وعلى مستوى آخر من حيث إنها مقبوض عليها وتخضع للمساءلة وللعقوبات بسبب أفعال إجرامية اقترفتها في مجال الإرهاب الدولي.

    (2)

    فالفكرة هي أن ننظر في هذا الحدث الأمريكي، وفي كل حدث خارجي مماثل، من منطلق علاقته بمشكلاتنا الحياتية الملحة، أي علاقته بنا كسودانيين في داخل السودان أو في دول المهجر والمنافي. وكسودانيين، تظل مشكلتنا الحياتية المحورية هي هذه “الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة”، الدولة التي لم يأت بها إله، بل خلقها وركبها تركيبا أشخاص محددون بأجسادهم وبأسمائهم وبأفعالهم وسلوكياتهم، هم المثقفون الإسلاميون أعضاء الحركة الإسلامية السودانية المتفقون جنائيا مع حلفائهم العسكر فيما يسمى بـ “الجيش الوطني.

    وهذا “الجيش الوطني” لا يعدو كونه تجمعات مليشيات الحزب والحركة، منها كتائب المرتزقة المستأجرة لدى الملوك والشيوخ العرب لتنفيذ العدوان على شعب اليمن، وعلينا أن نتذكر دائما هذا العدوان الإسلامي المنطلق من أرض السودان لترويع مواطنين يمنيين وتقتيلهم.

    وهنالك في “الجيش الوطني” مليشيات حميدتي المستأجرة بأموال دول الاتحاد الأوربي لغرض ترويع فقراء أفريقيا في حركتهم التاريخية سعيا في الأرض لإعطاء معنى لحق الحياة. وحميدتي عميل هذه الدول الأوربية لا يفهم دور الاستعمار الأوربي القديم والجديد في خلق ظاهرة حركة الفقراء العبر-حدودية، ولا يفهم الظاهرة ذاتها أو علاقتها بمثل جرائم الطاغية عمر البشير محل عجب حميدتي. فالحلقات كلها متصلة، والموضوعات هي هي، من اليمن، إلى حميدتي، إلى أوربا، إلى محكمة الاستئناف في سان فرانسيسكو التي تنظر في أمر ذي علاقة بإرهاب نظام الإنقاذ.

    كل ما علينا فعله هو كشف مسارات الخيوط التي تربط بين الوقائع والأحداث، فنجدها تعيدنا إلى ركزة إجرام الإسلاميين السودانيين.

    فالحلقات كلها متصلة، والموضوعات هي هي، من اليمن، إلى حميدتي، إلى محكمة الاستئناف في سان فرانسيكو التي تنظر في أمر ذي علاقة بإرهاب نظام الإنقاذ. كل ما علينا هو كشف مسارات الخيوط التي تربط بين الوقائع والأحداث، وهي ستعيدنا إلى رِكزة إجرام الإسلاميين السودانيين.

    (3)

    أي، إنه يمكن لنا الإمساك بطبيعة هذه الدولة الإسلامية الإرهابية في ماديات متعددة مُجَسْدَنة في هذه الكيانات البشرية المحددة، أي، في “الإسلاميين” أهل الإنقاذ، وكذا في أعوانهم العسكر وقادة المليشيات القبلية، كذلك هؤلاء “إسلاميون”، فالإسلامية تتغير وتتبدل لتوائم كل وضعية مستحدثة، لكن جوهرها يظل كما هو. وما الإسلاميون إلا هؤلاء أهل الإنقاذ الذين يعرفهم أهل السودان، ويجب أن ننظر إليهم كأجساد فاعلة ذات نوايا شريرة وأيد شريرة، وألا نحيل البصر عن ماديتهم إلى أفكار مجردة أو تجريدية.

    (4)

    ولا صحة لتعبيرات مثل “إسلاموِيون”، أو “متأسْلِمون”، أو “المستغِلون للدين”، مما سآتي إليه بالتفصيل في مقال لاحق. أكتفي الآن بتقرير مبدئي أن هذه اللغة التزويقية تخفي تحتها الحقيقة التي يتهرب منها أصحاب هذه العبارات. فما يخفونه باللغة وفيها هو حقيقة أنه لا أمل في إيجاد بديل إسلامي فاضل أو أفضل يحل محل الأنموذج المستفظع وهو التجربة الإسلامية السودانية المتمثلة في نظام الإنقاذ.

    فأصحاب التعبيرات التزويقية لا يريدون التخلص مع هذا الوهم القار في الأدمغة يدغدغ مشاعرهم أنه لابد يوجد حل في الإسلام لكارثة السودان، هنالك في الأفق، دائما بعديا هناك في الأفق، بينما كله سرابيات وأضغاث أحلام.

    (5)

    فالأنموذج الإنقاذي يظل سليماً وصادقا في إدراجه “الصحيح” للشريعة الإسلامية في نظام الحكم وفي المؤسسات وفي تحشره في الحياة الخاصة. وكل من يريد إدراج الشريعة الإسلامية الصحيحة، في مؤسسات الدولة ونظام الحكم، أو هو يريد إدراج الإسلام الصحيح، كما الإسلام مكتوب في النصوص المعروفة غير المختلف بشأن صحتها المعقولة، هذا المريد يجد كل ذلك مترجما في ممارسات نظام الإنقاذ منذ العام 1989 وحتى يومنا هذا، ويجده في ممارسات الحركة الإسلامية قبل ذلك منذ الخمسينات من القرن الماضي.

    ولا فرق جوهري بين شريعة الإنقاذ والشريعة التي اعتمدتها الدولة الإسلامية منذ نشأتها وعبر التاريخ في آسيا وأروبا وأفريقيا. جميعها هذي أشكال الدولة الإسلامية كان ضروريا لها، بل حتميا، تعبئة الإرهاب والعنف والقهر لفرض الشريعة الإسلامية فرضا. ولا يمكن أصلا إلزام الذين ولدوا بمحض الصدفة في دولة قال بعض أشخاص إنها السودان، فدولة ذات سيادة، لا يمكن إلزامهم بقبول الشريعة الإسلامية. لذا كان القهر الإسلامي ضروريا.

    (6)

    باختصار، لا توجد أصلا شريعة “أخرى” أفضل من هذه التي يطبقها الإسلاميون السودانيون في نظام الدولة والمؤسسات وفي ترتيبهم الحياة الخاصة. ولا يمكن تطبيق الشريعة بصورة صحيحة إلا بذلك إرهاب الدولة للمواطنين وبزرع الخنوع والوهم في أذهان الشباب. وكله أمامنا في اللغة نفهمه ونحلله ونفسره، وهو ليس فقط في التاريخ، وإنما كذلك موجود بين أيدينا في ماديته الحاضرة، ولا يتطلب الإمساك به أكثر من الإشارة إلى وجودية الإسلاميين السودانيين وأفعالهم ومجمل تجربتهم في صناعة الإجرام والفساد.

    وإن أردت إسلامية الصادق المهدي، فاقرأ الأرشيف. كذلك تجد ذات ازدراء القانون، وتجد الجرائم العالمية، والفساد، والعنصرية، وضيق الأفق، والتعصب الديني الأعمى.

    (7)

    إنَّ نظرَنا في أية قضية خارجية، مثل الحدث القضائي-السياسي الأمريكي الراهن موضوع هذه المقالات، يجب أن يستدعي بالدرجة الأولى مشكلتنا في الدولة الإسلامية الإجرامية الفاسدة ونزاعنا معها.

    ويتعين أن ندرك دائما أن الانفعال بالقضايا الخارجية في العالم لا يعني أن نتعامل معها كأحداث طريفة، بل يجب أن نستعصر من الملاقاة مع هذه الأحداث الخارجية إلهاما عن كيفية مقاومة إجرام الإسلاميين السودانيين في الداخل، في السودان، وعبر الحدود الدولية.

    ويتعين أن نفعل ذلك دون أن تضيع منا بوصلة الأخلاق. فلا نؤيد ترمب، أو أي أجنبي آخر، حين يستهدف هذا الأجنبي هؤلاء الإسلاميين. وكذا يجب ألا نقع في الخطأ الشنيع بتقييم كل استهداف أجنبي لنظام الإنقاذ على أنه استهداف للوطن أو للسودانيين، حتى لو كان هذا الاستهداف جاء من إسرائيل ضربت بطائراتها القصر الذي يقبع فيه عمر البشير، ذلك الفار من العدالة.

    يجب أن نعتمد لزوم القطيعة الشاملة مع الإسلاميين في السودان، وأن يكون الهم الوحيد إزاءهم تجريدهم من كل شرعية يدَّعونها بالاحتيال، والعمل على إنهاء دولتهم الإجرامية، دائما بالمقاومة السلمية المستمرة، المقاومة غير المهمومة بإطار زمني.

    فما نريد بالإسلاميين بعد دارفور؟ ولنتذكر أن الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية ليست مجرد كلمات يمكن طمس معانيها في هراء تصريحات من يسمى بنائب رئيس، إبراهيم محمود حامد، تصريحاته الكاذبة عن “نهاية الحرب في دارفور والمنطقتين”، وعن “مستقبل مشرق”.

    يجب أن تكون الإجابة صريحة، فما نريد بالإسلاميين وبين أيدينا هذي مسارح جرائمهم في كل مكان، وهذي أكاذيبهم؟

    (8)

    أردت بهذه المقدمة الطويلة، فحديث السودان متشعب، تغزير فهم الحدث القضائي-السياسي الأمريكي في شقه المتعلق بنا، كسودانيين. وهو حدث قد ننسى أنه بل كذلك يتعلق بإجرام الإسلاميين السودانيين، وهو حدث ما كان لتكون لنا هذه العلاقة به لولا إجرام هؤلاء الإسلاميين.

    أستخدم عبارة “الإجرام” ومشتقاتها بالمعنى القانوني المتعارف عليه، وبالمعاني السارية في اللغة الشعبية، والأخيرة أقوى من الأولى وأدخل في توصيف الإسلاميين، لأنها تأتي بخصائصها الأخلاقية.

    أريد مساعدة القارئ في السودان لمتابعة أبعاد هذه القضية في تطورها المستمر. فبفهم مكونات هذه القضية وتداعياتها، ندرك النتائج المأساوية وأشكال الضرر التي أوقعَنا فيها إجرامُ الإسلاميين اندراجهم في منظومات الإرهاب الدولي.

    ثانيا، الموقف في محكمة الاستئناف الأمريكية ودلالاته لنظام الإنقاذ

    (1)

    اكتملت في يوم الثلاثاء 7 فبراير لدى محكمة الاستئناف الفيدرالية المرافعات من قبل وزارة العدل المستأنِفة وهي المدعى عليه، ومن قِبل ولاية واشنطون المسـتأنَف ضدها وهي المدعية. وسيُصدر القضاة الثلاثة قرارهم في وقت قريب لن يتجاوز الأسبوع. ومن ثم يُتوقع أن يطلب الخاسرُ من المحكمة العليا قبول طعنه في قرار محكمة الاستئناف، وليس مضمونا أن تقبل المحكمة العليا النظر في طعن، مما سيثَبِّت قرار محكمة الاستئناف أيا كان.

    أمريكا تحبس أنفاسها في انتظار حكم محكمة الاستئناف. وقد شهد الأمريكيون جِرسة ترمب يوم أمس بعد أن شاهد البث الصوتي المباشر لإجراءات المحكمة في التلفزيون.

    ولنتذكر القضاة الفاسدين في محكمة الاستئناف بالخرطوم فادية وآسيا وإبراهيم ونادية وإلهام وني وبكر، صورتهم في غرفة مظلمة يتدولون سرا في الكيفية التي يمكن بها تلفيق القرار القضائي، وكيف تكون قسمة الرشوة. جميعهم أعضاء العصابتين تمت ترقيتهم إلى المحكمة العليا. كانوا يزورون القانون، ويدمرون الوقائع، ويكذبون، ويشوهون الوقائع، ويتصنعون أنهم لا يعرفون القانون.

    أدرك ترمب أن القانوني ممثل وزارة العدل لم يكن قادرا على الرد على أسئلة القضاة، بل أقر هذا القانوني أنه مدرك أنه غير قادر على إقناع القضاة. وكانت الفاجعة حين دفع هذا القانوني بأن قرارات الرئيس بشأن الهجرة لا معقب عليها، فسألته القاضية التي كان جاء بها أوباما أتقصد أن تقول لنا إن قرارات الرئيس لا تخضع للمراجعة القانونية؟ فسكت المحامي طويلا وقال نعم! وتلك كانت كارثة.

    وبالرغم من أن القرار لم يصدر، غرد ترمب انتقاده للقضاة وتأسى مجددا لحال القانون. لكنه استثنى من انتقاداته القاضي الجمهوري الذي كان واضحا أنه يقف في صف ترمب. ثم عبَّر ترمب عن الأسى لحال القضاة وانتقدهم مرة أخرى في محاضرة له يوم أمس أمام ضباط الشرطة.

    فترمب قرأ من أسئلة القاضيين الديمقراطيين الموجهة لممثل وزارة العدل أنهما سيحكمان ضده بالأغلبية. بينما يظل الأمر معلقا غير قابل للتنبؤ بنهايته.

    (2)

    فالنقطة التي أريد تبيينها هنا هي أن المحامي ممثل وزارة العدل ركز على موضوع سيؤرق الإسلاميين في نظام الإنقاذ، مما يعطي مؤشرات إضافية إلى أن حكومة ترمب لن ترفع اسم السودان، وهو نظام الإنقاذ، من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وذلك بصرف النظر عن نتيجة فصل المحاكم الأمريكية في الأمر التقييدي الوقتي أو في القضية الدستورية ذاتها.

    (3)

    على سبيل المثال، لن يستفيد نظام الإنقاذ من دفع ولاية واشنطون، المتحدية للأمر التنفيذي، بأنه لم تحدث داخل أمريكا أية واقعة هجوم إرهابي منذ أحداث سبتمبر 11 في العام 2001 بواسطة أي شخص من رعايا هذه الدول السبع المحظورة، ومنها السودان.

    ولابد أن الإسلاميين كانوا يتعلقون بهذه الحكاية التي يتم تردادها في خطاب المعارضين الأمريكيين لترمب. لكن المعلومة ذاتها ليست صحيحة إلا شكليا. فلاحظ تحصين خطاب مرددي الحكاية أعلاه بحصر المعلومة في الزمان والمكان وفي اللغة ذاتها. فما أن نوسع في المدى الزماني وفي امتدادات المكان، وما أن نفكك اللغة، حتى نجد أن الإنقاذ اقترفت باسم السودان عدة أفعال تتعلق بهجمات وبدعم عمليات إرهابية. مما كان تسبب أصلا في وضع إسلاميي الإنقاذ في قائمة الدول الراعية للإرهاب.

    فقد كان أسامة بن لادن في السودان قبل أحداث سبتمبر 11. وكانت العملية الإرهابية ضد حسنى مبارك في أثيوبيا وليس في أمريكا، كذلك كانت في العام 1995قبل أحداث سبتمبر، لكنها ارتبطت مباشرة بمصالح أمريكا وقد كان حسني أحد عملاء أمريكا في الشرق الأوسط.

    والصحيح هو أن الإنقاذ اقترفت ما يكفي من الأفعال الإرهابية الدولية، وكذا المحلية، لتستحق مكانها في القائمة الأمريكية. ولا تغير من ذلك هذه الحجة التي أسعدت الإنقاذيين وقالت بعدم مشاركة أي سوداني في عملية إرهابية في أمريكا منذ أحداث سبتمبر، وإن السودانيين مثلا لم يشاركوا في أحداث سبتمبر.

    (4)

    فبالرغم من أن الدفع بواسطة ولاية واشنطون صحيح من حيث الشكل ومن حيث تقييده مكانا وزمانا ولغة، إلا أن ممثلي ترمب يظلون يرفضونه، وهم ظلوا يرددون أمام محكمة الاستئناف، وفي الإعلام أيضا، أن هذه الدول السبعة، ومن بينها السودان، “تظل تمثل خطرا على أمريكا”. وهم يرددون أن الكونجرس الأمريكي هو الذي كان أصلا حدد هذه الدول كمحل الخطر ضد أمريكا، ولابد من أسباب لذلك التحديد.

    وكله يدعم قراءتي أنه لن يتم رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما دام النظام الراهن قائما.

    (5)

    هذه القراءة مشدودة كذلك إلى الفهم الصحيح في دوائر الإعلام الأمريكية الكبرى لمشاعر ترمب ضد المسلمين والإسلام. ومشاعرُ ترمب متحدرة من مشاعر مستشاره السياسي فيلسوف الترمبية ستيف بانون. فلن يقبل ترمب وبانون رفع اسم هذه الدولة الشقية السودان من قائمة الثلاث دول الراعية للإرهاب.

    والقراءة مشدودة أيضا إلى الفهم الخاص لدى ترمب ومستشاره السياسي، فهمها للعلاقة اللصيقة بين “الإسلام” و”الإرهاب”، وهي علاقة أراها تجد لديهما أقوى تجليات ماديتها في “الإسلامية”، كالعقيدة السياسية للدولة المحددة، هنا السودان، أو لحركة إسلامية متطرفة، مثل داعش، وكلتاهما الدولة والحركة سيان في موضوع الإرهاب محل النظر، ويجمع بينهما إدراج الشريعة الإسلامية في الحكم وفي ترتيب الحياة الخاصة للمواطنين تحت سيطرتهما، بالإضافة إلى أنهما الدولة والحركة محط احتقار حكومة ترمب، بالضرورة، بعلة ذلك موقف ترمب ومستشاره السياسي وأهم أعضاء حكومته إزاء هذه الدول الإسلامية السبعة.

    قد تكون العراق هي الدولة الوحيدة، من بين السبع دول المستهدفة بالأمر التنفيذي الرئاسي، التي أتوقع استثناءها من الأمر لتكون الدول ستة فقط، والعراق ليست مثل السودان مصنفة عند الأمريكيين كدولة راعية للإرهاب، وكذا للأمريكيين وجود عسكري كبير في العراق في سياق حربهم ضد داعش.

    وما أضاف ستيف بانون العراق إلى القائمة أصلا إلا بسبب أن بانون لا يريد أن يأتي أي لاجئ عربي مسلم إلى أمريكا، وهو قالها في عبارات تشبه عبارات الطيب مصطفى عن المواطنين من جنوب السودان، قبل الاستقلال وانتهاء الاستعمار العربي الإسلامي.

    فقد أدرك ستيف بانون ان الأمريكيين يرون أن العراقيين الذين ساعدوا الأمريكيين في العراق مؤهلون للسماح لهم بدخول أمريكا، وهم في عداد الآلاف، مما يرفضه بانون لا يهمه أن العراقيين المترجمين وبقية المتعاونين الذين كانوا قدموا مساعدات مقدرة للأمريكيين عرَّضوا أنفسهم للخطر وللرفض من قبل قطاعات عديدة في المجتمع العراقي تعتمدهم عملاء لأمريكا.

    وكان الأمريكيون مستغربين لجحود حكومة ترمب التي أرادت ترحيل المترجم العراقي ورده على أعقابه إلى العراق بعد وصوله مطار نيويورك.

    ثالثا، في إثبات تحامل ترمب ضد المسلمين

    (1)

    صحيح أنه يوجد تخليط في دماغ ترمب وفي دماغ مستشاره السياسي بانون بين فئات “المسلم” و”الإسلام” و”الإسلامية”. وتظل معرفتهم بهذه الفئات الثلاث ضعيفة للغاية، مما سأعرض له في مقال تال.

    المهم أن ندرك أن أمريكا إمبراطورية ذات تعقيدات، وأن ترمب لا يمثل أمريكا بأكملها، كما لا تمثلها كلينتون أو المجموعة الليبرالية التي تنتقد ترمب ليل نهار.

    فيما يلي البينات المستندية التي كانت ولاية واشنطون قدمتها لدى المحكمة الابتدائية، ثم دار بالأمس جدل متكثر حولها بين محامي ولاية واشنطون وأحد القضاة في محكمة الاستئناف. وتعلقت هذه البينات المستندية التي قدمتْها ولاية واشنطون بإثبات أن ترمب متحيز ومتحامل ضد المسلمين كمسلمين. وهو جوهر القضية الدستورية، أن الأمر التنفيذي الرئاسي مدفوع بالعداء ضد المسلمين، وأنه يميز بينهم والآخرين، وأنه يضر بالولاية فيما يتعلق بالمسلمين المقيمين فيها ويعملون في الشركات وفي جامعة واشنطون التي تتلقى الدعم المالي من والولاية.

    (2)

    ولأني كنت في المقال السابق تحدثت بصورة عامة عن موقف الرئيس ترمب ضد المسلمين، أدعم ذلك التحليل بهذه البينات، وكلها بينات مستندية، أفضل البينات، وتم تقديمها بواسطة حكومة واشنطون إلى محكمة المديرية ومحكمة الاستئناف لإثبات تحامل ترمب ضد المسلمين ولإثبات مقاصده إقصاء المسلمين الأجانب من أمريكا.

    (3)

    سيكون لهذه البينات دور في الفصل في الدعوى. فقد ظل القضاة في محكمة الاستئناف يثيرون القاعدتين الدستوريتين عن “الحماية المتساوية” equal protection، وعن منع الكونجرس تكريس أي دين أو إصدار أي قانون ديني، establishment clause.

    ولهذه البينات المستندية التسع التالية دور في إثبات ما إذا كان ترمب خرق الدستور حين أسس أمره التنفيذي الرئاسي لحظر دخول الأجانب إلى أمريكا على أساس ديني، وعلى أساس متعلق بموطن المتقدمين للتأشيرات.

    (4)

    لكن غرضي الإضافي من استعراض هذه البينات هو تبيين أن ترمب لن يقبل رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. فالبينات تتيح كوة ننظر من خلالها إلى الطريقة التي يفكر بها ترمب إزاء “الإسلام” و”المسلمين” وما يسميه “الإرهاب الإسلامي الراديكالي”، ومن ثم يمكن أن نستنبط من ذلك الكيفية التي سيكون بها موقفه إذا ما أثير يوما موضوع رفع اسم “السودان” من قائمة الدول الراعية للإرهاب:

    رابعا، البينات المستندية التي تم تقديمها من ولاية واشنطون لإثبات التحامل ضد المسلمين

    (1)

    بتاريخ 7 ديسمبر 2015 أصدر ترمب بيانا صحفيا نادى فيه بـ “تغليق كامل ونهائي ضد المسلمين يمنعهم من دخول أمريكا”. تلك كانت لغة ترمب المحددة التي تم تقديم مستندها إلى المحكمة.

    (2)

    شبَّه ترمب قراره حظر المسلمين من دخول أمريكا بقرار الرئيس الأمريكي روزفلت الذي كان أمر بحجز الأمريكيين من أصل ياباني في معسكرات اعتقال، خلال الحرب العالمية الثانية. وذلك من مظان الخجل القومي الأمريكي، مما هو كذلك مسجل في الفقه القانوني الأمريكي في القضية كوريماتسو ضد الولايات المتحدة. وكانت المحكمة العليا أيدت قرارا أدان كوريماتسو الأمريكي الجنسية من أصل ياباني حين تحدى القرار ورفض الذهاب إلى معسكر الاعتقال. ولا تزال أمريكا تعتذر عن ذلك الحدث.

    (3)

    في العام الماضي 2016، ردد ترمب وعده بـ “حظر جميع المسلمين من دخول أمريكا”، بهذه اللغة، وحدد فترة الحظر لتمتد إلى “ذلك الوقت الذي تصبح فيه أمريكا قادرة على التدقيق في حقيقة الأشخاص الذين يأتون يريدون دخولها”. فأرى هنا أن ترمب يقصد أن يكون الحظر مفتوحا إلى ما لا نهاية، لأن بإمكانه أن يقدر دائما أن ذلك “الوقت” لم يأت بعد.

    (4)

    في مقابلة صحفية معه بتاريخ 24 يوليو 2016 أجاب ترمب بالقول إنه “لا يتراجع عن قراره بشأن حظر المسلمين”، كذلك بهذه اللغة. وقال إنه “سيوسع ذلك الحظر” ضد المسلمين.

    (5)

    في أغسطس 2016. في محاضرة له عن الشؤون الخارجية، قال ترمب إنه سيقرر اعتماد اختبار تدقيقي للتعرف على الأشخاص الذين “يحملون مشاعر عدائية تجاه أمريكا ومبادئها”، وكذا للتعرف على أولئك الذين “يعتقدون أن الشريعة يجب أن تحل محل القانون الأمريكي”، وذلك لتطبيق الحظر من دخول أمريكا عليهم.

    في هذه الكلمة تحدث ترمب عن “التدقيق المتطرف والممعن في التطرف”، في عملية فحص طلبات تأشيرات دخول أمريكا المقدمة من هؤلاء المستهدفين. وأرى المقاصد واضحة، لأن التدقيق الأمريكي الراهن ضد المسلمين والعرب لا مثيل له في التشدد في التدقيق.

    (6)

    27 يناير 2017. في أول مقابلة تلفزيونية له كرئيس، وقبل إصدار الأمر التنفيذي الرئاسي، أشار ترمب إلى ذات خطته المتعلقة بـ “التدقيق المتطرف” [في إشارة لا يمكن فهمها إلا على أنها موجهة إلى المسلمين].

    (7)

    في 27 يناير 2017 أصدر ترمب الأمر التنفيذي وأسماه “الأمر الرئاسي لحماية الأُمة من الدخول الإرهابي الأجنبي إلى أمريكا”. وأدرج ترمب في الأمر التنفيذي الصادر التغييرات الجديدة لسياسة دخول الأجانب [من السبع دول] إلى أمريكا، على النحو التالي:

    • حدد الأمر الرئاسي أن دخول “المهاجرين” (يريدون الإقامة الدائمة في أمريكا) و”غير المهاجرين” (طلاب، سياح، عمال مؤقتون، إلخ إقامتهم مؤقته) من السبع دول إلى أمريكا، وفق قانون الهجرة والجنسية، سيكون “ضارا بمصالح أمريكا”. وأمر ترمب بمنع هؤلاء من دخول أمريكا، على مدى تسعين يوما. وأرى أن المدة كان أصلا مقصودا تجديدها بصورة متكررة. لأنه لن يأتي الوقت الذي ستكون فيه أمريكا قادرة على ملاحظة الخطر الإرهابي ومنعه.
    • جمد ترمب برنامج أمريكا لقبول اللاجئين بأكمله، على مدى 120 يوما. كذلك كان ذلك سيتم تجديده في تقديري، لذات السبب أعلاه.
    • قرر ترمب أن الأولوية في دخول أمريكا ستكون لضحايا الاضطهاد الديني أعضاء الأقليات الدينية في بلادهم [ذات الأغلبية المسلمة]. وهو قصد إعطاء أولوية للمسيحيين.
    • جمد ترمب دخول اللاجئين السوريين إلى أمريكا وحدد أن ذلك دخولهم ضار بمصالح أمريكا. وكان يتوقع إعادة توطين خمسين ألف لاجئا سوريا.
    • حدد ترمب أن الغرض من القرار تحديد “معايير جديدة” لتطبيق تدقيق أشد قسوة وصرامة لفحص طلبات المتقدمين للتأشيرات.

    (8)

    في 27 يناير 2017 أكد ترمب لشبكة إذاعة مسيحية قصده إعطاء أولوية للمسيحيين من الشرق الأوسط للدخول كلاجئين إلى أمريكا.

    (9)

    أثناء حفل التوقيع على الأمر الرئاسي في 27 يناير قال ترمب أمام الصحفيين إن القرار يضع مقاييس جديدة للتدقيق لضمان إقصاء “الإرهابيين الإسلاميين الراديكاليين” بعيدا من أمريكا. وواصل ترمب قائلا: “لا نريدهم هنا!” [هؤلاء المسلمين].

    المستشار السياسي ستيف بانون شبيه حسن الترابي

    (1)

    فواضحة مشاعر ترمب ضد المسلمين، وهي ذاتها مشاعر مستشاره السياسي ستيف بانون الذي كان وراء المحتوى الفظيع في الأمر التنفيذي ووراء اللغة، وقد ساعده قانوني في البيت الأبيض، وتم تمرير النص من قبل الدائرة القانونية في وزارة العدل.

    اليوم يعتبر بانون، وله موقع في مجلس الأمن القومي، الرئيس الحقيقي لأمريكا. وهو مثيل حسن الترابي إلى حد بعيد، في لغته، وأحلامه، واستراتيجياته، وفي نظريته الدينية الكبرى (منظومة القيم اليهودية-المسيحية)، وفي عدم اكتراثه للحقيقة أو للتعقيدات الاجتماعية، وفي أحلامه بـ “الثورة” ضد الأوضاع الراهنة.

    (2)

    ومثل الترابي ينكر بانون أنه عنصري رغم أن لغته مثل لغة الترابي تنضح بالأفكار الاستعلائية وفيها يغلف بانون أفكاره المعادية لغير البيض والمسلمين.

    لكن الترابي يبز ستيف بانون في هذا مجال رفض الآخر، ولا يعرف لستيف بانون أي تاريخ في الإجرام. فالترابي أنشأ نظاما دينيا إرهابيا فظيعا، وصممه خصيصا ليكون نظاما إجراميا يعذب المعارضين، ويشن الحروب العدوانية ضد المجموعات الأفريقية في السودان، يكتم الحريات بأدوات وحشية، لأجل صناعة الفساد لمصلحة طبقة الإسلاميين.

    كلها وقائع أمامنا لم تحدث بالصدفة أو بأمر رباني، بل بالتخطيط العقلاني الواعي من قبل أشخاص محددين في نظام الإنقاذ.

    وبالرغم من بعض التماثل بين بانون والترابي وكبار المثقفين الإسلاميين، إلا أنه لا يوجد من أمل للدولة الإسلامية الإرهابية في السودان في أن يرضى عنها ترمب أو بانون. وهما لن يقبلا رفع اسم هذه الدولة الإرهابية من قائمة الدول الراعية للإرهاب. علما أن الدولة الثابت ماضيها في الإرهاب لا تصبح فجأة غير إرهابية فقط لأنها تخلت عن ذلك ماضيها. فإرهابية في الماضي إرهابية في الحاضر والمستقبل. ولهذا السبب اشترطت وزارة الخارجية الأمريكية في مسار لرفع أسماء الدول من القائمة أن يكون حدث تغيير في القيادة، على سبيل المثال. بينما قيادة الدولة الإسلامية لم تتغير ولم يتغير النظام ذاته، على مدى أكثر م ربع قرن من الزمان.

    المقاومة الأخلاقية والحذر من خطورة المثقفين

    (1)

    أدرك أنه ليس في مصلحة السودانيين أن يكون اسم السودان في هذه القائمة اللعينة، قائمة الدول الراعية للإرهاب. خاصة وأن حكومة ترمب ستصر على إبقاء السودان فيها. مما يعني أن السودانيين سيظلون يتحملون الضرر المتأتي من وضع الإنقاذ في هذه القائمة الثلاثية مع سوريا وإيران.

    ومع ذلك، يتعين ألا يكون ذلك الوضع مدعاة لقلق عظيم، فبمجرد سقوط نظام الإنقاذ، لا يهم متى أو كيف ذلك يكون، يقطع السودانيون أية علاقة لهم بالإرهاب الخارجي وبإرهاب الدولة داخليا، بصورة نهائية. أي أن مصدر الإرهاب في السودان، موضوعا أم رمزيا في المخيال الأمريكي، سينضب فقط بإزالة نظام الإنقاذ.

    وذلك ما لا تفهمه حكومة ترمب، وهي لن تفهمه، مثلها مثل الاتحاد الأوربي لا يفهم. لا يفهمون أن من مكونات حل مشكلة الإرهاب الدولي إزالة النظام الإسلامي في السودان. لا يفهمون، بسبب تعليتهم مصالحهم الضيقة في الوقت الراهن، وبسبب عدم اكتراثهم لما سيلحق بالمواطنين السودانيين جراء مدهم نظام الإنقاذ بسبل للحياة جديدة.

    ما أن ندرك هذه الحقيقة بصورة جيدة، حقيقة تعلية الدول الأجنبية مصالحها القومية على حساب مواطنين يعيشون تحت نير حكومات إجرامية، وحقيقة تغييب الأخلاق من مجال العلاقات الدولية، حتى نكون قادرين على التفكر السليم في كيفية تطوير المقاومة الدائمة المستمرة غير المشغولة بالأجنبي، حيث توجد أصلا استحالة أن تكون مصلحة السودانيين العليا من كبرى هموم أي من الدول الأجنبية.

    (2)

    هذه المقاومة المستمرة، يجب أن تكون غير مهمومة بإطار زمني لوضع نهاية لنظام الإنقاذ، فالسودان تغير بصورة راديكالية، وتم تركيز فكر إسلامي جديد لدى المثقفين الإسلاميين المستبدين قوامه استعدادهم لاقتراف أكثر الأفعال الإجرامية انحطاطا ونذالة لضمان بقائهم في الحكم. مما لا يتسق مع الأحلام الوردية في دوائر المعارضة التقليدية أن نظام الإنقاذ يمكن إسقاطه، هكذا، بالأدوات التقليدية، وبعدم القدرة على التفكير، وبفقدان الذاكرة.

    (3)

    يجب ألا ننس الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في دارفور، كلها من أفعال الإسلاميين. ويجب أن نتذكر دائما أن اللغة تظل عاجزة عن توصيف فظيع أفعال الإسلاميين أو تمثيل هذه الأفعال أو حتى مجرد التعبير عنها. لكن نحس في الدماغ بالآلام التي سببتها لنا الإنقاذ.

    فلمغالبة إجرام نظام الإنقاذ، يجب أن تستهدف المقاومة العقيدةَ السياسية المتمثلة في “الإسلامية”، برنامج النظام وفيه كذلك شفرة الإجرام والفساد وفيه سر قوة الإنقاذ ومعرفتها ثلاثية المكونات: الإسلامية، والإجرام، والفساد.

    عندئذ، يصبح نزع الشرعية من نظام الإنقاذ محورَ المقاومة، نزع الشرعية من الإسلاميين بشتى الوسائل السلمية، مع رفض الحرب كلية، لغاية إنهاء دولتهم الإرهابية.

    (4)

    وفي ذات الوقت، في سياق استهداف إسلامية النظام، يتعين علينا التفكر بجدية في تطوير بديل شبابي لا مكان فيه للشريعة الإسلامية في نظام الحكم أو في المؤسسات أو في القضاء أو في ترتيب الحكومة الحياةَ الخاصة للمواطنين.

    فما لم تستهدف المقاومةُ عقيدة “الإسلامية”، كعقيدة سياسية فاسدة، وما لم يرفض الشباب، بصورة صريحة، تطبيق الشريعة الإسلامية في ترتيب الدولة الحياة الخاصة، على وجه التحديد، لن تقوم للسودان قائمة، مما هي حقيقة راهنة تسري.

    (5)

    وكذا لن يكون لمقاومة نظام الإنقاذ من معنى إن لم نستهدِف “الإسلامية” ونطردها من جهاز الدولة ومن السلطات الثلاثة ومن المؤسسات، بصورة نهائية وحاسمة، ويسبق ذلك ويتعمق في سياق المقاومة طرد الإسلامية في مجال التفكير أولا. فطرد الإسلامية يبدأ ويستمر فعلا عقليا وتنظيريا في علاقة لصيقة مع تطوير أدوات المقاومة.

    ويجب أن نكون واعين بالمخاطر، فكل شيء اليوم خطير. ودونك أن الصادق المهدي في الثمانين يفكر في إنشاء مهدية “إسلامية” جديدة. وأنت ترى بعض المثقفين السودانيين المتربصين ارتدوا البزات وشرعوا أقلامهم وهم على أهبة الاستعداد للاضطلاع بذات الدور الذي بتفعيله كان تم تدمير السودان، دور المثقف الانتهازي في تقديم العون الدعائي لكل من قد يأتي حاكما. وكاد المثقفون المحسنون للباطل، في خطاب احتفائهم بعودة الإمام، أن يهتفوا بركيك الشعار “الصادقْ أملَ الأمَّة!”.

    فالحلقات في مأساة السودان متصلة لا تنقطع.

    عشاري أحمد محمود خليل.

    (منقول).

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    تعليق واحد على “د. عشاري أحمد محمود خليل : الرئيس الأمريكي والدولة الإسلامية الإرهابية بالسودان”

    1. الحازمي في February 9th, 2017 6:09 pm

      لقد استمعت بهذه اللغة القانونية الرصينة و التفاصيل المبسطة.

      لك الشكر أستاذ عشاري،

    لا تتردد في ترك التعليق...