الخميس  23  مارس  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • المعتقلات مقبرة النظام لدفن حريتنا : من تجارب المعتقلين

    January 31, 2017  

    (حريات)

    في إطار التضامن مع المعتقلين بدأ صحافيون ضد الاعتقال بالتعاون مع سياسيين من مختلف الوان الطيف السياسي حملة لفضح انتهاكات حقوق الانسان في المعتقلات والسجون بتقديم تجارب عدد من المعتقلين .

    المعتقلات مقبرة النظام لدفن حريتنا

    بعد ربع قرن من التجربة

    المجرم والضحية في بيوت الاشباح

    محمد سيد احمد عتيق

    عندما نقول ” معتقلات الإنقاذ ” او ” بيوت الاشباح ” فإننا لا نعني فقط تلك البيوت المحددة وزنازينها التي تم تصميمها بطريقةٍ جهنمية تحيلها الى ثلاجات في الشتاء وافراناً لاهبة في الصيف .. لا ، ولا ما يجري فيها من صور التعذيب والإذلال .. معتقلات النظام عبارة عن منظومة من الأفراد ، القيم ، القناعات ، الوسائل ورؤى ايديولوجية متكاملة تموج في بيئة محددة ..

    لشرح ذلك نستعرض الذي يحدث معك عند الاعتقال :

    – عندما يصدر قرار باعتقالك ، هنالك فرق متخصصة بتنفيذ القرار ، تتكون الفرقة ( التيم ) على الاقل من ضابط وأربعة جنود بأسلحتهم الرشاشة على سيارتي تايوتا هايلوكس – وانت اما معروف لديهم بشكلك ومنزلك فيأتون إليك منتصف الليل او الفجر الباكر ليقتادوك ، او ان لديهم شكوك في شكلك او مكان سكنك لأنك تتردد على اكثر من منزل خلال اليوم مثلاً ، ففي هذه الحالة يبدأون البحث عنك ثم يتابعونك متابعة لصيقة الى ان يتأكدوا منك تماماً فينصبون لك ( الكمين ) نهاراًاو يداهمونك ليلاً .. في كل الاحوال ، هذا الفريق من المجموعات المختصة بتنفيذ قرار الاعتقال ، يقوم بتفتيش منزلك تفتيشاً شاملاً ومصادرة كل ما يرونه معادياً خاصة الكتب والاوراق .. الخ وأي أموال يجدونها في المنزل أو في جيوبك ، اجهزة تصوير او كمبيوتر .. الخ ..

    اذا كنت تملك سيارة فانهم يحرصون على ان تقودها بنفسك ويصعد معك فيها عنصرين بأسلحتهم الى ان تصلوا رئاسة الجهاز حيث ينتزعونها منك .. في حالة وجود اهل بالمنزل فانهم يحرصون على الظهور بمظهرٍ مهذب ، اما اذا كنت بمفردك فانهم يتعاملون بعنف وتوتر وعصبية غليظة في ألفاظهم وتصرفاتهم ، وتلك سجيتهم الطبيعية ..

    عند الوصول الى رئاسة الجهاز يسألك الضابط عن بياناتك الشخصية ( الاسم ، المهنة ، الحزب ..الخ ) ويكتبها في اورنيك خاص بك ثم يصدر أمره : ودوهو الواحة ( خذوه الى الواحة )، هذا الامر يصدر لافراد اخرين غير فرقة الاعتقال ، والواحة يقصدون بها بيت الاشباح الرئيس .. وتنتهي مهمة هذه الفرقة معك بانتزاع مفاتيح منزلك منك اذا كنت تسكن وحيداً وسيارتك اذا كنت تملك سيارة ..

    – والآن يأتي دور قسم آخر من أقسام الجهاز هو القسم المسئول عن بيت الاشباح ، يستلمك مناديبه من ضباط الاعتقالات ، يأمرونك بالدخول في سيارتهم بعد تعصيب عينيك ويطلبون منك ان تكون منكفئاً على وجهك داخلها .. تطوف بك السيارة فترة من الزمن للتمويه ثم تدخل الى منزل هو بيت الاشباح وتتوقف ، يفتحون ابوابها ويخرجونك منها بعنف وتصدر لك الأوامر ان تقف في مواجهة الحائط المجاور رافعا يديك الى اعلى ليبدأ البرنامج المشهور باسم ( حفلة الاستقبال ) اذ ينهال عليك عدد منهم بالسياط والعصي وخراطيم المياه ضرباً بلا هوادة ودون حساب من أسفل الساقين الى اعلى الرأس ، مصحوبا بالشتائم والاستهزاء ، وهم لا يعرفونك ولا ماهي جريمتك ، ويسألونك أثناءها عن اسمك ومهنتك .. الخ !! ، تتغير ورديات هؤلاء الحراس وحفل الاستقبال مستمر ، كيف ومتى ينتهي هذا الحفل ؟ لا قانون ولا وقت له ، انت وحظك ..

    هذه المجموعة هي المشرفة على بيت الاشباح المعين وتفعل فيه وفي ” سكانه ” ما تشاء : يشرفون على خروج المعتقلين من زنازينهم بالدور إلى الحمامات ( خمسة مرات في اليوم مع مواعيد الصلوات ) ، المراقبة الدائمة وإنزال العقوبة على ابسط التصرفات الانسانية ( الالتفات ، الضحك ، الكلام … ) الخ ، ممارسة التعذيب في فناء البيت ضد معتقل او اكثر .. ولا بد ان اذكر هنا ان هنالك مسارح تعذيب اخرى اكثر قسوةً ودمويةً وهدراً لكل شيئ يقتادون اليها المعتقل المطلوب لليلةٍ او اكثر او باستدعاءات متكررة حيث تجري محاولات التدمير والاغتيال المعنوي والشخصي بفنونٍ اخرى من فنون التعذيب منها الاغتصاب ..

    نحن الآن امام مجموعتين من أفراد الامن : مجموعة الاعتقال والمصادرة وتجريد المعتقل من كل ممتلكاته ، ومجموعة التعذيب والإذلال وممارسة اقسى انواع العنف البدني واللفظي على المعتقل يومياً بل وفِي كل لحظة .. هذا من حيث البشر كجزء من بيوت الاشباح او معتقلات الإنقاذ ، اما الجزء الآخر ( الثالث ) من المصطلح فهي سلوك هؤلاء الأفراد ، الدوافع المحركة لها ، والمعتقدات التي تقف خلفها ، وبالنتيجة ، البيئة التي تعم داخل المعتقل وتعيشها طوال فترة اعتقالك ثم لفترة طويلة بعد إطلاق سراحك في شكل هواجس وكوابيس تختلف درجات الناس في سرعة التخلص منها سواءٌ بالارادة الذاتية او بجلسات العلاج النفسي ..

    أفراد بيت الاشباح الذين رأيتهم كلهم شباب اغلبهم في العشرينات من العمر والبقية في الثلاثينات .. أحاديثهم ، تصرفاتهم ومجمل سلوكهم مطبوعة باللامبالاة والاستهتار بالمعتقلين وازدراء كل شي ، لا اعتبار لعمر المعتقل ولا لمركزه واسمه في المجتمع .. في أي لحظة تتوقع ان يفتعل احدهم مشكلة معك فتخضع لعقوبةٍ أو أكثر من عقوباتهم المعروفة وكلها تبدأ بموضوع الأرنب ، فيقول لك صائحاً : أرنب استعد ، ومعناها ان تجلس على أصابع قدميك وتضع يديك على ركبتيك ، ثم يصيح : أرنب نط ، وعليك ان تمشي قفزاً وانت في ذلك الوضع … اذكر هنا مثلين اثنين مما رأيت ، فيها شرح مكثف للأمر :

    – المناضل الوطني الكبير الحاج مضوي محمد احمد ، رحمه الله ، ( وكان قد تجاوز الثمانين آنذاك ) ، كان في زنزانة انفرادية ، تعثر قليلاً عند الخروج للوضوء ، فجاءه احدهم ( شاب في العشرينات ) صائحاً : أرنب استعد ، وكان ما كان مما لا ضرورة لذكره ..

    – استاذ محاضر في جامعة الخرطوم ، أرادوا إقامة حفل استقبال له عند أول حضوره ، فتردد الرجل في الوقوف على الحائط ، فقال له أحد شباب التعذيب متباهياً  ” نحنا لواءات درشناهم هنا ، قايل نفسك شنو ؟ ” ، وفعلوا كل ما أرادوه معه ..

    إذن ، فان أركان معتقلات الإنقاذ / بيوت الاشباح : فريق الاعتقالات – فريق الحراسة والتعذيب – سلوك أفراد الحراسة والبيئة التي تنتج عنها وتحكم حياة المعتقلين في تلك البيوت ..

    يبقى ان نتساءل عن الدوافع المحركة لهذا السلوك ؟ هل تم تدريبهم على ذلك ام هناك نبعٌ آخر ؟؟:

    الامر ببساطة يتعلق بقضية اقحام الدين في السياسة والحكم باسم الاسلام سواء جاء ذلك الحكم بالانتخاب الديمقراطي او بانقلاب عسكري ..

    من المعروف أن أفراد مثل هذا التنظيم يعتقدون جازمين أنهم يمثلون إرادة الله وتعاليمه في الأرض ، وهؤلاء الشباب ( جنود جهاز الأمن ) يخضعون لدورات عسكرية / أمنية / دينية / سياسية يخرجون منها وهم أكثر إيماناً بأنهم يمثلون الحقيقة وغيرهم على باطل ، أنهم المسلمون الحقيقيون وغيرهم كفرة ، وأن أعداء الإنقاذ ( حزب الجبهة الإسلامية ) هم أعداء الله وأن أموالهم وممتلكاتهم غنائم ساقها الله لهم حلالاً عليهم ..

    وهنا بالضبط نجد الخلفية التي تحكم سلوكهم وتخلق مثل تلك البيئة المليئة بالحذر والترقب داخل تلك المعتقلات السرية ، انها الرؤى الايدولوجية المشحونة بقوة الدين عندما تتغلغل في ادمغة شباب كهؤلاء فتنهار القيم والتقاليد امام ناظريهم ويسود الإستهتار والإستخفاف بكل شيئ ولا صوت يعلو فوق صوت التأمين ، تأمين “النظام الإسلامي ” والتأمين الذي تدربوا عليه هو الاستهزاء بالمعتقلين ( الكفرة ) وتعذيبهم والتلذذ بآلامهم .. كيف لا وقد رأى هؤلاء الشباب قدوتهم ، رأوا في سنوات الانقلاب الاولى كبار قادة النظام، من عسكريين ومدنيين ، يمارسون التعذيب والإذلال والإنتقام الشخصي بأنفسهم ضد رجال كبار في أعمارهم ومقاماتهم وأدوارهم ..

    هذه بإختصار هي الجوانب المختلفة التي يتشكل منها مصطلح بيوت الاشباح ( معتقلات الإنقاذ ) ، تركناها مفتوحة على تساؤلات تبحث عن المجرم الحقيقي في هذه العملية ، وهل الجريمة فردية ، فئوية أم شاملة يشترك فيها قيادة الجبهة الاسلامية وسلطتها وجهاز أمنها وايديولوجيتها ، وهل هناك مجرمون هم أنفسهم ضحايا ؟؟

    ……………..

    افادات الاستاذ. ابو بكر الامين محمد

    (1)

    جرى اعتقالي في نوفمبر ١٩٩٠ وضمي لمجموعة كبيرة من المعتقلين من مختلف المشارب على سطوح عمارة جهاز الأمن بالقيادة العامة وحولت من بعدها لبيت الأشباح الملاصق للجنة الاختيار للخدمة العامة جهة شارع البلدية وفي محله الأن تقوم عمارة يشغلها مركز تدريب تابع لجهاز الأمن . هذه الإفادة ليست ذكريات شخصية شاملة عن تلك التجربة ولكنها محاولة لتذكر بعض الوقائع التي شهدتها خلال ثلاثة عشر شهراً من الاعتقال بذلك المكان قبل ربع قرن من الزمان والتي تضمنت أشكالاً من التعذيب الذي مورس على المعتقلين هناك.

    تميزت الفترة المذكورة عن سابقاتها أنها جاءت بعد الموجة الأولى للتعذيب الجماعي الوحشي للسياسيين المعارضين واغتيال الشهيد الشيوعي الدكتور علي فضل تحت التعذيب ، ومن بعد تصاعد الحملة ضد التعذيب على المستوى المحلي والعالمي مما أسهم في غل يد الجلاد وتوقف عمليات التعذيب الجماعي ثم العودة التدريجية لتلك الممارسات ، وقد كنت تعرفت قبل اعتقالي على أساليب التعذيب المعتمدة من خلال تلك الحملة التي قادها الحزب الشيوعي ومن خلال مادة غزيرة وفرها المعتقلون الذي تعرضوا للتعذيب بعد وصولهم سجن كوبر العمومي.

    أول حالة تعذيب شهدتها كانت لمعتقل من قبل الأمن الإقتصادي وكنا لا نزال في سطوح عمارة الأمن وفي صباح باكر وقبل نهوض الجميع كنت اتمشى بالخارج فلمحت شخصاً يصعد السلم وعندما وصل للسطح لم يلق السلام بل توجه نحو مرقد شخص بعينه وقبض على موضع حساس من جسده وضغط عليه بشدة وكان يقول له كم المبلغ ؟ وبعد إجابة ما ترك المعِذب ضحيته ونزل.

    وحتى ذلك الوقت لم يكن هناك فصل بين معتقلي القسم الاقتصادي والقسم السياسي وفي تلك الأيام كان هناك رجل أعمال ضمن المجموعة كان صعب عليه النوم وطال أرقه، وفي يوم ما حضر معتقلون متهمون بتدبير إنقلاب عسكري من جلسة محاكمتهم الأخيرة والتي نطق فيها قاضيهم بحكم الإعدام ، وأخبرونا بذلك ثم تناولوا عشاءهم وناموا .. عندها انفجر رجل الأعمال بالصياح المتوتر قائلاً – ناس يحكموا عليهم بالإعدام ومعاهم ناس متهمين بالشيوعية نايمين يشخروا وانا ما قادر أغمض عيني لدقيقة في تهمة متعلقة بأكياس نايلون !! وتولى الزميل كمال حسين إعادته للهدوء مرة أخرى ، وفي الواقع فإن الزج بالناس مهما كانوا في مثل هذا الجو المرعب لهو نوع من التعذيب ايضاً وله وقع كبير خاصة على الأفراد من غير السياسيين وغير ذوي الخبرة والتجربة.

    في الأيام الأولى لتحويلنا للبيت تعرضت لعقوبة من قبل الحرس كمندان حسن والذي تولى لوحده في ذلك الوقت معظم شئون المعتقلين الذين اوصدت على مجموعاتهم الغرف التي لا تُفتح إلا للصلاة وقضاء الحاجة ، وفي يوم من الايام جاء وفي معيته معتقلين جدد أدخلهم للغرفة التي كنت بها حيث كان الترحيب بأي وافد جديد أمراً طبيعاً ،  يومها كانت التهمة أني تعرفت علي نائب رئيس الوزراء في العهد الديمقراطي الراحل السيد صمويل أرو، وكيف أني تجرأت ورحبت به في الغرفة وساعدته في أن يجد طريقة للحفاظ على بدلته التي خلعها واحتار أين يضعها فأشرت عليه بتعليقها على الباب فمضى إليه بطوله الفارع عليه الرحمة وتركها تتأرجح على ضلفة الباب وسخر من هذا الوضع، وربما كان ذلك التعليق هو ما أثار حفيظة الحرس فسألني إن كنت أعرف هذا الشخص ؟ أجبت بنعم قال من أين تعرفه ؟ قلت من التلفاز فكل السودان يعرف السيد صمويل أرو الزعيم الجنوبي البارز وطُلب مني أن احمل متعلقاتي واتبعه في ذلك الليل، وافضى بي ذلك الطريق لمكان مظلم وطلب مني الدخول ، كان الظلام حالكاً وما كنت أعلم أين المدخل ، ولكني سمعت اصواتاً تصدر من قلب الظلمة تقول مرحباً تفضل ، ودخلت ، كان واضحاً أن سكان تلك الظلمة اجتهدوا حتى افسحوا لي مكاناً وانصبت عليّ اسئلة التعارف سريعة كأنما كانوا يريدون أن يعرفوا إن كان بمقدورهم مواصلة ما انقطع من حديثهم ، وبعد صمت قليل وعبارات السلام ، استأنف راوٍ متمهل قصة كان من الواضح انها بالغة التشويق لأنهم انصرفوا عني وانصرف انتباهي معهم للحكاية ، كان ذلك الراوي يتحدث عن تجربته في إبان أحداث الجزيرة أبا الدامية عام ٧٠ . كان الراوي هو السيد مكي يوسف النصيبة نائب رئيس المجلس الأربعيني لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم دورة أحمد عثمان مكي ونائب عن دائرة جنوب ربك (كنانة) (عن حزب الامة) في انتخابات عام ١٩٨٦وسرعان ما انساني ذلك الحكي البديع تلك الظلمة الحالكة التي لفت المكان ورائحته المنفرة والذي تكّشف عن كونه مطبخاً افترش أرضه هؤلاء الرجال من الكوادر والذين كانوا وبرغم افتراشهم أرض هذا المطبخ القذر الذي تحوم حشراته من صراصير (الكوكوروش) فوق أجسادهم سعداء باجتماعهم وروحهم المعنوية عالية تفيض بالتحدي واللامبالاة بالمعتقل وقد اضمحلت فروقاتهم وخلافاتهم السياسية والايديولوجية ولا أنسى منهم المهندس صيام مدير مصنع الطوب الآلي بعطبرة ولا أذكر الآن بالضبط إن كان ضمنهم في ذلك المطبخ قادة نقابة عمال السكة حديد وعلى رأسهم النقابي علي عبد الله السيمت أم لا فالأمور تختلط بطول الوقت وقد رافقتهم في سطوح عمارة الأمن بالقيادة ومن بعد في بيت أشباح شارع البلدية لكنهم كانوا في غرف أخرى .

    في الصباح بدا المشهد مأساوياً بحق فرجال بهذا القدر والمقام يحشرون في هذا المكان الوضيع ولكن شحنة الثقة والاستعلاء على سلطة هذا شأنها والتي أخذتها عن تلك المجموعة قد كفتني وفاضت كي أعبر التجربة ولا ريب أن تلك الروح معدية بشكل ما وقد سمعتهم يتحدثون بفخر عن الطريقة التي تعامل بها الشيخ الاتحادي الراحل مضوي محمد أحمد مع حراسه في ذات هذا الموقع . في الصباح تبادلنا النظر من خلل الباب نرقب حركة الحراس والمعتقلين الذين يظهرون في الجهة المقابلة حيث تقبع حجرة اسماها المعتقلون ( فندق جدعة ) وجدعة هو ضابط في القوات المسلحة كان لا يزال وقتها في بيت الأشباح حين حضوري وقد أمضى في تلك الغرفة ردحاً طويلاً من الزمان حتى اسموها عليه ويقال أن سبب اعتقاله رفضه التنازل عن حقه في عبور صينية الحركة لإبراهيم شمس الدين الذي كان يمر بها وكان مصيره الحبس في تلك الغرفة العارية والتي يهددون بها المعتقلين ويقال أن بها نمل أسود كثير وكبير لا يمكن النوم معه اطلاقاً. وكان يحبس بها في تلك الأيام الدكتور حسين حسن موسى القادم من سجن كوبر بسبب مشاركته في إضراب عن الطعام احتجاجاً على حرمان المعتقلين المرضى من الرعاية الصحية وقد شاهدته من خلال ثقب الباب يخرج مع الحرس ويعود وعرفت فيما بعد أنه قد أعيد لسجن كوبر.

    من ضمن حالات التعذيب في المحابس الضيقة ما جري للمعتقل عبد الرحيم الفحيل المحامي الذي كان مقيداً بقيد حديدي في غرفة ضيقة جداً كانت لا تسمح للشخص بالتمدد وكانت تسمى (الصندوق) . ومن الذين حبسوا انفرادياً بمخزن قديم لفترة وصلت لعام ونصف الضابط مهندس الطيران بابكر محمد ابراهيم الشهير (ببكور).

    اعادوني من المطبخ مرة أخرى لغرف البيت المكتظة بالمعتقلين ووضعت في غرفة كانت تسمى (مكة) كان بها الشيخ خالد محمد إبراهيم عليه الرحمة أمين هيئة شئون الأنصار حينها ومجموعة من المعتقلين قبل أن أرّحل لغرفة أخرى كانت تسمى (مجلس الوزراء ) لأنه كان بها ومن قبل حضور مجموعتنا الأفاضل من حزب الأمة الراحل الدكتور عمر نورالدائم والراحل السيد عبد السلام الخليفة والراحل محمد عمر الشهيد والسيد عبد اللطيف الجميعابي وآخرين كثر.

    في تلك الأيام حظيت بزيارة من قبل أسرتي التي اجتهدت في الحصول عليها وكان ضابط الأمن المعروف محمد الأمين هو من أشرف على تنظيم ومراقبة تلك الزيارة أمام جريدة القوات المسلحة. وعند العودة من الزيارة تم تفتيشي قبل الدخول وعثر معي على ورق كان أصلاً في جيبي قبل خروجي ومن ضمنه ورقة بها عنوان دكتور عبد الكريم القوني الذي كان لا يزال معنا في البيت واستلزم ذلك عقاباً (بطابور) يبدو أنه كان الأول من نوعه بعد انقطاع لفترة عن مثل تلك الطوابير.

    أثار استدعائي بين صلاتي المغرب والعشاء قلق المعتقلين وكان التعبير على وجوههم بليغاً مما حدا بي للتصميم بأن أمضي دون أخذل أحداً مهما كان الأمر ، وفي ساحة المنزل الشرقية وقف كمندان عمر في هيئته العملاقة واضعا يديه بكامل امتداها على سلك الغسيل وبدأ في سؤالي اسئلة كثيرة وعندما سأل عن موطني وكان يظنني من ناس العاصمة وجدته يعرف اسماء القري التي حول قريتنا مثل ود بلة وقنطرة ودبلة وكَنو وكدَسا وحشرات وجلسوا وكُرُنجوكا وهذا مما لا يتأتي إلا لمن عاش في المنطقة ثم سأل عن توجهي السياسي واضعاً مسدساً ضخماً على رأسي فقلت له شيوعي فصاح من بعيد لحراس آخرين .. “يا كمندان قال هو اشتراكي..” ولاحظت طبعاً تخفيفه للكلمة وكأنه لا يستطيع تردادها ، وأجابه كمندان آخر من بعيد أن ” اكتلو ..”

    قال لي كمندان عمر ألا تخشى الموت قلت (ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً ولاتدري نفس بأي أرض تموت) ، قال تشهّد رددت الشهادة ضغط على زناد المسدس الفارغ ووجدني أنظر إليه بشكل عادي فقال لي “مبروك .. خلاص كتلناك ، أمشي احضر صلاة العشاء” وأضاف أنه يتوجب عليّ الانصراف بطريقة عسكرية وأخبرته أنني لا أعرف تلك الطريقة قال أعلمك وظل يعلمني وأفشل في التنفيذ بطريقة متعمدة حتى استيأس من عسكرتي وقال لي أنت (ملكي ساكت) وصرفني لصلاة العشاء .. وبعد تناول طعام العشاء عاد الكمندان للغرفة وقال لي على مسمع من الآخرين “راسك كبير ، تاكل التعليمات زي البسكويت ” وقال ستكون هناك ليلة زحف حتى القصر الجمهوري.. قلت له هل القصر قريب من هنا ؟ .. قال “بطّل سؤال” ، لكنه لم يعد ولم يكن هناك زحف وقد وصلت الرسالة للمعتقلين بعودة الطوابير من جديد.

    ……..

    (2)

    في شهر مايو ١٩٩١ جرى اعتقال مجموعة من الطلاب الجنوبيين من منطقة الكلاكلة ولم نكن نعرف وقتها حقيقتهم عندما وصلوا ساحة البيت الجنوبية والتي تم فيها من بعد ذلك بناء زنازين استمرت لفترة قبل أن يعودوا ويزيلوها، وبمجرد وصول هذه الدفعة بدأوا في ضربهم بقسوة وكان صراخهم يتعالى كل حين واستمر ذلك لقرابة الشهر وكانوا ايضاً يقومون باعمال النظافة واحياناً باعمال شاقة لا ضرورة لها مثل حمل قطع ثقيلة وارجاعها لمكانها. وصادف أنني تمكنت من رؤيتهم في يوم جمعة وأحد ضباط الأمن يستجوبهم واحداً واحداً ومن خلال فرجة صغيرة بدت ملامحهم وكأنهم في الاربعينات من أعمارهم من فرط التعذيب المتنوع وبعد مدة توقفوا عن تعذيبهم وأخيراً تم ضمهم لمجموع المعتقلين في البيت وهنا استطعنا معرفة قصتهم المأساوية وهم طلاب في أعمار الثانوي العالي فتح عليهم شخص ما بلاغ كيدي بأنهم في الحركة الشعبية لتحرير السودان بسبب ما يقوم به عادة الشباب المراهق من تعبير عن علاقاتهم العاطفية العفوية، وتولت الاستخبارات العسكرية أمرهم وهناك كان السؤال عن السلاح هو محور التحقيق معهم وتم ضربهم بقسوة ولكن تبيّن لهم أن هؤلاء الصبية ، المولودون في الخرطوم ولم يشاهدوا الجنوب قط، لا توجد بينة تدينهم بنشاط التمرد فقرروا تحويلهم لجهاز الأمن ليتولى أمرهم وهنا قال ضباط الجهاز أن ناس الاستخبارات لا يعرفون الشغل وبدأوا معهم تلك الجولة القاسية من التعذيب والتي انتهت لذات النتيجة التي سبق للاستخبارات أن توصلت إليها فقاموا بتحويلهم للشرطة التي قال ضباطها أن رجال الاستخبارات والامن لايعرفون الشغل وسوف نؤكد ذلك لهم ومن ثم أدخلوا هؤلاء الشباب في دورة تعذيب أخرى انتهت إلى لاشيئ وتقرر أخيراً إطلاق سراحهم واللحاق بمدارسهم.

    في ١٩ يوليو ١٩٩١ تم اعتقال التشكيليين صلاح سليمان وعلي الامين ومحمود جاه الله والمرضي عبد الله وعبد الواحد وراق من جوار محطة السكة حديد الخرطوم بحري وهم عائدون من أعمال رسم على حوائط منزل (خواجة) وطلب منهم ضابط الأمن صلاح صاغة وهو رئيس اتحاد سابق بجامعة السودان الصعود للعربة التي تحركت بهم لمكاتب الأمن بالخرطوم شرق جوار الطيران المدني حيث جرى ضربهم في غرفة مظلمة وضيقة بها بقايا اسمنت واسمعوا الفاظاً نابية وأيضاً ساهم في ضربهم وركلهم على ظهورهم خارج الغرفة فرد أمن ضخم الجثة يسمى بالطيب الجزار، وفي مساء اليوم الثاني سيقوا مغمضي العيون وتحت بطانية لسطوح العمارة الحمراء بمباني جهاز الأمن بالقيادة العامة وانضموا لمجموعات أخرى كان من ضمنها مجموعة عقد الجلاد الغنائية وكان برنامج الضرب يبدأ من المساء وحتى ساعات متأخرة من الليل ومعه حركات جيش رياضية ( ٩ أستعد) و(أرنب نط) واستمر ذلك ليومين وبعدها تم توزيع المعتقلين على زنازين وأشرف معتقلون قدامي على العناية بالمجرحين من المعتقلين الجدد وسمح بالطعام والحمام لكن استمرت البذاءة والعبارات النابية حتى تم ترحيل أغلب المعتقلين لبيت الأشباح شارع البلدية الذي هو الآن إدارة التدريب بجهاز الأمن والمجاور لمحكمة الكومسا. وتم استقبال المعتقلين بالصفع والضرب وادخلوا لغرفة جراج قديم خلف (فندق جدعة) الآنف الذكر وفي غرفة حمام مساحتها ستة امتار مربعة حشر حوالي ٣٢ معتقلاً في ظروف حرارة فصل الصيف وبدأ ضرب من الساعة الثامنة مساء وحتى آذان الصبح بالسياط والعكاكيز واستمر ذلك لأسبوع حتى تسلخت الجلود مع وجبة طعام واحدة ، وفي ذلك الجراج كان القرب من الباب ميزة كبرى حيث ينعم الواقف ببعض الهواء وتم تنظيم التبادل في الوقوف قرب الباب وقام شباب المعتقلين باستخدام كراتين كمراوح لكبار السن خشية اختناقهم، وبعد أسبوع استقبلنا هذه المجموعة في صالون البيت ما عدا شقيقي على الأمين الذي رأى القائمون على البيت فصله عني ووضع في مخزن بطاطين مع الضابط محمد بابكر ابراهيم الذي كان قد أتم حينها عاماً وثلاثة أشهر في تلك الغرفة التعيسة. ورغم التعذيب كانت معنويات مجموعة المعتقلين عالية ، وكنت أملك بعضاً من بدرة البنسلين وبذلتها لمجموعة التشكيليين لمداوة جراحهم ، وفي سياق هذه المسيرة تم فصل المعتقل عبد الواحد وراق عن التشكيليين وحول للاستخبارات العسكرية باعتبارة مصمماً بصحيفة القوات المسلحة. وبعد شهر تقريباً أُلحق علي الأمين بغرفة (مجلس الوزراء) وصادف ذلك خروج الدكتور عمر نوالدائم فآلت اليه بعضاً من متعلقاته فرشاً وغطاء وبعد أن أكمل التشكيليون في البيت ما يقارب الأربعين يوماً جرى إطلاق سراحهم .

    عادت الطوابير وصارت يومية تقريباً حيث يمكن لأي من الحراس أن يجمع المعتقلين في أي وقت ليس لغرض محدد وإنما لمجرد القلقلة وكانوا يستغلون هذه التجمعات للتحدث في أي موضوع مما يسمى بفارغة الجيش وعادة ما يطلب من المعتقلين رفع الأيادي أو القيام بالحركات الرياضية الشاقة لكن كان هناك طابور خاص يقسم فيه عدس على المعتقلين ويطلب منهم عده و(رفع تمام) العدس لرئيس الميز وهنا لا يستطيع أحد العد الحقيقي وطبعاً لا يستطيع الحرس التأكد من صحة أي رقم ولمّا كنت رئيساً للميز في فترتي الأخيرة كنت ارفع تمام العدس بارقام وهمية وكان ذلك يسعدهم ويقبلونه لأن المطلوب ليس صحة الرقم ودقة العد وإنما تبديد السكينة وزرع التوتر وفي يوم من أيام أغسطس منذلك العام جرى طابور من نوع خاص تحولت مجرياته إلى مأساة مكتملة حين صدر أمر الحارس بالتجمع في صالة البيت والتي كنا نعد فيها الطعام وكانت هناك على النار حلتين من إدام الأسود تغليان تحضيراً لطعام الغداء ، وقف المعتقلون حول النار وطلب الحارس من شاب من أبناء جبال النوبة الخروج لوسط الحلقة وطلب منه القيام بحركة تسمى (ست العرقي) وهي حركة صعبة يقبض فيها القائم بها بيد على الأذن من خلف الذراع الأخرى ويضع اصبع اليد الثانية على الأرض منحنياً ومن ثم يدور على محور اليد التي على الأرض وتؤدي هذه الحركة لاختلال في التوازن عند الوقوف ، قلت للحارس الزول دا لو عملها بقع في النار فقال لي دون تردد وهو المطلوب ، وعندما وقف الشاب بعد القيام بهذه الدورة فقد توازنه بالكامل وسقط مباشرة في الحلة وصرخ صرخة عظيمة من ألم عظيم وتفسخ جلده بصورة مرعبة وتناثر الجمر وبقايا الطعام في كل مكان وهرع الجميع لاسعافه بينما مضى الحارس خارجاً كأن لم يفعل شيء، وقد فشلت كل مطالباتنا بارساله للعناية الطبية وظل يتألم لشهور وهو غير قادر حتى على اطعام نفسه ولولا مابذله المعتقلون تجاهه لرحل عن الدنيا من غير شك وظلت هذه الواقعة باقية في ذاكرتي لا تمحوها الايام ولازلت اسمع تلك الصرخة تعبيرا وتلخيصاً للالام الكبيرة التي تحملها ابناء هذا الشعب في ظل نظام الانقاذ الفاشي.

    في واقعات التعذيب اذكر كذلك تلك الحملة التي استهدفت السجاير والصعوط وكان المعتقل الذي يوجد لديه اي منهما يجبر على أكل السجاير وشراب خليط الصعوط مع الماء ، شاب من قرية التكلة كان قادماً من ليبيا وحضر وهو يحمل معه سجاير أجبر على التهام سجائره بالكامل ورجل شهم من ابناء دنقلا كان سائقا لشاحنة ومشغولا بنقل البضائع بين العاصمة ومنطقته ايفاءاً لطلبات المغتربين من ابناء المنطقة وقع في براثن الاعتقال و تهمته الأصلية أن من بين من ملكوا تلك الشاحنة الراحل فتحي شلا واتهم مباشرة بأنه يعمل لصالح المعارضة ، وفي ذلك اليوم المقيت كان عليه شرب مخلوط الصعوط وأدى ذلك به الي نوبات من القيء لا تنتهي وسعال وظللت معه الليل كله وفي قلق عظيم من أن يودى ذلك به ، وفي ساعات الصباح الباكر أظهر علامات التحسن وعاد وضعه للاستقرار ، وهذا الرجل اصفه بالشهامة لأنه في أحد ايام الحياة في المعتقل وكنا عدنا من صلاة الظهر للغرفة فوجدت أن هناك يد امتدت لحقيبة تخصني احتفظ فيها بمال الميز وفقدت المال ، وأفضيت بالأمر له باعتباره ممن يشاورون في الأمور الجليلة وأبديت له الرغبة في التبليغ لدى الحراس عن فقدان المال فقال لي ، إن التبليغ سوف يضر عدداً من المعتقلين من الجنوبيين باعتبارهم المتهمين الأوائل لأنهم لم يكونوا في الصلاة وسوف ينكلون بهم ويعذبونهم ، قلت له وما الحل قال انه سوف يتكفل بالمبلغ وفعلا دفع من ماله لفداء زملائه في الاعتقال من بطش عظيم. وفي تلك الايام أيضاً ابتكر حارس يسمى حسين وكان متخصصاً في التفتيش الفجائي طريقة مبتكرة للتعذيب بادخال المعتقل في بلاعة الصرف الصحي وقفلها عليه وهذا ما فعله بشاب يقال أنه من أسرة ابو العلا ، وناداني باعتباري رئيس الميز وقال لأشهد مروره عبر المجاري، قلت له بأن هذا الشاب سيموت بسبب الغازات السامة فالبلاعة ليس بها اوكسجين وكلها غاز ميثان قال حسين كدا أحسن من أن يسد علينا المجاري وعندما أخرج من هناك كان على وشك الاغماء. ومن حالات التعذيب ما تعرض له على السيد المحامي عندما دلقوا عليه جرادل من الماء البارد بعد رفضه القيام ب القفزة المسماة أرنب نط وذلك كله عقاباً له لأنه تحدث أمام الضابط في المرور عن مطالب المعتقلين ، واستمع الضابط لمطالبه باهتمام ودونها في الدفتر وحال خروجه تعرض للتعذيب من الحراس وكنت قلت لعلي السيد أن لا جدوى من ذلك فقد تحدث معهم من قبل الدكتور عمر نور الدائم عليه الرحمة بشجاعة متميزة وطالب بكل شيئ دون عائد . وليس هناك ما يؤكد أن الذي يمر على المعتقلين هو ضابط بالفعل وفي مرة تركونا في إتجاه الحائط وقالوا أن الضابط قادم ومن له شكوى عليه تقديمها ، ومن خلال انعكاس صورة ذلك الضابط على إحدى العُلب تبين أنه أحد السائقين في الجهاز. هذا من جانب لكن من جانب آخر فالضباط أنفسهم ليست لهم سلطة على الجنود كما هو الحال في أي قوات نظامية هنا تسقط الرتب والأقدمية وتسود علاقات التنظيم وظهر هذا في حالة تعذيب جندى من الجهاز اسمه ود الجاك اتهم بالتخابر وعندما رفض تلقي أوامر من جندي اقل منه رتبة تم ضربه بقسوة وأذكر أن حارس اسمه عثمان حذرنا من الاقتراب من الغرفة التي كان فيها وقال بطريقة وقحة “الزول دا في عنبر بروف عثمان مافي سستر تقرب منه” وفي الليل وصلناه وتحدثنا معه فقال انه بخير

    هناك الكثير مما يستوجب الحكي خاصة طوابير الازعاج والسمر الاجباري والتجويع ولكن يحسن أن أذكر الشاب الذي قفز في مدرسة بامبده وسرق ماكينة طباعة ليبيعها في دلالة الجمعه..وقبض عليه وحولوهو للاعتقال كشيوعي متهم بطبع المنشورات او متعاون مع خليه شيوعيه .. وعذب ليعترف .. وهو لا يعرف حتى نطق اسم الماكينة وبقول ماكينة (تايبوس).

    وهناك أيضاً قصة محزنة عن مجموعة من ابناء الجنوبيين ظلوا يتعرضون للتعذيب لكن بشكل فريد وهو الغناء الإجباري بالأوامر وكان ذلك الطقس يتم مقترنا بتتويج احدهم ملكاً ووضع أواني الطعام على رأسه وفي ذات الوقت يأتي صوت غناء الحاشية مليئاً بالمهانة وبالقهر والانكسار وخالي من أي بهجة:

    ليه ليه يا زكيه

    زكيه آبا آنا

    ومثل ذلك إجبار مصري معتقل على الغناء :

    زحمة يا دنيا زحمة

    وآخر انواع الطوابير طابور الافراج فأنت لا تعرف إن كان هذا طابورك الأخير أم لا وفي ليلة من شهر فيراير ١٩٩٢ أبقونا ونحن مجموعة صغيرة واقفين ورافعي الايادي وعند شروق الشمس تم اطلاق سراحنا.

    أبوبكر الأمين محمد.

    ………

    في السودان

    الصحافة والصحفيين في العذاب المقيم

    أبوذر علي الامين ياسين

    في مسيرة الحياة احيانا تفرض عليك خٌطىً تمشيها، وفي كل الحالات كانت المعركة مع الصحافة والصحافيين الذين قادوا معركتهم بجهد صادق ونفس طويل لم يهزمهم طول الزمن ولا قلة الاسلحة ولا عتاد السلطة واعتداءتها بتجاوز الاعراف والقوانين. وما يزال اهل الصحافة يخوضون المعارك بلا كلل، ولم تهزمهم السلطة يوماً بل ظلت عاجزة أمامهم تسود صحائفها وسمعتها بالسيئات كتابا محفوظا للأجيال القادمة وعبر كاملة لمن ألقى السمع وهو شهيد.

    كثيرون بالوسط الصحفي من تأذوا من أنماط التعذيب الذي شمل كل شئ بإمكان السلطة فعله تجاههم. وكل تجربة تمثل قطرة في محيط وكلها محطات صمود جديرة بالدراسة في مسيرة الصحافة السودانية في عهد الانقاذ المتطاول. بل كلها آيات في مسيرة الصحافة السودانية التي لم ولن تعرف الانكسار ولا الهزيمة.

    تتلقى هزائم متوالية

    جربت السلطات حتى قانون النفايات في حربها مع الصحافة، و انتهى هذا المسار إلى المصادرة من المطبعة بلا اسباب، وما تزال السلطات تبتكر اساليب غير مسبوقة، لكنها رغم كل هذا الابتكار لم تستطع ان تحقق أي من اهدافها تجاه الصحافة والصحفيين. بل ظلت تتلقى هزائم متوالية ثم تجتهد مرة تلو اخرى وما تزال تتلقى الهزيمة تلو الاخرى من الصحافة والصحفيين.

    اما قصتي مع التعذيب فهى سطر واحد في كتاب ما تَحمله الصحفيون من أذى السلطة في معركتها معهم. لكنها قصة ستطوف بكم وتعكس إلى أي مدى ذهبت السلطة وأي مذاهب ابتدعت ثم عادت بلا نتيجة سوى أنها زادتنا قوة وتجربة ستظل سلاحا ودرساً يضاف إلى سجل الصحفيين وتجربة الصحافة السودانية في مناهضة قهر السلطات وتجاوزاتها المبالغة.

    صلاحيات الشرطة والامن والقضاء وبلا حرج

    قبل السرد هناك ايضاحاً مطلوب.

    استخدمت مفردات (السلطة والسلطات) حيث يتوقع البعض ان استخدم مفردات مثل الأمن او جهاز الأمن (لكنى ساعود لاستخدام ذلك لاحقا).

    ذلك لان التجربة العملية توضح ان جهاز الامن مجرد اداة في يد من هم أعلى سواء كانوا افرادا أو مؤسسات. وهذا وضع طبيعي ضمن نظام لا يعرف فصل السلطات ناهيك عن نظام يتعمد عدم فصلها، لان ذلك يضره ضررا بالغاً. ولعل ابلغ الامثلة ما تعرض له الصحفي ابوالقاسم عندما ذهب لمقابلة وزير المالية وقتها لاستقصاء وثيقة مسربة حول صحتها، ما كان من الوزير شخصياً ألا أن احتجز ابوالقاسم ووضعه رهن الاعتقال مما يشى ان صلاحيات الوزير تتضمن صلاحيات الشرطة والامن والقضاء وبلا حرج أو محاسبة.

    بسجني (خمس) سنوات

    بدأت قصتي بعد انتهاء انتخابات العام 2010، وكنت قد كتبت (خمس) مقالات ضمن الحملة الانتخابية المناهضة لاعادة انتخاب المرشح عمر حسن احمد البشير. وانهيت هذه الحملة بكتابة مقال حول نتائج الانتخابات 2010 والتى انتهت بادانتي ب(تقويض النظام الدستوري) وقضت المحكمة بسجني (خمس) سنوات.

    البداية

    بعد نشرى أول مقال مناهض لاعادة انتخاب المرشح وقتها عمر حسن أحمد البشير. على اثر ذلك تم استدعائي من قبل (مجلس الصحافة)، وفي تلك الجلسة وفي جملة عابرة عبر احد اعضاء اللجنة عن تجاوزي والذي تمثل في التعامل مع (الرئيس كمرشح) وكان هذا غريباً بل غريباً جداً. ولكن مع استمرار الجلسة تبين لي الأمر، اذ كان التركيز على مقالات سابقة كتبت ونشرت العام 2006م، وجرى تمحيص طويل واسئلة حول كتاباتي عن مشاركة على عثمان في محاولة اغتيال الرئيس المصري وقتها محمد حسني مبارك، وهددتني عضوة باللجنة باللجوء للمحكمة سائلة ما اذا كان عندي شهود، انهيت النقاش بطلب اللجوء للمحكمة وقتها سيكون امر الشهود مبررا وموضوعيا.

    انتهى الامر مع مجلس الصحافة بطلب نشر (تأنيب) نشرناه وواصلنا حملة اسقاط المرشح عمر حسن احمد البشير باربعة مقالات اخر.

    كما قدمت، انتهت الانتخابات وختمتٌ المقالات بتقييم نتائج الانتخابات بالمقال الذي كان موضوع المحاكمة (انتخابات فوز علي عثمان وليس البشير).

    كيف اصبح هذا المقال موضوع للمحاكمة؟!،

    كان هذا هو اعجب العجائب. ذلك أنه وفي ليلة الخامس عشر من شهر مايو 2010م حوالي منتصف الليل اتصل بي زميلي اشرف عبد العزيز يخبرني باعتقال شيخ حسن الترابي طيب الله مثواه، ثم تواعدنا للذهاب لمنزل الشيخ لاستجلاء الامر وقد كان، عندما وصلنا لمنزل الشيخ تفأجأ من كانوا هناك حتى ابناءه، وواجهونا متسائلين، من أين جئتم؟!، حسب افادة رجال الامن الذين اعتقلوا الشيخ أنتم جميعا معتقلون؟!، وان الشيخ اعتقل على خلفية اداء صحيفة الحزب إبان الانتخابات!!؟.

    تملكتنا الحيرة..اننا للمعتقل ذاهبون

    تملكتنا الحيرة، لأنه ليس لشيخ حسن أي علاقة مباشرة بالصحيفة وإن كانت صحيفة الحزب، اذ للصحيفة من يمثلها من قيادات الحزب وهم معروفون. تكهنا أنه ربما اعتقل احدنا ونحن لا نعلم واننا تحركنا قبل ان يدركنا رجالات الامن، وقررنا ان نذهب لمنزل الناجي دهب فاذا كان قد اعتقل فنحن في لائحة الانتظار. ذهبنا ولكن الناجي موجود بمنزله ولم يعتقل ولا علم له بما يجري. تحرك ثلاثتنا عائدين لمنزل الشيخ، وعند وصولنا علمنا أن رجال الامن الآن بمقر الصحيفة وقد اغلقوها واحتلوها. قرر اشرف وناجي الذهاب لمقر الصحيفة لحصر وتدوين الممتلكات، هنا بات الامر واضحا اننا للمعتقل ذاهبون.

    اتفقت مع اشرف وناجي أنني سأذهب للمنزل حتى ارتب اهلي لأمر الاعتقال القادم خاصة أن والدتي كانت قد خرجت في نفس اليوم من المشفى بعد عملية جراحية ولا أريد لها أن تتعرض لصدمة ومفاجأة اعتقالي.

    اعتقال أشرف وناجي

    أما أشرف وناجي فقد تم اعتقالهما عند وصولهما لمقر الصحيفة، وأنا ويا للعجب انتظرت حتى الحادية عشر صباحا ليحضر رجال الامن لاعتقالي. كانوا ثلاث لم اتعرف إلا على واحد منهم كان يكتب بالصحف وصورته مثبتة باسم الشاذلي حامد المادح لكني لم التقيه من قبل. اقتادوني الي مبنى ادارة الاعلام بالخرطوم 2، وعند دخولنا شاهدت زميلي الطاهر ابوجوهرة وكانوا قد اعتقلوه قبلي.

    وبدأالشاذلي تصنع الغضب

    بعد انتظار طويل بمكتب صغير عند مدخل البناية، حضر احد ضباط او افراد لا اعلم لاستجوابي حول (خبر) نشرته رأي الشعب نقلا عن وكالة (ايرانية) كانت أول مصدر لنشر الخبر الذي نقلت عنها باقي الوكالات، ويتعلق بحديث حول التصنيع الحربي بمصنع جياد. استغربت للموضوع والاستجواب، لان هذا الخبر بالتحديد واخر كان مصدره مصر، كانا يوحيان بخطر وشيك سيقع على السودان، وقد فطنت لذلك وكتبت أن هذين الخبرين يشيران إلى خطر داهم. لكن الغريب أن الاستجواب انحصر في الخبر مع تعمد لتجريمي. والاغرب أنني احتججت على (قص) الخبر وعدم توفر كامل الصحيفة او الصفحة التي ورد فيها الخبر، واوضحت أن الذي قدمته هو خدمة جليلة تنبه إلى أن ايران نشرت الخبر لأنها تخشى شيئاً وتريد أن يقع بعيدا عنها. لكن ذلك ويا للعجب أغضب المتحري، الذي ذهب ليعود مع اربعة اخرين بصحبة الشاذلي المادح.

    كان واضحا على الشاذلي تصنع الغضب، وبدأ باعادة الاستجواب وأنا اكرر الاجابات ثم فجأة وبدون مقدمات هاج صائحا (اقيف على حيلك) كنت جالسا، رفضت الوقوف واحتججت على طريقة التعامل معي موضحاً انني معتقل وبين ايديكم ولست جندي أو موظف عندكم، وانني جاوبت على تساؤلاتكم و انني على استعداد لتوضيح ما تطلبون مني ولا اخفي شيئا اخاف منه. لكن الشاذلي تمادي بل اخذ في شتيمتي بافظع الالفاظ، فعلمت أن الامر هو تخويفي. رفضت الوقوف. تمادى الشاذلي. اصررت أنا على عدم الوقوف وتحديته أن يجعلني أقف. من لغة الجسد احسست ان مرافقي الشاذلي راقهم الامر رغم اندهاشهم من ردة فعلي، وعندما عجز الشاذلي طلب من مرافقيه أن يجلسوني بالخارج.

    الضرب والاشتباك..بداية التعذيب

    بالخارج أُجلست على كرسي في مواجهة الحائط، وحمدت الله على هذا الوضع الذي يعصمني من رؤية وجوههم. بعد فترة من الزمن حضر احد الضباط ممن جاءوا لاعتقالي بصحبة الشاذلي وبدأ باستجاوبي مكررا ذات الاسئلة وانا اعيد ذات الاجابات، لأسمع صوت الشاذلي من خلفي يأمر هذا الضابط قائلاً له (الزول دا ما يقعد في كرسينا). قال الضابط متحدثا معي (قوم من الكرسي، الزول دا قال تقوم)، كان ردي بالرفض والطلب منه أن يأتي من أمره بنفسه ان كان يستطيع ايقافي وأضفت ( انا ما جاييكم زيارة ولا ضيف عندكم انا معتقل وكل سؤال رديت عليه، والامر بيني وبينكم ليس كرسي جلست عليه أو وقفت أو نمت عليه) لكنه أصر واصررت، ثم تحرك من مكانه ليسحب الكرسي، وقفت، ورددت له لم اقف لأمركم ولكن حتى لا اقع على الارض. كانت ردة فعله غريبة واخذ يضربني بالكرسي، وكان ردي ضربه والاشتباك معه.

    هنا بدأ التعذيب. جعلوني اقف في الشمس من حوالي منتصف النهار حتى مغيب الشمس، عند المغيب تم استجوابي خمس مرات، الاولى والثانية كانت إعادة لذات الاسئلة وذات الخبر، أما البقية فكانت تعرض علي مقالات متنوعةالموضوعات، كلها قديمة جدا، في استعراض واضح مفاده أننا نتابع ما تكتب، واسئلة بلا معنى ولا مغزى وتهديد بلا انقطاع.

    اسئلة لا معنى لها

    اخر استجواب كان مع الشاذلي وايضا اسئلة لا معنى لها ولا هدف واضح، تقديرى أن هناك رسالة كانت هدف استجواب الشاذلي الاخير، اذ جاءته مكالمة كان حريصا على أن يسمعني تفاصيلها، وخلاصتها أن هناك من حُكم عليه بالاعدام وأنني أنا أبوذر على الأمين سيكون هذا مصيري. تبسمت متعجبا من الاسلوب ومن يرضى وهو يؤدي مهمته بمثل ذلك، وعرفت أنني امام من لا يعرف لماذا اعتقلني ولا الى اين ولا كيف ستكون نهايتي، وأن هناك من يقف وراء كل ذلك، أما من يباشرون معي الاعتقال والاستجواب فلا حول لهم ولا قوة، فقط اتباع ينفذون ما يؤمرون وهم راضون.

     (هنا ما عندنا قانون)

    فجأة حضر الضابط الذي كان يستجوبي بالخارج والذي اشتبكت معه، وقال مخاطبا الشاذلي (سعادتك عندنا استجواب لم ينتهي). قاطعه الشاذلي (لحظات و ساسلمك ليهو). اخذت دقائق مع الشاذلي جعلني خلالها اوقع على بعض اوراق اعتقد انها كانت خلاصة اسئلته لي ولم اكن مهتماً بها لأنني اعرف انها بلا قيمة. ثم استدعى الضابط الذي حضر بمعية تسعة اخرين اضافة إلى اثنين (ابو طيرة) كانوا حضورا اثناء استجواب الشاذلي لي. اخذوني إلى غرفة (عبارة عن مخزن) في اعلى البناية، وكان الاستجواب، سؤال واحد فقط (مصادرك) اجبت بأنه ليس لهم الحق في سؤالي عن مصادري وأن القانون لا يعطيكم هذا الحق. رد الضابط (هنا ما عندنا قانون) ورددت عليه ( اذا كان الامر كذلك بلا قانون فقد سهلت علي الامر أنا لا أملك مصادر وكل شئ من اختراعي).

    مشرط بجواري لتبرير قتلي

    عندها بدا التعذيب الجسدي، انهال على الجميع ضرباً، كلاً بما في يده، وكان أشد وافظع شئ هي الصعقات الكهربائية التي تلقيت اثنين منها وجعلتني كالكرة ارتطم بكل شئ ولا استطيع الوقوف، واحدهم يصيح (بدأ يعمل حركات) ويزداد الضرب حتى ايقنت أنني لن اخرج حياً وسلمت أمري لله.

    الذي جعلني اوقن انني لن أخرج حياً اثناء الضرب، صاح احدهم (شايل شنو الزول دا) كانوا قد طلبوا مني قبل الضرب عدم الالتفات للوراء، ولكني وقتها كنت ملقي على الارض ونظرت فاذا بي ارى مشرط ملقي بجواري، وكان واضح أن هذا سيكون ذريعتهم لتبرير قتلي، وأنهم بعد الإجهاز عليّ سيجعلون بصماتي عليه ويكون دليلهم المادي، كانوا لا يتورعون عن فعل شئ وكل شئ لمن يستهدفونه. كانت أقسى الضربات تلك التي على الارجل والظهر بالعصي الخشبية والخراطيم السوداء فقد ظلت آثارها علي طيلة شهر كامل. المهم اثناء الضرب حضر احدهم فجأة واوقف ضربي وجعلني اوقع على اوراق لا اعرف ما بها، وبعدها اخرجوني واجلسوني وكنت قد صببت من العرق كماً غريبا وبت كمن يخرج من تحت الماء. عاجلني احدهم بشربة ماء ردت فيني بعض الروح، ثم استعجل نزولي بصورة، كأنه يخاف شيئا قادما او شخصاً، وكان ذلك النزول مؤلما ألما فظيعاً، وحتى ذلك الوقت لم أكن اعرف أو احس بما الم بي.

    ضربنا (بلا غبينه)

    نزلت ووجدت الطاهر ابوجوهرة جالسا. اُجلست بجواره، ظللنا على هذا الحال حتى الثالثة صباحا، بعدها حضرت عربة تاتشر طلبوا منا الركوب ورحلنا الى مكتب وحيد ضمن المبنى الرئيس لجهاز الامن، هناك تم تسليمنا استمارة تحتوي على معلومات دقيقة ، فيها من التفاصيل حتى اسماء عماتك وخالاتك واصدقائك ومكان اقاماتهم وكل كبيرة و صغيرة حولك، ثم تم تصويرنا، وكان أحدهم حريصا على ضربنا (بلا غبينه) كما يقولون. بعدها ربطوا اعيننا وحملونا على عربة، وعندما وصلنا كنا بسجن كوبر، وتم استقبالنا أنا وأبوجوهرة بحصة تعذيب وضرب استمر حتى آذان الصبح، بعدها نقلونا إلى طبيب كان نائما اخذوا وقتا مقدراً يضربون بابه حتى افاق، اجلسنا امامه واخذ يعد بعض التحضيرات، وأمامه، كنا نُضرب بكل شئ وفي كل موضع، وكل الذي قام به أخذ عينات من دمنا. بعدها اودعونا حراسة ضيقة ليس عليها سوى فرشة بلاستيك مهترئة، كان صعبا أن تنام وكل مكان في جسدك لا تحتمل اي لمس عليه، كان امرا صعبا أن تنام.

    التلاقي.. أبوذر وابوجوهرة .. اشرف وناجي

    اشرقت الشمس ونحن نعيش الم الضرب والتعذيب فاذا بالطبيب الذي ضٌربنا في حضرته وهو شاهد، ياتينا سائلاً إن كان احدنا يعاني شيئا او يطلب شيئا، نظرت له بدهشة، ثم اشرت له بيدي أن يذهب، وذهب فيما يبدوا حامدا ربه ويا للعجب. بقينا بتلك الزنزانة اربعة ايام، نخرج بمواعيد لقضاء الحاجة والاستحمام والصلاة. الطعام واحد اما عدس أو شعيرية وجبة واحدة او اثنتين في اليوم. في عصر اليوم الرابع تم نقلنا مجددا لمكتب الامن بالمبنى الرئيس للجهاز، هناك قابلنا ولأول مرة أشرف و الناجي، اجريت لنا اجراءات اطلاق السراح، وفجاء اُدخلنا إلى زنزانة واضح انها حمام وليس زنزانة. لحظات بعد ادخالنا تلك الزنزانة تم استدعائي بالاسم، خرجت ليتم عصب عيوني، وحملوني في عربة ولم افتح عيني إلا وانا بمكاتب نيابة أمن الدولة بالخرطوم ثلاث، وكنت عرفت ذلك بعد أن سألت.

    متاهة البحث عن (فضولي)

    عند دخولي لنيابة أمن الدولة (وصلناها عند مغيب الشمس) اخذوا وقتا طويلا، ثم جاء لمعاينتي وانا على عربة الامن احدهم مرتين، ثم انزلت وتم فحصي (بالنظر) وسمح لي بالاستحمام ، وفي الصباح استدعاني وكيل النيابة للتحقيق. كنت مندهشا أن الموضوع الذي أمام وكيل النيابة هو مقال ( انتخابات فوز علي عثمان وليس البشير) وأن التهم الموجهة لي قاربت العشرين اخطرها تقويض النظام الدستوري والارهاب، والتجسس. وكل ذلك في مقال فقط، و ليس أمام وكيل النيابة أي شيء سوى مقال مقصوص، وليس كامل عدد الصحيفة التي نُشر بها. اندهشت اذ لم يعرض علي احد هذا المقال تحديدا وانا بجهاز الامن، بل كان كل الاستجواب المدقق حول خبر صناعة الاسلحة بمصنع جياد، وعرض جيد لعدد كبير من مقالتي القديمة. لم تنتهي دهشتي حتى انتهاء المحاكمة اذ لم تكن هناك وثائق اخرى أو شهود. وقتها، لاخفاء دهشتي أمام وكيل النيابة طلبت منه إعادة قراءة المقال، لكني كنت أفكر كيف انقلب الامر من خبر لمقال، وأيهما أقوى حجة أمام أي نيابة مقال رأي أم خبر؟!!!. طوفت في تلك اللحظات على كل الاسئلة والاحتمالات، ولماذا تحول الامر فجأةً من اجراءات الافراج لنا جميعا لاتهامات و أمام نيابة أمن الدولة وليس نيابة الصحافة. كان علي أن اجاوب على أسئلة وكيل النيابة، وأن أبحث عن اجابات لتساؤلاتي في متاهة البحث عن (فضولي). من وراء كل هذا؟.

    حالبي مصاب (مشروط)

    كانت حالتي تسوء كل يوم وتشتد علي الالام، وكانت زنزانة نيابة امن الدولة تزيدني سوءاً، إذ نجلس وننام على بلاط، بدأت اقلق عندما صعبت على الحركة والمشي، ارجلي تتيبس وحالي ظاهر لكل من هم حولي، كان رفاق الزنزانة يساعدوني في الوقوف بداية الامر، ثم الدلك الذي يخفف عني قليلا لكن حالي لم يتحسن، اخرجت من الزنزانة بعد معركة لمقابلة الطبيب وعرفت بعد أول كشف لي اتضح أن حالبي مصاب (مشروط) وأن هناك دم بالبول. كانت أصعب اللحظات هي تخطي الاماكن العالية أو الواطية عتبة أو سلم طلوعا و نزولا، كان الالم ينبعث فيني بقوة عصية على الاحتمال. اشد ارجلي واجرها جرا كل خطوة، ظهري مقبوض، قفص صدري لا احتمل اللمس فيه تحت الابط، كان كل يوم يمر تزداد آلامي، كل يوم يمر اسوأ من سابقه، لا مكان إلا للقلق.

    ……………..

    الأمين العام لحزب المؤتمر السوداني يروي تجربة اعتقاله

    مستور احمد محمد

    تم اعتقالي بتاريخ 7 نوفمبر وتم ترحيلي الى كوبر.. في نفس اليوم.. وكان بها عدد من المعتقلين لاسباب مختلفة..سياسي واقتصادي وتهريب وتجارة بشر وما إلى ذلك.

    التعامل في المعتقل غير لائق ومهين حيث ينام الجميع على الارض ويتقاسم الفراش الواحد 3 معتقلين احيانا والغرفة الواحدة بها اكثر من 40 يستخدموا حماما واحدا ويشربوا الماء من نفس الحمام الذي يفتح داخل الغرفة.

    هنالك تعذيب جسدي واهانات لفظية بشكل مستمر وبخاصة عند الإعتقال وأثناء التحقيق حيث يتعرض الغالبية إلى الضرب المبرح وبخاصة ابناء دارفور المنتسبين إلى الحركات والمتهمين بانتسابهم الى الحركات والعاملين بالمنظمات والمتهمين بإنتمائهم لها ممن يقوم بتوثيق انتهاكات حقوق الانسان وكذلك يشمل التمييز في التعذيب أبناء النيل الأزرق وجنوب كردفان لنفس الأسباب. وكان معنا بالغرفة معلم من أبناء الفاشر (تابت) اسمه عبدالحميد عبد الله عبدالكريم تم اعتقاله في يوم عقد قرانه وبعد ثلاثة أيام تم استدعائه للاستجواب وعندما أرجعوه الى الغرفة كان فاقدا للوعي تماما من التعذيب. وكذلك رئيس رابطة طلاب دارفور بجامعة القرآن الكريم ادم حجر تم تعذيبه بطريقة بشعة. ايضا من الذين تعرضوا للتعذيب،، ابوبكر يوسف الأمين السياسي لحزب المؤتمر السوداني وعضوية الحزب سليمان عمر ويس صلاح ونورالدين بابكر والناشط مظفر.

    وحتى كبار السن لم يسلموا من التعذيب..صحيح غالبا لا يتم ضربهم..ولكنهم يتقاسموا مع الاخرين صنوف التعذيب الاخرى..مثل الجلوس على الارض لساعات طويلة أثناء التحقيق تصل إلى 6ساعات والتكبيل اثناء الترحيل حيث تم ذلك اثناء ترحيلنا إلى سجن دبك شمال الخرطوم وحدث ذلك مع رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير فقد تم ترحيله بعربة صغيرة إلى بورتسودان وكان مكبلا طيلة 12ساعة.

    ومن صنوف التعذيب ،عدم الاستجابة السريعة للمرضى هذا بالإضافة الى العنف اللفظي والتهديد بالتعذيب حال رفض الإجابة على بعض الأسئلة.

    شخصيا تعرضت الى ضرب مهين في العين والأذن في داخل سجن كوبر امام زملائي وتم نقلي إلى غرفة اخرى وتم عرضي على الطبيب وتلقيت بعض الادوية، وما زلت استشفي. وكان السبب مفتعلا بحجة انني اعترضت على شراب الشاي في اناء بلاستيكي لان ذلك مضر بالصحة وقد لاحظنا طبقة من المواد البلاستيكية نتيجة لتفاعل الشاي الساخن بالاكواب البلاستيكية.

    وقال لي ردا على الاعتراض..

    “لو متوا يعني شنو؟؟؟

    السودان ما مستفيد منكم اي حاجة”.

    ………….

    إفادات عروة الصادق عضو حزب الأمة القومي بخصوص تجربته مع الاعتقال..

    أكتب عن فترة الاعتقال الأخيرة، التي استمرت لقرابة التسعة أشهر بين نيابة أمن الدولة وسجن كوبر:

    ١/ تم الاعتقال يوم الأربعاء الموافق 6 يناير 2016م وأنا أسير في الطريق، حاولت الهروب دون جدوى، فتم دهسي بسيارة ومن ثم اقتيادي إلى جهة غير معروفة بالعمارات علمت فيما بعد أنه مبنى نيابة أمن الدولة.

    استمر حجزي في مبنى نيابة أمن الدولة وهو عبارة عن منزل عادي من عدة طوابق، وفيه غرفة كانت تستخدم كمطبخ مساحته حوالى 15 متر مربع (3 في 5)، وكانت تحوي بداخلها 32 شخصاً يشبه منظرهم في مخيلتي الأحذية التي يتم وضعها على بعضها في الصناديق في مشهد مهين للكرامة ومهدر للآدمية، كنا نلتحف السراميك البارد في شتاء يناير القارس وتقطع أجسادنا أسراب البعوض.

    ٢/ لم أتعرض في النيابة لممارسات التعذيب التي كانت تتم في المعتقلات كالعادة ولكن ما وجدناه من إهانة نفسية وإذلال شكل أكبر جرعة تعذيب، لم يوقف هذا التعذيب النفسي إلا بعد إعلاننا الاضراب عن الطعام لمدة استمرت 96 ساعة، بعدها استجابت النيابة لمطلبنا بتقديم ملفنا إلى المحكمة.

    ٣/ المعتقلات التي نعرفها وتم اعتقالنا فيها مرارا وتكرارا في الغالب تكون بيوت عادية تعدل حماماتها أو مطابخها وتغلق أبوابها بأسيجة حديدية أو إغلاق محكم للنوافذ بصورة تمنع الضوء المباشر، ولكن مباني نيابة أمن الدولة كانت من حيث السوء أنه يتم ابتزازك فيها من قبل العساكر لكي تجري مكالمة دقيقة واحدة بمبلغ خمسين جنيهاً بغرض الاطمئنان على أهلك، أما الأكل والشرب فلا سبيل لهما إلا بالمال، أو أن تملأ قارورة مياه من مبرد بالي بجوار الحمامات، أو من الحنفية التي في الحمام مباشرة، مع العلم أن الحمام لا يسمح بدخوله إلا مرتين في اليوم، واحدة في الصباح وأخرى في العصر، وتتراص الصفوف دون مراعاة لكبر سن أو حالة مرض.

    ٤/ في الغالب يتسم سلوك الجلادين بالفظاظة والغلظة والبذاءة وسوء الأخلاق، اللهم إلا قلة قليلة تتعامل ببعض الأخلاق وعلى استحياء خوفا من مديريها الذين يمنعونهم من تقديم أي خدمة أو الحديث معنا، وأنا لم أقابل طيلة فترات اعتقالي شخص يمكن أن يقال عنه أنه سوي، إلا قلة قليلة في سجن كوبر الذي تتأرجح طرق التعامل فيه ما بين سيء إلى أسوأ، من حيث البيئة والتعامل والأكل والشرب.

    ٥/ التعذيب الذي تعرضت له شخصياً تمثل في الضرب المبرح في مباني جهاز الأمن في أم درمان جوار جوازات أم درمان، والإجبار على الوقوف لفترات طويلة ورفع الأيدي ومقابلة الجدران والإساءة وسب العقيدة والأهل، وكان ذلك من الضابط أنس البادرابي الذي قدمني لمحاكمة مشهودة، كما شاهدت عدداً من الشباب وبعضهم قُصّر يتم تجريدهم من ثيابهم ويضربون ضرباً شديداً، ويجبرون على قول أناشيد إنقاذيه وهتافات تمجيد للبشير.

    كما شاهدت تعريض أبناء دارفور تحديداً للضرب والشد من الشعر “البوب” حتى تساقطه في أيدي الجلاد، وسبهم ونعتهم بأبشع الألفاظ العنصرية. هنالك أسماء وقوائم بأسماء معتقلين ومعذبين مرفقة أذكر منهم على سبيل المثال أحد أسرى الحركات، الذي تعرض لإصابة بطلق ناري، حيث ترك في المعتقل حتى تعفن جرحه، وآخر تمت إصابته في رجله وجراء الإهمال تعطلت رسميا عن الحركة وأقعد صاحبها، وهذان الشخصان أحدهما يدعى آدم وادي، والآخر يدعى أحمد.

    ٦/ في سجن كوبر يوجد معتقل لجهاز الأمن وهذا لا يتبع لسلطة السجون، حيث تمارس فيه كل الفظائع، من تعذيب وإساءات، ولا يستطيع مدير السجن دخوله ولا حتى الإدارة العامة للسجون؛ لأنه تحت سلطة جهاز الأمن، إلا أن هذا لا يبرئ سلطة السجون من التعذيب، فلسجن كوبر لائحة عقاب تبيح للسجان أن يقيد المسجون لمدة يتطاول أمدها ويقصر بحسب مزاج السجان بسلسلة حديدية صدئه تصيب من يتم تقييده بها إصابة تظل باقية في جسده مدى الحياة، وهنالك اهمال صحي كبير من قبل السجان ومن قبل الطواقم الطبيبة، التي تتبع لتلك السلطات، التي لا تتعامل مع الحالات المرضية بالوازع الإنساني المهني، بل في الغالب تجد الطبيب نسخة طبق الأصل من الجلاد.

    وفي فترة أخيرة، تم تحويلنا إلى قسم الإعدامات وهو قسم للمحكوم عليهم بالإعدام، وبه عدد كبير من المحكومين، وفيه الزنزانة مساحتها عبارة عن 6 متر مربع أمامها حفرة لقضاء الحاجة، تستخدم في الفترة ما بين الخامسة مساء حتى السابعة، واذا اضطر الانسان لقضاء حاجته ليلاً، أو أصيب بأي مرض معوي عليه أن يستفرغه أو ينزله في كيس بلاستك أمام ناظر إخوانه، الذين يتراوح عددهم ما بين أربعة إلى سبعة أشخاص يلتحفون الأرض.

    هنالك مذكرات طويلة صغتها بهذا الغرض وتشتمل على فظائع إنسانية وجرائم كارثية تصل حد الانتهاكات الجسيمة، ولكن لارتباط بعض المعلومات فيها بزملاء رافقناهم في السجون والمعتقلات لا يمكنني الإفصاح عنها إلا بعد الاطمئنان عليهم.

    في الختام

    إن منظومتنا العدلية مختلة تماما وقد حكمت على ذلك من واقع تجربة معاشة فقد دخلت المعتقلات والمحتجزات والمخافر والسجون تحديدا سجن كوبر، ووجدت أنه لا فرق بين تلك المؤسسات سوى في نوع البزة والشارات والرتب، التي يرتديها منتسبوها، فالفساد المالي والأخلاقي عنوان بارز ومشترك في كل تلك المؤسسات.

    تم إطلاق سراحي يوم 7 أكتوبر 2016.

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...