الأحد  20  أغسطس  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • مظاهر الاستغفال في تراث الممارسة السياسية: المؤتمر الشعبي انموذجا

    January 11, 2017  

    د. فتح الرحمن القاضي

    سوف يتكشف للامة السودانية غير بعيد ان الموقف المناهض الذي يتبناه ويعتمده قادة الفصائل والحركات السلمية او تلك التي تحمل السلاح في التعامل مع المؤتمر الوطني والسلطة الحاكمة ، سواء اتفقنا مع هؤلاء اختلفنا ، انما هو موقف جدير بالتأمل سيما وأن هذا المنطق يستمد حجيته من فرضية مختبرة تؤكد انتهاج الحكومة لمسلك مخادع ينحو لاستثمار الوقت لتمرير اجندتها الخاصة في سائر منتديات الحوار والاتفاقيات ، ومن ثم يعمد نظام المؤتمر الوطني  الي مد لسانه ساخرا في نهاية المطاف في مواجهة الاخرين بعد استنفاذ الغرض من دعوتهم للحوار ؟!!  …  قادة الفصائل المعارضة  يستندون الي تراث اليم،  لم يختبروه لوحدهم بل اختبرته الامة باكملها ، من نقض للعهود والمواثيق ، والتنكر للاتفاقيات ، والتذاكي علي كل من يأتي طائعا باخلاص متحليا بحسن النوايا لكي يضع يده في يد المؤتمر الوطني علي امل التوصل لحلول سلمية تسهم في حل معضلات البلاد ومشكلاتها المتعاظمة …

    من يساوره ادني شك فليتأمل فرضيتنا هذه علي خلفية الاتفاقيات والمواثيق  التي تم توقيعها من قبل في شان السلام فيما يلي جنوب السودان ودارفور الكبري … ثمة هنالك سؤال جوهري يقفذ الي ذهن المرء وهو : لم لم تعمر تلك الاتفاقيات برأيكم ؟؟ ولم تم نقض عري تلك الاتفاقيات عروة عروة ؟؟… ولم نفض الموقعون علي تلك المواثيق والاتفاقيات ايديهم ليلتحقوا من جديد بركب التمرد ؟؟ الاجابة ليست عسيرة بالطبع علي تساؤلات كهذه ذلك ان الذين نفضوا ايديهم عن الاتفاقيات انما فعلوا ذلك بعد ان ذاقوا الامرين في اعقاب الخبرة الاليمة التي لمسوها في التعامل  مع الانقاذ والمؤتمر الوطني من سدة السلطة ومن داخل ردهات صنع القرار في القصر الجمهوري …وهنا يرد  شريط طويل من الاتفاقيات والمواقف والاسماء في الذاكرة، يجدر استصحابه وتامله بعناية باعتبار كونه يعكس الكثير من المواقف المعيبة التي تنضح خيبة وخسراناً فيما يلي التنكر للعهود والاخلال بالمواثيق …

    في سياق مرتبط ليس هنالك ثمة شك في ان الماساة الكبري التي مازالت تتفاعل في نيرتتي سوف تكون خصما علي صدقية الحكومة في التمكين لسلام مستدام ، فوق كونها تشكل رصيدا متجددا يصب في مصلحة عبد الواحد وما سواه من قادة الفصائل الدارفورية المسلحة  الامر الذي يمنحهم ويوفر لهم منطقا جديدا يستقون به في الامتناع عن التعاطي الموجب مع دواعي الحوار والسلام …

    ودعونا من هؤلاء  فها هو المؤتمر الشعبي حاور باخلاص وفاوض بحسن نية وصبر صبر ايوب علي حوار متطاول استنزف زهاء ثلاث سنوات حسوما من عمر الامة فماذا جنت القوي المحاورة من اطياف المعارضة ، بما فيها الشعبي، في نهاية المطاف ؟! وماهي الثمار التي يمكن ان تقدمها هذه القوي والتيارات للامة السودانية ؟! وماذا يمكن للشعبي علي سبيل المثال ان يهديه للامة السودانية باعتباره الحزب الاكثر دعوة والانشط عطاءا والابلغ تاثيرا في رفد الحوار بالسند السياسي والطروحات الفكرية والدعم المعنوي ؟!

    لا اظن ان الشعبي لديه حتي الان نتائج ملموسة متحققه يهديها للامة السودانية كحصاد للحوار ، ليس ذلك فحسب بل ان الشعبي  سوف لن يكون بمنأي عن اللوم جراء ما يحدث من مفارقات ، وسوف يكون مستهدفا (بالمسخطة ) من قبل جماهير الامة السودانية التي لن تتلفت كثيرا قبل ان تحمله تبعات ما يحدث من خروقات جسيمة لحقوق الانسان في السودان اسوة بالمؤتمر الوطني ان لم يكن اكثر ؟! …

    وفي تقدير جمهرة الرأي العام، اتفقنا معهم ام اختلفنا،  ان المؤتمرين بشقيهما وطني وشعبي يتحملان معا علي قدم المساواة اوزار المحنة التي تشهدها  البلاد باعتبار ان الوطني وسلطته الحاكمة يتحمل وزر الافعال بينما يتحمل الشعبي وزر الصمت علي الخروقات وعدم مدافعة افعال الوطني وممارساته التي لن تقود الي شيئ سوي تكريس الحكم الدكتاتوري التسلطي بخروقاته البائنة المشهودة..

    المؤتمر الوطني بنهجه المراوغ هذا يعطي القوي الممانعة والمتشككة في جدوي الحوار  اصدق برهان وابرز دليل علي عدم صدقية الحوار … ولا ريب ان قادة الفصائل  يقفون الان موقف الشامت ليس من المؤتمر الوطني وحده بل من المؤتمر الشعبي كذلك…

    واذا كان هنالك ثمة مكذب للفرضيات المشار اليها بعاليه فليعطنا برهانا واحدا يمكن الاستناد عليه لتأكيد صدقية الحوار ومخرجاته التي تتعرض مرارا وتكرارا للتحوير والتبديل والافراغ من مضمونها الحقيقي  …

    واخشي ما نخشاه ان تكون قوي المعارضة التي ارتضت الحوار ، بما فيهم المؤتمر الشعبي، قد وقعت من حيث لا تحتسب ضحيةللاستغلال والاستغفال من قبل المؤتمر الوطني وباسم الحوار لتجاز عبرهم ومن فوق رؤوسهم أسوأ انماط الحكم التسلطي الشمولي  ، واكثر السياسات حيفا وجورا في حق الامة وقد راينا بانفسنا كيف تم تمرير اكثر القرارات بؤسا فيما يلي اقتصادد الناس وامنهم ومعاشهم تحت مظلة الحوار ، وكأنما كان قدر الامة ان تشقي بالحوار ومخرجاته وتختبر مزيدا من الضنك والمسغبة لا أن تسعد بهما وتجني ثمارهما المامولة لخير الامة.

    ودعونا نستلهم عبر التاريخ وعظاته ونحن نتأمل حادثات السياسة واطوارها المتقلبة فسوف يتكشف لنا  ان معظم القوي السياسية،  ويشمل ذلك  المؤتمر الشعبي ولا يقتصر عليه وحده، انما باتت عرضة للاستغفال والاستغلال اربع مرات ، وتتمثل أبرز مظاهر الاستغفال فيما يلي  :

    1)    الاستغفال الاول:

    عبر اتخاذ موقف غير ممانع لما جري في نيفاشا رغم (العوار الكبير ) الذي اعتراها حيث قامت علي محاصصة معيبة من اجل التوصل للسلام المزعوم واقتسام ثمراته ولم تؤسس علي عقد وطني اجتماعي جامع …ولم تحظ الا بامهار توقيع المجلس الوطني علي اختلال مشروعبته للبت في هكذا قضايا مصيرية في حين ان الامم ذات التقاليد الشورية الديموقراطية الراسخة التي تحترم شعوبها ايما احترام كانت تنحو نحو استفتاء شعوبها في شان قضايا اقل من نيفاشا بكثير …مع العلم ان نيفاشا ليست شانا عاديا وانما هي اتفاقية مصيرية يتحدد بموجبها بقاء السودان موحدا ام يؤول الي تمزق وانفصال …وهكذا تركت نيفاشا للطرفين الموقعين ، الحكومة والحركة الشعبية ، ولم يجرؤ احد في السودان علي معارضتها سوي قلة من الناس نحن منهم وفي ركابهم وذلك خشية الوقوع تحت طائلة الاتهام بالوقوف في وجه السلام … لتمضي هذه الخطة الخبيثة الي نهاياتها المحتومة ولم تكن النهاية اامحتومة سوي حصيلة الكارثة التي نشهد تفاصيلها الدامية وتداعياتها الكارثية حتي الان .

    2)    الاستغفال الثاني :

    عبر المشاركة في انتخابات غير متحققة النزاهة العام 2010 مما ادي لاكساب الانتخابات مشروعية كانت تفتقر اليها في الاساس ، وقد شهدنا استنكار المرحوم الشيخ الترابي لنتيجة الانتخابات حبث تحدث بصراحة مؤكدا للراي العام الوطني والعالمي  (فرضية تبديل صناديق الاقتراع) …ومهما كان الامر فقد وفرت مشاركة الشعبي باخلاص في تلك الانتخابات مشروعية وهمية كان المؤتمر الوطني مستعدا لبذل الغالي والنفيس للحصول عليها ، وهي المشروعية المنتقصة التي ما زال المؤتمر الوطني يؤسس عليها حكمه حتي يومنا هذا .

    3)    الاستغفال الثالث :

    عبر تحييد المؤتمر الشعبي بازاء (هبة سبتمبر ) العام 2013  التي لم يتم الانتصاف لضحاياها حتي الان … وصحيح ان الشعبي لا يتحمل اوزار قتل الناس بالمئات في سبتمبر ولم يتصدي منسوبيه للمتظاهرين بالقمع والترويع ولكنه لم يرم بثقله معضدا لهبة سبتمبر اثناء حدوثها ، ولم يهرع للمطالبة بالقصاص للضحايا الذين سفك دمهم بالمئات سيما وان ملف القضية ما زال يراوح مكانه لم يجد حظه من العدالة الناجزة والانتصاف لا علي المستوي  الوطني ولا  مستوي المجلس الدولي لحقوق الانسان مع تعدد تقارير المجلس وقراراته التي تدعو حكومة السودان للانتصاف للضحايا .

    4)    الاستغفال الرابع:

    برغم سلامة موقفة الشعبي وبقية القوي المتحاورة من الدعوة للاستمساك بالحوار ونبذ التعانف من اجل التوصل الي حلول ومعالجات شاملة للتحديات والمعضلات الكبري التي تمر بها البلاد بيد ان (نهج المراوغة ) الذي جبل عليه الوطني يكاد يهزم المنطلقات والنوايا الطيبة التي يصدر عنها الشعبي وما سواه من التنظبمات والاحزاب، علما بأن هذه التيارات المعارضة  اثرت الاصطفاف خلف تيار الحوار  وساندته بكل ما تملك من قوة وعضدت مخرجاته علي علاتها رغم العثرات  والتطويل غير المبرر لعملية الحوار حتي جاوزت الثلاث سنوات …

    لقد ظن الشعبي وبقية الاحزاب المتحاورة، وبعض الظن اثم ،   ان مجرد التوافق علي (مخرجات للحوار ) في بعدها (النظري الانشائي ) يمكنه ان يشكل فتحا لا يعدله فتح في سبيل الخروج بالسودان من نفق الازمة الي افاق الخلاص ليتكشف لهم لاحقا ان الجهد الذي بذلوه لاحداث التوافق حول المخرجات ، علي علاتها ، لم يصمد اكثر من اسابيع قلائل ليتم تبديله وتحريفه وافراغه من مضمونه علي ايدي جهابزة تفصيل الدساتير والقوانين في عملية للحياكة لم تترك لاحد مجال لارتداء حلة التعديلات الدستورية القانونية  الا القليل من اصحاب السلطان والنفوذ، بينما خرجت بقية القوي المحاورة ومعها السودان باكمله من مولد الحوار خاوية عارية لا تجد ما يستر الجسد او يقيم الاود.

    هاهو النظام الحاكم يدير ظهر المجن للقوي التي وثقت فيه وارتضت الجلوس للحوار وتغاضت عن كثير مما لحقها من عسف تقديرا لمصالح وطنية عليا فلماذا لا يصدق الوطني وعده ولو مرة ولماذا يستخف بالقوي المحاورة مؤثرا اللجوء لتاكتيكات مفضوحه لافراغ الحوار من مغزاه ومعناه بعد اذ ظن ان بعض التغييرات والمواقف علي المستوي الوطني والاقليمي والدولي يمكن ان تمنحه املا جديدا في البقاء والامساك بمفاصل السلطة والتحكم في اقدار السودان من جديد ؟!

    تري هل يستمر الحال علي النحو الذي تدار به اوضاع البلاد حاليا، ام تكون للشعبي وما سواه من القوي المحاورة وقفه حاسمة للتقويم والنصح والمراجعة سعيا نحو اعادة الامور الي نصابها الصحيح ؟!!….

    تري هل تلجأ القوي المعارضة الي الامتناع عن مشاركة الوطني في الحكم عبر (قسمة ضيزي ) يعرضها للاخرين بينما يحتفظ لنفسه في الواقع (بنصيب الاسد) علي مختلف مستويات السلطة الدستورية والتشريعية والتنفيذية ؟! ام تقبل بالمشاركة من اجل المشاركة فقط مهما كان حجمها وجدواها ؟!! …

    تري هل تستمر القوي المعارضة بما فيها الشعبي في المشاركة في (حوار الوثبة ) والدفع باستحقاقاته خصما علي صدقيتها امام الراي العام الذي يتهمها بالمشاركة في حوار عبثي بلا حصيلة ولا مردود ام تعمد الي نفض ايديها واثوابها وتعليق مشاركتها في عملية الحوار برمتها ؟!

    هذا ما سوف تتكشف عنه قادمات الايام …

    [email protected]

     

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...