الجمعة  23  يونيو  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • الثُّقبُ فِي سَقْفِ البَيْتْ! (2 ـ 2)

    January 8, 2017  

     (سِرأناي كِلْويلْجَانْقْ وسِجالاتُه حولَ صِراعِ الشَّمالِ والجَّنوبْ)

    كمال الجزولي

    في نهاية الحلقة الماضية لاحظنا أنه، وبرغم ما قد يبدو على روايتي الشَّاعرين صلاح احمد إبراهيم  وسرأناي كلويلجانق من اتِّفاق مظهريٍّ حول أهميَّة المنهج (التَّاريخي الاجتماعي) في تناول صراع المستعربين المسلمين السُّودانيين مع الأغيار من مساكنيهم، بوجه عام، أو صراع الشَّمال والجَّنوب، بوجه خاص، إلا أن (الاختلاف) سرعان ما يبرز، كأظهر ما يكون، بين شاعر (اشتراكي ماركسي)، ومع ذلك تغلب على رؤيته سطوة (العين الوطنيَّة)، بتركيزه على إحالة أسباب الصِّراع كافَّة إلى محض (عوامل خارجيَّة)، وبين شاعر (اشتراكي أفريقي)، ومع ذلك تغلب على رؤيته سطوة (العين الاجتماعيَّة)، بتركيزه على إحالة أسباب الصِّراع كافَّة إلى محض (عوامل داخليَّة)! وفي هذه الحلقة، نسلط حزمة من الضُّوء على كلا الرُّؤيتين، كي يصبح واضحاً مدى سداد، أو عدم سداد، أيٍّ منهما، رغم ما لكلٍّ من أهميَّة!

    (7)

    في تقصِّيه لأسباب الشِّقاق يشدِّد صلاح تشديداً قويَّاً على عاملين خارجيَّين: (الاستعمار) و(المؤسَّسة الكنسيَّة)، حيث: “رقص الدِّينُ على مزمارِ رأسِ المالْ”، عندما: “الأبيضُ الشِّريرُ جاءَ من جديدٍ يتبع الرَّحَّالة الجَّاسوس/ قد غيَّر من قميصِهِ الثُّعبانْ/ ملهمُ الجَّرائمِ الكُبرى أتاكَ والمبشِّرَ الأبيضَ يبنيانْ/ بالقشِّ كنيسةً صغيرةً وسطَ القريةِ/ في معسكرِ السُّخرةِ/ في عقولِ البُسطاءْ/ في مجاهلِ الأدغالْ/ جاءاك فى تحالفٍ مقدَّسٍ/ حكايةَ المُقعدِ والأعمى بذاتِها/ جاءاك للأرضِ، وما على الأرضِ، وتحتَ الأرضِ/ كلُّ عَلـَم كالخنجرِ المغروسِ في مكانْ/ جاءا لأنغولا، لموزمبيق، لجنوبِ أفريقيا، لزمبابوي، للكنغو/ كما جاءاكَ يا ملوالْ/ (غردونُ) في خلواتِهِ شرابُه المفضَّلُ الإنجيلُ بالبراندي/ و(بيكرُ) الصَّارمُ يرسل الرُّعبَ إلى حدود الزاندي/ وكلُّ من معبدُه مغارةُ اللصوصِ/ دارُه مؤتمرُ الذِّئابْ/ وكلُّ من لسانُهُ يمجُّ الشَّهدَ/ وهو للشَّاربِ صابٌّ صابْ/ وكلُّ من حرفتُهُ التَّضليلُ/ همُّه حرقُ البخورِ للضَّلالْ/ وكلُّ من علمَهُ (التَّفتيشُ) أن يصمَّ أذنيهِ عن الصَّوابِ/ أن يضطهد الصَّوابْ/ وكلُّ من درَّسَهُ تجَّارُ أوربَّا، وكلُّ (شيلوكٍ) بها، كيف يغشُّ بالحسابْ/ والخِنجرُ المغروسُ في قلبِ البلادِ صارَ في العقولِ فكرةً/ وفي اللسانِ لغةً/ وفي النُّفوسِ غلا وحزازاتٍ يدورُ كأسُها موتاً/ وحاناتُ أوربَّا ونيويورك تعتِّقُ الشَّرابْ”!

    (القصيدة، الديوان، ص 45 ، 46)

    أما سِر أناي فإن تركيزه ينصبُّ، بالأساس، على العامل الاجتماعي/ الدَّاخلي، على استعلاء المستعربين المسلمين العرقي والدِّيني واللغوي والثَّقافي، لكنه يغالي في ذلك حين يصوِّر الإسلام نفسه، من وجهة نظره، وبلا هوادة، كما لو كان ديناً عرقيَّاً لا يعني مجده غير مجد العرب، ولا يعكس نبله وكرمه سوى نبل مَحتِدِهم هم، وكرم عنصرهم وحدهم، وهكذا:

    “يا ابن عمَّتي محمَّد/ ما أن شرعَ أبوك فى تدبُّر أمرِهِ مع القبائلِ والعشائرِ المحليَّةِ/ حتَّى خلص إلى تفوُّقِهِ العِرقِي والثَّقافي على إنسانِ أفريقيا/ فانطلقَ ينشرُ تصوُّرَه للإسلامِ كمحضِ جزءٍ لا يتجزَّأ من تقاليدِهِ العربيَّةِ/ فإذا الإسلامُ والعروبةُ، في نظرِ المجاهدينَ، سيانْ/ وسببان لقوتهم التي لا تنهزمْ/ إبنُ عمَّتي يحسب نفسه ذكيَّاً جدَّاً حين لا يكتفي بأن يتباهى بأنه أفريقي يتكلم العربيَّة/ إذ ليسَ عندَهُ لسانٌ أصليٌّ سواها/ لكنَّه يزعمُ، فوقَ ذلك، أن مِن سماتِ التَّحضُّر أن تتكلمَ العربيَّةَ!/ إبن عمَّتي عربيٌّ متعصِّبٌ بينَ العربْ/ عربيٌّ أسودٌ ينكرُ هُويَّةَ العِرقِ، هُويَّةَ الإهابِ ولونِ الجِّلدِ/ يقول: إذا تكلمَ الأفريقيُّ العربيَّةَ فهو عربي!/ وإذا استعربَ الأفريقيُّ بالثَّقافةِ فهو عربي!/ لكنَّ ابن عمَّتي يزعمُ أن الإسلامَ شئٌ مملوكٌ للعربْ!/ ويقول: أنزل الله القرآنَ بلسـانٍ عربيٍّ فمـن المسـتحيلِ ترجمتُهُ إلى لغةٍ أخرى لأن اللهَ حرَّمَ ذلك/ ويقولُ: على المسلمين تعلمُ العربيَّةِ لأنَّها لغةُ القرآنِ الكريمْ/ والقرآنُ الكريمُ هو حاملُ الثَّقافةِ العربيَّةْ/ فالعربُ هم شعبُ اللهِ المختارْ/ ويقولُ ابنُ عمَّتي لا فضَّ فوه: ليسَت للأفارقةِ ثقافةٌ/ وليسَ لهم تاريخٌ/ ولا دينٌ/ ولا يجتمعونَ على لغةٍ واحدةٍ/ فهم، لذلك، أوباشٌ! ويقولُ إن من واجبه بسطَ نفوذِ العربِ على أفريقيا/ لتتحوَّل بأسرِها إلى قارَّةٍ عربيَّةٍ/ كي يتحضَّر أهلوها!/ إبنُ عمَّتي أصمَّ أذنيهِ عن كلِّ شئٍ ما خلا العروبةَ/ وكان طبيعياً، بإزاء ذلك، أن يأتمرَ كلُّ الأفارقةِ ذوي البشراتِ حالكةِ السَّوادِ/ من كلِّ القبائلِ، ومن كلِّ العشائرِ، وتجتمعَ كلمتُهم على فكرةٍ كبيرةٍ واحدةٍ: أن يتكتَّلوا/ حيثُ أفضى بعضُهُم إلى بعضٍ: إنْ كان العربُ جاءُوا لسلبِنا أرضِنا فدونَ ذلك خرطُ القتادْ/ غيرَ أنَّ العربَ السَّادرينَ في غزواتِهِمْ/ أبادوا آلاف الذُّكورِ الأفارقةْ/ واستحيوا نساءَهُم/ وعاشروهُنَّ بلا قيودْ/ وهكذا أتيتَ أنتَ يا ابنَ عمَّتي” .. الخ

    (القصيدة، الديوان، ص 18 ـ 22)

    وإزاء ذلك لم تُجدِ صلاحاً يمينه المغلظة بأن روايته هي الصَّحيحة:

    “ملوالُ ها أنا ألحسُ سِنَّة القلمْ/ ألعقُ ذرَّةَ من التُّرابْ/ أضرِبُ فخِذي بيدي/ أقسِمُ بالقبورِ .. بالكتابْ/ شُلت يدي جنازةً لو انَّني كذبتُ يا ملوالْ/ ولينشفِ اللسانُ من جذورِهِ/ ولتنفطرْ هذي اللهاةُ من أَلَمْ/ كأنَّها حنظلةُ الجِّبالْ/ لو انَّني كذبتُ يا ملوالْ/ وقبلَ أن تنكرَني اسمعْ قصَّة الجَّنوب والشَّمالْ/ حكايةَ العَداءِ والإِخاءِ من قِدَم”!

    (القصيدة، الديوان، ص 43)

    فمع كلِّ هذا القَسَم المغلظ أوغل سِر أناي في إصراره العنيد على صحة روايته هو، كونها، من زاوية نظره:

    “الرِّواية الحقَّة التي لا يجرؤُ أن يرويها المؤرخون العربْ/ عن صراعِ أهلِهِمْ مع الأفارقة/ وهكذا أتيتَ أنتَ يا ابنَ عمَّتي ..” الخ

    (القصيدة، الديوان، ص 19)

    على أن الشَّاعرين يعودان، مع ذلك أيضاً، ليتَّفقا، بوجه عامٍّ، على “الحلِّ الاشتراكي الدِّيموقراطي” للمشكلة، يوم يكفُّ (ابن العمَّة)، عند سِر أناي، عن استعلائه البغيض الذي يجعله:

    “حينَ يسمعُني أنشد للحريَّةِ والعدالةِ والمساواةِ يغضبُ/ ويصرخُ في وجهي: وأنتَ، أيضاً، يا (عَبـِد)/ تريدُ أن تكونَ حُرَّاً ومُساوياً لي”؟!

    ويوم يعود لسيرته الأولى قبل الاستقلال، عندما كان:

    “يبشِّرُ بالحريَّةِ والعدالةِ والمساواةِ للجَّميعِ/ لكلِّ السُّودانيين/ غضَّ النَّظرِ/ عن العِرقِ/ والقبيلةِ/ والدِّينْ”!

    وعندما كان (ابن العمَّة):

    “ابناً للشَّعبْ/ لكلِّ الشَّعبْ/ وديموقراطيَّاً حقيقيَّاً كانْ/ يبذل نفسه لأجل خير الفقراءِ والمسحوقينْ”، قبل أن تعصف بعقله خمرة السُّلطة:

    “فانقلبَ يؤمن بأن السُّلطة هي كلُّ شئ/ يؤمن بأن السُّلطة هي ماله، وبأن السُّلطة هي هناؤه، وبأنها هي أمنه، وسعادته”، وأضحى هو: “مسكيناً يعوِّل على السُّلطة وحدها لإخضاع الخصومْ”!

    ويوم يكفُّ (ابن العمَّة) هذا عن تسخير ما حظي به من تعليم:

    “لتلبية غاياتك الشَّخصيَّة الأنانيَّة وحدها/ حيث كلما تعالى صراخ الجَّوعى/ كان لديك من الذُّرة ما يكفى لإطعام أهل بيتك دون غيرهمْ/ أطفالك متخمونْ/ ومع ذلك أنت نذل بما يكفي لتزري بالمدقعينْ/ الذين، بالكاد، على وجبة واحدة، في اليوم، يحصلون/ جالساً، متبطلاً، هكذا/ في مكتبك الغاصِّ بالرِّياش/ والسِّجَّادْ/ وبالهواء المكيَّف/ لا تجيد غير إصدار تعليمات ترقِّبها/ بالأمر رقم كذا والأمر رقم كذا/ غافلاً تماماً عن كون التَّنمية بنت الجِّباه التي تتفصَّد بعرق الكدح الشَّريف/ وعلى حين لا تحسن حتَّى رسم الخطط/ أو اتخاذ القرارات المفيدة التي تمنع استغلال البشر/ لا تنفكُّ تتضجَّر من ازدحام المدن بالخلق/ الذين يتوجَّب إرجاعهم إلى قراهم النائية/ كي ينكبُّوا هناك على إنتاج الغذاء لأنفسهم/ بأدواتهم البدائيَّة/ ولا تنفكُُّّ تردِّد أن قانون (الكشَّة) ينبغي تفعيله/ كون المتبطلين يشكِّلون تهديداً للحكومة/ ناسياً أن الناس لا يكفونَ/ يا ابن عمَّتي/ عن الرُّجوع دائماً/ إلى المدنِ الكبيرةْ/ لأنَّهم يريدون أن يكونوا قريبين من (القصرِ)/ حيث الطبقةُ الحاكمةُ لا تكفُّ عن وضع الخطط التي تؤبِّد جهلهم وأميتَهم”!

    (القصيدة، الديوان، ص 22 ـ 24)

    ومن جانبه ينطلق صلاح يبشِّر بوطنٍ ـ روضةٍ:

    “أزهارها شتَّى/ أشمُّ فيكِ عبق المستقبل الجَّميلْ/ حين يلتقي الأبيض الحليم بأخيه الأزرق المثيرْ/ أنظر يوم يقبلون عرباً، وبجة، ونوبة، وفجلو، وباريـا، وبرتة، وبنقـو، وزغاوة، وأمـبررو، وأنقسـنا، ودينكـا، وتبوسا، وأشولى، ونوير، ومساليت، وأنواك، ولاتوكا، وغيرهم، وغيرهم/ للبوش كلٌّ منهم يُهدي، ولكن باعتزاز، شيئه الصَّغير/ ويوم يسـود في السُّـودان صوت العقـل، صوت العـدل، صوت العلم، واحترام الآخرين/ حقِّهم في أن يكونوا (آخرين)/ حقِّهم في أن يبلغوا الرُّشد متى شاءوا/ وكالشَّمال ـ الرِّيح ـ أحراراً فأمهاتهم ../ يسـود صـوت الحـقِّ، صـوت الخـير/ ذاك الذي يمكـن أن يجمله صديقنا (قرنق) بالدِّيموقراطيَّة الحقَّة/ ما نعرف أنه هناك ثابتٌ/ كهيكل الفولاذِ يمسكُ البناءْ/ فى سعادة القرقيز والتَّتار والبشكير(3)/ فكِّر معى ملوالْ/ أيُّ مجدٍ سوف ننشيه معاً/ على ضفاف النِّيلِ/ أيُّ مجدٍ، لو صفت نيَّاتنا الاثنينِ/ فكِّر معى ملوالْ/ قبل أن تنتابنا قطيعة رعناءْ/ باسم عزةٍ جوفاءْ/ أو باسم سدادِ دينْ/ يوغرها الأعداءُ بالذي مرَّ بهِ الآباءْ/ فلنقل براءٌ نحن منها ننفض اليدينْ/ تفتَّحي يا أمنياتِ الشَّعبِ/ عن مستقبلٍ نحن معانيهِ معاً/ وعن هناءةِ الشَّمالِ والجَّنوبْ/ عن نضارةِ الإخاءِ في هذينْ/ يومَ لا تقومُ بيننا السُّدودُ والحدودْ/ يوم لا يعذِّبُ الجُّدودَ في قبورهم حاضرُنا/ لا الدِّينُ/ لا الأصلُ/ لا سعايةُ الغريبِ/ لا جنايةُ الغبيِّ/ لا وشايةُ الواشي/ تدبُّ كالصِلالِ في القلبينْ/ فكِّر معى ملوالْ”!

    (القصيدة، الديوان، ص 47 ، 48)

    (8)

    ولئن امتلأت قصائد سر أناي، حتى فاضت، بالغصص والمرارات، جرَّاء مخاشنات (ابن العمَّة)، واستعلاءاته الجَّهيرة، فإن سِر أناي قد بقى، مع ذلك، ردحاً طويلاً من الزَّمن، على يقين تام، عكس التَّيَّار الغالب وسط الاشتراكيين الجَّنوبيين، من أن الوحدة هي قدَر الجَّنوب والشَّمال معاً، وله في ذلك الحُجَّة السَّائغة والقول الأنيق. فقد كان يرى أن جوهر الدعوى ينبغي أن ينصبَّ على إصلاح “الخطأ الكامن هناك في مكان ما من مملكة الدنمارك!”، بعبارة (شكسبير) الشَّهيرة على لسان هاملت! وفى حوار طويل دار بيننا حول سؤال الوحدة والتنوُّع والسَّلام (شارك فيه، خلال فترات مختلفات، كلٌّ من النور عثمان أبَّكر، ونور الدِّين ساتِّي، وأحمد الطيِّب زين العابدين، وسِر أناي، وشخصي، واتَّصل من بداية ثمانينات القرن المنصرم إلى أواسطها، ونشرت صحيفة (الأيَّام) بعض وقائعه في حينها، ولمَّا نستنفد، بعدُ، جُلَّ مطلوباته ودواعيه)، حدثنا سِر أناي عن مفردة “جورشـول” التى تطلق، فى كل اللغات الجَّنوبية، على “الغريب”، حتى لو جاء من يوغندا، أو كينيا، أو زائير، بينما تستخدم كلُّ هذه اللغات مفردة “مندوكورو” في وصف “إنسان الشَّمال”، فلا يُعَدُّ في شرعتها “غريباً”، وإن فـَجـَرْ! كما حدَّثنا عن مواسم هجرات الجَّنوبىِّ (شمالاً)، عندما تحاصره الحرب أو الفاقة، وليس (جنوباً) إلا من استُكره وقلبه مطمئن بالوطن! وأنه، في تجواله في مدن الشَّمال، لا يخامره أدنى إحساس بأنه “جورشول”، حتف أنف لفظة “عَبـِد” البذيئة تصكُّ مسامعه في الأزقـَّة، والمقاهي، ومطاعم “البلدي”، ومحطات القطارات! وقال لنا، مرَّة، في ما قال، بشاعريَّة شفَّافة: “ما تعانيه أمَّتنا ليس آلام المرض، وإنما أوجاع الولادة”! وبعد سنوات قلائل شارك معنا بنشاط جمٍّ فى تأسيس (اتحاد الكتَّاب السُّودانيين)، وهو الذي اقترح لمجلته اسم (كرامة)، قائلاً: “هذه الكلمة مستخدمة في كلِّ لغات الجَّنوب، بنفس دلالاتها الثَّقافيَّة الطيِّبة في الشَّمال”!

    بالجملة كان سِر أناي حفياًَّ بكل ما من شأنه أن يدعم الوحدة، شديد الثِّقة في أن السُّودان سوف يجتاز، عمَّا قريب، أزمته، فينهض باذخ القامة في وحدته، كثيف الجَّمال في تنوُّعه. ولكنه لم يكن يكفُّ، لحظة، عن التحذير من (مكامن الخطر) هنا وهناك، والإنذار بخبيئات (العواصف الآتية) من هنا أو من هناك!

    (9)

    علمت أنه التحق بعد انقلاب الثَّلاثين من يونيو 1989م بالحركة الشَّعبيَّة، ثم انشقَّ، لاحقاً، عن كيانها الأصل، ليلتحق بفصيل السَّيِّد رياك مشار، أحد الفصائل الرئيسة التي

    تمثِّل تيَّار (الانفصال) في الحركة السِّياسيَّة والعسكريَّة الجَّنوبيَّة، والتي أبرمت معها الحكومة، في ما بعد، (ميثاق الخرطـوم السِّياسـي ـ 10 أبريل 1996م)، و(اتفاقيَّة السَّـلام

    السُّودانية ـ 21 أبريل 1997م)، والاتفاقيَّة الأخـرى لـ (قطاع جـبال النوبا) التي اقترنت بهـا، ثم (اتفاقيَّة فشـودة ـ سبتمبر 1997م) مع مجموعة د. لام أكول، فأسلمني ما قد علمت إلى أسى عميق بأكثر مما أسلمني إلى دهشة أو حيرة! فالتَّشريعان الأساسيَّان اللذان ترتَّبا على تلك المواثيق والاتفاقيَّات (المرسوم الدُّستوري الرابع عشر ـ تنفيذ اتفاقيَّة السَّلام لسنة 1997م، وقانون السَّلام والتَّدابير الانتقاليَّة للولايات الجَّنوبيَّة لسنة 1997م بالمذكِّرة التَّفسيريَّة المرفقة معه) قد صدرا، أساساً، للإحاطة بترتيبات تسترضي هذه الفصائل، وتقنعها، على نحو ما، بأن ثمَّة وسيلة أخرى متاحة لها، غير البندقيَّة، لتحقيق رؤيتها الخاصَّة لشكاوى وظلامات الجَّنوب، من حيث هي رؤية انفصاليَّة في المبتدأ والمنتهى، وذلك بالتواثق معها على إجراء استفتاء حول (تقرير المصير) بعد سنوات الفترة الانتقاليَّة الأربع التي تبدأ من تاريخ تشكيل (مجلس تنسيق الولايات الجَّنوبيَّة) وفق المرسوم الرَّابع عشر. وما من عاقل لا يستطيع أن يلمح، بكلِّ يسر، حتميَّة اقتران الانفصال، ضربة لازب، بخيار تقرير المصير، حالة كونه يجرى وفق ترتيبات كهذه، وفى ظروف الحرب الدَّائرة، وبمعزل عن مشاركة القوى الشَّماليَّة المعارضة، مِمَّا يجعل من إقصاء خيار الوحدة مزاجاً عاماً راجحاً(4). ولعل هذا هو أخطر وجوه المسألة التي ظلَّ سِر أناي نفسه يحذر منهـا، وينذر بهـا! بل إن هـذا هــو بالضَّـبط ما عـبَّر عـنه د. لام اكـول، صراحة، فى (الحـياة اللندنيَّة)، وأعـادت نشـره بعـض الصُّحـف المحـليَّة أوائـل   عـام 1998م، حـيث قـال بالحـرف: “.. معروف فى الأدب السِّياسي أن الدَّعوة إلى حقِّ تقرير المصير يحمل  لواءها من يرغب في تحقيق الانفصال، فما من حركة وحدويَّة  تتحدَّث عن حقِّ تقرير المصير. ونحن في الحركة الشَّعبيَّة المتَّحدة لتحرير السُّودان أوَّل من طالب بحقِّ  تقرير المصير بهدف تحقيق انفصال الجَّنوب. هذه حقيقة نقولها جهاراً، ومن دون أيَّة مواربة”! فتأمَّل أيَّة حالة من اليأس أوصلنا إليها شاعراً ومفكراً وسياسيَّاً وحدويَّاً مثل سِر أناي، وكيف دفعنا به دفعاً على طريق المشوار المأساوىِّ المريع من أول التَّشبُّث بـ (الوحدة) إلى آخر اللواذ بـ (الانفصال)!

    (10)

    لم تمهله   المنيَّة طويلاً، فتوفى، عليه رحمة الله، في لندن، شتاء العام 1999م. وهكذا أعفانا، مرَّة وللأبد، من مشقة النظر إلى عينيه الحزينتين، وهو يتلو علينا “حيثيَّاته” الختاميَّة، مثلما أعفى نفسه، هو أيضاً، مرَّة وللأبد، من نظرة استفهام أخيرة تطلُّ من عـيني حـبيبته، وزوجـته، وأمِّ عياله السَّـيِّدة رجـبيَّة عـبـد الله مانجوك مابوك التي لطالما كابدت معه شظف العيش، انتظاراً لزمن جميل لا يأتي أبداً (!) ثم ها هي قد كتب عليها، بعد موته، أن تكدح وراء رزقها ورزق أيتامه ببيع الشاي لطلاب جامعة الخرطوم، بينما لا يزال يتردَّد في مسامعها، ولا بُدَّ، شئ من صدى قصيدته (ثقبٌ في سقف البيت) التي زيَّنها بإهداء رقيق لها في ديوانه، وكم كان يهدهدها بدفئها في ليالي الجُّوع والبرد الموحشة:

    “آهٍ، لكم تبدين حائرة يا حبيبتي/ كأَّنك لم تفهمي، بعدُ، تماماً، لماذا نبدو/ وكأنَّنا لن نبلغ إلى أيِّ مكان!/ دعيني، إذن، أقولها لك صريحةً:/ إن ما نكابد الآن من شقاءْ/ هو، حتماً، ما سيشكِّل القيمة السَّاميةْ/ لكل الذي سوف نجنيه فى نهاية المطافْ/ ولذا فلا تغرَّنَّك لغة النَّجاح والفشلْ/ فالثُُّّقبُ الذي يرشَحُ في سقفِ بيتِنا/ قد يكون، بالحقِّ، سبب زكامنا المستديمْ/ ولكن، أوَليسَ من المحتملِ، أيضاً، أنه موجود هناك/ كى يحثُّنا على مواصلة النِّضال الرِّفاقي، كتفاً لكتفٍ، مع الكُتَلِ الفقيرةْ”؟!

    (القصيدة، الديوان، ص 59)

    الهوامش:

    (3) من القوميَّات الآسيويَّة فى الاتِّحاد السُّوفيتي سابقاً. وواضح أن صلاحاً كان منبهراً، كغالب الشِّيوعيين أوان ذاك، بما اعتقد فيه الحلَّ النَّاجع لمشكلةِ القوميَّات في إطار النَّموذج الستاليني للدَّولة الاشتراكيَّة وقتها.

    (4) تمَّ التَّواثق، لاحقاً، بين الحكومة والحركةِ الشَّعبيَّة/الجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، بقيادة د. جون قرنق دي مبيور، وضمن (مبادرة الإيقاد) برعاية أمريكا وبريطانيا وإيطاليا والنرويج، وفي غياب المعارضة الشَّمالية (مشاكوس ـ 20 يوليو 2002م)، على (تقرير المصير) بعد فترة انتقاليَّة تمتدُّ لستِّ سنوات ونصف.

    (تمَّـت)

    ■ ■

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...