الخميس  23  فبراير  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • بروفايل: الثُّقبُ فِي سَقْفِ البَيْت! (1 ـ 2) .. (سِرأناي كِلوِيلجانقْ وسِجالاتُه مِن الوحدةِ إلى الانفِصَال)

    January 4, 2017  

    كمال الجزولي

    (1)

    صلاح احمد إبراهيم، المولود بأم درمان في 1933م، والذي تخرَّج، أواخر خمسينات القرن المنصرم، في كليَّة الآداب بجامعة الخرطوم، حيث كان ناشطاً بالحزب الشِّيوعي، يُعتبر أحد أكبر شعراء الجَّماعة المستعربة المسلمة، التي هي نفسها أكبر الجَّماعات الإثنيَّة بالسُّودان، والتي تعود بأصولها إلى العنصر النُّوبي، قبل أن تستعرب، فلا يعود لنوبيَّتها معنى حقيقي لديها. وعندما كتب قصيدته (فكِّر معى ملوال)، أواخر الخمسينات وأوائل السِّتِّينات، ونشرها، لأوَّل مرَّة، ضمن مجموعة (غضبة الهبباي) عام 1965م، لم يكن سِر أناى كِلوِيلجانق، الشَّاعر المولود عام 1945م في قبيلة (الدِّينكا)، إحدى أكبر الجَّماعات الإثنيَّة بجنوب السُّودان، قـد خطط، بعـدُ، أو فكَّـر، حتَّى، في كتابة قصـيدته (إبن عمَّـتي محمَّـد MY COUSIN MOHAMMED)، والتي نعتبرها، رغم فارق الزَّمن، سجاليَّة بامتياز لقصيدة صلاح المشار إليها.

    وللدِّقَّة، لم يكن ثمَّة (سِر) أناي، أصلاً، وقتها، بل كان (بيتر) أناى هو ذلك التلميذ الدِّينكاوي الذي صلبته الفاقة على أعتاب (مدرسة رُمبيك الثَّانويَّة)، كسير الخاطر، مهيض الجَّناح، ممتلئاً، حدَّ التُّخمة، بالفجيعة، ومحتقناً، حتَّى الأسنان، بمشاعر الغبن وخيبة الأمل، فلا هو مسموح له بدخولها رغم نجاحه، ولا هو يطيق مغادرتها على قلة حيلته، وقد كادت تطيح بأحلامه الفتيَّة عقبة الرُّسوم الباهظة التي فوجئ بأن عليه سدادها قبل أن يُسمح له بأن يخطو خطوته المرتبكة الأولى إلى الصَّفِّ الدِّراسيِّ الأوَّل، بينما أبواه لا يملكان شروى نقير منها! وفى لحظة حاسمة، من تلك اللحظات المحتشدة باليأس النَّبيل، حـزم الولد النَّاحـل أحـزانه الكثيفـة، واندفـع، بمـلء دموعه المدرارة، وإهابه الزنجىِّ، وفصوده المائزة، يركب الصِّعاب من هناك وحتى (جوبا)، في محاولة عدَّها الجَّميع ضرباً من الجُّنون، كي يرفع ظلامته .. إلى من؟! إلى (سِر) الختم الخليفة، مدير التَّعليم بالمديريَّات الجَّنوبيَّة، آنذاك!

    ما انفكَّت تنهش صدر الصبيِّ، طوال الطريق، نوازع الشُّكوك، وتتشعَّب في عقله مصارف الرِّيَب، فأنَّى لمثله أن يحظى برؤية الرَّجل الذي يرنُّ اسمه، كالأسطورة، وسط تلاميذ ومدرِّسي الجَّنوب، دَعْ أن يجد لدى ذلك المستعربُ المسلم رفيع السُّلطة محض أذن صاغية، دَعْ صدراً يتفهَّم غبن تلميذ وثنيٍّ مدقع، أو فؤاداً يتعاطف فينقذ مستقبلاً من ضياع وشيك، أو آمالاً من بهمة ظلام ما ينفكُّ يحلولك حولها، ويتحشَّد.

    غير أن ما ظنه (بيتر) أناي معجزة صار إلى حقيقة. فـ (سِر) الختم استقبله ببشاشة بدَّدت رهبته، و(سِر) الختم ربت على رأسه بأبوَّة جفَّفت دموعه، و(سِر) الختم أحاطه بحنان أشاع  في نفسه الطمأنينة، و(سِر) الختم أسهب في سؤاله عن أحوال أبويه وإخوته، وصحتهم، والقرية، والزِّراعة، والأمطار، ورحلته إلى (جوبا)، فأشعره باهتمام (الخال) وتعاطفه، وأمَرَ، في نهاية المقابلة، فأُعفى (بيتر) أناي من الرُّسـوم، وأُعيد إلى مدرسته جزلاً تكاد لا تسعه الأرض من الفرح. وهكذا، ما أن استقر في رُمبيك حتى سارع لإشهار إسلامه، وتغيير اسمه من (بيتر) أناي إلى .. (سِر) أناي(1)!

    (2)

    تعارفنا، لأوَّل مرَّة، في منزلي بضاحية (شمبات الهجرة)، ذات أمسية شتائيَّة عام 1984م. كان قادماً لتوِّه من (جوبا) عقب اعتقال طويل بسجنها. وكنت مصاباً بنوبة ملاريا ألزمتني الفراش، فجاء يعودني مع صديقنا المشترك الشَّاعر الياس فتح الرَّحمن. استوقفني الاسم، فسألته:

    ـ “تقصد السِّر”؟

    فأجاب بسرعة كمن يصحِّح معلومة خاطئة:

    ـ “لا .. لا، (سِر) .. (سِر)، من (سِر) الخَتِمْ”!

    قلت مداعباً:

    ـ “يعني .. شاعر دينكاوي ختمي” (2)؟!

    فضحكنا ثلاثتنا بصخب، وهو يحاول أن يشرح وسط قهقهاته:

    ـ “لا .. لا .. أقصد .. يعني ..”

    ثم ما لبث أن انطلق يروى القصَّة من أوَّلها، بينما استغرقني التَّفكير في المآلات الفادحة التي أوصلت إليها جماعتَنا المستعربة المسلمة ممارساتُ الاستعلاء البغيض على (الآخر)، تأسيساً على وهم التَّميُّز بالعرق، أو الدِّين، أو الثَّقافة، أو اللغة، فوقع عندي أن (سِر) الختم الخليفة قد حقَّق، بعقلانيَّة سلسة، وتلقائيَّة عذبة، شيئاً من المعنى الرَّقيق الذي ذهب إليه الحديث الشَّريف: “الدِّين المعاملة”؛ فما أحوج هذه الجَّماعة لتأمُّل مثل هذه (الأسرار) شديدة البساطة في تواضعها الوسيم، كثيرة الإفصاح في بلاغتها الصَّامتة، علها تتجاوز بها شيئاً من ميراث البغضاء الذي كاد يسدُّ، نهائيَّاً، ولما يربو على القرون الخمسة، سبل تواصلها مع المُساكِن (الآخر) غير المستعرب وغير المسلم!

    (3)

    عشيرة سِر أناي تنتمي، في أصلها، إلى (دينكا روب)، لكنها أصبحت، لاحقاً، جزءاً من (دينكا يوم)، بعد هجرتها، إلى قرية (أراويتش)، حيث وُلد سِر أناي، وتلقى تعليمه الأوَّلي بـ (مدرسة بارجيل) فى (شيوبيد) بمنطقة (كوك) على مسافة أربعين ميلاً غربي (رُمبيك). ثم ما لبث أن انتقل إلى (مدرسة لوكا الوسطى) على نهر (ياي) في (المديريَّة الاستوائيَّة)، ومنها إلى (مدرسة رُمبيك الثَّانويَّة). وبعد اجتيازه امتحان الشِّهادة السُّودانيَّة حصل سر أناي على منحة لدراسة الصَّحافة في دار السَّلام بتنزانيا من (حركة هارامبي الثَّقافيَّة الاجتماعيَّة) التي كان يرعاها (معلمو) جوليوس نايريري، أحد الرُّموز المؤسِّسة لـ (حركة البان آفريكانيزم). وقد شهدت تلك الفترة بداية تأثُّر (سِر) بالاشتراكيَّة الأفريقيَّة قبل سفره إلى بومبي لمواصلة دراسته للصَّحافة.

    تزامنت عودته من الهند مع وقوع “انقلاب الرُّوَّاد”، بقيادة اللواء جعفر نميري، في مايو 1969م، فالتحق محرِّراً بصحـيفة (نايـل ميـرور NILE MIRROR) التي كانت تصدر عن (وزارة شؤون الجَّنوب). وبعد (اتفاقيَّة أديس أبابا ـ فبراير 1972م) بين نظام نميري، وبين (الأنيانيا الأولى) وجناحها السِّياسي (حركة تحرير جنوب السُّودان) بقيادة اللواء جوزيف لاقو، والتي نال الإقليم الجَّنوبي بموجبها حقَّ الحكم الذَّاتي، انتقل (سِر) للعمل بوزارة الثَّقافة والإعلام الإقليمـيَّة بـ (جوبا). وفى 1980م أسَّس ورأس تحـريـر صحيفة (HERITAGE التُّراث). وعلى هذا النحو قضى (سِر) ما يمكن أن نطلق عليه (عقد العسل المُر) بين النِّميري والجَّنوبيين، والذي امتدَّ حتى منتصف 1983م.

    وعندما أخذت الأوضاع تتفجَّر مجدَّداً، جرَّاء تجاوز النِّميري وحلفائه من الإسلامويين، وقتذاك، بقيادة د. التُّرابي، للاتفاقيَّة، مِمَّا أفضى، في أوائل يونيو 1983م، لإعادة تقسيم الإقليم الجَّنوبي إلى ثلاثة أقاليم، ثمَّ إلغاء الاتفاقيَّة ذاتها، عبر الأمر الجُّمهوري رقم/1، الصادر في 15 يونيو 1983م، اتخذ (سِر)، مع مثقفين جنوبيين آخرين، موقف المعارضة الشَّديدة لتلك الإجراءات، فبات مطلوباً للأجهزة الأمنيَّة، فغادر (جوبا) إلى رُمبيك، لكنه سرعان ما اعتقل هناك، ثمَّ تكرَّر اعتقاله عدَّة مرَّات كانت آخرتها عام 1984م، حيث جاء بعدها إلى الخرطوم، ليبقى فيها إلى ما بعد الانتفاضة الشَّعبيَّة التي أطاحت بنظام النِّميري في أبريل 1985م.

    بعد الانتفاضة أعاد (سِر) إحياء صحيفة (HERITAGE) من المكتب التَّابع في الخرطوم لـ (وزارة الثَّقافة والإعلام) بـ (إقليم بحر الغزال). وفى 1987م غادر إلى العاصمة البريطانيَّة، حيث نال منحة للماجستير في (كلية لندن للصَّحافة LONDON SCHOOL OF JOURNALISM)، على رسالته حول (الكوارث الأفريقيَّة في الصَّحافة العالميَّة). وفى  الأثناء حضر إلى السُّودان، لآخر مرَّة، قبيل انقلاب يونيو 1989م، ثمَّ توجَّه، بعده، من لندن إلى نيروبي ليعمل محاضراً لطلاب الدِّراسات العليا بـ (كليَّة الإعلام بجامعة كينياتا). وفى خواتيم التِّسعينات شدّ الرِّحال، مجدَّداً، إلى لندن للتَّحضير للدُّكتوراه في نفس الكليَّة. غير أن داءً لعيناً تمكَّن منه، للأسف، فأقعده، نهائيَّاً، بعد أن قطع شوطاً مقدَّراً في كدحه الأكاديمي، بحصوله على درجة الـ M. Phil المؤهٍّلة للتَّحضير للدُّكتوراه.

    (4)

    قبل انقضائه نهائيَّاً فى منتصف 1983م كان (عقد العسل المُر) بين النميرى والجَّنوبيين قد شهد هدوءاً نسبيَّاً على الجَّبهات العسكريَّة والسِّياسيَّة كافَّة، رغم أنه لم يخلُ من توتُّرات كادت تؤدِّي، أكثر من مرَّة، إلى العصف بالاتِّفاقيَّة، كالمواجهة العنيفة، داخل برلمان النِّظام، بين الجَّنوبيين وبين غلاة العربوإسلامويين، أثناء مناقشة مسودة الدُّستور (الدائم) في مايو 1973م، بسبب إصرار أولئك الغلاة على تضمين الدُّستور نصوصاً بأن “الإسلام دين الدَّولة”، وأن “رئيس الدَّولة ينبغي أن يكون مسلماً”، وأن “تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة لازم”. وإلى ذلك، أيضاً، الأحداث التي لازمت تنفيذ البند الخاص في الاتفاقيَّة باستيعاب قوَّات الأنيانيا، البالغ تعدادها 6203 عسكريَّاً من مخـتلف الرُّتـب، فـي قـوام جيش البلاد، وتمـرُّد (الكتيبة/116) في (جوبا) على قائدها بيتر سريليو أواخر 1974م، وتمرُّد جزء من (حامية أكوبو) في 2 مارس 1983م، وتمرُّد (حاميتي كبويتا ورمبيك) فى يناير 1976م، وتمرُّد (الكتيبة/110) بقيادة النقيب ألفرد أقويت، في نفس العام، بـ (واو)، بالإضافة إلى الحوادث التي شملت إطلاق النار المتبادل بين العسكريين الشَّماليين والجَّنوبيين، مِمَّا طال المدنيين، في ما بين عامي 1972م و1974م، فضلاً عن تكرار انفجار القنابل اليدويَّة في بعض دور السِّينما، وميزات الضُّباط، وأندية الجُّنود، والأحياء السكنيَّة بالمدينة، بين عامي 1974م و1980م. ويمكن القول، إجمالاً، بأن الإرهاص بالتَّمرُّد أطل برأسه مجدَّداً منذ العام 1975م تحت قيادة غوردون كونق وجيمس قونق وفينسون كوانج وآخرين في (أكوبو) و(الناصر)، ولمَّا يكن قد جفَّ، بعدُ، حبر (اتفاقيَّة أديس أبابا) التي أبرمت من خلف ظهر القوى السِّياسيَّة الرَّئيسة في الشَّمال، خارج أيَّة حاضنة وطنيَّة ديموقراطيَّة، مِمَّا فتحها على شكوك هائلة، حتى لقد قيل، في بعض (الفولكلور) الذي شاع عنها، إنها انطوت على بنود سرِّيَّة!

    (5)

    لكن سِر أناي أولى الاتِّفاقيَّة ثقته، رغم هشاشتها البائنة، فكان أشقى الناس بتلك الأحداث، حيث عدَّها (انتكاساً) عمَّا أسَّست له الاتفاقيَّة، برأيه، من مشروع للسَّلام والوحدة. وقد عبَّرت عن ذلك أغلب قصائده في تلك الفترة، والتي ضمَّنها، لاحقاً، مجموعته الشِّعريَّة اليتيمة (وَهْمُ الحُريَّة وقصائد أخرى THE MYTH OF FREEDOM AND OTHER POEMS) الصـادرة عن (دار نيو بيكون للنَّشر NEW BEACON BOOKS) بلندن عام 1985م.

    فمثلاً، في قصيدة (العاصفة الآتية THE COMING STORM) التي كتبها في رُمبيك في 17 ديسمبر 1983م، اتخذ سِر أناي موقف الشَّاعر الإشكالي problematic مطلِقاً نذيره المرعب:

    “فجأة، وأنا أتسلل في رحلتي الهاربة/ أبصرت سماءً هائلة الكواكب تخيِّم فوق الجَّنوب/ فمضيت أغني تحت سحابة راحلة في وحدة موحشة/ للقية الذَّهب الأسود تحت جهشة البروق/ ثمَّ رسمت لوحة للسَّماء المعتمة خلف وميض شعشعة القمر/ وكالشَّبح المجنَّح كنت أنا الشَّاعر الخفي/ السَّابح في الفراغ في مكان ما/ حيث ليس غير السَّحاب تحرِّكه الرِّيح ببطء/ ليشكِّل، رويداً رويداً، طائرة حربيَّة/ مضيت أسخر من هذه الأوزان/ في كلمات رجل ينظم قصيدة/ بينما هو سابح في الفضاء ينذر بالعاصفة الآتية/ المندفعة بعنف لاقتلاع الشُّتيلات الصَّغيرة/ من تربة الوحدة الهشَّة”!

    (القصيدة، الديوان، ص 27)

    وفى قصيدة (حَربُ الحُبِّ THE WAR OF LOVE)، التي كتبها بـ (جوبا) في 13 يوليو 1975م، رمى سِر أناى مثيري (الحرب الجَّديدة) بأرتال من التَّساؤلات المحتجَّة:

    “آهٍ، أىُّ حرب هذي؟!/ أعودة للأيَّام الغابرة؟!/ لم لا تتعهدوا زمن السَّلام هذا بقليل من الحدب؟!/ أهذا، يا ترى، هو الحبُّ الذي جلبه ميثاق سلامنا؟!/ فلماذا بعثتم، إذن، بكل هذه البوارج المشحونة بالحجارة؟!/ أتراه استسهال آخر لسحق مسعى تشكُّلنا القومي؟!/ ألا تبصرون روح التغيير تغمر حياة أمتنا؟!/ أىُّ حرب هذي؟!/ أعودة للأيَّام الغابرة؟!/ أإشعال لحرب الكراهيَّة في وقت نحن أحوج ما نكون لإشعال حرب الحُب”؟!

    (القصيدة، الديوان، ص 25)

    غير أن شكوى سِر أناي لم تقتصر على السَّلام يسحقه مفجرو (حرب الكراهيَّة) فى الجَّنوب، فحسب، بل إن عينه لم تغفل، أيضاً، عن مكامن (عواصف الخطر) تهبُّ على (الوحدة الهشَّـة) من الشَّمال بالأساس، الشَّـمال الذي ظل (سِرْ) يرتبط مع غالب إنسانه بآصرة إسلام التمسه لديه، واجتباه عن محبة، ولم يطلب منه سوى أن يكفَّ عن تغليب هويَّة الدِّين واللغة والثَّقافة. لذا، حين زلزلت حزازة الشَّمال زلزالها، وأخرجت مكامن الخطر فيه أثقالها، مع أحداث الثَّمانينات الرَّهيبة، انفجر يخاطبه منشداً بغضب ومرارة:

    “هلا تفضَّلت بالكفِّ عن مضايقتي/ حتَّى لا يجد كلانا نفسه مضطراً لإثارة الأسئلة الشَّائكة عن أصل الآخر/ وحتَّى يمكننا، أنت وأنا، أن نعيش في سلام؟! وهلا تفضَّلت بمعرفة أمر واحد فقط/ هو أن السُّودان الذي ما تنفكُّ تكابر بأنه أمَّة عربيَّة في قلب أفريقيا/ قد ظلَّ دائماً أنا/ وحدى أنا/ ولقد سُمِّي على اسمي؟!/ فالسُّودان يعني أنا!/ ومع ذلك لم أرغب، يوماً، في تذكيرك بجذورك الثَّقافيَّة غير السُّودانيَّة/ لأنني، ببساطة، لا أرى أهميَّة لذلك/ بل إن أكثر ما يهمُّني هو أن كلانا بشر/ وأن لنا حقاً متساوياً في العيش معاً هنا/ فى أرض السُّود هذه/ فى السُّودان”!

    (القصيدة ، الديوان ، ص 51)

    (6)

    لكنَّ سِر أناي كان قد أطلق أقوى تعبيراته غضباً، وأكثرها احتقاناً بالمرارة، أواخر عام 1975م، في إثر ما رآه من مسعى غلاة السُّلطويين العربوإسلامويين لإدخال العصيِّ فى عجلة السَّلام والوحدة، بإصرارهم على تضمين رؤاهم الأيديولوجيَّة في مسودة دستور 1973م، حـتَّى فـي مرحـلة مـا بعـد الاتفاقيـَّة، وذلـك فـي قصـيدتـه (إبـن عمَّـتي محمَّـد MY COUSIN MOHAMMED)، والتي نرجِّح صدورها، رغم فارق الزَّمن، بنيَّة المحاورة/المساجلة لقصيدة صلاح احمد إبراهيم (فكر معي ملوال)، مِمَّا سلفت الإشارة إليه في فاتحة هذه المقالة.

    لقد اتفق الشاعران، اتِّفاقاً مظهريَّاً، وفي أكثر من موضع من روايتيهما، حول قصَّة الصِّراع الشَّمالىِّ ـ الجَّنوبىِّ فى السُّودان، حيث يرى صلاح أن:

    “العربىَّ حاملُ السَّوطِ المشـلِّ للجِّمالْ/ شكـَّالُ كلِّ قارحٍ، مُلاعبُ السُّيوفِ والحرابْ/ حلَّ على باديةِ السُّودانِ كالخريفِ بالسُّنةِ والكتابْ/ يحملُ في رحالهِ طموحَه، ولوحَه، وتمرتينِ في جرابْ/ وشجرَ الأنسابْ/ لاقيتَه في تقلي/ في التُّرعةِ الخضراءِ/ في كاكا/ وتيجان الأقار والعليابْ/ ينافس الفرنديتْ/ يريدُ منك العاجَ والعنسيتْ/ والعبيدَ من فرتيتْ/ والمرعى وعسل الغابْ/ والخرتيتَ وكلَّ ما يفرِّح السُّوميتَ في خواطرِ الجلاَّبْ/ تصطرعانِ مثل جاموسينِ يا ملوالْ/ لكنَّ قرنَكَ الصَّغيرَ، قرنَكَ الطريَّ، قرنَكَ الضَّعيف .. لا يهابْ”!

    ويرى، أيضاً، أن تلك: “حقيقةٌ سمراءُ في أحشاءِ كلِّ أمِّ ولدٍ منهنَّ/ من بناتِ جدِّكِ الأكبرِ .. مِمَّا بذرتهُ نُطفُ الأعرابْ”! ثمَّ يمضي يشدِّد على أنَّها: “حقيقةً كبيرةً عاريةً كالفيلِ/ كالتِّمساحِ/ كالمنيفِ فوقَ كسلا/ سليطةَ الجَّوابْ/ كذَّابٌ من يقولُ في السُّودانِ إنني الصَّريحُ/ إنني النَّقيُّ العِرْقِ/ إنني المحضُ/ أجل كذَّاب”!

    (صلاح؛ “فكِّر معى ملوال”غضبة الهبباى، ص 43 ، 44 ، 45)

    ولعلَّ رواية (سِر) لا تختلف، كثيراً، في هذه الناحية، عن رواية صلاح، حيث جاء في ردِّه المتصوَّر عليها:

    “أبوك ذلك العربىِّ جاء من أزمانْ/ بثقافةِ قومِهِ وبالقرآنْ/ ولكن .. بلا أَمَة يتخذُها زوجةً .. جاءْ/ يرومُ العيشَ بين أصدقاءْ/ لا بينَ عبيدٍ جاءَ كي يعيشْ/ ولذا .. دونما أدنى اعتبارٍ للونِهِ أو عنصرِهْ/ كان ميسوراً له، على الدَّوامِ، أن يحيط نفسَهُ كيفَ شاءْ/ بالجَّواري الصَّبيَّاتِ الحِسانِ والإماءْ/ وهكذا أتيتَ يا ابن عمَّتي محمَّد/ أتيتَ أنتَ في الشَّمالِ/ ثمرةً لعمَّتي الأمَةِ الصَّبيَّةِ التي لطالما تمسكنت للذُّلِّ والهَوانْ/ حتَّى اعتلتْ بقوَّة الدَّم وحدِها/ صِرحَ نصرِها المؤزَّرِ الفصيحْ/ فيا للحقيقةِ الضَّخمةِ في سموِّ جبلِ الإماتونجِ/ ها أنتَ لستَ، مثلما كان أبوك، ذلك العربيُّ الصَّريحْ/ أنتَ، يا ابن عمَّتي، هجينُ أرضِ أفريقيا هذه/ والنَّاتجِ النَّفيسِ/ لسنىِّ حربِها الطويلةِ الضَّروسْ”!

    (القصيدة، وهم الحريَّة وقصائد أخرى، ص 18، 19، 20)

    لكن، على الرُّغم مِمَّا قد يبدو على روايتي الشَّاعرين من اتِّفاق مظهريٍّ، في أكثر من موضع، حول أهميَّة منهج النَّظر (الاجتماعي) في تناول صراع الشَّمال والجَّنوب، بوجه عامٍّ، إلا أن (الاختلاف) يبرز بينهما، في مواضع أخرى مهمَّة من روايتيهما، كأظهر ما يكون هذا (الاختلاف) بين شاعر اشتراكي ماركسي، ومع ذلك يغلب الرُّؤية بـ (العين الوطنيَّة) فقط، محيلاً أسباب الصِّراع كافَّة، بما في ذلك (الصِّراع الاجتماعي) نفسه، إلى محض (عوامل خارجيَّة)، وشاعر اشتراكي أفريقي، لكنه ينصرف عن أيَّة  (عوامل خارجيَّة)، رغم ثقل الفكر التَّحرُّري المفترض، مغلباً النَّظر بـ (العين الاجتماعيَّة) وحدها، ومحيلاً أسباب الصِّراع كافَّة إلى محض (عوامل داخليَّة)! فإلى أيِّ مدىً يمكن القول بـ (سداد) أيٍّ من الرُّؤيتين؟!

    (نواصل)

    الهوامش:

    (1) من روايته الشَّخصيَّة لي بمنزلي بضاحية شمبات الهجرة بالخرطوم بحري ذات أمسية من أواخر 1984م.

    (2) سر الختم من الأسماء الشَّائعة ذات الرَّمزيَّة المخصوصة بين قيادات الطائفة الصُوفيَّة الختميَّة في السُّودان.

    ***

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...