الخميس  23  فبراير  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • النص الكامل لمقال د. النور حمد : تشريح بنية العقل الرعوي

    December 8, 2016  

    النور حمد(حريات)

    تشريح بنية العقل الرعوي

     النور حمد

    (1)

    وجدت أطروحتي حول ما أسميته “قيد الثقافة الرعوية” الذي يحول دون اكتساب قيم الحداثة، ويصبح، من ثم، طاقةً معيقةً لجهود التغيير، الكثير من ردود الفعل الإيجابية من جانب من قرأوه. وقد وصلتني عشرات الرسائل ممن أثق في سعة معرفتهم، مشيدين بالطرح، منوّهين إلى أهميته، خاصةً في هذا المنعطف العاصف من حياتنا الفكرية والسياسية والاجتماعية. وقد أثار الدكتور عبد الله علي إبراهيم بعضًا من الملاحظات على مقالتي تلك، التي بدأت بها هذا الطرح. وهي مقالة قمت بنشرها في صحيفة التيار، وبعضٍ من مواقع النشر الإلكتروني.

    نشر الدكتور عبدالله تعقيبه على مقالتي بموقع “الراكوبة”، حيث نشرت مقالتي. وظهرت مقالته على موقع “الراكوبة” في يوم 15/9/2016. وأود هنا أن أتخذ ملاحظات الدكتور عبد الله علي إبراهيم متكأً لتقديم مزيدٍ من الايضاحات حول هذه الأطروحة التي لا تزال في مبتدئها. وسأحاول، جهد الطاقة، ألا أنحو في إشاراتي إلى ملاحظات الدكتور عبد الله علي ابراهيم، منحى المساجلة، أو المناظرة، بقدر ما أتّجه إلى توسيع الأطروحة وتعميقها، وتقديم مزيد من الايضاحات حولها. ولسوف يجري مني ذلك في حلقات، لا أود تحديد عددها الآن، وإنما أتركها رهينةً لشعوري، بأن ما أود إيضاحه، قد وضح بما يُرضي. فغرضي ليس الرد على الدكتور عبد الله على إبراهيم، وإنما توسيع الأطروحة وتقعيدها أكثر. وأتقدم بالشكر للدكتور عبد الله على ملاحظاته. فربما تكون هذه الحلقات حلقتين، وربما تكون ثلاثًا، وربما أكثر. وإضافة إلى ما أسعى إليه من تبيين المفهوم، سوف أحاول، أيضًا، تقديم بعضٍ من تجليات “الرعوية” في حياتنا اليومية، وفي بعضٍ من جوانب ممارساتنا الفكرية والثقافية حتى تبيّن الظاهرة، ويقوم الدليل على وجودها وعلى تأثيراتها السالبة على جهود التحديث، وعلى بنية الدولة.

    أثار الدكتور عبد الله علي إبراهيم ملاحظةً منهجيةً، أوليّة، حول مصطلح “الرعوية”، ودعاني إلى تعريفه،وضبطه، والتحقق من انسجام استخدامه في السياقات المختلفة. غير أنني وددت أن لو اهتم الدكتور عبد الله علي إبراهيم، بالظاهرة نفسها، بدل أن يهتم بما رآه اضطرابًا في استخدام المصطلح. فالمصطلح ليس هو المهم في هذا الطرح، وإنما الظاهرة التي يشير إليها.فإن اتفقنا على وجود الظاهرة، وضرورة البحث فيها، لا يهم أي مصطلحٍ نطلقه عليها. ولا زلت لا أرى أن هناك اضطرابًا في استخدام المصطلح، وسآتي لبيان ذلك لاحقًا عبر الحديث عن الظاهرة، ومحاولة تبيين تجلياتها.والظاهرة المعنية، وهي القضية الجوهرية في ما طرحته في المقالة السابقة، وفي ما سوف ألمسه في هذه المقالات، تمثل في جملتها، وفي تفاصيلها، المسلكالمناهض، أو المعاكس، للحداثة ولقيمها، ولاحترام القوانين والنظام.وأبدأ فأقول إن منشأ هذا المسلك هو حالة البداوة وبنية المجتمعات التي تشكلت حول نشاط الرعي. وهذا المسلك  يقل هنا، ويزيد هناك. ولكن، قد يزيد هذا المسلك المعادي للتغيير وللانسجام مع مؤسسة الدولة،حتى يصل درجةً تبلغ إفساد بنية الدولة نفسها. وقد أوردت في مقالتي السابقة ما حكاه سبولدينق عن سنار في أيامها الأخيرة.

    يبدو لي أن عدم استساغة الدكتور عبد الله للحديث عن ما أسميته أنا، وأسماه من قبلي آخرون: ظاهرة “العقل الرعوي”، مرده إلى بقاء أقدام الدكتور عبد الله علي إبراهيم منغرسةً، إلى الآن، في تربة التحليل الماركسي للظواهر. والتحليل الماركسي الاقتصادي للظواهر رغم أهميته التاريخية، لم يعد صالحًا تماما. فقد انقصم عظم ظهره منذ وقت طويل. فمقولة الوعي التابع للمادة، ومقولة إن منظومة علاقات الانتاج هي التي تصنع القيم، وأن البنى الفوقية تتولد، بالضرورة، من البنى التحتية، مقولات سقطت جلُّ دعاماتها الإيديولوجية. وأعني هنا، أنها لم تسقط على الصعيد النظري، وحسب، وإنما سقطت على صعيد التجربة الفعلية في التطبيق الاشتراكي في الدول الشيوعية. لقد ظهرت “الرعوية”؛ وسمِّها “القبلية”، إن شئت، كأشرس وأعنف ما تكون، عندما تفككت يوغسلافياالشيوعية إلى دويلات، كما أشرت في مقالتي السابقة. كما تفرقت الجمهوريات السوفيتية،عقب سقوط الشيوعية، على أساسٍغلبت عليه العنصرية والعقيدة الدينية.لقد اتضح عبر عقود طويلة من التطبيق الاشتراكي، أن البنى التاريخية القديمة، التي ظُنَّ أنها قد مُحيت، لأن كل شيءٍ رهينٌ بمجريات الصراع الطبقي وأيلولة المِلْكِيّة للدولة، كانت لا تزال راقدةً تحت البُنى الجديدة، منتظرةً انحلال القبضة الحديدية، لتظهر مثلما كانت في القديم.

    لقد لاحظ الدكتور عبد الله أنني وسعت من المصطلح وأدخلت فيه بعضًا من التجليات الحضرية. وقد جعله ذلك، في ما فهمت منه، يشعر بأن استخدام المصطلح ليس متسقًا. غيرأنني كنت واعيًا بأنني أستخدم ذات المصطلح في سياقين مختلفين؛ أحدهما قبل حداثي، والآخر حداثي. ففي حين شملتُ بالمصلح سياقيْ البداوة، أو ما قبل الحداثة، والحداثة، كنت أقصد ذلك. فأنا لست منشغلاً، في نظرتي للظاهرة بجهتها الجغرافية، أو وضعيتها في “كرونولوجيا” التاريخ الاقتصادي والاجتماعي. انشغالي بالظاهرة يتجه إلى تجليات ما يمكن أن أطلق عليه ثنائية “الإنسية” و”الوحشية”، أو النظام واللانظام، أو صراع “الجلافة” مع “الصقل والتهذيب والنبل وعالي القيم”. أو في تجليات أخرى تشمل مختلف جوانب صراع الكيانات قبل الحداثية مع مؤسسات الدولة الحديثة.

    بناء على ما تقدم، يمكن القول إن الفاشية والنازية، رغم أنهما حدثتا في إطار الحداثة الغربية، تظلان، هبتين رعويتين. فما أنجزته النازية في ألمانيا، من انجازات مبهرة في مجالات التصنيع، وبناء دولة حديثة مقتدرة، لم يمنعها من أن تقيم كل دعاويها واحتلالها لديار الغير، على نزعة عنصرية بالغة التطرف. فقد أشعلت النازية حربًا مجنونة كان بها خراب ألمانيا وكثيرًا من أجزاء أوروبا، إضافةً إلى إزهاق خمسة وأربعين مليونًامن البشر. والعنصرية النازية ليست سوى حالة قبلية، عنصرية، انبثقت من داخل بنية الحداثة.

    وفي سياقٍ آخر مختلف، يمكن أن ينطبق هذا الوصف على الدولة السعودية، وغيرها من الدول الخليجية، التي أنشأت بنىً حديثة المظهر، وحياة مرفهةً استندت على ريع النفط، لكنها بقيت، رغم المظهر الحديث البراق، مقيمةً على نظامٍ قبليٍّ رعوي، وعلى عقلية لا تحب التقيد بالنظم، وعلى عقيدة الوهابية الرعوية ومفهومها بالغ البساطة للتوحيد، ما جعل كل هذا الثراء ومظاهر الحداثة غارقةً في تخلّف حقوقي وقانوني استثنائي، خاصةً في المملكة العربية السعودية.وهذا هو ما جعلها، تحصر، إلى حدٍّ كبيرٍ جًدًا،مجمل الطاقة الانسانية الخلاقة في أطر الاستجابة لدواعي المعدة والجسد والمظهر الحداثي.من هذه البنية العقلية الرعوية الوهابية ودولتها الريعية، نشأت القاعدة، ونشأت الرعوية الداعشيةالأنكى، التي جعلت العالم كله يقف على أمشاط قدميه خائفًا على مصير أمنه واستقراره، بل وعلى مصير الحضارة الإنسانية برمته. ولأحوال الجزيرة العربية الراهنة والتي تمددت لتصبح بعضًا من أحوالنا نحن السودانيين، جذور تاريخية، في ما ساد الجزيرة العربية، قبل الاسلام.

    أورد محمد أحمد محمود، في مجلة “العقلاني”، نقلا عن جواد علي، من كتابه “المفصل من تاريخ العرب قبل الإسلام”، ج5، ص 605، أن الاستيلاء على مال الغير عنوةً لا يعد سرقةً، وإنما يعد اغتصابًا وانتهابًا، إن هو جرى داخل القبيلة. أما إذا كان الاغتصاب لمال شخصٍ من قبيلة أخرى، ليس لها حلفٌ، ولا جوارٌ، ولا عقدٌ مع قبيلة المغتصِب، فيعد مغنمًا حلالا. ولا يرى المغتصِب فيه عيبًا، بل مفخرةً لدلالته على الشجاعة. فهو أخذٌ عن قوةٍ وجدارة. ويتعين على صاحب الحق أخذ حقه بنفسه، أو بمساعدة أهله وبني عشيرته. فتعريف الحق والعدل هنا مرتبط حصرًا بالقبيلة والعشيرة، وهذه بنية قيمية مناقضةٌ تمامًا لبنية الدولة الحديثة التي تتسع فيها مظلة الحق والعدل لتشمل الجميع بمختلف أصولهم وارتباطاتهم العرقية وجهاتهم. ولا غرابة أن يكون هناك نطاح بين الدولة والقبيلة، صريحًا كان أم كتيمًا، مواجهةً كان أم لواذا.وإذا لم يجري تدخّلٌ لتغيير هذه البنية العقلية فإنها سوف توصل الدولة وبنيتها إلى عدم الفعالية، ثم إلى الانهيار، كما هو جارٍ لدينا في السودان.

    أيضًا، من ظواهر الرعوية التي يمكن أن تخرج من تلافيف الحداثة، ظاهرة المرشح الرئاسي الأمريكيدونالد ترمب، الذي أيقظ بخطابه العنصري البسيط، المباشر، والصادم، بقايا بنية العقل الرعوي في الحياة الأمريكية التي لا تزال مختبئة تحت قشرة الحداثة الأمريكية. لقد ظل العقل الرعوي، أو “عقلية الكاوبوي”، مختبئةً منذ قرون تحت هذه البنية الحداثية الأضخم في العالم. فبسبب التطبيق الأعرج للديمقراطية، وانفصال النخب في أبراجها العاجية عن قواعدها، فشلت الحداثة الأمريكية في أن تخلق شعبًا مؤمنًا حقًا بقيم الديمقراطية والعدالة. واتضح مع هبة ترمب أن الشعب لا يزال يستجيب للخطب النارية، ولفرد العضلات، وللتبسيط، وكل ما تعرضهعقلية رعاة البقر من صور “العنترية”،وهي تعود لتقتحم مسرح السياسة على حين غرة. اكتسح دونالد ترمب بخطابه البسيط، وبرعونته،وبقدرته على قول ما يتجنب الآخرون قوله، كل الحواجز التي ظنت الانتلجنسيا الأمريكية أنها قد حصنت بها حضارتها من الارتداد.فخطاب ترمب المعادي للأقليات وللمهاجرين، والذي لا يرى في الدولة سوى شركة تجارية كبيرة، كانت له قوة جذبٍ كبيرة جدًا لبسطاء العقول، ومحدودي الثقافة، ممن أخرست رعويتهم قوة نظم الحداثة وقوانينها. غير أن الأحوال تبدلت، ووجدوا، فجأةً، أمامهم، شخصًا قادرًا على التفوه بما لم يكونوا يقوون على التفوه به. ومثلما خرجت النازية والفاشية من بنية ديمقراطيات أوروبا، يمكن جدًا، أن تخرج، في وقت قريبٍ جدًا، ظاهرة مشابهة لهما من البنيةالأمريكية الحديثة.

    ليس في الأمر “مانوية”، كما أشار د عبد الله علي إبراهيم، أو قولا بثنائيات متوازية. فالرعوية تختفي بسبب الضغوط وتكمن فيداخل بنية الحداثة، كمون النار في الحجر. ومع ذلك، يمكن القول إن ثنائية “البدو” و”الحضر”، ثنائية قديمة، وهي ليست ثنائية عبثية، أو أنها ثنائية متوهمة، تكشف فقط، عن عجزٍ إداركيٍّ، وعن عدم قدرةٍ على الحفر العميق، وعلى تبيُّن مناطق التشابك والالتباس والتداخل. ثنائية “البدو” و”الحضر” ثنائيةٌ متداخلةٌ وملتبسة، فعلاً، شأنها شأن كل ثنائية، مثلما صور ذلك محمد المهدي المجذوب في رائعته “ليلة المولد”، حيث قال: “أيكون الخير في الشر انطوى، والقوى، قد خرجت من نقطةٍ هي حبلى بالعدم؟”.

    لا ينبغي أن يعمينا تداخل أي ثنائية عن رؤية طرفيها وتمايزهما. فثنائية “البدو” و”الحضر”، ثنائية تسببت في فرز شقيها أسبابٌ تاريخيةٌ موضوعية. والتعريض بالثنائيات، واعتبارها من تخاريف الماضي، على نحو ما يجري في بعض دوائرالأكاديميا الغربية، في بعضٍ منحذلقاتها العقلية البهلوانية، يمثل في كثيرٍ من تطبيقاته، تعريضًا في غير محله. وما أكثر ما انشغلت الأكاديميا بالقشور، وتركت اللباب.فالسودان ظل يجلس على بنية “عقل رعوي”، يكره الحداثة، ويسخر منها ومن أهلها، ويعرِّض بها، كلما وجد إلى ذلك سبيلا. هذه البنية المستهزئة بالقانون وبالنظم وبالتمدن، قمعتها الحداثة قمعًا، فاختبأت تحت السطح، تتحين الفرص. ولذلك، فهي تخرج علينا، في كل آن جديد، بصورةٍ جديدة، كلما واتتها الفرصة. لم تناقش الحداثة في السودان، بنسة العقل الرعوي، ولم تنتبه له أصلا. فقد اكتفت بفرض ما تراه. لم تفعل ذلك حداثة الخديويةالتي كانت المبتدأ، ولا حداثة البريطانيين الأعلى منها نسبيًا، ولا حداثة طلائع المتعلمين من آباء الاستقلال. أخافت الخديوية والاستعمار البريطاني، وكذلك المهدية،العقل الرعوي والقبلية، بقوة السلاح الناري والقدرة على القمع. وما كان للمهدية أن تفعل شيئًا، هي الأخرى، لأنها هي نفسها هبة رعوية إقليمية، قليلة المحصول من المعرفة، استهدفت عقلاً مركزيا رعويًا يعيش في الحواضر. أما حداثة الخريجين التي لبست أسمال حداثة المستعمر، فقد اكتفت ببقايا المظهر الحداثي فقط، وأعادت انتاج الرعوية والقبلية من جديد في كل ما فعلت. والشواهد على ذلك كثيرة. (راجع، يوسف محمد علي، “السودان والوحدة الوطنية الغائبة”، الفصل الثالث صفحات 32-42). ويكفي أن نذكر في هذا الصدد، أن الجنوبيين قد ُمنحوا أربع وظائف فقط، من أصل ثمانمائة وظيفة شغرت بسبب مغادرة البريطانيين والمصرين. لم تحاور الحداثة الاستعمارية، ولا حداثة الخريجين بنية العقل الرعوي السودانية، ولم تصنع لها ما يقف بينها والارتداد إلى الخلف. بل لبست حداثة الخريجين بنية العقل الرعوي، رغم البدلة وربطة العنق والغليون والطربوش، وسارت في إدارة القطر وتقسيم مغانمه، سيرة الرعاة، إلى يومنا هذا.

    ………………………………..

    (2)

    يرى بعض الأكاديميين المعاصرين أن آراء بن خلدون في ما يتعلق بـ “البدو” و”الحضر”، قد عفا عليها الدهر، وهذا ليس صحيحًا، تمامًا. فابن خلدون لا يزال نافعًا في ما نحن بصدده، من صراع القيم القبلية الرعوية مع العقل والعقلانية، ومع بنية الدولة الحديثة، ونظمها، وقيمها. كان ابن خلدون، رائدًا فذًا في تشريح الأحوال الاجتماعية العربية. وهو لا يزال صالحًا حتى اليوم، لأن البيئات العربية لم تتغير كثيرًا، منذ عصره، رغم مظاهر الحداثة المظهرية التي لحقت بها. فقد فهم ابن خلدون طبيعة هذه البيئات العربية، أكثر مما فهمها الباحثون الغربيون الذين يجعلون من القوالب التي يعالجون بها مجتمعاتهم الغربية معيارَا عامًا لكل المجتمعات البشرية. ومن كبرى إشكالات بعض الأكاديميين والمثقفين العرب، أنهم لم ينفكوا منذ ما سمي بفجر النهضة العربية، ينظرون إلى واقعهم العربي بمنظارٍ غربي. قال هادي العلوي، إن الواقع العربي لن يُفهم، ولن يتغير بالفكر المترجم.

    ليس المطلوب، في نظري، نفي، أو محو، ابن خلدون، ودمغ رؤيته بأنها من مخلفات التاريخ، وإنما المطلوب هو إعادة انتاج طروحاته، بعد تعميقها، وتوسيعها، واستلال دلالاتها الجديدة التي لا تزال، واضحة جدًا، في سياق الحاضر. فالواقع العربي المعاصر لا يزال واقعًا قبليًا، لم تغيّر الحداثة المظهرية بناه العقلية. ومن ينظر إلى الأحوال السياسية العربية الراهنة، والاضطرابات التي تكتنف كثيرًا من الأقطار العربية، ومن يتأمل سيطرة عقلية القبيلة على مجريات السياسة، واختطاف العقل الرعوي منظومة الدين، برمتها، وتحويلها إلى عكسها تمامًا، تظهر له الاشكالية. ومن ينظر إلى تعثر انجاز التحول الديمقراطي، وبناء الدولة الحديثة، يعرف أن هذا الفضاء الجغرافي العربي، لا يزال يحمل من قيود التاريخ وأثقاله، أكثر مما يحمل من سمات الحاضر. ويجعل كل ذلك ابن خلدون صالحًا لزماننا، إلى حدٍّ كبير.

    الرعي نشاط سابق للاستقرار وللزراعة. فالراعي يتجه حيث يوجد المرعى، وحيث تهطل الأمطار. هذه الحياة المتنقلة، بحثًا عن تأمينٍ ضروريات الحياة، اقتضت قوةً البأس، وشكَّ السلاح. كما اقتضت ثقافةً قتاليةً، وقدرةً عمليةً على وضع اليد على حيازات الأرض، والدفاع عنها، كلما اقتضى الأمر. ومع تنقل الرعاة تصبح هذه الحيازات غير واضحة المعالم. وقد يتعدى تنقل الرعاة لتأمين ضروريات حياتهم، مجرد السبق إلى المرعي الأفضل، ووضع اليد عليه، ليبلغ درجة سلبِ ما لدى الغير، أصلا، من مرعى، أو فرض المشاركة فيه، بقوة البأس. ولا نزال في السودان نرى، إلى يومنا هذا، كيف أن المراعي والتنقل طلبًا للمرعي هي السبب الرئيس في الصدامات العنيفة التي لا تنفك تنشب بين القبائل. كما شاهدنا على مدى العقودٍ القليلة الماضية، انتقال القبائل من استخدام الحصان، والسيف، والحربة، وبندقيات جيم 3، والكلاشنكوف، إلى اقتناء سيارات “التاتشر” ذات الدفع الرباعي، ومدافع آر بي جي، ومدافع “الدوشكا” المثبتة على رؤوس هذا النوع من السيارات. يقتضي نمط الحياة الرعوية، منظومةً قيميةً قتالية، تتمحور حول العصبية. كما يقتضي ثقافةً مرتكزها تأمين متطلبات البقاء، بالقوة الباطشة. ومثل هذه الثقافة لا تمثل العدالة وحكم القانون ومراعاة النظم سماتٍ رئيسية فيها.

    لو راجعنا ثقافة القبيلة في الأدب العربي لتبينت لنا، بجلاء، هذه السمات التي أتحدث عنها، وهي ذات السمات التي أشبعها ابن خلدون حديثًا. لقد عارضت الثقافة الرعوية العربية ومنظومتها القيمية، الدعوة الإسلامية في مبتدئها، أشد المعارضة. رأت الثقافة الرعوية في الدين الجديد تقويضًا لها من أساسها. وبالفعل، فقد جاء الإسلام بما يناقض قيمها، كما عمل بالفعل على إبدال قيمها، وثقافتها، بمنظومةٍ قيميةٍ، وثقافيةٍ أرقى، وأعلى، منها في سلم التطور. وقد أنجز الإسلام ذلك بالفعل، ولكن بعد جهدٍ جهيد، إذ حمل السيف في وجوههم، وكسر شوكتهم. بل، إن قيم القبيلة ما لبثت، مع اندلاع الفتنة الكبرى، أن التفّت، من جديد، على جوهر الدعوة الإسلامية، وأفرغتها من محتواها الحقيقي، وحولت دولة الحق والعدل، في وقتٍ وجيزٍ، إلى ملك عضوض.

    يروي طه حسين قصة قريش والتفافها على الدين الجديد، في كتابه، “الفتنة الكبرى”، الذي، لم يُقرأ بعد، بما يستحقه من التمعُّن الفاحص. يقول طه حسين، إن قريشًا لم تكن قبيلةً محاربةً، ولم تكن أقوى قبائل العرب. لكنها، استفادت من سدانة البيت، ما منحها ارستقراطية على بقية العرب. كما منحتها التجارة، وهو الأهم، التجربة والخبرة والدربة، والمكر وسعة الحيلة. يرى طه حسين، أن وضعية قريش المتميزة التي منحتها لها سدانة البيت، مخضت فيها بُعد الهمة، وامتداد أسباب الطمع، إلى غير حد، والصبر على المكروه، حتى تظهر عليه. كما دفعتها هذه الوضعية، إلى ما هو أشد من ذلك خطراً؛ وهو ازدراء القيم المقررة، والاستهزاء بما تواضع الناس عليه من العقائد والتقاليد، واستباحة كل شيء في سبيل المنفعة القريبة والبعيدة. كما منحتها، أيضًا، سعة الحيلة التي أتاحت لها أن تظهر أمينةً على الدين، في حين أنها ليست من الدين في شيء. (طه حسين، الفتنة الكبرى، (ط9)، دار المعارف بمصر، 1976، ص 81).

    يرى طه حسين، أن قريشًا كانت تنظر إلى الدين وسدانة البيت كوسيلةٍ، وليس كغاية. وتنظر إلى الأوثان، التي تحرسها، كوسيلةٍ إلى كسب الرزق، وبسط السلطان، لا أكثر. ويصف طه حسين السيِّدَ من قريش بأنه: “شديد الطمع، بعيد الهم، عظيم المكر، داهية”. ويرى طه حسين أن عمرًا بن الخطاب عرف كل هذا في قريش، فلم تستطع أن تخدعه عن حقيقة أمرها، حتى بعد أن أسلمت. فإذعانها للإسلام كان دهاءً منها، لا أكثر. فهي قد أحنت رأسها لعاصفة الإسلام، حتى تستطيع أن تستجمع قواها، بعد أن خسرت معه مواجهاتها العسكرية. لذلك، لم يغير عمر بن الخطاب رأيه فيها، إذ: “لم يلن لها، ولم يرفق بها، ولم يخل بينها وبين طمعها الشديد، وهمها البعيد، واعتدادها بنفسها، وازدرائها لغيرها من الناس”. (المصدر السابق، نفسه).

    سيطرت قريش على حركة القوافل بين الهند والإمبراطورية الرومانية، وبين الشام واليمن، وبين الجزيرة العربية والهضبة الحبشية. غير أن قريشًا التي سكنت الحاضرة، ظلت تعيش بعقلية القبيلة الرعوية، وبقيمها. ويجعلنا هذا، نقول بأن نمط الاقتصاد الأجد، لا يغير وحده، بالضرورة، ما ينسرب من قيم الاقتصاد الأقدم إلى البنية الاقتصادية الأحدث. فالتغيير ربما اقتضى عملاً من نوع آخر. وهذا هو ما حاوله الإسلام مع قريش؛ بالموعظة الحسنة حينًا، وبالشدة الشديدة، حينًا آخر.

    لقد هجا الإسلام البنية العقلية الرعوية لأعراب الجزيرة العربية، أشد الهجاء. جاء في القرآن الكريم: “الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم”. (الآية 100، سورة التوبة). المدهش، أن سورة التوبة كانت آخر سور القرآن نزولاً، فقد نزلت في العام التاسع الهجري؛ أي قبل سنتين من وفاة النبي. وفي هذا دلالةٌ على أن الأعراب، بعد كل المعارك والهزائم، وبعد كل ما رأوه من مزايا القيم الإسلامية، وبعد مرور ما يقارب ربع القرن على بداية الدعوة، ظلوا على الكفر والنفاق، كما وصفهم القرآن. وبطبيعة الحال، استثنى القرآن أعرابًا آخرين من هذا الهجاء، حيث ورد: “وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ”، (الآية 99، سورة التوبة).

    جاء الإسلام نقيضًا للبنية العقلية والوجدانية، التي كانت سائدة في الجزيرة العربية. وغالب ما كان سائدًا في جزيرة العرب هو ثقافة البغي والقهر والغلبة. ومعلومٌ أن من سمات العقل الرعوي وثقافته، تمجيد القوة، والفتون بها بلا حدود، والفخر بالمنعة، بل والسطو على ما في يد الآخرين. وقد سبق أن أوردت في المقالة السابقة ما أورده المؤرخ جواد علي، حيث قال: في كتابه “المفصل من تاريخ العرب قبل الإسلام”، أن الاغتصاب لمال شخصٍ من قبيلة أخرى، ليس لها حلفٌ، ولا جوارٌ، ولا عقدٌ مع قبيلة المغتصِب، يعد مغنمًا حلالا. (ج5، ص 605). وربما ينبغي القول هنا، إن هذه البنية العقلية والوجدانية، ليست حصرًا على العرب. فهناك ما يماثلها في تاريخ مختلف المجتمعات. إنها بنية صنعتها غريزة البقاء في ظل مرحلة تاريخية بعينها، وهي ليست معيبة في ذاتها، شأن كل مرحلةٍ من مراحل التاريخ. غير أن هذه العقلية تصبح معيبةً، حين تمسك بخناق الطور الأعلى منها في سلم التطور، فتستميت في جره إلى الأرض. وهذا ما يجري لدينا الآن في السودان، على قدمٍ وساق. وهو ما يقف تحديدًا وراء كتابة هذه المقالات.

    يقول العرب” حين لا يجدون من يغزونه، أو يختلقون سببًا لغزوه: “وأحيانًا على بكرٍ أخينا، إذا ما لم نجد إلا أخانا”. ويقولون: “قوم إذا الشرُّ أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافاتٍ ووحدانا، لا يسألون أخاهَم حين يندبهم في النائباتِ على ما قال برهانا”. ومن حِكَمِهم التي جرت على لسان زهير: “ومن لم يَذُدْ عن حوضه بسلاحه يُهدَّم، ومن لا يظلم الناسَ يُظلم”. هذه البنية العقلية هي التي وقفت وراء حروب داحس والغبراء الطويلة في الجزيرة العربية، وقفت وراء حرب البسوس، وغيرهما مما لم يذكره التاريخ من حروب العرب المتصلة. وفي أدبنا الشعبي السوداني، ما هو متجذرٌ في تاريخ الجزيرة العربية، وهو شبيهٌ جدًا بما لدى قبائل الجزيرة العربية الرعوية.

    تقول شاعرة القبيلة عندنا: “صارِّي عينو بلا وقيعة، وشايلْ حقُّو بلا شريعة، أخُويْ روحو مسبِّلا”. وتقول أمٌ في هجاء ابنها، الذي انشغل بدراسة القرآن، عن الحرب والقتال: “لمتين يا حسين سيفك معلَّقْ، لا حسين كَتَلْ، لا حسين مفلّقْ”. وفي تاريخنا السوداني القريب، وقفت هذه البنية العقلية وراء حرب الكبابيش من جهة، وبني جرار والمسبعات، من الجهة الأخرى. كما وقفت وراء حرب الشكرية مع البطاحين، وحرب الشكرية مع الحلاوين، وحرب الحلاوين مع الدباسيين، والجموعية والكواهلة مع الخوالدة، وغير ذلك من الحروب الكثيرة المماثلة. ولقد كان القرن الأخير من حقبة الحكم السناري، سلسلة متواصلة من الحروب القبلية.

    في مثل هذه البيئات، قد تنشأ الحرب، بالإضافة إلى النزاع حول المرعى، بسبب أمورٍ تافهة، كسرقةِ بهيمةٍ، مثلاً، أو بسبب ثأر لمقتل فرد واحدٍ، يموت في محاولة أخذا ثأره العشرات، وربما المئات، والآلاف. أما في وقتنا الحالي فإن حروب القبائل في دارفور لا تكاد تتوقف أبدا. ولم تخلُ باديةٌ من البوادي العربية من احترافٍ لقطع الطريق و”الهمبتة”. ولا تزال “الهمبتة” لدينا نشاطًا محمودًا يُعتد ويُفخر به. نحن، في تقديري، لسنا منتبهين، بما يكفي إلى بقاء هذه القيم السالبة في بنية وعينا، وانتقالها من مرحلة البداوة والقبلية، إلى مرحلة الدولة الحديثة، وامساكها بخناقها، حتى عطلت حركتها، أو كادت.

    الذين يضرسون، من تسمية “العقل الرعوي”، ربما احتاجوا أن يتريثوا، فلا يندفعوا إلى الدفاع بحمِيَّة القبلية. فهذا النوع من الاندفاع يمثل واحدًة من تجليات العقل الرعوي، المتحفز، الذي لا يفكر صاحبه مرتين، قبل أن يَخِفَّ إلى سلاحه ليشهره في وجه الآخر. فتعبير “العقل الرعوي” ليس “للتريقة”، على الرعاة، أو التقليل من شأنهم، أو النظر إليهم من علٍ، أو دمغهم بالنقائص، وإنما هو إشارة إلى منظومةٍ قيميةٍ ارتبطت بنشاطٍ اقتصادي بعينه، وأسلوب حياةٍ بعينها. فالمصطلح لا يشير إلى قبيلةٍ بعينها، ولا إلى مجموعةٍ بشريةٍ بعينها، وإنما يشير إلى منظومةٍ قيميةٍ شكلتها ظروف تاريخية. وهذه الظروف التاريخية، لم تكن لتسمح لها بأن تتشكل على غير تلك الصورة. فمنظومة القيم الرعوية تشكَّلت، وفق الظرف التاريخي، والمعطيات، والسياق الذي أحاط بها.

    ما من شك، أن غريزة البقاء تأتي قبل كل قيمةٍ أخرى. وكل قيمة أخرى تتناقض مع هَمِّ البقاء تسقط تلقائيًا، فغريزة البقاء هي المحرك القاعدي لأفعال الناس، ولأفعال القبائل. العائلة، والعشيرة، والقبيلة، تمثّل مظلة الحماية الرئيسة للأفراد. ونظير تقديم العائلة والعشيرة والقبيلة الحماية للفرد، ينبغي على الفرد أن يتماهى، كليًا، مع منظومة القيم التي ترعاها هذه الكيانات. فعقل الأسرة والعشيرة والقبيلة، في الاقتصادات قبل الحداثية، عقلٌ جمعيِّ مسيطر، لا يقبل نشوز الأفراد، ولا استقلالهم بالرأي، ولا تمتعهم بحرية الفعل، ولا يتسامح مع ذلك اطلاقًا. فانسجام الفرد مع منظومة القيم التي ترعاها القبيلة، حتى لو كانت قيم سلب ونهب وتعدي على ما في أيدي الغير، تمثل، لدى كيان القبيلة، القيمة التي ينبغي أن يرعاها الفرد، وألا يناقشها. ومن يتجرأ ليناقشها، يجري اتهامه بمختلف التهم، ويجري تخوينه، ولفظه والتبرؤ منه. وأرجو أن نلاحظ وجود هذه العقلية الرعوية في تنظيماتنا، حتى الحديثة منها؛ كالحزب الشيوعي، ومجموعتنا نحن الجمهوريين. فمن يخرج على قبضة العقل الجمعي، تنهال عليه السهام من كل حدبٍ وصوب. الشاهد، أننا أين ما نظرنا، وجدنا أن “العقل الرعوي” ممسكٌ بخناق عقولنا وحياتنا.

    يتحور “العقل الرعوي” ويتخذ صورًا مختلفة، يمكن أن نجدها حتى في الدول الصناعية. ولقد سبق أن أشرت إلى “رعوية”، ظاهرة مرشح الرئاسة الأمريكية، دونالد ترمب. كما يمكن أن أشير إلى منظمة كوكولاس كلان الأمريكية العنصرية، وجماعات الشباب النازي في ألمانيا، وإلى تنظيم داعش. كما يمكن أن تتمثل القبيلة، في السياقات الحديثة، في الحزب. كما يمكن أن تكون متمثلةً في فريق كرة القدم الذي نشجعه، أو في الالتقاء في الفتون بمغني بعينه، وتشكيل رابطة معجبين تحت اسمه، أو في طريقة صوفية، بعينها، وغير ذلك من التجمعات التي تقف وراءها العصبية، أو العاطفة. ويبدو أن الانسان يحتاج القبيلة، في كل الأحوال، إذ تصبح للأكثرية، مكملةً لوجودهم. المهم، أن نفرق بين سلطة العقل، وسلطة العاطفة، فلا نخلط بينهما، خاصة في ما يتعلق بقضايا البناء والتنمية والتغيير. وسيرد التوسع في هذا لاحقًا، في ما هو مقبل من حلقات.

    هناك من الأمثلة، ما يمكن أن نسوقه هنا، حول ما تعترض به بنية العقل الرعوي قيم الحداثة، داخل سياقات الحداثة المظهرية. فمثلا، لا تزال كثيرٌ من الأسر السودانية تحرص على أن تتزاوج في داخل صلات القرابة الخاصة بها، وترفض تزويج الغريب؛ أيًّا كان. كما لا تزال بعض الأسر عندنا، تحرص على التنقيب الدقيق في نسب الصهر المرتقب. فإن هم اشتموا في المتقدم إلى ابنتهم، أي صلة دمٍ بمن سبق أن استُرِقُّوا، أو أن شبهة رقٍّ قديمٍ حامت حول هذا الصهر المرتقب، رفضوه، بقوة. ولا يهم رأي الفتاة في هذا الباب، ولا يهم مستوى تعليم أولياء الأمور، ولا تهم قيم الحداثة، بل ولا تهم قيم الدين نفسها، التي قالت: “كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. تكسح بنية العقل الرعوي قيم الدين والعقل والحداثة وتحيلها جميعها إلى ركام. فالذين يتحدثون، لدينا، عن الحرية وعن الديمقراطية، وعن المساواة الاجتماعية، في السودان، اليوم، تقدم أكثريتهم حديثًا معلّقًا في الهواء، لا مساس له بأرض الواقع.

    لربما تعيَّن علينا أن ننظر إلى ضيقنا بالرأي الآخر، وانتشاء كل قبيلٍ منا، بما يراه في نفسه، امتلاكًا للحكمة وفصل الخطاب، أو ما يراه في نفسه، فرادةً، وامتيازًا على الآخرين. الملفت في هذا الباب، أننا نتحدث عن التحديث، وعن التقدم، في حين تنصاع أكثريتنا، على المستوى الفكري، لسلطة العقل الجمعي، فتبدي حماسًا مستمرًا، لترديد المقولات الدارجة الساذجة الرائجة، دون فحص. فنزعة إرضاء القبيلة، بكل صورها التي ذكرناها، تبقى هي القوة المسيطرة، التي تسلب عقل الفرد، الحيدة والموضوعية. ويظهر هذا، في ما نحن بصدده هنا، في تصدي، من لا يعرفون الكتابة، ومن لا يقرأون ما يكفي، لكل صاحب رأيٍ جديد، بآراء فجة، فطيرة. يجري ذلك ممن لم يدرسوا الظواهر، وليس لهم أصلا اهتمامٌ بدراستها، وليس لهم تدريب في دراستها. يخوّل العقل الرعوي لصاحبه حق الخوض في كل شيء، بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

    عمومًا، تحصر بنية العقل الرعوي، في غالب أحوالها، الفرد في خندق الدفاع عن العقل الجمعي. وليس أسهل على الفرد من تملق العقل الجمعي، وترديد ما هو مردّدٌ، أصلاً، مما يجلب الاستحسان السريع، والهتاف. يضع عقل القبيلة، أو قل “العقل الرعوي”، الفرد تحت ابطه، ويكيّف حركاته وسكناته، فيصبح أسيرًا، دائم الأسر، لسلطة السائد. بل، يصبح غير واعٍ بأنه مأسور. لذلك، لا يتردد في شهر السلاح في وجه كل من يحاول تحريك الراكد. تنفي سلطة “العقل الرعوي”، بحكم تكوينها التاريخي، وآلياتها، والظروف التي انوجدت فيها، سلطة العقل والمنطق والحجة. كما يحبسها الزهو الأجوف، والشعور الدائم بالاكتمال والاكتفاء، في إطار الترديد الببغاوي، للمقولات المحفوظة. بهذه الأوصاف، تقف بنية العقل الرعوي، بحكم تكوينها، في وجه نور العقل، وفي وجه الحداثة، وفي وجع التطور والتجديد، وفي وجه سائر القيم الرفيعة، بل، وفي وجه العدالة وحكم القانون، معيقةً، بذلك، تحقيق كل أولئك على الوجه الصحيح. ولسوف أعرض في ما هو مقبلٌ من حلقات، لمزيدٍ من تمثُّلات بنية العقل الرعوي المنحدرة من تاريخنا، مشتبكةً مع بُنى المصالح الضيقة، وامساكها بتلابيب ما نحسبه، خطأً، حياةً سودانيةً حديثة.

    (يتواصل).

    ……………………………

    (3)

    بنية العقل الرعوي ليست بنيةً عقليةً خاصة بالسودان، وإنما بنية وفدت إليه منذ بداية تماهيه مع الفضاء العربي، منذ القرن الرابع عشر الميلادي. وهو تماهٍ اكتملت أركانه على أيدي الخديوية حين غزت البلاد، في نهايات الربع الأول من القرن التاسع عشر.بدخول الثقافة الرعوية التي حولت القرى النوبية الممتدة على طول مجرى النيل إلى ما يشبه البادية، انقطعت التواصلية الحضارية السودانية، واعتلّ، من جراء ذلك، البناء العقلي والوجداني السوداني. فقد تكاثرت هجرات البدو في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، فأصبحوايمثلون فيهالأكثرية الغالبة، ذات البأس. ومع بداية القرن السادس عشر لم تبق من الممالك النوبية مملكة قائمة سوى سوبا. حينها قام تحالف بين عرب العبدلابوالفونج فهوجمت سوبا وسوِّيت بالأرض. ودخل السودان منذ تلك اللحظة في موجة من الصراعات العنيفة المتواصلة، استمرت لثلاثة قرون.

    من ينظر إلى خريطة العالم السياسية والاقتصادية اليوم، يجد أن الفضاء العربي، قد أخذ يتحول، منذ عقودٍخلت،إلى بؤرةٍ للاضطرابات، وإلى حالةٍ مستعصيةٍ من العجز عن الإمساك بجوهر الحداثة ومضمونها. ولا يغيِّر في هذه الصورة العامة السالبة، التي أخذت تطبع الفضاء العربي بطابعها، شيئًا، كون أن بعض دوله تمظهرت بمظاهر الحداثة.فمع الحداثة المظهرية التي طبعت الصورة الخارجية لمجتمعاته، ظلت سلطة العقل الرعوي، الذي اختطف سلطة الدين، تضغط بوتيرة مضطردة، في كثيرٍ من انحائه، على منجزات الحداثة التي تحققت له في الحقبة الاستعمارية.أكثر من ذلك، تحوَّل الفضاء العربي إلى معملٍ لتفريخ الحركات الإرهابية ذات المسوح الديني الكاذب، وقويت هذه الحركات بدعم من الأنظمة الحاكمة، التي تسود فيها بنية العقل الرعوي، حتى أصبحت هذه الحركات المتطرفة مهددًا حقيقيًا للأمن والسلام الدوْليَّيْن. كما وضعت عددًا من الدول العربية فوق السندان، فأضحت تتلقى ضربات مطرقة التشظي.

    ما ظل يصدر، في العقدين الأخيرين، مما تنشره مؤشرات التنمية المختلفة، يدل على أن الفضاء العربي، في مجمله، يعاني من عللٍ مركزية، ربما لا يشاركه فيها فضاءٌ آخر، في عالم اليوم. هذه المؤشرات التي تنشرها المؤسسات الدولية، هي مما يكره كثيرٌ من المتحكمين في هذا الفضاء سماعه، وينصرفون، من ثم، عن التعامل معه، بالجدية التي ينبغي أن يجري التعامل بها معه. فكل مؤشرات التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، إضافةً إلى مؤشرات التعليم، والتنمية البشرية، ومؤشرات معدلات البطالة، والتحول الديمقراطي، والشفافية، وحقوق الإنسان، وغيرها من المؤشرات، لا تنفك تقول، إن هذا الفضاء من أقل أقاليم العالم إنجازًا في عالم اليوم، خاصةً إذا ما قورن بفضائي شرق آسيا، وأمريكا الجنوبية. كما أنه أصبح موبوءً بعنفٍ فظيع، وحالةٍ من عدم الاستقرار، لا تنفك تتعمق، كل صبحٍ جديد. ولو غضننا النظر عن القفزات الجبارة التي أحدثتها الدول الآسيوية، مقارنةً بالفضاء العربي، الذي قعدت به ثقافته عن الانطلاق، فإننا نجد أن البلدان الإفريقية، التي لا تملك ثرواتٍ، مثل ما تملكها كثيرٌ من الدول العربية،  قد أخذت، هي الأخرى، تضع أرجلها في الطريق الصاعد، وأخذت تحتل مواقع متقدمة في المؤشرات الدولية المختلفة.ولسوف تشهد العقود القريبة المقبلة تحولا كبيرًا تصبح به إفريقيا في دائرة الضوء، وفي قلب الاهتمام الدولي. وسينصرف العالم، في نفس الوقت، عن الفضاء العربي، وهو أمر بدأت بداياته تلوح بالفعل، ليسقط في دوامات من الاضطرابات والفوضى.

    التجاهل المستمر لإشكالية بنية العقل الرعوي، جعل الإشكال الثقافي العربي الإسلامي، بلا لمسٍ جديٍّ يذكر. وهذا، في نظري، هو ما جعل هذا الفضاء يسقط في مستنقع الهوس الديني، والعنف، والحروب الأهلية التي سوف تنتهي إلى تفكك كثير من دوله، وتحوُّلِها إلى قوىً صغيرةٍ متنازعةٍ، تسيطر عليها أجندة لوردات الحرب من الجماعات الهوس الديني. ورغم هذه المستقبل المظلم الذي أخذت سحبه تتكاثف، حتى سدت الأفق، نجد أن المثقفين العرب والإعلام العربي غارقيْن في الإنكار، مشغوليْن بالسياسي، عن الفكري والثقافي. أما الأكاديميا العربية، فإنها ظلت، في مجملها، ترى هذاالواقع بعدسة كلفةٍ  بالجزئيات، مستغرقة في مداهنة الأنظمة، ومداهِنةً بنية الثقافة القائمة، وغارقةً في رطانةٍ لا يعيها الجمهور العربي. كما نجدها منصرفة عن الداخل ومستغرقةً في التنديد بالمؤامرات الخارجية. وما من شك أن هناك مؤامرات، غير أن هذه المؤامرات لم تجد طريقها لتصبح مؤثرةً ومتحكمةً في خيوط اللعبةفي هذا الفضاء، إلا من خلال ثغرات البناء الفكري والثقافي، التي ينكر المثقفون العرب وجودها، ولا ينفكون.

    لسنا، مسؤولين، نحن السودانيين، عن ما أصاب جسد الفضاء العربي من علل. فتلك قضية هذا الفضاء الذي أُلحقنا به إلحاقا. تلك أزمتهم، التي ينبغي عليهم مواجهتها بأنفسهم، كما علينا نحن أن نواجه ما أصابنا من تمدد العلل العربية، بأنفسنا، من داخل بنية تاريخنا، وبنية ثقافتنا اللتين غُيِّبتا. بل نحن لا نملك، بإزاء هذا التحدي الضخم الذي يواجه بنية العقل العربي، (وهو لا يزال عقلاً رعويًّا)، قدرةً تذكر. وغني عن القول أننا أضحينا اليوم أعجز من أن نتدبر أمر أنفسنا، دع عنك أمور غيرنا. لقد أدغمنا همومنا في ما ظللنا نظنه همًا واحدًا للعرب، ولم يكن ذلك إلا نتاجًا للاستعمار الثقافي المصري، الذي أبتلينا به. فما ينبغي علينا، فعله منذ الآن، وفق تقديري، هو ألا ندغم همومنا في الهم العربي الذي ألبسنا المصريون خوذته، قسرًا ومخادعة. ففي حقيقة الأمر، لا يوجد هم عربي مشترك، وإن ادعى المدعون. بل، إن بأس الدول العربية بينها، أكثر بكثيرٍ من بأسها مع أعدائها.

    من سمات الرعوية التي ابتلينا بها، سقوطالمؤدلجين منا في مستنقع الدعاوى العريضة، كدعاوى “القومية العربية” التي غرق فيها الناصريون والبعثيون، ودعاوى “الأممية الإسلامية”، التي غرق فيها إسلاميونا، منذ عقود، ظانين أن استنقاذ العالم رهينٌ بهم، وأنهم سيجعلون من السودان رأس الرمح في هذا التغيير الشامل العابر للأقطار. وقد يقول قائلٌ، إن دعاوى “القومية” و”الأممية” دعاوى حديثة، فهي تتعدى الهم القطري، إلى الهم الكوكبي. غير أن حقيقة هذا الدعاوى، بعد أن نأخذ في الاعتبار، حالة الضعة العربية الراهنة، والتاريخ العربي الذي ظل في تراجع، ومجمل حالة هلهلة البنى العربية، وفقدان الرؤية، وفقدان المبادرة الحضارية، والاقتياتالمستمر من موائد السلف، تجعل من هذا النوع من التفكير مجرد سذاجة، يستنجد أهلها بالكثرة العددية، وحدها،لمواجهة التحديات. وهذا فعلٌ يدخل في إطار الاستقواء بغزارة العدد التي يوفرها القطيع، لا أكثر. وهذا بلا شكٍّ، نهجٌ رعويٌّ، مغرقٌ في الرعوية. مايجب أن ننصرف إليه، نحن السودانيين، هو السعي إلى معرفة الكيفية التي تسرب بها إلينا هذا الداء، إضافة إلى معرفة الكيفية التي يمكن أن نخرج بها من قبضته. وكما سلفت الإشارة، فإن علة العقل الرعوي، علةٌوفدت إلى السودان من خارج حدوده الجغرافية، وإلى حدٍّ كبير، من خارج بنية تاريخه الممتد منذ آلاف السنين.

    بمراجعةٍ متأنيةٍ للتاريخ السوداني، يمكننا أن نصل إلى المنعرج الذي حدث فيه التغيُّر الجوهري في بنية الحضارة السودانية، فارتدت، عبر ملابساتٍ معقدةٍ، من قيم الاستقرار والتمدن، إلى قيم البداوة والرعي، وأخلاقيات السلب والنهب، وفرض الإرادة، على الغير بقوة السلاح. وأهم من ذلك، في ما نحن مبتلون به اليوم، عليناتأمل ظاهرة ضمور الاهتمام المزمن بالمشترك العام، والعمل المستمر على تحطيم البنيات التعاقدية، التشاركية، التي تمثل كيان الدولة.

    لقد حدثت هذه الردة في تاريخنا على مرحلتين: كانت أولاهما حرب عبد الله بن أبي سرح، الذي وَلِيَ أمر مصر، عقب عمرو بن العاص، وما تمخض عن حربه مع النوبة من اتفاقية، سميِّت “اتفاقية البقط”، في القرن السابع الميلادي. وقد كان التأثير السالب لغزوة ابن أبي سرح محدودًا. فقد عاد ابن أبي سرح بجنو\ه، وبقيت النوبة على ما هي عليه، إلا قليلا. أما ثانيتهما، وهي الأكثر فداحةً، فهي نزوح الأعراب من مصر، بمواشيهم، في القرن الرابع عشر، إلى سهول السودان، بعد أن ضغط عليهم المماليك.ولقد حدثت المرحلتان بفارقٍ زمنيٍّ بلغ سبعة قرون. في المرحلة الأولى، لم يكن تأثير حملة ابن أبي سرح كبيرًا على حضارة النوبة، وحياة الاستقرار الطويلة التي عاشوها، كما سلفت الإشارة. فقد بقي النوبة يدفعون “البقط”، بعد تلك الحرب، لستةِقرون. وقد عاشت أقلية المسلمين وسط النوبة كل تلك القرون، ولم يحدث بوجودهم تغيير جوهري يذكر في الطبائع المدينية القديمة للنوبة. ويبدو أن من أسلموا داخل النوبة قبل غزوة ابن أبي سرح، اعتنقوا نسخة اسلاميةً متمدينةً من الإسلام، مغايرةً لنسخة الإسلام البدوي المظهري، الذي أتى به الأعراب النازحون لاحقًا.

    يحتفل “الإسلاميون”، ومن لف لفهم من معتنقي رؤية السلف، باتفاقية البقط، ويرون فيها المعبر الذي منه أشرق نور الإسلام على بلاد السودان، وهذا غير صحيح. فقد جاءت اتفاقية البقط نتيجة لعجز جيش بن أبي سرح عن هزيمة النوبة، هزيمة ساحقة. وفي الأصل، جاء ابن أبي سرح وجيشه غزاةً فاتحين، ولم يجيئوا دعاةً كما يظن الكثيرون منا. لقد كان هدفهم الأساس هو توسيع الملك، وجلب الغنائم، وزيادة الخراج. غير أن النوبة واجهوهم بالنبال التي يتقنون تصويبها، وطفقوا يفقؤون عيون جنود القوة الغازية. فقال المهاجمون، على لسان شيخٍ حميري، كان قد صحب الحملة،معلقًا على ما جرى وسط الجيش الغازي من ثملٍللأعين: والله إن بأسهم لشديد، وإن سلبهم لقليل؛ أي أن منطقتهم فقيرة، ولا ينبغي أن نخسر من أجلها عيون جيشنا. ومن الجهة المقابلة، فقد أصاب الرهق النوبة،من تواصل الكر والفر، كما رأوا خطر المنجنيق الذي قذفهم به ابن أبي سرح، فهدم كنيستهم. وعلينا أن نستحضر في أذهاننا، أن الشعب النوبي، قد أصبح، منذ سقوط نبتة ومروي، شعبًا قليل العدد. خلاصة الأمر، أن المواجهة بين الطرفين انتهت بما يشبه الاتفاقية التجارية للتبادل السلعي؛ بين إمبراطورية تسعى وراء المغانم الدنيوية، وبين مملكةٍصغيرةٍمرهقة،أرادت أن تشتري لنفسها هدنةً، بمقابلٍ مالي.وانتهت الاتفاقية بالسماح للطرفين أن يمروا ببلاد بعضهم، عابرين غير مقيمين، من أجل الاتجار.

    لا مجال البتة، إلى القول، إن غزوة ابن أبي سرح التي لم تبلغ هدفها، وما سبقها من غزوات، منذ غزوة عقبة بن نافع الفهري، لبلاد النوبة، في ولاية عمرو بن العاص لمصر، هي التي بعثت نور الإسلام إلى داخل بلاد النوبة. فحقيقة الأمر، أن الإسلام كان موجودًا في بلاد النوبة، قبل قدوم الغازين، وقبل اتفاقية البقط.ولكن وجوده كان محدودًا جدًا. والدليل على ذلك أن الاتفاقية نفسها نصت على أن يرعى النوبة المسجد الموجود أصلاً في دنقلا،فيقومون على نظافته وإسراجه والعناية به. ولم يكن النوبة بحاجة إلى هذا الشرط، فهم قد كانوا يقومون بذلك العمل، على أي حال، لأنهم، وهم المسيحيون، سمحوا ببناء ذلك المسجد. وهذه هي طبيعة الحياة النوبية، منذ سوالف الحقب، في قبول الآخر المختلف.

    أما بقية شروط اتفاقيةالبقط، فهي شروط دنيوية، أهمها إرسال 360 رأسًا من العبيد إلى مصر، مقابل إرسال مصر العدس والقمح وغيره من الحبوب، مما تنتجه مصر إلى ملك النوبة. ولقد سبق أن تناولتُاتفاقية البقطقبل سنوات عديدة، في مسلسلة نشرتهالي صحيفة الأضواء، تحت عنوان: “العصر الأموي وفجر البراغماتية الإسلامية”.ما أراه، وهو ما تؤيده كثيرٌ من الشواهد، أن نور الإسلام لم يصل إلى السودان، نتيجة لحملة ابن أبي سرح، وإنما عن طريق المتصوفة، الذين بدأوا يفدون إلى السودان ابتداءً من القرن الرابع عشر وحتى الخامس عشر، وتوطدت أركان منظومتهم ورسخت عبر قرون السلطة الزرقاء (1504-1821). ولم تكن العلاقة بين المتصوفة، وحكام سنار الذين تغلب عليهم قيم الرعاة، علاقة سلسلة. يقول سبولدينق: “لم تكن العلاقة بين رجال الدين وطبقة النبلاء مريحةً، ويحوي السجل التاريخي فواصل كثيرة من حوادث الوحشية الرسمية ضد رجال الدين، والتي بادلها هؤلاء باللعنات المرعبة، والانذارات بحلول الكوارث … أنجز رجال الدين بعض الانتصارات الأساسية على منافسيهم وعلى السلطات المحلية”. (سبولدينق، عصر البطولة في سنار، (ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ، هيئة الخرطوم للصحافة والنشر، الخرطوم السودان، 2011، ص 145).

    عمومًا، لم يكن هؤلاء المتصوفة ضمن الأعراب الرعاة الذين وفدوا إلى السودان، فقد جاء المتصوفة من جهاتٍ أخرى ولأغراضٍ أخرى، وهذا هو الأهم. وعمومًا، لم يفد إلى السودان المتحضرون من العرب والمسلمين، وإنما وفد إليه الرعاة البدويون، الذين عاشوا،قبل مجيئهم، على مبعدةٍ من مراكز الحضارة الاسلامية، ما جعلهم لا يتأثرون كثيرًا بقيمها.بل يمكن القول، دون أدنى تردد، إن ما جلبته نوعية العرب الذين وفدوا إلى السودان، كان قيمًا تمت بالصلة للحقبة الجاهلية، أكثر من كونها تمت بالصلة للإسلام. وقد كان تكاثر هؤلاء الرعاة، واستشراء نزعتهم للقهر والغلبة، وانتزاع الحيازات، هو ما قضى على ما تبقى من نمط الحياة النوبية المتحضرة، التي عرفها هذا الإقليم منذ آلاف السنين. لقد أحل الرعاة القادمون القيم الرعوية، التي لا زالت ممسكة بتلابيبنا، حتى اليوم. أما اسلام المتصوفة فقد شكل جيوبًا صغيرة انتشرت في بقاعٍ متناثرة هذا الفضاء الرعوي الشاسع.وقد اتسمت العلاقة بينهم وبين الحكام بالمد والجزر، كما سلفت الإشارة.

    تدفقت القبائل الرعوية على سهول السودان، أثر تضييق المماليك عليهم في مصر، في القرن الثالث عشر الميلادي. وقد أخذت هذه القبائل الوافدة تناوش المستقرين على ضفاف النيل، حتى هدمت حضارتهم وأبدلت عقلهم المديني بعقلٍ رعويٍّ، به اضمحل العمران النوبي المستقر منذ آلاف السنين، إلا قليلا. وما قام به الأعراب البدوان، من نهبٍ وسلبٍ وتخريبٍ، وقطع للطرق، ما عوق التجارة، هو ما أزال ملك النوبة. وهذا  هو ما أكده ابن خلدون. يقول ابن خلدون، إن إفريقية والمغرب لما جاز إليها بنو هلال وبنو سليم، في المئة الخامسة، وبقوا فيها ثلاثمائة وخمسين من السنين، عادت بسائطها كلها خرابًا، بعد أن كان ما بين السودان، والبحر الرومي، كله عمارًا. ويقول ابن خلدون، إن ما يشهد على ما كان من عمرانٍ في هذه المناطق، ما بقي قائمًا من بقايا الآثار، ومن معالم وتماثيل، وأيضًا، ما بقي من شواهد على ما كان فيها من قرى ومن مدر. (راجع: عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة بن خلدون، دار الفجر للتراث، القاهرة، ج م ع، 2004، ص 196).

    (يتواصل).

    ……………………………..

    (4)

    يسير وليامز آدمزعلى خطى ابن خلدون في تسبُّب الأعراب الوافدين في انهيار الممالك النوبية، خاصة ما كتبه بتفصيل عن سقوط المقرة المملكة النوبية،في الشمال السوداني في منطقة دنقلا. ذكر آدمز، أن وفدًا أتى إلى السلطان المملوكي، في عام 1365 من ملك نوبي يريد العون ضد قبائلبني جعد، وبني عكرمة، التي كانت تهجم على المملكة وتوسعها، نهبًا وتخريبا، (وليام آدمز، النوبة رواق إفريقيا، (ترجمة محجوب التجاني)، (ط3)، (بلا ذكر لدار النشر)، القاهرة. 2004، ص 468). ويرى آدمز أن ما ساعد الأعراب على نشر الفوضى، هو اضمحلال البلاط النوبي، وكثرة المؤامرات بين المتنافسين على الملك فيه.

    يروي آدمز، أن ملكًا نوبيًا استعان ببني جعد لخلع خاله، الذي كان ملكًا، غير أنه، ما لبث أن انقلب على حلفائه هؤلاء، فذبح معظم قادتهم. وجد الملك عقب ذلك، أنه أضحى مكشوفًا، وليس في مقدوره الدفاع عن ملكه، فنزح، هو وأفراد بلاطه، شمالاً، مخلفًا عاصمته بلا حراسة. كما أنه وجد بعد نزوحه، أن وضعه الجديد لم يكن أفضل كثيرًا من سابقه، إذ وضعه في مواجهة مباشرة مع بني كنز وحلفائهم، بني عكرمة. وهنا وجد أعراب بني جعد الفرصة سانحة للانتقام من ذلك الملك، فهاجموا المدينة ونهبوها وخربوها.

    يقول آدمز، إن الملك لم يحاول استرجاع عاصمته المخربة، فتركها، والمقاطعة المجاورة لها لمن أسماهم وليامز، “العرب المشاكسين”. وهكذا انهارت مملكة المقرة، في منطقة دنقلا الحالية، بوصفها كيانًا سياسيًا. ويؤكد انهيار السلطة ودخول المنطقة في أتون الفوضى، مار وراه وايام آدمز، نقلا عن رحالة أوروبي، مر بالمنطقة بعد قرن من انهيار المقرة. إذ قال ذلك الرحالة، إن على الطريق الذي يؤدي إلى ديار النوبة، من الجانب الغربي من النيل، أناسٌ سيئون، نهّابون، قتلة. (نفس المصدر السابق).

    أما مملكة علوة في منطقة نهر النيل ابتداء من كبوشية الحاليةجنوباً إلى منطقة الخرطوم الحالية، والتي تقع إلى الشرق منها أغنى الأراضي الرعوية في السودان، في سهل البطانة، فقد جرى اختراقها بواسطة الأعراب، بكثافة أكبر، مما جرى للمقرة. وقد أضحت مملكة علوة مهددةً أكثر من جانب القبائل الرعوية الراحلة التي قدمت من مصر إلى السودان. وكانت أكبر القبائل التي استقرت في سهول السودان الأوسط ابتداءً من القرن الحادي عشر وحتى القرن الخامس عشر، هما قبيلتا جهينة وقريش، اللتين تعود أصولهما إلى الحجاز، وقد هاجرتا، إلى مصر العليا، في زمن الفاطميين. وحين ضغط عليهما المماليك، انتقلتا إلى سهول السودان سعيًا وراء المرعى.

    يرى يوسف فضل، أن الصراع بين العرب وبين السكان الأصليين المستقرين كان حتميًا، بحكم سعي العرب للسيطرة على المرعي. ويرى يوسف فضل أن العرب ربما دفعوا السكان الأصليين إلى خارج مناطقهم، وربما سعوا إلى السيطرة على المناطق الغنية على مجرى النيل. ولقد كانت دولة علوة قادرةً على الدفاع عن نفسها، وعلى إبقاء الأعراب تحت سيطرتها، في بداية الأمر. غير أن الميزان سرعان ما اختل جذريًا في صالح العرب. (YousifFadul, The Arabs and the Sudan, Edinburgh, UK, 1967, pp. 50-60).ويسير ماكمايكل في ذات الاتجاه فيقول إن سقوط دنقلا في القرن الرابع عشر، مكن العرب من الاندفاع جنوبًا نحو مراعي كردفان وكسلا، أي غرب وشرق النيل، فأبعدوا النوبة، سكان المنطقة الأصليين، جنوبًا، وحصروا البجا على سواحل البحر الأحمر. وقد صمدت مملكة سوبا بين النيلين الأزرق والأبيض لمئتي عام أخرى، عقب ذلك الانتشار العربي الكبير في بواديها، حتى سقطت نتيجة لتحالف العرب مع الفونج في بداية القرن السادس عشر.

    انتشر العرب في مراعي السودان، بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر، في مساحات شاسعة جدا شملت منطقة كسلا، وكل سهل البطانة، تقريبا. كما شملت سهل الجزيرة الواقع بين النيلين. كما شمل انتشار العرب كل المنطقة الواقعة غرب مجرى النيل الرئيس، من منحنى النيل، إلى المنطقة الواقعة غرب النيل الأبيض حتى منطقة الجبلين الحالية، جنوبي كوستي، بامتدادٍ نحو العمق في الغرب، شمل شمال كردفان وشمال دارفور. حصرهذا التحول ما تبقى من الحضارة النوبية على مجرى نهر النيل الرئيس، وضفتي النيل الأزرق جنوبي الخرطوم. وبعد أن انهارت المقرة، وانهارت علوة، جرى القضاء على على الإرث الحضاري النوبي الذي بقي متواصلاً، رغم ما أصابه من اضمحلال. ويرى آدمز أن مجيء العرب وضع وللأبد المكانة الشامخة التي تمتع بها النوبيون بين جيرانهم الأفارقة. فقد امتلك العرب روحًا قتالية ودرجة عالية من الحراك افتقدها النوبيون. وبالتالي اختل ميزان القوة العسكرية، لأول مرة في تاريخ المنطقة. فخرجت القوة من قبضة الشعوب النهرية لتصبح في يد قبائل السهل والصحراء، (وليام آدمز، مصدر سابق، ص 481).

    منذ سقوط مملكتي المقرة وعلوة، دخل السودان في مرحلة جديدة، سمتها الرئيسة، الحروب القبلية، والصراع ضد سلطة الدولة. وعلى الرغم من أن دولة مركزية جديدة في سنار، عقب اسقاط علوة، إلا أنها كانت دولة مضطربة. توسعت دولة الفونجبسرعة كبيرة لكنها أخذت تأكل نفسها، في نفس الوقت، وهي تتوسع، حتى انهارت بسبب الصراعات. فأطماع القبائل، وتمردها المستمر على السلطة المركزية، سببا رئيسًا في الاضطرابات والحروب المستمرة التي انهكتها، فسقطت مثل التفاحة الناضجة في فم الخديوية التي زحفت عليها من الشمال في عام 1821.

    لقد وُلد الواقع السوداني الحاضر من رحم مخاض الحروب الكبيرة والصغيرة، التي زخرت بها فترة السلطنة الزرقاء. وهي حروب بالغة الكثرة، حتى ليمكن القول أن العهد السناري لم يكن سوى مسلسلٍ من الحروب المتصلة، المدمرة، خاصة في حقبته الأخيرة. لقد تسرب العقل البدوي الرعوي، بسبب المصاهرات التي أضطر إليها النوبيون لدرء شر الأعراب، إلىأماكن الاستقرارعلى الشريط النيلي.

    أخذت الحروب تنشأ وسط الأسر النيلية نفسها. وعلى سبيل المثال، استغل ملكا الجعليين، نمر ومساعد، غياب ملك بربر، فهجما عليها ونهباها، ونصبا موالً لهما عليها. (E. A. Robinson, Nimir, the Last King of Shendi, Sudan Notes and Records, 1926, ، ترجمة بدر الدين الهاشمي(. وقد تنازع فرعا الجعليين هذان على السلطة، أيضا. فقد تحالف البطاحين مع فرع النمراب من الجعليين، الذين ربطتهم بهم صلة مصاهرة، فهجم الفريقان على جيش الملك مساعد،الذي جروه إلى منطقة تسمىدهاسير بوادي الهواد، فهزموه ثم ذهبوا واحتلوا شندي. ولكن شيوخ المجاذيب تدخلوا ونزعوا فتيل النزاع، وانتهى الأمر بأن أصبح للجعليين مملكتان؛ إحداهما بغرب النيل في “المتمة”، والأخرى في شرق النيل، في “شندي”، يفصل بين عاصمتيهما النهر.(سبولدينق، عصر البطولة في سنار، 331). ولم يكن سكان شندي، حينها، يتعدون الستة آلاف نسمة.

    أما في منحنى النيل، فقد دفع تسلط الشايقية، بعضًا من البديرية والركابية إلى ترك المنطقة والاتجاه إلى كردفان ودارفور. وفي البطانة أضطر الشكرية كلا من الحلاوين والركابية والبديريةوالخوالدة إلى ترك المنطقة والهجرة إلى غرب النيل الأزرق، ووصلت مجموعات منهم إلى كردفان. وقد أدت معركة المندرة إلى أن يتوجه الركابية إلى الغرب، ورافقتهم في لجوئهم إلى الغرب، شراذم من البديرية، والكواهلة، ورفاعة، والشنابلة، والضباينة والبطاحين، وممن لجأوا إلى الغرب أسرة النوراب التي التفت حول قبيلة الكبابيش، وأحتلت مركز القيادة أثناء حقبة الكيرا، (سبولدينق، المصدر السابق، 345).

    أيضًا، يروي كاتب الشونة، أن الصراع الذي نشب بين الهمج والشكرية، قاد الشكرية للهجوم على أربجي وتسويتها بالأرض. وفي البطانة نفسها سال دم غزير بن الشكرية والبطاحين، نتيجة للحروب المتواصلة، التي أصبحت من القصص الشعبي الذي ترويه الأجيال. وقد جرت حرب مركبة في شمال كردفان قبيل الغزو التركي كان طرفاها الرئيسان الكبابيش وبني جرار. كما جرت حرب بين الجعليينالسعدابوالجميعاب. وهذه نماذج فقط لما جرى من حروبٍ في وسط السودان، مما حفظه لنا التاريخ. ولو حاولنا احصاء النزاعات العنيفة المسلحة، التي جرت في العصر السناري، لبلغت مئات الحروب. ولذلك، فإن الحديث عن سلمية السودانيين، ليس سوى اعتناقٍ لفكرةٍ متخيلةٍ،لا تقف وراءها شواهد القرون الخمسة المنصرمة. وعلى من يرد الاستزادة من شؤون العنف القبلي في السلطنة الزرقاء، مراجعة كتاب سبولدينق، “عصر البطولة في سنار”، الصفحات من 291 إلى 357.

    في منطقة البطانة مثلت قبيلة الشكريةمركز القوة في السودان الأوسط. فقد كانت قبيلةً قوية، لم تخضع خضوعًا مطلقًا للسلطة المركزية. كما أنها كانت تتقن انشاء التحالفات وفق موازين مراكز القوة، بما يحفظ لها مكانتها، ومصالحها، واستقلاليتها. كانت هذه القبائل تحتاج الحبوب، وكانت تتعرض أحيانا للمجاعات. وقد دفعت بها أنفتها وترفعها عن العمل الزراعي، وحاجتها إلى الحبوب، إلى الهجوم، باستمرار، على مناطق الزراعة حول مجرى النيل وأفرعه. وهكذا تعرض النشاط الزراعي المستقر على ضفاف النيل، وما حولها، إلى الاعتداءات المتكررة. (سبولدينق، 335). قادت تلك الأوضاع إلى إضعاف البنية الحضرية المتوارثة، وإلىتبني المستقرين لقيم البدو. فقد أضطر صراع البقاء المتسم بالعنف الجميع إلىتبني القيم الرعوية. وأصبحت شدة البأس، والقدرة على الاعتداء، ونزع الحيازات عنوة، وفرض قبول الظلم بحد السيف، هي الوسائل المنجية في هذا الصراع الشرس.

    ساد الاضطراب والعنف منطقة السودان الأوسط منذ سقوط علوة والمقرة، واستمر هذا الحال طيلة الحقبة السنارية،و تواصل، فمشل حقبتي الخديوية والمهدية. كل ما في الأمر، أن الخديوية أرهبت الجميع بالسلاح الناري، وفرضت، سلطة الدولة المركزية. وقد أسهمت حملات الدفتردارالبشعة، عقب مقتل اسماعيل باشا، في شندي، في فرض السلم لستين عامًا (1821-1881). أما المهدية، فقد امتلكت جيشا ضخمًا، ما كان لأي من القبائل قدرة على مواجهته. خاصة أن هزائم هذا الجيش للحكم التركي جعلته يمتلك السلاح الناري، والقدرة على استخدامه.

    لقد واصلت النزعة الكارهة للدولة المركزية تجلياتها، عبر سنوات الدولة المهدوية. كان الشكرية حلفاء للحكم التركي، وعندما هاجم المهدويون، بقيادة عامر المكاشفي سنار، تمكن الخيدويون من إخراج المهدويين منها، بمعاونة ألفين من المقاتلين من حلفائهم الشكرية.(أ. ب. ثيوبولد، المهدية: تاريخ السودان الإنجليزي المصري، (ترجمة: محمد المصطفى حسن)، مركز عبد الكريم ميرغني، أمدرمان، السودان، 2010، ص 66-67).

    أيضًا، قاومت قبيلة الكبابيشالحكم التركي في بدايته. كما قاومت، لاحقًا،الثورةالمهدية، والدولة المهدية. فحين احتلت الخديوية السودان، دخل الكبابيش في خلافاتٍ وصراعاتٍ معها، حسمها محمد علي باشا أثناءزيارته للسودان في عام 1838، انخرط الكبابيش في النظام السياسي والاقتصادي للحكم الخديوي. وتولى الكبابيش، من ثم، ترحيل الصمغ المُصدَّر إلى مصر، وسيطروا على الطريق التجاري عبر الصحراء، وتحصلوا على النقود التي أدخلتهم في دائرة التعامل السلعي. (محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث، (ط2، 2000، ص 291).

    أيضًا، عندما ظهرت الدعوة المهدية، تحفظ الكبابيش في تأييدهم لها، خشية أن يفقدوا استقلاليتهم، والوضعية التي تحققت لهم في ظل الحكم الخديوي. ورغم أن الشيخ التوم فضل الله، زار المهدي أثناء حصار الأخير لمدينة الأبيض، وقدم له هديةً تمثلت في مجموعة من الجمال. إلا أن مكاتباتٍ بين الشيخ التوم فضل الله، وغردون باشا، وقعت في يد المهدويين، فقادت إلى إعدام الشيخ، التوم فضل الله، في عام 1883.

    تكرر الصدام بين زعيم الكبابيش، صالح  فضل الله، الذي خلف أخاه التوم على الزعامة، والدولة المهدية، أيام الخليفة عبد الله. تلكأ الشيخ، صالح فضل الله، في الاستجابة لدعوة الخليفة عبد الله له، للحضور إلى أمدرمان. فحوصر الكبابيش في ديارهم ومنعالمهدويونالقبائل من أنتبيعهم الحبوب، حتى تعضهم المجاعة فيرضخوا. في تلك الفترة، أوقفت قوات عبد الرحمن النجومي، التي كانت تراقب الطريق الصحراوي الرابط بمصر، قافلةً وجدتها تحمل أسلحةً وأموالاً مرسلةً من الخديوي في مصر إلى الكبابيش. قاد ذلك إلى أن يجرد المهدويون على الكبابيش حملةً عسكريةً شرسة، نكلت بهم وأعدمت زعيمهم صالح فضل الله في عام 1887. وفصلت بين إعدام صالح، وإعدام أخيه الأكبر التوم، خمس سنوات فقط. (نفس المصدر السابق).

    أيضا ظل زعيم قبائل رفاعة الهوي، المتفرعة من قبائل جهينة، يوسف المرضي أبوروف، ساخطًا على سلطة الخليفة عبد الله، وظل يتصرف كزعيم اقطاعي في الشريط الممتد بمحاذاة النيل الأزرق، من جهة الغرب، في منطقة سنار. ولقد كانت هذه المنطقة وافرة الانتاج من الحبوب، التي يعتمد عليها غذاء أهلأمدرمان. وكان أبوروف يفرض ضرائب على القوارب المحملة بالحبوب المتجهة شمالا. تلكأأبوروف في القدوم إلى أمدرمان لمبايعة الخليفة، كما قتل بعضًا من رجال الخليفة المشتتين في إقليمه. فما كان من الخليفة إلا أن جرّد عليه حملة عسكرية هزمته ودمرت قبيلته، (ثيوبولد، مصدر سابق، ص 211).

    لم تسلم أمدرمان العاصمة المهدوية نفسها من الصراع الجهوي. فثورة الأشراف التي اندلعت عقب وفاة المهدي، كانت اعتراضًا على تولية المهدي الخلافة لعبد الله بن محمد تورشين، القادم من أقصى غرب البلاد. وكان الأشراف، يرون أنهم الأولى بالخلافة بحكم رابطة الدم. فلا الدعوة المهدية، كدعوة دينية، ولا الدولة المركزية التي أنشأتها، استطاعتا أن تقضيا على القبلية. يقول ثيوبولد، أن الأشراف لم يكونوا راضين بخلافة الخليفة عبد الله. فأخذ كل خليفة يظهر استقلاله عن البقية. وكان كل منهم يتجول في أمدرمان في موكب عظيم باهر، وكأنه ملك، آمرًا بضرب نحاس حربه الخاص. (ثيوبولد، مصدر سابق، ص 209). وكان يفعل نفس الشي القائد المهدوي الزاكي طمل، بسبب ما أصاب من ثراء أثناء توليه إدارة منطقة القضارف. فكان حين يأتي إلى أمدرمان يخرج في موكب عظيم يحيد به خمسون حارسًا مسلحًا، (محمد سعيد القدال، المهدية والحبشة). ويواصل ثيوبولد قائلا: أما الخليفة عبد الله فقد أخذ يعتمد كليًا على رجال قبيلته، وكانوا مقاتلين شرسين، يكنون احتقارًا لأهالي النهر، ويبادلهم أهالي النهر نفس النظرة، (ثيوبولد، مصدر سابق، ص 207).

    من غير إسهاب في التفاصيل، يمكن القول إن معظم زعماء كبرى القبائل السودانية، عارضوا المهدية. وقد أعدمت السلطات المهدوية، تقريبًا، كل زعماء القبائل الذين عارضوها، وحزّت رؤوسهم وجاءت بها إلى أمدرمان، وعلقتها على الأعواد، للعبرة.فكما سبق ذكره، أعدمت المهديةزعيمين من زعماء الكبابيش. وكانت قد أعدمت من قبلهم الفكي، المنا اسماعيل من قبيلة الجوامعة الذي ناصر المهدية، وأسقط حامية التيارة. كما أعدمت مادبو علي، زعيم الرزيقات، الذي ناصر المهدية في دارفور. وأعدمت المرضي أبوروف زعيم قبيلة رفاعة، الذي شارك المهدويين في حصار سنار. وأعدمت سبعة وستين من قيادات قبيلة البطاحين، بعد حربين طاحنتين معهم. كما قضت على عبدالله ود سعد زعيم الجعليينوخربت دياره في المتمة، وساقت نساء قبيلته سبايا، إلى أمدرمان. وقد أخذ سبي نساء المسلمين بواسطة المسلمين،يتواتر منذ الحقبة السنارية.وهذه واحدة من سمات العقل الرعوي الذي تبعقيم القبيلة وتجاهل قيم الإسلام.

    أما زعيم الشكرية عوض الكريم أبو سن،سجنه المهدويين مع بعض قيادات فبيلته، بسبب هروب قسم من القبيلة إلى الحبشة،مبتعدين عن القبضة المهدوية. وقد بقي عوض الكريم أبو سن في سجن الخليفة حتى مات. أما زعيم الضباينة، محمود ود زايد، فقد جرى سجنه في أمدرمان، وأُطلق سراحه فيما بعد. غير أن قبيلته تضعضعت وضعفت كثيرًا بسبب الصدام المسلح مع المهدويين. أما قبيلة العبابدة التي كانت تعمل في الترحيل بين مصر والسودان، فقد عارضت الدعوة المهدية، لكنها، بقيت بمنأى من سلطة الدولة المهدية. إذ كانت كلما أحست بالخطر المهدوي، انسحبت إلى داخل الأراضي المصرية.

    اتجه المهدي بدعوته إلى الرعاة، بعد أن عارضه شيوخ التصوف في السودان الأوسط، وعارضته المؤسسة الدينية السودانية، التي أنشأتها الخديوية. وقد قاد تجييش الرعاة، في نهاية المطاف، إلى قلب مركز الدولة، رأسًا على عقب. فالخليفة عبد الله، لم يعتمد في حكمه للبلاد، على السلطة الروحية للدعوة المهدية، وإنماعلى العصبية القبلية، التي أثارت عصبياتٍ قبليةٍ مضادة.

    عمومًا، يمكن القول، إن القبيلة في السودان، لم تقبل سلطة الدولة المركزية، سواءً كانت حكما أجنبيًا، أو حكمًا وطنيًا،إلا على مضض. فعلاقة القبيلة بالدولة قامت، إماعلى المقاومة، أو على المراوغة والمخاتلة. كما يمكن القول إن تجارب الصدام المريرة والمدمرة للقبائل السودانية، مع الدولة المركزية، خاصة في فترة الحكم التركي والحكم المهدوي، قد علَّمتها كيف تحني رأسها لسلطة الدولة المركزية، وبأسها، اتقاءً لشرها. ولقداهتدت القبائل، عبر التجارب، إلى أن في وسعهم أن يخدموا مصالحهم من خلال مداهنة الدولة والانخراط في بنيتها. نقل هذا التكتيك الجديد، الصراع من المجابهات المسلحة والعصيان الصريح، لسلطة الدولة المركزية، إلى التغلغل في بنيتها ونخرها من الداخل، من أجل الابقاء، ما أمكن، على الأوضاع القائمة.

    ينبغي ألا ننخدع بالدولة المركزية التي أقامها الإنجليز وبسطوا سلطتها في كل ربوع السودان في الفترة الممتدة من 1898 و1956. هذه الدولة كانت نبتًا أجنبيًا جرى فرضه بقوة السلاح. وقد خرجت هذه الدولة المنضبطة مع مؤسسيها، يوم أن غادروا السودان. كمنت القبيلة طيلة فترة الحكم الثنائي (1898-1956)، وظهرت مع هبوب نسائم الاستقلال. فالسودان لا يزال في مرحلة القبلية تتحكم في مجريات أموره بنية العقل الرعوي. فالدولة الحديثة في السودان، لم تقم بعد. وهي لن تقوم إلا بعد أن ننجح في تفكيك وإزالة بنية العقل الرعوي التي لا تزال ممسكة لدينا بخناق كل شيء.

    (يتواصل).

    ……………………………….

    (5)

    سوف أعالج في هذه الحلقة بعض الجوانب التي سبق أن أشرت إليها في الحلقة السابقة. تتعلق هذه الجوانب بملاحظة مركزية، سبق أن أشرت إليها في الحلقة السابقة، وهي أن الأعراب الذين وفدوا إلى السودان لم يأتوا من مراكز الحضارة الإسلامية وحواضرها، وإنما أتوا من البرية. ولذلك، لا غرابة أن تصبح السلطنة الزرقاء سلطنةًقليلة الانجاز في مضمار التحضر، وألا تصبح حقبتها حقبة عالمة يمكن أن تقارن بمستوى العلم في الحواضر الإسلامية المشارقية والمغاربية.لقد أمضى القوم ثلاثة قرون في الصراع على السلطة، وحين زحف عليهم الغزو الخديويوقوض حكمهم الذي استمر لثلاثمائة عام، ذهبوا دون أن يخلفوا وراءهم شيئًا يذكر. فالأعراب الذين تحالفوا مع الفونج، وكلاهما رعاة، لم يكونوا، أهل علم وحضارة. يقول وليام آدمز أن من قهروا النوبة وأخذوا ملكهم لم يكونوا مبشرين ولا أهل علم، وإنما كانوا بدويين أميين. (ويليام آدمز، النوبة رواق إفريقيا، ص 483). لم يكن القادمون الجدد، مدفوعين بغير الحصول على السلطة، من أجل الامتلاك والثراء، كعادة الرعاة، عبر التاريخ، في الغزو والاستحواذ،خاصةً، حين يجاورون بنية حضارية متقدمة، يلمحون فيها علامات ضعف عسكرية.

    ذكرابن خلدون مرارًا في ماكتب، أن العرب،”أبعد الأمم عن سياسة الملك”. ولعل ابن خلدون يعني “الأعراب”، وليس العرب على إطلاق العبارة.وبطبيعة الحال، يصبح ما قاله ابن خلدون عن بعد العرب عن السياسة الملك صحيحًا، إذا نظرنا للعرب في القرون السابقة للإسلام. فعرب، وسط وشمال الجزيرة العربية، لم يعرفوا،حينها،المُلك، فقد عاشوا قبائل من الرعاة المتحاربين، المتجولين عبر الصحراء في التخوم المهملة، الفاصلة بين الإمبراطورية الفارسية، والإمبراطورية الرومانية. غير أن حالهم تغير بتمدد الإمبراطورية الإسلامية وباختلاطهم بأهل الحضارات القديمة كالفرس والمصريين. ولذلك، لا تشمل كلمة “أعراب”، في ما أرى، كل العرب، خاصةً بعد أن نشأت الدعوة الإسلامية، وتحولت الدعوة إلى حضارة عربية اسلامية،حولت كثيرًا من أعراب البادية إلى أقوامٍ متحضرين.فالإسلام هذب كثيرًا من البدو، وأخمد جذوة توحشهم. فكلمة “أعراب” تعني، من وجهة نظري، “الرعاة”، من العرب، كما تعني الرعاة من حيث هم. بعبارة أخرى، لا تشمل كلمة “أعراب” كل العرب، كجنس. ودعونا نتأمل، مرةً أخرى،هذه الآية القرآنية الغريبة في هجاء الأعراب: “الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله ورسوله”. إنهاآيةٌغايةٌ في الدلالة على بُعد “الأعراب” من الله، ومن نبيل القيم.فهم، وفق النص القرآني، من السوء بحيث أصبح من الخير لهم، ألا يعرفوا تعاليم الإسلام، وأن يبقوا على ما هم عليه، رحمةً لهم ورأفة بهم، وفقًا للنص القرآني: ” وما كُنَّا مُعَذِّبِيْنَ حتَّى نبعثَ رسولا”. (سورة الإسراء، آية 15).

    يقول ابن خلدون عن “العرب”، وتعني عندي “الأعراب”، إنهم إذا ملكوا أمةً من الأمم، جعلوا غاية ملكهم الانتفاع بأخذ ما في الأيدي. (عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار الفجر للتراث، ص 197). عاش ابن خلدون،(3321-1406م،  بعد قرابة الثمانية قرون من بداية الحضارة العربية الإسلامية. ولقد مكنه ذلك من رصد حوادث تاريخها وتحليل تحولاتها، ما جعله يصف العرب بما وصفهم به، من كونهم”أبعد الأمم عن سياسة الملك”، بحسب تعبيره. ويبدو أن العرب بعد أن تحضروا وتهذبوا، نوعًا ما، بالإسلام، وصاروا ملوكًا، في ما بعد، لم يسلموا من تسرُّب عقلية الرعاة الموروثة إلى ممارساتهم كحكُّام.يقول ابن خلدون، في هذا المعنى،أدرك العرب وقتٌ فصلت فيه بينهم وبين الدولة أجيال. فنبذوا الدين، ونسوا السياسة ورجعوا إلى قفرهم وتوحشوا كما كانوا، وعادوا إلى حالهم الأول من البداوة. ويضيف ابن خلدون: “وقد يحصل لهم، في بعض الأحيان، غلبٌ على الدولة المستضعفة، فلا يكون مآل ما يستولون عليه من عمران سوى التخريب”. (المصدر السابق، ص 197-198). وتنطبق كل أقوال ابن خلدون، التي أوردتها هنا، تمام الانطباق على تحالف القواسمة والفونج،الذين هاجموا سوبا، عاصمة دولة علوة، وخربوها، حتى أصبح تخريبها مضربًا للأمثال.

    كان نشوء دولة الفونج، إلى حدٍّ كبير، ارتدادًا حضاريًا، قياسًا بما كان عليه حال المملكتين النوبيتين،علوة والمقرة. ويبدو أن القيمة الوحيدة التي يراها من يرون أن سنار هي العلامة الأكبر في تحول القطر السوداني إلى الإسلام، قيمةٌ منحولة، لا تسندها أيٌّ من شواهد البحث العلمي المحايد في التاريخ المكتوب. فقد غلبت على كثير من كتابات السودانيين عن تاريخ السودان، العاطفة، ورهاب مفارقة القطيع، والمجاملة، بأكثر مما غلب عليها الحياد العلمي الأكاديمي، والنظرة الموضوعية. إسلام سنار، كنظام حكم، وإدارة دولة، ومنظومة قيم سلطانية، واجتماعية، وطقوس، ضعيف الصلة بتعاليم الإسلام. وهذه الهالة الإسلامية المفخمة التي ترى بها أكثريتنا سنار، ليست سوى جبة جديدة، جرى نسجها مؤخرًا، ثم أُلبست، استعاديًّا، لتلك الحقبة الغاربة.

    كانت “سوبا”، عاصمة دولة علوة،مدينةً باذخةً،بمقاييس زمانها. فقدرُوي أنهاكانت جميلة المباني، تتجلى هندسة العمارة في كنائسها، المزينة بالرسوم المسيحية، وبالزخارف والنقوش. وقد عُرفت مملكة علوة بالصناعات، التي تمثل واحدةً من أبرز علامات التحضر. يقول أحمد محمد علي الحاكم، إن الخزافين السودانيين بلغوا في مملكة علوة، قمةً رفيعةً في فن الخزف.ويقول، إن التحليل الدقيق للأنماط الزخرفية التي زينوا بها انتاجهم الخزفي، يعكس أنهم استوحوها من نماذج زخارف العهود الإسلامية (الفارسية، أو الفاطمية، أو المملوكية). (أحمد محمد علي الحاكم، هوية السودان الثقافية: منظور تاريخي، درا جامعة الخرطوم للنشر،  1990، ص 95).كما أن هناك ميراث صناعي تحدر من مملكة مروي التي عرفت بالخزف الرائع، وبصناعة المجوهرات، وصهر الحديد. وقد أورد أحمد إلياس حسين، نقلاً عن ابن سليم الأسواني وابن حوقل، إشاراتهمإلى أنهارعلوة الخمسة، وأراضيها الزراعية الواسعة، ومواردها، ومدنها، وسكانها. فقدوصفوها بأنها كانت مملكةً واسعة الثراء، غنية بالزراعة،وفيها مزارع للكروم، كما أنها غنية بالثروة الحيوانية، وبصناعة المعادن، وبالعديد من الأنشطة التجارية. (أحمد إلياس حسين: السودان: الوعي بالذات، وتأصيل الهوية، (ج 2)، شركة مطابع العملة، 2012، ص 242). هذا الثراء العريض والرغد والمعادن النفيسة، هو ما جعل عرب القواسمة والفونج يتحالفون على نهبها. وعلى التحقيق، لم يكن إنهاء المسيحية وتمكين الإسلام هو الهدف الرئيس من تلك الهجمة.

    وللتدليل على ما تقدم، دعونا ننظر في عادات وتقاليد سنار، وكيف أنها بعيدة، كل البعد، عن تعاليم الإسلام. وأرجو أن يكون هذا الاستعراض للطبيعة الحقيقيةلسلطنة الفونج، حافزًا لكي تعيد أكثريتنا النظر في ما ظلت تظن. يربط كثيرون منا، ربطًا عضويًا، بين خراب سوبا وتحول السودان إلى دولة “اسلامية”. وهذا غير صحيح. فالإسلام أدخله ورسخه المتصوفة، في وقت متأخر نسبيًا من عمر السلطنة الزرقاء. فهم من أخرجوا قطاعًا معتبرًا من الشعب السناري من التوحش إلى الإنسية، بعد أن شكّلوا نطاقًا قيميًا داخل الدولة، مغايرٌ في طيسعته لنطاق الحكام، وكسبوا له مساحة معتبرة. ومع ذلك كان الشد والجذب بينهموبين حكام سنار مستمرًا بلا انقطاع، ولكن، على تفاوت في موقف كل فريق منهم من السلطة. وسوف أتوسع قليلا في هذه النقطة في حلقات قادمة.

    ربما، لو لم يهجم الفونجوالعبدلاب على سوبا، ويسووها بالأرض، لساد فيها الاسلام بهدوء، ولتمازج مع ثقافتها، ولواصلت بنيتها الحضارية نموها الطبيعي التدريجي. ما أحدثه عرب القواسمة والفونج كان تخريبا. ينقل ويليام آدمز عن رحالة، كان عائدًا من الحبشة، متجهًا إلى مصر، أنه مرّبسوبا عام 1523؛ أي بعد حوالي العشرين عامًا من الهجوم عليها، فوجدها خرابًا. يقول هذا الرحالة، ويدعى ديفيد ربوني، أنهوجد من بقوا أحياءً من سكان سوباً، يعيشون في “رواكيب”. (وليام آدمز، النوبة رواق إفريقيا، ص 475). الشاهد أن تحالف الفونجوالعبدلاب أرجع عقارب الساعة إلى الوراء، في ما يتعلق بنمو السودان الحضاري. ونفس تلك الخصائص التي أبقت السلطنة الزرقاء بلا انجاز حضاري يذكر، هي ذات القيم، ونفس البناء العقلي والنفسي، الذي يقعدنا اليوم عنالتطور. كانت سلطنة الفونجأقل، بكثير، من حيث البنية الحضارية الكلية، عن المملكتين النوبيتين اللتين سبقتاها؛ “المقرة” و”علوة”. يقول آدمز، أيضًا،إن النوبيين لم يكونوا وثنيين مثلهم مثل المصريين والسوريين. فهم نتاج لإرث حضاري قديم، وهو إرثٌ أكثر تقدمًا مما أتي به إليهم الذين أصبحوا يحكمونهم، (آدمز، ص 483).

    أقدم، ما يلي، عرضًا لبعض الممارسات والعادات والطقوس التي سادت في سلطنة الفونج، التي تدل على أن الإسلام لم يمثل فيها سوى قشرة خارجية رقيقة. يقول سبولدينقنقلا عن أحد زائري سنار ذكر في نهاية القرن السابع عشر، أي بعد أكثر من مائة عام من قيام سلطنة سنار، إن السلطان يوصف: “بأنه مسلم، ولكن ليس لديه قوانين وشرائع المسلمين”. ويضيفسبولدينق، أن سياسة سنار اتسمت بالتسامح الديني والاعتراف بحقائق التنوع الثقافي لرعايا الدولة، وأن ذلك يخالف، من وجهة النظر الموضوعية، الكثير من قيم وتعاليم الإسلام الرسمية.وأن تلك السمات بقيت دون أن يطالها تغيير، بسبب أن التعاليم الإسلامية لم تكن تشكل واقعًا داخليًا لتلك المجتمعات. (جي اسبولدينق، عصر البطولة في سنار، ]ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ[ هيئة الخرطوم للصحافة والنشر، الخرطوم، السودان (2011) ص 20.

    هناك الكثير من العادات والتقاليد والطقوس والممارسات التي تؤكد شخصية سنار الثقافية الإفريقية، التي لا تعكس التعاليم الإسلامية، بقدر ما تعكس طقوس الديانات الأرواحية الإفريقية. وتتضح مفارقة تعاليم الشريعة الإسلامية أكثر ما تضح في زي النساء.فنساء العوام،خاصة الفتيات، لم يكن يحق لهن أن يسترن لما يزيد عن ما بين الخصر والركبة، (المصدر السابق، ص 85.). وقد ظلت هذه الممارسة، جاريةً في السودان في المناطق الريفية، حتى منتصف القرن العشرين، وربما بعد ذلك بقليل، خاصةً في بعض الأماكن الرعوية النائية. فقد بقيت الفتيات غير المتزوجات على ذلك التقليد، حتى وقتٍ قريب. إذ ظللن يتمنطقن في وسطهن بسيور من الجلد، تتدلى من حزام يلف الوسط. وتسمى تلك التنورة المكونة من السيور الجلدية، “الرّحط”. ولا حاجة بي إلى القول إن هذا الزي مخالفٌ، تمام المخالفة، لتعاليم الشريعة الإسلامية.

    لم يستثن من فرض عري الصدر والساقين، إلا نساء البيوت السنارية المالكةوالطبقة الحاكمة. فهن الوحيدات اللواتي يُسمح لهن بالاستتار. ولمس هذا العري المفروض من أجل فرز الطبقات الاجتماعية، الرجال، أيضًا. فقد كان عليهم تعرية الجزء العلوي من أجسادهم،لدى مقابلة النبلاء. وعمومًا، فإن أي شخصٍ يحاول العلو والخروج من وضعيته كأحد العوام،بأن يمتلك ملابس مخيطة، أو يقتني أشياء ثمينة، يُعد مرتكبًا لجريمة تُسمى “السِّبْلة”، وتوقع عليه، من ثم، أشد العقوبات. ويروي سبولدينق أن النبيل، المانجل، إدريس ود رجب وجد بعض رعاياه يلبسون ملابس مخيطة، تشبه ملابس العرب، فصادرها منهم ومزقها. (نفسه، 85 – 86).وغالبًا ما يكون ما شاهدناه حتى وقتٍ قريب، من لف الثوب الرجالي على الجسد، بلا سروال، أو “عرّاقي”، لدى الرجال من رعاة وسط السودان، بعضًا من بقايا الامتثال اللاواعيللمنع السناري المشدد، لارتداء العامة المخيط من الثياب.

    أيضًا، من التقاليد التي تخالف الشريعة الإسلامية مخالفة شنيعة، “القتل الطقسي” للملوك وأقربائهم. فعندما يتوفى السلطان يتم اختيار أحد أبنائه خلفًا له، ويجب، حينئذٍ، إعدام اخوته كلهم. ويقول الرحالة كرمب إن السبب وراء ذلك الإجراء هو ألا يظهر منافسٌ للسلطان، يهدد السلام والأمن والاستقرار. ولقد مارس القتل “العبدلّاب”، الذين يُنظر إليهم بأنهم عربًا مسلمين. يقول ماكمايكل،إن من عادات العبدلّاب أن يظل مَلِكُهم عرضةً للموت، في أي وقتٍ، وتحت أي ظرف. فإذا رغب واحدٌ من أبناء عم الملك في قتل الملك، يتقدم إلى الملك بإشعارٍ يحدد فيه الموعد الذي يأتي فيه لتنفيذ القتل. وعلى الملك ألا يرفض الطلب،إذ يُعدُّ ذلك جبنًا وجزعًا، (ماكمايكل، تاريخ العرب في السودان، (ج2)، مركز عبد الكريم ميرغني، أمدرمان،  2012، ص 270). هذه الممارسات الوثنية الأرواحية، التي كانت تمارس على مستوى قيادات الدولة، كافية جدًا لتجعلنا نعيد النظر في “إسلامية” سنار، وفي “عروبة” ساكنيها، على النحو الشائع في أوساطنا اليوم. فقتل الملك الطاعن في السن، أو المريض، الذي كان يمارسه العبدلاب، يطابق، حرفيًا، طقوس قتل “الرَّث”، لدى قبيلة الشلك، وهو مما لا يمت إلى الإسلام، بأي صلة.

    الغريب أن الملك العبدلابي الذي يكون في انتظار القتل، يصلي ركعتين،استعدادًا للقتل. يقول ماكمايكل، يستعد ملكالعبدلاب لحادثة القتل المعلنة، بأن يحلق رأسه، ويصلي ركعتين، ويجلس وسيفه في حِجْره. فيأتي ابن العم، ويطلب الإذن من الملك بالدخول، فيؤذن له، فيقف ابن العم خلف الملك ويضرب عنقه. ولا يتفوه الملك عبر إجراءات ذلك القتل الطقسي بأي كلمة. بعد ذلك يأتي زعماء القبيلة ليضعوا قلنسوة المُلك على رأس ابن العم، الذي نفّذ القتل.وهذا الطقس مخالفٌ للقرآن الذي يقول: “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق” )سورة الإسراء، أية 33). ويعلق ماكمايكل على تلك الممارسة،قائلا إنها ممارسة إفريقية، مستندة إلى الحق الإلهي في الحكم. فالزعيم يجسد الروح الإلهية، فإن بدت عليه علامات الشيخوخة، أوالعجز البدني، أو المرض، وجب قتله، ليحل محله من لم تضعف قواه البدنية، أو العقلية، بعد. ويقول ماكمايكل، نقلا عن الرحالة بروس، إن الفونج ينحدرون أصلا من قبيلة الشُلُك، بقرينة هذه الممارسة لدى كليهما، وغيرها من الممارسات، الأخرى،(نفسه، ص 270).

    بناءً على ما تقدم يمكن القول، وبوثوقٍ كبير، إن سلطنة الفونج في سنار (1504-1821) والتي يُنظر إليها بوصفها جذرًا لـ “عروبة السودان واسلاميته”، بحاجة إلى الكثير من إعادة النظر في أوضاعها عبر تدقيقٍ علمي جدّي،ومساءلة للنظرة الرومانسية العروبية الحالمة، التي ظل كثيرون منا يرونها سلطنة “عربية إسلامية”، وكأنها واحدةً من سلطنات وممالك المشرق والمغرب العربي. تلك النظرة يشوبها، الغرض السياسي الخارجي في استتباع شعوب السودان لمركزية أجنبية خارجية. فتاريخ السودان تعرض للتزييف، من أجل إلحاق أهل القطر بالفضاء المشرقي العربي المسلم. (راجع أحمد إلياس حسين، السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية، (ج 1) ص، 46-47). لقد جرى تزييفٌ كثيرٌلحقائق تاريخ السودان. وهي تجاوزات لا تخطئها عين باحثٍ جاد. فالتاريخ الحقيقي هو ما يجري تأسيسه على بحوث الأنثروبولوجيا،والأثنوجرافيا، وليسعلى السرديات الكتابية والشفاهية، وحدها. فالسرديات كثيرًا ما تتحيز، وتجنح، نحو إعطاء صورة مشرقة، بل ربما تفوت على الساردين، لمختلف الأسباب، أمورٌ جوهرية.

    لم تكن دولة الفونج رغم استعرابها وإسلامها شبيهةً بدول النطاق العربي المشرقي. بل إن تسويقها الشكلي لنفسها كدولةٍ عربيةٍ إسلامية كان في الأساس لأسباب سياسية محضة. ومن ذلك خوفها من الغزو الذي هددها به السلطان سليم، (سبولدينق، ص 120). في تلك اللحظة أعلن الفونج أنهم عرب، بل ومن بني أمية. ومن وقتها شاعت، كتابة أشجار النسب، التي تعيد أصل الجميع إلى الجزيرة العربية. وفي نهاية الأمر، لم يعصم دولة الفونج تسويق نفسها  كدولة عربية إسلامية، من أن تصبح، في نهايات حقبتها، التي امتدت أكثر من ثلاثة قرون، هدفًا للغزو الخديوي الإسلامي المشرقي، الذي وضع نهاية لها، وألحق شعبها وممتلكاتها قسرًا بالدولة الخديوية.

    لم يكن “إسلام السلطنة الزرقاء وحده الذي مثل قشرة خارجية. فاللغة العربية المكتوبة التي سادت في الحقبة السنارية، كانت لغةً ضعيفةً متعثرة. وتمثل حالة اللغة العربية في العصر السناري واحدًا من الشواهد على أن الذين اجتاحوا السودان كانوا رعاة أميين، لا يعرفون كتابة الفصحى. ويبدو جليًا من الآثار السنارية المكتوبة، أن اللغة التي وصلت مع العرب الوافدين، كانت لغةًبدويةًشفاهية، اختلطت بالمفردات النوبية وغيرها من مفردات اللغات السودانية. فضعف ما وصلنا من الكتابة في السلطنة الزرقاء، واضح جدا. وسوف أورد مثالا شعريًا واحدا ورد في الطبقات يتسم بعدم معرفة العروض، وبضعف البناء الشعري وبأخطاء النحو. وهو نصٌّ عدّد فيه شاعر كان تلميذًا للشيخ أبو إدريس، مناقب شيخه أبي إدريس، عقب وفاته. يقول الشاعر:

    صوفي الصفات فذاكشيخي، أبو إدريس الورع العجول

    لأخراه سريعًا مستعدٌّ، أو عن أعمال دنياه عطول

    لا يشتاق للَّذات فيها من مأكولٍ ومشروب العسول

     لمرضات ربه سهر الليالي، أحب الجوع واكتسب النحول.

    وقد أورد ود ضيف الله في كتاب الطبقات، الكثير مما يشابهها في الركاكة وعدم المعرفة بعروض الشعر العربي وبحوره وأوزانه، بل وعدم المعرفة بقواعد النحو، كما سلفت الإشارة. ومبعثإيراد ود ضيف الله لتلك الأشعار ظنُّه، أنها مما يعتد به من الشعر، لعدم معرفته هو، أيضًا، بقواعد الشعر. وقد سبق أن ناقش محمد المكي إبراهيم الشعر السناري، وبين ضعفه في كتابه، (الفكر السوداني: أصوله وتطوره)، فليراجعه من شاء. لم تتحسن اللغة العربية المكتوبة في السودان، إلا بعد الغزو الخديوي، نتيجة للإلحاق الكلي، للقطر السوداني بالقطر المصري. ما ذكرته هنا ليس بغرض الزراية بشعراء الحقبة السنارية، وإنما بغرض التدليل على أن الإسلام واللغة العربية، رغم شيوعهما في سنار، كانتا في طورٍ بدائي. فإسلام سنار أُخذ معظمه من الرعاة، ولغتها العربية أُخذت، هي الأخرى، شفاهًا، من رعاةٍ أميين، أو شبه أميين. لم تعكس سنار حضارة عالمة، حتى بمقاييس وقتها، بقدر ما عكست بطولاتٍ داميةٍلمحاربين أشاوس.

    (يتواصل).

    ………………………………

    (6)

    انطلق هذا الطرح من ملاحظة مركزية، لم أبدأ بها هذا الطرح، رغم أنها وقفت وراءه، وكانت مبتدأه. وآثرت أن أسبق عرضها بمراجعات لتاريخنا، ومحاولة تلمس جذور البدوية والرعوية في وعينا، التي لا تنفك تمسك بنا وتقعدنا عن اكتساب الحداثة، وتعيق قدرتنا على النهوض بحياتنا، ودفعها إلى الأمام. لقد كمنت القيم البدوية والرعوية طيلة فترة التحديث الاستعمارية، التي فُرضت علينا، من علٍ، فرضا. وما أن خرج المستعمر انسربت تلك القيم البدوية والرعويةالتي كانت كامنة تحت السطح، إلى مركز إرث التحديث القليل الذي ورثناه من الحقبة الاستعمارية، وفجرته من الداخل.

    تتعلق تلك الملاحظة المركزية بحالتيْالسودان والصومال، بوصفهما أكثر الدول تعثرًا في إفريقيا، بل وفي العالم بأسره، في ما يتعلق بالأخذ بأسباب الحداثة. فالأحوال الداخلية المتردية في هذين القطرين، تدعم زعمي هذا، بما لا مزيد عليه. كما تعضده أكثر، كل التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية،في العقود الأخيرة. وهي تقارير سنوية تصدرها هذه المنظمات تكشف فيها مستوى أداء الدول في جوانب عديدة. ولقد بقيت هذه التقارير تضع كلاً من السودان والصومال، في ذيل القائمة. هناك مشترك ما في بنية الوعي في هذين القطرين. فلو قارنّا السودان والصومال بكل من إثيوبيا، وكينيا، ويوغندا، لاتضح لنا أن سببًا ما قد جعل هذه الأقطار الثلاثة تنعم بمقادير أكبر من الاستقرار النسبي، ومن القدرة على الحفاظ على مكتسبات الحداثة، وتحقيق نمو لا بأس به، في جهود التحديث والتمدين. وفي تقديري أن القبلية، وبنية العقل الرعوي، وتبنّي نسخة فجة من الإسلام، اشتُهِر بها الرعاة في التاريخ الإسلامي، هي التي أقعدت كلا من السودان والصومال عن النهوض. فطبيعة الحياة البدوية، وبنية العقل الرعوي التي تتحكم فيها، تقفان، بطبيعتهما، ضد المؤسسية، وضد المساواة أمام القانون. فكل بدوي يرى أن قبيلته هي خلاصة، خلاصة البشر. وهذه خاصية تاريخية ضرورية حمت بها القبيلة نفسها. فأفراد القبيلة يجري تسلحيهم معنويًا، منذ نعومة أظافرهم، بأنهم الأفضل، والأعلى، والأحق. ولا مجال للمقارنة بينهم وبين غيرهم. فغيرهم لا يستحقون مثلما يستحقون هم. بل إن العشائر التي تنتمي إلى قبيلة واحدة يضع كل قبيل منها نفسه في مرتبة أعلى.

    بنية العقل الرعوي هي التي وقفت وراء سيادة العلّة الأساسية المجهضة للمؤسسية في الدولة الحديثة، وهي المحسوبية. فما يسمى “الواسطة”، أو”الضّهر”؛ أي وجود أقارب في مراكز اتخاذ القرار، كانت، ولا زالت، تمثل ميزةيتباهى بها من يمتلكها.وعلى سبيل المثال، هناك قناعة رسخت منذ فترة طويلة، وهي أن من لا يملك “واسطة”، لا يستطيع أن يدخل الكلية الحربية، أو كلية الشرطة. فهاتان الكليتان، كما هو معلوم، تمنحان مدخلا على مركز السلطة، وعلى دوائر النفوذ، ومن ثم تأمين المصالح. ولا ينحصر ذلك في مجرد أن الزي الرسمي يفتح كثيرًا من الأبواب المغلقة، وإنما يتعدى ذلك إلى اتاحة الفرصة للاشتراك في أي انقلابات عسكرية مستقبلية محتملة. (راجع شريف حرير، إعادة تدوير الماضي في السودان: نظرة عامة للتحلل السياسي، (ترجمة مبارك علي عثمان، ومدي النعيم)، في: شريف حرير وتيرجي تفيدت، السودان:الانهيار أو النهضة، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، ج م ع، 1997، ص 56). وقد ظل سودانيو الهوامش المختلفة يعتقدون، وهم محقون، أن مجالات معينة في الخدمة العامة ظلت حكرًا على أبناء السودان النهري، كضباط الجيش، والعمل في وزارة الخارجية، أو الخدمات التي ارتبطت بالسكك الحديدة والنقل النهري، ومشروع الجزيرة. وقد برزت هذه الاحتكارية العرقية لوظائف الدولة، بصورةٍ صارخة، جدًا، في عملية السودنة. فمن بين 800 وظيفة كبيرة جرت سودنتها قبل الاستقلال، بقليل، حصل كل الجنوبيين على ستّ وظائف فقط؛ أربعة جرى تعيينهم مفتّشي مراكز، إضافة إلى اثنين جرى تعيينهم، في وظيفة مأمور. (يوسف محمد علي، الوحدة الوطنية الغائبة، مركز عبد الكريم ميرغني، أم درمان، السودان، 2012، ص 33). وما من شك أن ضغوط أهل الهامش المستمرة على المركز، أثمرت، لاحقًا، بعض التغيير في هذه الصورة. غير أن التغير لم يكن جوهريًا، بقدر ما كان رضوخًا لمحاصصاتٍ مؤقتة، فرضتها ضرورات توازن القوى، واللعب على عنصر الزمن. وهي تبدلات سطحية تسير في ذات الوجهة القديمة، مع تعديلات طفيفة لا تغير من جوهر الموضوع، ولا تسير في وجهة استعادة المؤسسية والجدارة. ويظهر هذا جليًا جدًا في كوتات الوظائف التي تمنحها الحكومات، عقب كل اتفاق سلام، مع  فصيل من الفصائل المحاربة.

    يرى شريف حرير وتيرجي تفيدت، أن المحاباة يجري استخدامها بوصفها وفاءً أخلاقيًا للأقارب، فتتحول المحاباة من علة هادمة للمؤسسية وللشفافية، إلى فضيلة اجتماعية مقدرة وسط متنفذيالقبائل المسيطرة.وهكذا، يجري الالتفاف على القوانين والضوابط، ليتحقق ما يراه كبار شاغلي الوظائف العامة وفاءً وواجبًا أخلاقيًا، تجاه أهلهم. فالخضوع للتبعية، ولأنظمة الحماية القاعدية في المجتمعات،وسطوة القيم القبلية،هي التي تفرض المحاباة. وهي التي تجعل الأحزاب السياسية، والخدمة المدنية، لا تقفان عند حد انتقاء الأفراد للوظائف العامة، بسبب صلة القربى، وحسب، وإنما تتجاوزان ذلك، إلى حماية الفساد، ومأسسته، وغضّ النظر، كليًا، عن سوء الإدارة. (شريف حرير وتيرجي تفيدت، مصدر سابق، ص 56). لقد سيطرت هذه القيم الجهوية الرعوية على مسارات العمل الإداري في السودان سيطرة شبه كاملة، لأن سلطة العقل الجمعي المتشكل على هذه الصورة، تصعب مقاومتها، إلا لدى قليلين. فإذا وقف الموظف العام أمام رغبات ذويه، في فتح الأبواب لذويه لمجرد صلة القربى، فغالبًا ما يسمع من أهله وأقاربه عبارة: “الزول ده ما فيهو فايدة”. وقليلون من يقوون على الوقوف أمام هذا التيار التخريبي الجارف.

    لا يقف هذا النمط من القيم المعتلة وراء التوظيف فحسب، وإنما يمتد إلى منح ملكية الأراضي، ومنح تراخيص المشاريع الزراعية، ومنح الرخص والتصديقات، وخلق مسارات جانبية تلتف على النظم واللوائح والقوانين، لتتمكن فئات بعينها من الإثراء على حساب الآخرين. ففي المستبطن من قناعات بنية العقل الرعوي، ليس هناك دولة ومواطنون، وإنما هناك؛ نحن، وهم. ولقد تشابه السودان والصومال، في هذا المنحى، تشابهًا يصل حد التطابق. وتمثل حقبة سياد بري المثال الأوضح في هذا النهج الجهوي الاستحواذي. فعلى الرغم من أن الصومال قطر متجانس عرقيًا ودينيًا ولغويًا، إلا أن سياد برى منح عشيرته “الدارود” كل شيء في الدولة، وحرم العشائر الأخرى من أي شيء فيها. فالموارد العامة في الصومال جرى تحويلها في فترة حكم سياد بري إلى جيوب النخب التي ترعى شؤون العشيرة. وبهذا تحولت المؤسسات القديمة، التي هي ليست جزءًا من نظام سياد بري القمعي، إلى قواقع فارغة. ( راجع: LidwienKapteijns, Clan Cleansing in Somalia: The Ruinous Legacy of 1991, University of Pennsylvania Press, 2013, p2)  .

    حين لا تكون في مواجهة القبيلة، قبيلة أخرى، تنازعها على الحيازات، تنقسم القبيلة على نفسها، ويتحول الصراع، من صراع مع “الآخر” المغاير، إلى صراع بين العشائر في القبيلة الواحدة. فمنظومة الانتماء الرعوية لا تنسى التراتبية التي هي أصل كل شيء فيها. فالهرمية التي تتعامل بها القبلية مع الخارج، واضعة نفسها على قمتها، موجودة أيضًا في الداخل، حيث تضع عشيرة نفسها على القمة، بإزاء بقية العشائر. عمومًا، تناقض بنية العقل الرعوي، جوهريًا بنية الدولة الحديثة. فهي لا تعرف الصالح العام، ولا تعرف المؤسسية، أو الشفافية، أو أي شيء من هذه المصلحات المرتبطة بالفكر السياسي الحداثي. إنها تعرف القبيلة والعشيرة، والفخذ، وأحقيّتها المطلقة في الحيازة. ومثلما كانت الحيازة تتحقق في الماضي، ولا تزال، عن طريق السيف والرمح، أصبحت تتحقق، لبنية العقل الرعوي المتغلغلة في بنية الدولة الحديثة، بالقرطاس والقلم، عن طريق المتنفذين الذين لا يزالون خاضعين لعقل القبيلة ومنظومة قيمها. فالدولة الحديثة لا تقوم بغير تخليق بنية وعي حداثيٍّ، وبغير إخراجٍ كليٍّ لبنية العقل الرعوي، التي تسربت إلى جسد الدولة الحديثة، كما هو الحال في السودان والصومال، حيث بلغ تغلغلها حد الوصول إلى نواة الدولة، وتفجيرها من الداخل.

    كما سبق أن أشرت، هذه المقالات ليست سوى مساحة للعصف الذهني. ولا يدعي كاتبها أنه ممسك بكل خيوط هذه القضية المعقدة. ما يملكه كاتبها، ويمكنه قوله بثقة كبيرة، أن هناك أجندة بحثية جمة، لا تزال تنتظرنا. وأن الحلول لا تأتي إلا عن طريق البحث العملي، وسيادة عقلية البحث العلمي، بعد القضاء على نزعات “الكلفتة” والابتسار في تناول القضايا. فنحن لسنا بحاجة إلى اختراع شيء جديد. فهناك منظومة من العلوم الإنسانية التي يمكن عن طريقها ملاحظة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية، وتحليلها، بحيدة وموضوعية. ولابد من الإشارة هنا، إلى أن بنية العقل الرعوي تتسم بالميل الشديد إلى التبسيط، والاختزال، واستسهال الأمور. يصيب بنية العقل الرعوي الإعياء السريع من التفكير، والتأمل، لأنهما ليسا من طبيعتها. وهو إعياء يصيب حكوماتنا، كما يصيب قوى المعارضة لدينا، أيضا. فالخطاب السياسي لدينا لا يزال خطابا مشغولا بالكسب السريع،ويتسم بقصر النظر، وبالعجلة، والنزق، وضمور المعارف، والكسل العقلي، الذي يقود إلى انصرافٍ تلقائيٍّ عن التأمل في أصل الظواهر، والانحصار، من ثَمَّ، في الانشغال بـ “المجابدات” السياسية اليومية، التي ما أنجبت، عبر تاريخ حقبة ما بعد الاستقلال، لدينا، سوى مواليد مشوهين.

    بعبارة أخرى، مهمة الأكاديمي والباحث، ليست الانضمام إلى صفوف الراكضين إلى السلطة، بلا عدة أو عتاد، وإنما البحث في أصل الظواهر،بروية، وبعمق، بغية تحليلها وتفسيرها.ولا أعني هنا أن يبقى الباحث أو الأكاديمي في برج عاجي، أو أن يمتنع كليًا عن الناشطية السياسية، أو أي ناشطية أخرى، تسعى إلى التغيير. فالمثقف العضوي، كما عرّفه غرامشي، وإداورد سعيد، وغيرهم من المفكرين، مثقف فاعل مناضل. غير أن الفاعلية والنضال كثيرًا ما تُبتذل وتتحول إلى أعمال شعبوية دارجة. مهمة المثقف والأكاديمي الباحث هو تلمس العلل المركزية، وسبر أغوارها، والتعريف بها، من أجل أن تقف وراء إرادة التغيير رؤية واضحة. وليصبح، من الممكن، رسم سياسات محكمة، لا تهتم بالتجميل الفوقي لسلطة النخب الطافحة فوق ركام الفوضى السائدة، وإنما تنصرف عن هذا الطريق المطروق، الذي خبرنا مغبّاته، مع مختلف الأنظمة، ديكاتوريِّهاوديمقراطِّيها، لتصل إلى جذور الأزمات وإلى القواعد الشعبية، لتغير البنية العقلية، وإعادة تعريف الذات الجمعية،وحشد العقول وحفزها إلى السير في وجهة المؤسسيّة والشفافية وحكم القانون، واحترام القانون. بغير ذلك، لن تنجح أي جهود في إعادة المؤسسية للحياة، بعد أن شبعت موتًا، عبر ستّ عقود من النزاعات الدامية المريرة، التي لم تخرج من إطار نزاعات “الإيقو”، Ego disputes، بين الأشخاص. وهي نزاعات تخفي نفسها وراء مختلف المزاعم المضللة.

    لقد ظل التنافس، عبر سنوات الاستقلال، منصبًا على الوصول إلى حيث توجد مفاتيح خزائن المال العام، وتحويله، من ثم، عبر مختلف الحيل، إلى الجيب الشخصي للعائلة، وإلى الأسرة الممتدة، ومن بعدهم إلى سائر المحاسيب الداعمين. كما يجري تحويل المال العام في وجهة منظومة القوى الأمنية، بمختلف مسمياتها، من أجل ضمان البقاء في السلطة. فحين تتحول القُوى الأمنية إلى طبقة جديدة ملحقة بمركز السلطة، وتصبح ذات مصالح اقتصادية واجتماعية نابعة من مركز السلطة، تستميت هذه القوى الأمنية في الدفاع عن الأوضاع القائمة. كما تندفع بشراسة لقمع أي بادرة معارضة تشتم فيها تهديدا لمصالحها الاقتصادية، أوللمزايا الاجتماعية التي اكتسبتها.

    بغير لمس جذور العلل المزمنة، لا تتخلق الدافعية للإصلاح: لا لدى النخب ولا لدى العامة. هذه الدافعية والرغبة الصادقة في تحسس أصل العلل تمثل ركنا شديد الأهميةفي مسار تبديل الذهنية، ومن ثم في مجريات عملية التغيير. مرة أخرى، من يعمل للتغيير وهو منصرف عن مناقشة علل الثقافة السائدة، لن ينجز أكثر مما ينجزه حاطب الليل. هذا إن قُدر له أن ينجز شيئًا، أصلا. فما ظللنا نشهده، منذ الاستقلال، ليس سوى مسلسلٍ متِّصلٍ من التراجعات، بلغ أن وضع الدولة ذاتها، التي نتقاتل، من منطلقات جهوية، على تملك مفاصلها،في مهب الريح.وبطبيعة الحال، فإن الأنظمة العسكرية تعبر عن هذا المنحى الذي أتحدث عنه، أكثر مما تعبر عنه الأنظمة الديمقراطية. غير أن الأنظمة الديمقراطية لم تسلم من الاسهام في هذا التخريب، بل هي التي كانت تتيح، باستمرار، للعسكريين ذرائع الوصول إلى السلطة.

    ما وددت التركيز عليه في هذه الحلقة، أن الواجب المباشر، الذي ينبغي أن يكون أكثر الزامًا للمثقف وللأكاديمي الباحث، هو البحث عن أصول الظواهر، خاصة حين تقع البلدان، كما هو حال بلادنا، في دوامات العجز والركود، وتراجع الأخلاق،وتفشي التدين المظهري، وانهيار منظومة القيم النبيلة، واضمحلال التمدن، وتراجعالعقول والفهوم، وتسارع وتيرة “بَدْوَنَة” الوجدان، التي انخرطت فيها قنواتنا الفضائية. كل أولئك يجري لدينا في السودان، الآن،على قدم وساق، وبوتائر بالغة السرعة. ورغم ميلِ الحالِ الذي لا يحتاج إلى دليل، فالويل والثبور، لمن يجرؤ،ويمد إصبعه، ليشيرإلىأيٍّ من ذلك.فللركود والتراجع حراسٌ لا يترددون في تصويب فوهات بنادقهم لكل من يحاول لمس صنمهم الذي يحرسون به مصالحهم، كحال قريش قبل الاسلام.

    في ظروف المنعطفات التاريخية الحادة، والانهيارات الاستثنائية، ينبغي أن يقف الأكاديمي على مسافة، من الجوقة التي لا تحب أن ترى أو تفكر في شيءٍ، سوى تغيير قمة هرم السلطة المتمثل في الحكومة. وعلى مسافة، أيضًا، من الملتفين حول مركز السلطة الذي لا يرون أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. هذه المسافة الفاصلة جد ضرورية للباحث لكي يمسكبعنان عقله ووجدانه، ومعرفته، ويحبسهما من الانزلاق في مجرى الاندفاعات الغوغائية، العمومية، الدارجة، التي تحركها غالبية القوى المعارضة، وكذلك الخطاب السلطوي التخديري المُقْعِد للقوى المسيطرة. بغير ذلك، لن يتمكن الباحث من رؤية المشهد برمته، ومن جميع زواياه، ولن يصل إلى اكتشاف الظواهر، وبلورة فهم متكامللأصلها وأسبابها، ولن يتمكن، من ثم، من تحليلها، والدعوة إلى مناقشتها بشفافية، من أجل الوصول إلى طرق لمعالجتها.

    كما سلفت الإشارة، يمثل كل من السودان والصومال نموذجين استثنائيين في التراجع والفشل. وتمثل الصومال، بخاصة، حالة غريبة، منعدمة النظير فيصعوبة تحقيق الوحدة الوطنية، وفي قدرة وإصرار الفاعلين فيها على تخريب بنية الدولة، وكلك، في الاستعصاء الشديد على التحديث. وتأتي الغرابة، كما سلفت الإشارة، من أن الصومال بلدٌ متجانسٌ، من حيث الأصل العرقي، واللغة، والدين، ولكن، مع ذلك، بقيت مضطربة لعقود، ولا تزال مضطربة، إلى اليوم. والذين يرون في التنوع السب الرئيس للتناحر، ويدعون إلى التجانس، عن طريق بتر أطراف البلدان، عليهم أن ينظروا إلى الصومال، الذي لا يوجد بلد في العالم يماثله في التجانس. يقدم الصومال أسطع الأمثلة على أن التجانس العرقي والديني واللغوي، لا يمثل، وحده، صمامًا للأمن والاستقرار.

    أنشأ سياد بري نظام حكم فاسد، واتخذ سياسة عشائرية، ليحكم قبضته على السلطة. اتجه برَّي إلى النظام الوراثي، وصعّد عشيرته(الدارود)، إلى قمة هرم السلطة، فسيطرت على جميع ركائز الاقتصاد. انصرف سياد بري عن العمل الجاد لتطوير الصومال وتحديثه، وبناء اقتصاد حديث نامٍ، وتحقيق للوحدة الوطنية فيه. اعتمد بري في الاقتصاد على المعونات التي وفرتها له تحالفاته في حقبة الحرب الباردة. غير أن المعونات ظلت تذهب في وجهة تقوية الأجهزة الأمنية، وشراء الذّمم طلبًا للدعم والمساندة، حتى سميت الوجهة التي تنتهي إليها تلك المعونات،بـ “مقبرة المعونات”، (راجع: سولومون ديرسو، وبيروكمسفين، الصراع في أقاليم الصومال، مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية، أبوظبي، 2010، ص 17). وبانهيار نظام سياد بري، دخلت العشائر الصومالية، المنتمية إلى أصل عرقي واحد، وتدين بدين واحد، وتتكلم لغة واحدة، في دوامة متطاولة من التناحر.وقد اشتد الصراع العشائري في السيطرة على مقديشو، بين محمد فارح عديد وعلي مهدي، عقب هروب سياد بري، حتى انقسمت العاصمة إلى شطرين. (المصدر السابق، ص 20). وهكذا بدأت حقبة لوردات الحرب، وتناسلت الانقسامات على مختلف الصعد، واستمرت حالة الاضطراب، إلى يومنا هذا.

    من يرون أن تفكك الدولة في الصومال تسببت فيه سياسات سياد بري الداخلية، ومحاولته إعادة احتلال إقليم أوغادين، الذيجره إلى الحرب مع إثيوبيا، وخسارته تلك الحرب، وغير ذلك من الأسباب، لا يذهبون بالتحليل إلى نهاية الشوط. فالمشكلة تكمن أصلا في البداوة، وفي العقلية الرعوية، وفي الاعتماد، في إدارة الدولة الحديثة، على البنيات الاجتماعية الأولية، المتمثلة في العشيرة، وما تنطوي عليه من تعصب أعمى، وأنفة،وحرص لا يني في النظر إلى الآخرين من علٍ، زراية بهم،واستحقارا لهم. وقد فاقم انهيار الدولة في الصومال، الذي تسببت فيه العشائرية، النزعة العشائرية أكثر، فأكثر. فلقد أدى انهيار الدولة إلى احتماء الأفراد بقبائلهم وعشائرهم طلبًا للأمن والحماية. ولما لم تعد هناك مؤسسات وسلطة مركزية تفرض القانون والنظام، لجأت القبائل والعشائر، بل والمؤسسات إلى تسليح نفسها لضمان أمنها وفرض قوانينها. وهكذا اختفت المؤسساتية من الوجود تمامًا، أو كادت. وانفتحت أبواب البلاد، من ثم، لتجار السلاح لعدم وجود سلطة مركزية تراقب الحدود، (المصدر السابق، ص 26). وتفاقمت الأوضاع، حتى أضحى الحال في مجمله، باعثًا على اليأس.

    لا تملك بنية العقل الرعوي صبرًا على المؤسساتية وعلى حكم القانون، والتقيد بالنظم، رغم أنها تهتم بتلك الأمور في سياق حفاظها على بنيتها كمؤسسة منفصلة، لا تخضع إلا لذاتها، ولا تتبع سوى منطقها التاريخي في السيطرة، واحتكار موقع اليد العليا، الذي ورثته صاغرًا عن كابر.أيضًا، لا تملك بينة العقل الرعوي، بحكم تضخم “الإيقو”، والغلو في الأنفة، والعُجْبِ المطلقِ بالذات، قدرةًعلى المساومة،أواستعدادًا للوصول إلى الحلول الوسط. ولذلك غالبًا ما تقودها هذه الخصائص إلى نسف مؤسسة الدولة، حين تطالها يدها. ولسوف أجري مقارنة في الحلقة القادمة بين أحوال السودان والصومال، بإزاء كل من إثيوبيا وكينيا ويوغندا، طمعًا في أن ينشأ في أذهاننا جميعًا السؤال الشهير، شديد الأهمية: لماذا هم كذلك، ونحن هكذا؟ففرضيتي المبدئية، في مجمل هذا الطرح، أن السودان والصومال غلبت في تاريخهما القريب، قيم البدو الرعاة. فغلبة قيم البداوة ظاهرة جديدة، خاصةً في تاريخ السودان القريب. فعمر “البَدْوَنَة” وقيمها،التي جلبها الأعراب إلى السودان، لا يتعدى السبعمائة عام. وهذا مسار قصير تسهل مراجعته، كما تسهل إعادة الأمور فيه إلى مسارها القديم، الذي اعترضته عوارض البداوة، وقيم الرعاة، وحرفته عن مساره.

    (يتواصل).

    ………………………………

    (7)

    تحدثت في الحلقة الماضية عن ظاهرة الإنكار المستشريةوسطنا، نحن السودانيين. وأبدأ بمثال يعكس بقية واقع الحال، رغم ما يتسم به من شطط، وهو انكار الإسلاميين، ومكابرتهم في الاعتراف بفشل تجربتهم التي بلغ عمرهاالآن سبعة وعشرين عامًا، ونيف. لم يبدر منهم طيلة هذه المدة ما ينبئ بأنهم يمكن أن يقرِّوا بالفشل، على الاطلاق. وفي هذا دلالة على نسخة الإسلام التي رفعها هؤلاء القوم، هي نسخة رعوية. بعبارة أخرى، هي نتاج للمسخ الذي قامعقل الرعاة لقيم الإسلام. وتلك ظاهرة لم تخل منها حقبةٌ، من حقب التاريخ الإسلامي. الشاهد، أن الإنكار والمكابرة،سمتان من سمات بنية العقل الرعوي، لا يسهل عليه هجرهما. فهما، كما سبق القول، جزء من البنية النفسية، التي تُنشِّئ عليها القبيلة أفرادها، من أجل حراسة أمنها، في بيئة اجتماعية لا تقبل الإقرار لأي نقص، على قاعدة: “لنا الصدر دون العالمين، أو القبرُ”، غلا توسط، ولا اعتدال.

    رغم كل صور الفشل المدوية التي شهدنا حلقاتها، حلقة، حلقة، على مدى سبعة وعشرين عامًا، لا يبدو أن هناك شيئًا يمكن أن يجعل أهل الانقاذ يقرون أنهم أداروا تجربة غلب عليها الفاشل. فلا هجرة الريف الملحمية، التي جعلت الأرياف خاويةً على عروشها، وجعلت العاصمة تتضخم، حتى تعذرت أدارة شؤونها، ولا اتساخ هذه العاصمة بصورة لا شبيه لها في مدن العالم، ولا تراجع سعر الجنيه السوداني، بمتوالية هندسية، لا تنفك تتواصل، ولا تدهور التعليم، الذي بلغ بطلاب الجامعات درجة عدم معرفة الإملاء، دع عنك النحو والصرف، ولا احتلال السودان ذيل القائمة في كل مؤشرات النمو التي تصدرها المؤسسات الدولية، ولا ديونه التي قاربت، أو جاوزت، الخمسين مليارًا من الدولارات، ولا أي شيء من هذا القبيل، يمكن أن يجعلهم يقرون بالفشل.

    لقد ظل الاسلاميون السودانيين، يديرون مسيرةًمتصلة من التخريبالممنهج، الذي طال بنية الدولة، وقوانينها، وضوابط خدمتها المدنية، وحرمة مالها العام، ونزاهة قضائها، ومعيشة أهلها، بل وحتى أمنهم الشخصي، ومع ذلك لا يزالون يحاولون أن يهتفوا، ويهللوا ويكبروا، بنفس الحماسة التي كانوا عليها عام 1989.وحتى كارثة انفصال الجنوب لم تحدث لهم ذكرا. وبطبيعة الحال، هناك منبينالانقاذيين،ممن لهم علمٌ، وبهم حياءٌ،جعلاهم يباعدون بين أنفسهم، وبين هذه الحالة المستعصية من الانكار الممتد. ولكن هؤلاء قليلون يُعدون على الأصابع. وجماعة الانقاذ هنا، مجرد مثال فقط، فكل السياسيين السودانيين كانوا على ذات الشاكلة. كل الفرق أن أهل الانقاذ وجدوا في تجربة الحكم زمنًا طويلاً لم يجده غيرهم. ومع ذلك، لم يسعفهم طول الزمن هذا في التدبر والمراجعة، والاعتراف بالفشل، ومن ثم اليدلمواطنيهم المختلفين معهم، طلبا للعون، أو فتحًا لأبواب المشاركة في القرار السياسي، وفي إدارة شؤون. بل، أغرتهم القدرة على البقاء في السلطة طويلا، بفتلِ مزيدٍ من حبال الانكار والمكابرة، والغلو في العزة بالإثم.

    ظللنا،لعقودٍ، نرى قادة الانقاذ يقفون، كل يوم، أمام أجهزة الإعلام، مؤكدين أننا نتطور وننمو.بل إن بعضهم يجنحون إلى إغاظة معارضيهم، بكل سبيل ممكن، وبكل منكرٍ، من القول، والفعل. وحين ينكسر كبرياء بعضهم قليلاً، بسبب ضخامة الفشل وصعوبة انكاره، يحيلون أسبابه إلى الاستهداف الدولي!ويا لها من حيلةٍ رخيصةٍ، مكشوفة!فالاستهداف، إن صح أن هناك استهدافًا، غرضه الأساس الإعاقة، فلماذا لم يعق هذا الاستهدافدولا أخرى؟فها هي الدولة في إيران لم تنشطر، ولم تتفكك، ولم تتراجع، مثلما حدث لدولتنا السودانية؟ لقد أضعفت العقوبات إيران، هونًا ما، ولكن إيران بقيتمتماسكةً،وفاعلةً في محيطها الإقليمي، بل ومسببة قلقًا حقيقيًا لكل المنطقة.

    الفارق بيننا وبين إيران، في تقديري، هو أن في إيراندولة بقيت حاضرة، مدًا وجذرًا، على مدى الأزمان، منذ حقب الامبراطورية الفارسية، ومرورا بحقب الإسلام المختلفة.بقيتإيران بسبب عراقة تقاليد الدولة فيها، وبسبب أن أهلها يتشاركون شعورًا قوميًا إيرانيا موحدًا. أما نحن، فلم نعرف أصلاً ما الدولة. وأعني هنا، أننا لم نعرفها في تاريخنا القريب المؤثر على حاضرنا، وهو تاريخ لا يتعدى مداه الزمني الخمسمائة عامًا الأخيرة. ولايُستثني من ضعف الدولة عندنا، واضطرابها، في الخمسمائة عام الماضية، سوى فترة الاستعمار البريطاني (1898-1956). وهي فترة قصيرة العمر، حرسها البريطانيون من التخريب،وما أن رحلوا انهارت عقبخروجهم مباشرة، كما سبق أن أشرتفي الحلقات السابقات.

    لقدظلت تلك التي نسميها، مجازًا، “دولة”،مجرد ساحةً للنهب، وتحويل المال العام للحيازة الخاصة، دون أي شعور بالذنب. فالعقل الرعوي طبيعته السلب، وليس من طبيعته البناء. فهو يمثل مرحلة من مراحل التطور البشري، ونمطًا من أنماط عيش البشر. فالبدو متنقلون، ولهم مفهومهم للزمن، والتطور والتغير ليس وجود لهم في نمط عيشهم. فالزمن لديهم اقرب ما يكون للدائري. ولذلك تظل حياة البدو، كما هي تقريبًا، ولآلاف السنين. وحين يعلو البدو على الحضر بالغلبة، ويجلسوا في مقاعد القيادة، بدلا منهم، يحبسون الحياة، بإخضاعهم لها لطبيعتهم. وهذا ما حدث حين جرى في تخريب سوبا. فقد هُدمت تقاليد الدولة السودانية القديمة الراسخة،وقامت على أنقاضها سلطنة الفونج، وهي سلطة رعاة.

    تلك، في تقديري، هي النقطة التي جرى فيها القضاء على بقايا الدولة الكوشية النوبية العظيمة، وإرثها وتقاليدها الدولتية العريقة، واستبدالها بكيانٍ مهلهلٍ،أصبح أداةً للنهب، وموضوعًا له، في ذات الوقت. مرة أخرى، الفارق بيننا وبين إيران، بل بيننا وبين إثيوبيا، أننا انقطعنا عن جذرنا الحضاري، الكوشي القديم، الذي عرف الدولة منذ آلاف السنين، وحافظ على تقاليدها، حتى نهاية العصر المسيحي. مع اعتبار الفارق الكبير من حيث الرسوخ والانجاز الحضاري، الذي تتفوق فيه دولة مروي، التي استمرت من القرن الثالث قبل الميلاد، إلى القرن الرابع الميلادي، على الممالك المسيحة التي قامت على أثرها. تمثل المنعطف الخطير، الذي أربك مسيرة التاريخ السوداني، في الصورة التي قامت بها سلطنة الفونج، التي حولت الدولة إلى مجرد كرسيِّ للمجد القبلي، والشخصي، وللوجاهة الاجتماعية،وللحيازة، عن طريق آلة الحرب.كانت حقبة سنار سلسلة متصلة من الحروب على الحطام. والميزة الوحيدة لسنار، هي انتشار التصوف، الذي كثيرا ما أطفأ من نيران القتال المرير، في تلك الحقبة المشتعلة.

    البحث في الظواهر يمكن أن تجري جمع مادته، عبر مناهج كثيرة، منها طريقة “ملاحظة المشارك”؛ أي أن يراقب الباحث المنخرط في مجال بعينه، انخراطًا يمنحه صفة المشارك، حدوثًا متكررًا لظاهرة ما،بما يصل إلى تشكُّل ما يمكن أن نعدُّه نمطًا. يسميأهل مناهج البحث العلمي الكيفي،هذا النوع من طرق جمع المعلومات، بـ “ملاحظات المشارك”participant observation. ويُستخدم هذا النوع من طرق جمع المعلومات، في البحوث المتعلقة بالأنثروبولوجيا الثقافية، وغيرها من فروع علم الإنسانيات.

    العقل الرعوي منحبس، دائمًا، في الهم الشخصي، ومنحجبٌ دائمًا عن الهم العام. ولهذه الظاهرة في حياتنا السودانية تجليات جمة. غير أن الاعتياد، من جهة، والانكار، من جهة أخرى، إضافةً إلى عدم القدرة على الملاحظة، تجعلالكثيرينلا يلتفتون إلى الظواهر السالبة، دع عنك أن يقروا بوجودها. وأحب، في ما يلي، في هذه المقالة، أن أورد أمثلة لهذه الحالة. وتتعلق الأمثلة بتحويل الملكية العامة، إلى ملكية خاصة. أي؛ تحويل ما هو للدولة، وما هو ملك عام، إلى الحيازة الشخصية.

    أول تلك الأمثلة، تعكسها ظاهرةٌ متواترةٌ الحدوث،في قرى الجزيرة. فقد لاحظت عبر عقودٍ من المعايشة اللصيقة، أن كل فردٍ يعيد بناء حوش منزله، لأي سبب من الأسباب، يسعى، وبصورة تلقائية،إلى ضم جزء من مساحة الشارع، إلى بيته. ولقد لاحظت،في عدد من القرى، كيف أن الشوارع التي كانت في ما مضى فسيحةً، تحوّلت بفعل هذه الاعتداءات المتكررة، إلى أزقة بالغة الضيق. فما كان منها يمرر شاحنةً، أصبح لا يمرر عربةً صغيرة. بل إن بعض الشوارع تحولت إلى أزقة لا يستطيع صاحب حمارٍيحمل على جنبتي حماره،حزمتي قصب،أن يمر من خلالها.

    ولا تنفك هذه النزعة المتجذرة في نوع من الطمع، يبلغ درجة العصاب،تثير الشجاراتِ بين الناس. ويفشل شيخ القرية في ايقاف هذه الاعتداءات، ويأتي الناس للوساطة لإيقاف الشجار. فشيخ القرية أصلاً بلا سلطات تنفيذية وعقابية.والناس مصابون بانتفاخ الأنا، وبقلة الحياء في ابداء الطمع والدفاع عنه إلى أقصى الحدود، ما يجعلهم لا ينصاعون للسلطة، ولا للقانون. والمسؤولون الإداريون الذين ظلوا يعملون منذ الاستقلال في إدارة الشؤون البلدية في المدن، وفي الأرياف، ينتمون إلى ذات العقلية التي لا تسعى لتعديل سلوك الناس، ومنع التعديات بقوة القانون.تحققتُ من عموم هذه الظاهرة المتكررة، بسؤال بعض الأصدقاء الذين من يعيشون في قرى مختلفة، من قرى الجزيرة، لم أعش فيها، ولم أزرها بصورة متكررة، وأكد لي جميعهمحدوثها، وبذات الصورة.

    أخذت هذه الظاهرة صورة أخرى، في العاصمة الخرطوم. وقد بدأت صورها الأولى تظهر في سبعينات القرن الماضي. أخذ سكان الامتدادات السكنية المختلفة، يبنونمصاطب خارج بيوتهم، ثم يقومون بتسويرها؛إما بسياجٍ شجري أو حديدي، أو بكليهما.فضاقت الشوارع وأصبحت لا تتسع لمرور سيارتين،تسيران متعاكستين. يقضم جارٌ جزءًا من الشارع، ولا يعترض، عليه جاره، وإنما يتخذ من ذلك ذريعة، ليقضم هو جزءًا من الشارع مثله، وفي صمتٍ تام. وهكذا تستمر هذه المؤامرة الصامتة لقضم الشارع ليتحول إلى مجرد زقاق.ومن يقومون بهذا النوع من نهب الملكية العامة، والحاقها بالملكية الخاصة، في القرية، وفي المدينة، يعدونه، “فلاحة” و”نجاضة” و”شطارة”. بعبارة أخرى، يصبح الاعتداء على الحيز العام فضيلةومأثرة. ولهذا النمط من الأخلاق السيئة جذور تاريخية. فما يهم الفرد أو الأسرة، هو منزلهم، وحسب. ولا شأن لهم بالشارع؛ اتسع، أو ضاق، أو انغلق كليا. فهذهالعقلية تقف على النقيض تمامًا من نظم الدولة، ومن أسس التخطيط الحضري، ومن جملة ما نسميه، المصلحة العامة المشتركة. هذا مع أن أساس فكرة الدولة، بغض النظر عن صورتها التي تكون عليها، من صلاحٍ أو طلاحٍ، هو إقامة الوزن بالقسط؛ بين الحيز الخاص، والحيز العام. فالتمدن كله قام على القوانين التي تحافظ على هذه المعادلة البسيطة. لكن العقل الرعوي، بطبيعته، يضيق بهذه المعادلة، ويظل يعمل على تكسيرها، ما وسعته الحيلة.

    من الأمثلة الأحدث نسبيًا، في التعدي على الشارع العام، ظاهرة تمدد أصحاب الدكاكين خارج دكاكينهم. أصبح كل صاحب دكان، يبني أمام دكانه مظلةً من الحديد، ويحميها بشبكة معدنية، ليجعل منها امتدادًا لدكانه ووضع جزءٍ منبضائعهفي الشارع العام. ويبدو أن بعض، أو كل،”العقول الرعوية” الجالسة في إدارة المحليات، وجدت في هذه التعديات فرصةً جديدة لزيادة الأتاوات، أو فرصة لتلقي الرشاوى، فغضت عنها الطرف، ولربما شجعتها. ولم يكن الأمر كذلك، لما أصبحت هذه التعديات أمرًا طبيعيًا، ولما بقيت هذه التحديات، دون أن يطال أصحابها القانون. بعض هذه المظلات المعدنية وتوابعها، يمتد في الشارع العام من ثلاثة إلى خمس أمتار، الأمر الذي يخلق، مع توقف المواطنين، بسياراتهم، أمام هذه الدكاكين للشراء، اختناقات مرورية مزعجة. وبما أن التمدن يعني تكامل المنظومة الحضرية، فإن أي انكسار في جزء من هذه المنظومة، يؤدي إلى تأثر بقية الحلقات الأخرى، فتنهار في تتابع يشبه تتابع انهيار قطع الدومينو. وهكذا تتآكل مكاسب التحديث في حياتنا ونترد باستمرار إلى الفوضى و “الإيدية”. وكما تقدم، لا يقف هذا النمط من السلوك، المعاكس للتحضر ولقيم الحداثة، عند الأفراد في الحواري، وإنما يتعداهم إلى رجال الدولة أنفسهم. فالعقلية هي، هي، في الحالين. وكما ورد في الأثر، “كيفما تكونوا يُولَّى عليكم”.

    تتجلى رعوية عقول المسؤولين، في الاعتداءات المتزايدة على الساحات العامة، التي شغلت الصحف السودانية في العقود الأخيرة، خاصة في ظل نظام الانقاذ الحالي، الذي ترك للعقل الرعوي الحبل على الغارب، ودعمه بسلطة باطشة، وبضرب المحاسبية، ما شجَّع على التجاوزات. المهندسون الذين رسموا الخرائط في البداية، وجعلوا للشوارع مساحات معلومة، تختلف من شارع لآخر، وتركوا فضاءات خالية لمنشآتٍ يُتوقع أن تتولد لها الحاجة مستقبلاً،رسموا خرائطهم وفق ما درسوه في علوم التخطيط الحضري. غير أن العقل الرعوي الذي يتشاطره الجمهور، مع النخب الحاكمة، لا يؤمن بالصالح العام ولا بالملك العام. فهو لا ينفك يضع عينه على الملك العام ليحوله، بمختلف الحيل، إلى ملكٍ خاص. فالبداوة قامت على الشعور بالأحقية المطلقة: “ونشرب إن وردنا الماء صفوًا، ويشرب غيرنا كدرًا وطينا”. فهي ترى أن من حقها أن تضع كل ما يمكن أن تطاله يدها، عن طريق القهر والغلبة، تحت يدها. ولذلك، فإن الرعاة حين اجتاحوا بنية القرية السودانية، وبنية المدينة السودانية، اجتاحوها بنفس العقلية. وهي عقلية يتع1ر عليها أن تفهم أن هناك معادلة ينبغي حفظها، بين الملكية الخاصة، والملكية العامة.

    أيضًا، سبق أن ذكرت، أن سودنة الوظائف، التي جرت قبل الاستقلال بقليل منحت أكثر من 98% من الوظائف للسودانيين الشماليين، حتى في الجنوب. وهذا تصرف جرى على ذات الأنساق التي ذكرنا. فقد أصبحت الوظيفة الحكومية عقب الاستقلال جزءًا من أسلاب الفترة الاستعمارية، التي كانت الأعين مصوبة عليهاوما أن ذهب المستعمر، ذهبت الوظيفة الحكومية للأسرة، وللأقارب، وللقبيلة، ولسائر المحاسيب. تبعت ذلك أيضا، استغلال الحق في المنازل الحكومية. فقدظل الموظفون الحكوميون يسكنون في المنازل الحكومية، تأسيًا بالبريطانيين، الذين كانوا أغرابًا، عابري سبيل. وبما أن القلم أصبح في يد الأفندية، الذين خلفوا البريطانيين على الكراسي، جاد هؤلاء الأفندية على أنفسهم، بالسلفيات الميسرة من البنوك، لبناء المنازل الفاخرة، في امتدادات الدرجة الأولى الجديدة، ثم قاموا بتأجيرها للسفارات ولأعمال التجارية وللأجانب، وظلوا يسكنون في بيوت الحكومة، وهي بيوت مدعومة الخدمات. بل إن بعضهم ظل مستمرا في السكن في البيت الحكومي بعد سنواتٍ، وسنواتٍ، من تركه العمل. وتبعت ذلك تصاريح السفر على الطائرات والقطارات والبواخر. وتبع ذلكالحصول على المشاريع الزراعية الشاسعة وغيرها من الأراضي الحكومية، بأسعار بخسة. وراجت في فترة من الفترات ظاهرة منح مساحات لقطع الأخشاب، ولإنتاج الفحم، ما وضع ضغطا مستمرًا على الموارد الطبيعية، أوصلها حد النفاد، وما تسبب في تدهور مريع في البيئة.

    ورث الوطنيون تدليل البريطانيين لأنفسهم. غير أن البريطانيين كانوا يعيشون في دولة غريبة، لا يعنيهم مستقبل أهلها كثيرا،ولذلك لم يجدوا بأسًا في تدليل أنفسهم من مالها العام، خاصة أنهم جاءوها من بيئة متقدمة وحياة رغدة، مرفهة. غير أن الوطنيين لم يروا قدرة البريطانيين على البناء، وقدرتهم على حراسة ما بنوه، وإنما رأوا الريع الذي ظنوه لا ينضب، فأخذوا يخمشون منه بلا ضوابط، أو روادع.

    تفتحت،عقب الاستقلال، شهية العقل الرعوي للحيازة وللتملك، ولتحقيق المجد الشخصي، والوجاهة الاجتماعية. واندفع إلى الغرف من المال العام، بما يشبه الجنون. دلل الوطنيون أنفسهم من المال العام، تأسيًا بالبريطانيين، وجاء من بعدهم خلفٌ ساروا على ذات الدرب، لأن البنية العقلية ظلت كما هي، ولم تتغير. والآن صحونا جميعًا، لنجد أن الدولة قد ذهبت. كما وجد هؤلاء الذين بنوا العمائر من المرمر والرخام، أنهم لا يستطيعون الوصول إليها في الخريف، إلا بعد أن يخوضوا في الأوحال؛ راجلين، أم راكبين. وأنهم، لحظة خروجهم من أبوابهم، ومن أسوارهم الأنيقة، وسياراتهم الفارهة، يغرقون في الفوضى، والأوساخ، وفوضى الشارع العام، وكآبة المنظر، التي تعوذ منها النبي الكريم.

    تجلس كل هذه الأحياء الراقية فوق بنية تحتية غاية في البؤس. فهي بلا نظام صرف صحي، إضافة إلى معاناتها، مثل بيوت الفقراء من انقطاعات الماء والكهرباء، ومن ضعف خدمات النظافة. غير أن أهل هذه العمائر أقدر من غيرهم على اجتراح الحلول الفردية. وتقود كل هذه الظواهر إلى وضع الأصبع على ظاهرة عدم قدرة على تنسيق الجهود،وعلى العمل المؤسسي الرسمي السليم؛يستوي في ذلك الأفراد والدولة. وعلى سبيل المثال، يوجد في كل بيت من هذه البيوت، وفي غيرها في من الأحياء الأقل فخامة، بئر سيفون وسيبتك تانك. والسبب أن الدولة لا تملك من المال، ولا من سداد الرؤية، ولا من القدرة على تنسيق الجهود، ما يمكنها من إنشاء نظامٍ عام للصرف الصحي. ولذلك يحل كل بيت مشكلة الصرف الصحي بمفرده، هذا مع العلم أن سيبتك تانك واحدًا، وبئرًا واحدًا، يمكن أن يستوعبا الصرف الصحيلعدد من البيوت. تمامًا، مثلما يحدث في العمارات متعددة الطوابق التي يسكنها عدد من الأسر. فلو جمع المال الذي يصرفه الأفراد على منشآتهم هذه، لربما كفى نصفه لعمل نظام صرف صحي عام. ولكن، لا وجود للدولة في حياتنا، ولا وجود لمفهومها أصلا. كما أننا لا نملك العقل الذي يمكن أن يدير الدولة، ويضمن ديمومة فعاليتها.

    لا شك في ضرر نظام الآبار الفردية،ضحلة العمق،بالبيئة، خاصة في مدينة تشقها ثلاثة أنهر. الشاهد أن العقل الرعوي جعل من الدولة في السودان عبئًا على المواطن، بدل أن تكون عونًا له. فهي أقرب ما تكون إلى الشيء الزائد الضار. ذكر الدكتور خالد التجاني، مرة، أن عدم وجود الدولة في الصومال، جعل الشيلينغ الصومالي أكثر قدرة في الحفاظ على قيمته، في حين أدى وجود الدولة غير الرشيدة، ذات السياسات الخاطئة، في السودان، إلى فقدانٍ متواصلٍ في قيمة الجنيه السوداني.

    يتواصل.

    ………………………………

    (8)

    كنت قد بدأت في الحلقة الماضية تقديم بعض الأمثلة من حياتنا، التي تعكس سيطرة بنية العقل الرعوي على مسلكنا. وسأمضي في هذه الحلقة لتقديم المزيد منها. والغرض من الأمثلة هو تسليط الضوء على بعض العلل المُقْعِدة، على مستوى المسلك الشخصي، التي، حين يجري تجميعها، يتكون منها نمط عام. وتصبح لهذا النمط العام تأثيراتهالسلبية على مختلف أوجه حياتنا. وحينتتحكم علل الثقافة الرعوية التي تعمل بطبيعتها في وجهة التحلل من الالتزامات تجاه الدولة، ومن الالتزام بقواعد المؤسسية،يصبح بناء الدولة، والاحتفاظ بفعاليتها، واستقامتها، أمورًا متعثرةً، إن لم نقل مستحيلة.

    فطن حكامنا الديكتاتوريون، ومن يعملون تحت إمرتهم، أننا نحصر فكرة التغيير، في تبديل الحكومات، فأخذوا يغيرون الوزراء، وغيرهم من المسؤولين، متى ما أحسوا بدنو انفجارٍ شعبي. ففي عهد الرئيس السابق جعفر نميري، وفي عهد الرئيس الحالي عمر البشير، جرى تغيير الوزراء،وغيرهم من الدستوريين، ومن القيادات السياسية، مرات كثيرة. وليراجع منا من يشاء،عدد المرات التي غيَّر فيها نميري والبشير الوزراء، ورؤساء البرلمان، والقيادات السياسية، وبقيت الأمور على ما هي عليه.

    إهمال علل ثقافة الشعب، والتركيز على علل الحكومة، نهجٌ مضلل، لا ينتج منه سوى الاستمرارفي الأزمة، وإعادة انتاجها، مراتٍ، ومراتٍ، في مسارٍ دائريٍّ، يلف حول نفسه. وبطبيعة الحال، لا تفعل الحكومات الفاسدة سوى نشر الفساد، ولو تُركت مكانها، تفاقم الفساد واستشرى. ولا أحب أن يُفهم أنني أقول إن علينا أن نترك الحكومة الحالية وحالها، وننصرف لمعالجة العلل الكلية، فما أعنيه هو العمل على الجبهتين، في آن معًا. فالعمل على تتغير الحكومة طرفٌواحدٌفي معادلة التغيير. فغض الطرف عن عيوب الجماهير، يلغي، وبالضرورة،مكوِّنًا رئيسًا في معادلة التغيير. فهناك سياقاتٌ ومنعطفات تاريخية بعينها، لا يؤتي فيها التغيير أُكله، إلا إذ رُوعي وزن طرفي هذه المعادلة.

    من تلك السياقات والمنعطفات، التي تقتضي النظر في الجهتين، ما نمر به حاليًا، في السودان. ففي الوضع المعقد المستفحل القائم الآن في السودان، ينبغي، منذ البداية، اصطحابٌطرف قصورالحكومة، من جهة، وطرف قصور ثقافة الجمهور، من الجهة الأخرى. وبطبيعة الحال، هناك يرون أن الوصول السلطة،ضروري لامتلاك الأداة التي تغير وعي الجماهير، وتعدل مسلكها. ولكن، أليس هذا هو ما فعلته الانقاذ؟ فأين وصلت به؟ فلا الشعب تغيّر في الوجهة التي تريد، ولا النخب التي سطت بها على الحكم بليل استطاعت أن تعض على جمر الاستقامة، ففشا الفساد في البر والبحر، وانقسم القطر، وانهار الاقتصاد، وعم خراب مادي ومعنوي، لا مثيل له.

    ما ظلت تهدف إليه هذه المقالات، هو محاولة ربط إشكالات حياتنا الراهنة بجذورها، في التواريخ التي وفدت منها، حتى تُفهم على نحوٍ أفضل، ويجري التصدي لها وفق فهمٍ عميقٍ لمسبباتها، حتى لا يضيع الوقت في جهود التغيير القاصرة، التي تعيد إنتاج الأزمة،وتجعل الأوضاع الجديدة أسوأ من سابقتها.وكما سلفت الإشارة، مراتٍ عديدةً في هذه المقالات، فإن هدم بنية الدولة الحديثة الناشئة، في السودان، بدأ مع خروج البريطانيين. فكل تجارب الحكم الوطنية، التي وقفت وراءها بنية العقل الرعوي الدخيلة، ابتداء بسلطنة الفونج، ومرورًا بالحكم المهدوي، وانتهاء بأنظمة الحكم لفترة ما بعد الاستقلال،لا تحكي عن بناء للدولة، بقدر ما تحكي عن صراعٍ مرير معها،ظل يستهدف بنيتها. وهو استهداف جرى من الحكام، ومن المحكومين، سواء، بسواء، لأن العقلية لدى الحاكم والمحكوم، هي نفسها.

    سوف أواصل، فيما يلي من فقرات، كما فعلت في الحلقة الماضية، في تقديم بعض النماذج التي تبين كيف الثقافة الرعوية،لدى الأفراد، ضد العمل المؤسسي، أي؛ ضد الدولة، وضد المصلحة العامة. فعمل النخب الحاكمة في هدم الدولة، معروف لدينا، وها هي نتائجه ماثلة في واقعنا المعاش. لكن هناك خراب يصنعه الجمهور المحكوم، وهو لا يملك ألا أن يصنعه، بحكم ثقافته. يتساءل خلدون النقيب: لماذا لا تقوم دولة المؤسسات عندنا؟ ويجيب بأن هناك موانع موضوعية، ولكن هناك موانع ذاتية لا تُحظى باهتمام المراقبين والمحللين للأوضاع العربية. ومن هذه الموانع بعض السمات المشتركة للشخصية الوطنية، وهي الصفات السلبية التي تتشابه وتشيع في السكان بدرجة كبيرة، بحيث تمنع القبول بتقديم مصلحة المؤسسة، أو المصلحة العامة، على مصلحة الأفراد.(راجع: خلدون حسن النقيب، آراء في فقه التخلف، (ط2)، دار الساقي، لندن، 2008، ص 64).

    من يرى أحوال السودان الآن، بعينٍ مبصرة، لابد أن يحتار في الكيفية التي يمكن أن تعاد بها الأمور فيه، إلى نصابها، بعد كل هذا الخراب المروِّع، الذي طال كل شيء.فهذه الفوضى، وهذه الجلافة المتزايدة، وهذا القبح، والكلاح، الذي يكسو وجه مدننا وقرانا، وهذه الغوغائية التي تطالعنا، أنّى اتجهنا،وهذا الاتساخ المتزايد، ليستكلها من صنع الحكومات.فبقدرما لدى من تولوا أمورنا، من قابليةٍ لكي يصبحوا فاسدين، ومفسدين، ومخربين، فنحن،أيضًا، كذلك. دعونا، على سبيل المثال، نتأمل اللامبالاة، بل، و”القطامة”، التي يتعامل بها كثيرٌ من الموظفين، الذين، يجلسون وراء النوافذ التي تقدم الخدمات الحكومية،مع الجمهور. دعونا نتأمل نظرات الاستعلاء، والازدراء، التي ينظرون بها إلى طالبي المعاملات، ولامبالاتهم بمعاناتهم، وقلة حساسيتهم تجاههم، بل وكلفهم العجيب بتعذيبهم. هذا إن غضضنا الطرف عن قلة الكياسة، والجبين المقطب بلا سبب، وتعذُّر القدرة على الابتسام، وعلى الترحيب بصاحب المعاملة، وطمأنته أن أموره مقضية، وحقوقه محفوظة ومصانة، وكرامته موفورة.

    يعمد كثيرٌ من الجالسين خلف هذه النوافذ إلى تمريغ كرامة طالبي المعاملات. ويبدو أنهم يجدون في هذا الصلف الأجوف، والغفلة عن جانب الله، وجانب الحق، مدعاةً للانتشاء، ولإرضاء الغرور الزائف، وربما، لملءِ فجواتِمركباتِ النقص في نفوسهم، ونفخ مزيدٍ من الهواء في قربة “الإيقو الشخصي، المنتفخةأصلا.وربما هذا كله “تكنيك”للاسترزاق من الوظيفة العامة. فقد نشأت لدينا، مؤخرًا، ظاهرة ميسِّري،أو مُسهِّلي المعاملات، الذين يتولون عن الناس انجاز معاملاتهم. ويبدو أن هذه الظاهرة التي لا يعترض عليها أحد، تخفي وراءها خيط خفي يربط هؤلاء المُيسِّرين بالموظفين. ولربما يكون هذا هو السبب وراء تصعيب المعاملات، وقلة الحساسية تجاه طالبي الخدمات، وتعريضهم للوقوف الطويل، وللانتظار الممل والمرهق، ولمطوّلات “تعال بكرة”، و”الشبكة طاشة”، و”ورقك عند فلان، وفلان غائب”.في هذا المثلث الشيطاني يصبح الموظف، والمُيسَّر، والمواطن، طالب الخدمة، جميعهم، أدواتٍ لهدم بنية الدولة، وتحويلها إلى مسخرة.

    من ناحية أخرى، يتصرف صغار الموظفين مثلما يتصرف المستبدون الكبار.فهم يستنكرون أسئلة الجمهور، ويضيقون، أشد الضيق، بأي تعبير عن عدم الرضا، بل، ويعتبرون ذلك هجومًا شخصيًا، وليس مجرد أبداءلملاحظاتٍ موضوعية، حول طريقة أداء عمل عام. فبمجرد أن تستفسر الموظف، عن خدمة طال انتظارها، أو تبدي ملاحظة ناقدة لطريقة العمل، أو تعلق على التأخير،يجيئك رد الفعل الهجومي، الغاضب، المباغت، على هذا النحو: “انت عاوز توريني عملي يعني”؟ وربما تتبعها: “تعال بالله أقعد محلي”. وهكذا يتحول الأمر من مجرد استفسار،أو ملاحظة حول اجراءات مكتبية، ينبغي أن تحكمها قواعد إجرائية، ومدى زمني، وغير ذلك مما يضبط سلوك الموظف العام تجاه الجمهور، إلى مواجهة شخصية.

    هذا “الإيقو”، وهذه الأنا المتضخمة، لم تهبط علينا من السماء، وإنما هي متجذرة في بنية هذا العقل الرعوي، التي نحن بصددها. فالعقل الرعوي لا يستطيع أن ينظر إلى الأمور، ولا يستطيع معالجتها، من زاوية موضوعية. ولذلك، فإن من يتجرأ من الجمهور، فيبدي ملاحظة ناقدة، مهما كانت موضوعيتها، ومهما كان اعتدال اللغة التي قيلت بها، أو الأدب الذي قيلت به، يعرض نفسه لردة فعل ثأرية من جانب الموظف، تتمثل في الرد العنيف، وربما يصل الرد الثأري حدَّ تعمُّد تعطيل معاملة من أبدى الملاحظة. وهكذا يتخلق جو من الارهاب مانع للنقد. ولو قارنا هذا الوضع بما يجري في الدول المتقدمة، تتبينت لنا علل العقل الرعوي. ففي الدول المتقدمة يرحبون ترحيبًا حارًا بالملاحظات، وبالنقد، ويشجعونهلأنهم يعرفون أن النقص من طبيعة كل عام، وأن رأي الجمهور مهم، لأنه هو الزبون. أما نحن، لكوننا نعيش في مناخات الاستبداد، فإن إبداء أي ملاحظة يُعد من الكبائر. فالاستبداد ليس حصرًا على من يجلسون في أجهزة الدولة العليا، وإنما هو موجود في ثقافة الأفراد، مهما تدني وضعهم في هرم السلطة. فهناك أنفة، وصلف، وتعال، ونزوع للاستبداد لإرضاء غرور زائف، ملأتنا به تربية خاطئة، لم تعمل سوى لتثبيت العقد النفسية، وترسيخها. كما أن هناك كلفًا بنهب المال العام، بأي سبيل ممكن. هذه الأمور، وكثير غيرها، هي الرعوية التي أعني، وهي، هي التي ما جاء الإسلام، إلا لكي يستأصلها من جذورها، ويلقي بشجرتها الخبيثة، في النار.جاء الاسلام ليقضي على قيم القبيلة، ويقيم مكانها قيم الحق والعدل.

    لحظة أن يتسنم الموظف الصغير، لدينا، وظيفته، ولحظة أن يحس بأنه قادرٌ على أن يُعطي، أو يمنع، يتصرف مع الناس من منصة امتلاك السلطة المطلقة. يتصرف الموظف بهذه الروح العدوانية النزاعة إلى التجاوز، حتى لو كان من يقفأمامه شيخٌ في عمر أبيه، وله من التجربة والخبرة، والتعليم، والحكمة، ما لايحلم به هذا الموظف الصغير حتى لو أُعطي خمسة أضعاف عمره الذي هو عليه. هذا المسلك الرعوي المتسم بالجفاء وبالعدوانية الذي يطبع تصرفات كثير من الموظفين العموميين، يجعل طالب الخدمة يشعر بأنه متسول، وأن الموظف يتفضل بها عليه تفضلا، مع أنه صاحب حق، بل هو من يدفع لهذا الموظف راتبه.

    أتوقع أن يتصدى لي البعض قائلين، إن في ما أقول تعميمًا، وربما تعديًا بغير حق على قطاع عريض برئ من هذه الأدواء، وأن خدمة الزبون لدينا بخير، وأن هناك أقلية، قليلة، تقوم بمثل هذه الممارسات، ولا يصح أن نطلق بناءً عليها حكمًا عامًا. وتلك شنشنة قديمة من أخزم، نعرفها. فقد عملنا في حكومة السودان ووقفنا مئات المرات أمام الموظفين العموميين، ورأينا كيف بدأت هذه الظاهرة، منذ الستينات، وكيف تفاقمت، لتصل في عهد الانقاذ الحالي إلى ما وصلت إليه.

    رأينا في المطار، كيف يأتي فرد من القوات النظامية يحمل “دقشة” من الجوازات،أو من أوراق المعاملات، فيتخطى الواقفين في الصف، ويصل إلى الموظف المسؤول، وينجز معاملة الأسرة التي تخصه،أو الأصدقاء والمعارف. وكم شاهدنا معاملاتٍ يتم ادخالها من طرق جانبية، تتسبب في تعطيل من يقفون في الصف. فهناك نافذة للجمهور، وهناك “نفاج” خلفي “لأولاد المصارين البيض”. هذا وباءٌ عام لا قيام لدولة معه، وهو لا يمثل سوى طرف من أزمة عامة بالغة الضخامة، بالغة التعقيد. فكل شخص منا يعتقد أنهذا خصوصية، وأنه أهم من غيره، ولا ينبغي، من ثم، أن تسير أموره في ذات المسار الذي تسير فيه أمور عامة الناس. بل إن الخرق لقواعد المؤسسية، يصبح لدينا مدعاة للتباهي. وما أكثر ما سمعت من يقولون، وهم يثنون على شخص بعينه: “الزول ده نجيض بعرف يقضّى أمورو”؛ أي أنه يعرف الطرق الخلفية و”النفاجات”، التي ينجز من خلاله معاملاته.

    يعود الإحساس بالعظمة، لدى أكثريتنا، إلى قيم القبيلة التي سبق أن تربَّى عليها أسلافنا،حين كانوا رعاة. فالبيئة الرعوية تشحن أبناءها بالشعور بالعظمة وبالأهمية، وبالاستحقاق المطلق، والأفضلية على الغير. وهذا واضحفي أشعارنا الشعبية،التي تنضح بالفخر، بالأصل والفصل، وبالرفعة والعلو على الآخرين. ولقد ارتبطت تلك التربيةبالطبيعة الحربية للقبيلة، المهمومة، أساسًا، بالدفاع عن ممتلكاتها وعرضها. ومثل هذا النوع من الشحن المعنوي الذي كانت تمارسه القبيلة في ما مضى، تمارسه اليوم الجيوش مع جنودها، في كل بلدان الدنيا، وهو مفهوم ومقبول في سياقه. وكذلكأخلاق الرعاة وقيمهم، فهي الأخرى مفهومة ومحترمة في سياقها التاريخي.كل ما في الأمر، أنها تصبح مشكلة حقيقية، حين تتسربإلى داخل بنية الدولة الحديثة، وتحكم فبضتها عليها.

    أيضًا، من الأمثلة الصارخة للشعور بالأهمية، ظاهرة تجاوز قائد المركبة، لمن يقفون أمامه في الطريق، بخلق مسار جانبي، يصل به إلى الإشارة الضوئية،فيعبرها قبل من سبقوه. ولا شك، أن من يسلك مثل هذا المسلك،شخصٌ ممتلئٌ بالشعور بالعظمة، وبأنه أهم من الآخرين، وأن وقته أغلى من وقتهم. وكلما ذكرته هنا ليس سوى نذر يسير من سيطرة القيم الرعوية على مجريات حياتنا. وهي قيم تناقض أساسيات الحياة المدينية، وأساسيات التحضر، وضوابط المؤسسية،وكل النظم واللوائح والقوانين، التي تنسق علائق الناس، وتحفظ حقوقهم وكرامتهم. فالمدنية تعني النظام ومعرفة الحدود وحفظ حقوق الجميع، على قدم المساواة.

    سبق أن أشرت في المقالات السابقة، إلى كيف تطوع القبيلة الفرد، وتجعله مجرد ترسٍ في ماكينتها، لكونها قائمة على الجماعية، وعلى الانصياع التام للمنظومة.ولذلك، فإن الفردية واستقلالية الرأي، ممقوتةلديها، أشد المقت، لكونها تهدد الطريقة التي تحمي بها أمنها. فمخالفة الجماعة، في القبيلة، جريرةٌ كبيرةٌ،تعرض صاحبها للتقريع واللوم والاستهجان، وربما أدت إلى عزله عن المجموعة.وحين تنتقل القيم الرعوية إلى داخل بنية الدولة الحديثة، يتحول المجتمع إلى حابسٍ لطاقات الأفراد، ماحقًا لملكاتهم، ومواهبهم. فالقبيلة تريدمن فردها أن يكون محاربًا، مطيعًا، كما في الجيش. هذا في حين تحتاجالدولة الحديثة، العقول الحرة الخلاقة، والملكات الإبداعية. فكل الاختراقات الكبيرة في التاريخ، التي أسهمت في رفعة كثير من الأمم، قام بها من كانوا يفكرون خارج الصندوق. فالإبداع، كما هو معلوم، شأنٌ فردي.وكلما كبرت مساحات الفردية، وكلما كان الوسط العام، والرأي العام يسمحان بحرية التفكير، وحرية النقد، وحرية التجريب، كلما تفجرت طاقات الأفراد، وكلما كانت فرص المجتمع في التطور أكبر.فإبداعات الأفراد هي التي تفتح الطريق للجماعات لترتقي. والعكس بالعكس؛ فكلما كانت المجتمعات خانقة، ومقيِّدة، ونمطية، وعابدة للسائد، ولا تعرف غير الطرق المطروقة، ومتحفزة، على الدوام، للدفاع عن ما هو قائم، رغم عقمه، كلما جمدت، وتوقف فيها الزمان، فتآكلت، بمرور الزمن، واهترأت.

    دعونا نتأمل كيف كانت أمهاتنا وجداتنا منشغلات بـ: “فلانة ما جات عزتني في موت فلان، أو فلانة”. وكيف أن سيف اللوم المجتمعي، المسلط على الرقاب، قد جعل الجميع مصابين بـ “رهاب اللوم”، وخشية المقاطعة، والعزل، وردود الفعل الثأرية، وتشويه السمعة. فميزان القيم ظل يتحول من الفضائل الرفيعة والمعاني، وأضحى عالقًا بالشكليات، والمجاملات الاجتماعية. غابت الأساسيات، وارتبك وضع الأولويات، وضاعت قيمة ما يقدمه الفرد من خدمات علمية، أو عملية لمجتمعه. أصبحت الطقوس والشعائر الاجتماعية هي كل شيء في حياتنا، في حين أن حياتنا نفسها تنفلت من بين أصابعنا كل يوم، وتهبط من حضيض إلى حضيض أدنى من سابقه.

    ننشغل بالمجاملات الاجتماعية، ونضيع فيها من الوقت أكثر مما ننفق في البحث العلمي، وفي الانجازات العملية، التي ترتفع بحياتنا، أو على الأقل، تحول بينها وبين التردي الذي يزداد إمساكه بخناقها كل صبح جديد. يتحمس الفرد منا للمناسبات الاجتماعية، ويحرص عليها أشد الحرص، لكنه لا يحرص على نظافة الشارع أمام منزله، أو نظافة الحي، أو حتى الامتناع عن إلقاء المخلفات والأوساخ كيفما اتفق! أيضًا، نلتزم بالوقت لحضور “الدافنة”، ولكنا لا نلتزم به في أي أمر آخر! لكن، لا غرابة، فالقيمة والسمعة الحسنة، جرى ربطها بأداء هذه الطقوس المجردة.في حين جرى نزع القيمة عن الأعمال الحقيقية المؤثرة على حياتنا، التي يمكن أن تدفع بها نحو الأفضل. والسر وراء هذا كله هو عقل القبيلة الذي يريد أن يضع الفرد فيالدور المحدد سلفًا، الذي يريده له. فكل شيء ينتهي في عز القبيلة، أو العشيرة، أو الأسرة الممتدة، الذي هو قيمة مجردة متوهمة. فمن لم يأت لحضور دفن قريبي، أو عقد قرانه، لم يكرمني ولم يهتم بإعزازي، ومهما كان عذره، فهو لا يستحق اكرامي واعزازي. فالأمور كلها ملفوفة في “الإيقو”. هذا التطويع للفرد، ومحق ذاتيته، ومصادرة فرديته، أت من ماضي القبيلة، حيث ينبغي أن يسير الفرد على العجين دون أن “يلخبطو”. وتمثل هذه الظاهرة تمددًا في الحاضر، أقلُّ غلظةً، للأزمنة التي كان يُضحى فيها بالفرد في معابد الجماعة.

    لقد وصلت لدينا، الممارسات المدمرة لبنية الدولة، ولتقاليد العمل البيروقراطي، بمرور الزمن، درجة أصبحنا معها نخلي المكاتب، وسائر أماكن العمل، لحضور دفن جنازة، أو عيادة مريض في المستشفى، بل والسفر المتكرر إلى جهات بعيدة لتأدية هذا النوع من الواجبات الاجتماعية. وكل الهدف هو أن نبقى بمنأى من دائرة اللوم المدمرة للسمعة. وما أكثر ما سمعت الأهل والأصدقاء يشكون لطوب الأرض، من هذا العناء شبه اليومي الذي صادر حيوات الجميع، وسحب أنشطة الأفراد من العمل المفيد إلى مجال التجريدات الطقوسية الشعائرية. لكن لا أحد يجرؤ ليقول “البغلة في الابريق”. فمن يجرؤ، تنهال عليه السهام من كل حدب وصوب. ولا أحب أن أُفهم خطأ هنا، فصلة الرحم، وصلة الأصدقاء والمعارف، كلها قيم نبيلة، دون شك، ولكنهايمكن تنظيمها، كما يمكن وضعها في موضعها الذي لا يمنحها الأولوية المطلقة، على كل ما عداها.

    أما ما طرأ على عاداتنا في الأفراح من تباهٍ بالثراء، ومن غلو في التباهي بالوجاهة الاجتماعية، ومن “فشر” مقرف، حتى لدى ولاة الأمر، فطبيعته الموغلة في الرعوية، فلا تحتاج مني إلى دليل.وما من شك أن سفه المناسبات الاجتماعية وسط الكبار، ليس سوى طفحٌ فاض من مستنقع الفساد، ومن تراجع الفضائل، واستشراء الضحالة، واختلاط حابل الفضائل بنابل الرذائل. ودعونا نضع كل هذه الأمثلة البسيطة التي ذكرتها في كفة، ونضع قيم الإسلام التي نعرفها، ولا نعمل بها، في كفة أخرى، ولننظر: هل ما نفعله في كل هذه المناحي ذو صلة بالدين، أم هو مجرد جاهلية رعاة؟ يقول رافائيل باتاي، إن المشترك بين قيم الفرد العربي وتعاليم القرآن، قليلٌ جدا، فقيمه تبدو أكثر صلة بقيم ما قبل الاسلام. (Rafael Patai,The Arab Mind, CharlesScripners, NY, 1983, p. 97).

    (يتواصل في الحلقة الأخيرة).

    ……………………………

    (9)

    سأحاول، فيهذه الحلقة الخاتمة، تقديم تلخيصٍ موجزٍ لهذه الأطروحة التي أسميتها “في تشريح العقل الرعوي”. وبطبيعة الحال، لم تستقص هذه الحلقات موضوعها كما يجب، وما كان ينبغي لها. فقد أحاطت بها قيود الكتابة الصحفية الأسبوعية الراتبة. ومع ذلك فقد رسمت، بصورة مطولة، ملامح مخطط بحثي،نقدي، سبق أن أشرت، في بداية هذه المقالات،إلى أنني أنوي  تطويره، سعةً وعمقًا، إضافةً إلىإجراء مزيدٍ من البحث في الأدبيات المتعلقة به، من أجل دعمه بمزيد من الأفكار والمراجع، ثم إخراجه في كتاب، في نهاية المطاف.

    أثارت هذه المقالات، الكثير من الجدل، في ما وصلني من ردود فعلٍ حولها، على بريدي الالكتروني، ومما قرأته في المواقع الإلكترونية، ومما تفضل بنقله إليّ بعض الأصدقاء،حول ما جرى بشأنهامن حوار في مجموعات النقاش المختلفة، التي تزخر بها وسائط التواصل الاجتماعي. احتفىكثيرون بهذه المقالات، ومن بين هؤلاء ثلةٌ ممن أعرف سعة معرفتهم، وشعورهم العميق بالحاجة إلى البحث في جذور الأزمة السودانية المستفحلة، والمتطاولة. وقد فاق احتفاء هؤلاء بالمقالات،كل توقعاتي. وقد شد ذلك عضدي، خاصةً أنني تجرأت بالخوض في شأنٍ شائكٍ،وحساسٍ، فعلا، وهو، بمنحاه الناقد للثقافة السائدة، لا يجد لدى الكثيرين،قبولاً.

    أما من الجهة الأخرى، فقد انتاشتالمقالات سهامٌ عدة، من زوايا مختلفة. اتسم بعضها بالموضوعية، واتسم البعض الآخر باللاموضوعية. وكلتلك أمورٌ طبيعية، في اعتقادي. فالنقد الموضوعي يعين على إعادة النظر، وضبط الطرح، وعلى التطوير. أما غير الموضوعي فيُترك جانبًا، ولا ينبغي أصلاً أن يُؤبه له.فهو من جنس الغوغائية التي طالما وسمت مجالاتنا الفكرية، والثقافية، والصحفية، والسياسية، منذ قرابة القرن من الزمان. وهذا القرن المنصرم، من الزمان، يمثّل، تقريبًا،كل عمر أمتنا في ممارسة الكتابة،في تمثُّلاتها الحديثة. وهو عمرٌجد قصير في أعمار ثقافات الأمم، التي أخذت بأسباب الحداثة.

    نحنلا نزال بعيدين، عن التعاطي مع الاختلاف كشيءٍ طبيعي، بل وكشيءٍ ضروري؛ مهم، ومفيد. وقليلون منا من يجرون المساجلات الكتابية، بعيدًا عن التشنج،وإنشابٍ الأظافر في رقبة شخص الكاتب، كأن ما بينهم وبينه خلافٌ على ميراثٍ. فالمستوى المتحضر من الحوار، الذي حطت فيرحالها الأمم التي محصتها التجارب الطويلة، والانتاج الفكري الضخم، وساعدتها في صقله المؤسسات الأكاديمية المستقلة، التي وصلت أعمارها إلى قرون عدة، فنحن منه جد بعيدين. فلدى بنية العقل الرعوي، كل الأمور واضحة، ولا حاجة إلى التساؤلات أصلا؛ فإما أن تنسجم مع بنية العقل السائد، وإما أن تُحَطَّم. فالتفكير النمطي المتكرر، والابتسار، والعجلة، والاستقواء بالجهلاء ضد العلماء، واستهداف الشخص، بدلا من استهداف مواضع الخلل في فكرته، كلها خلالٌ رعوية، آن لها أن تترجل.

    ظهرت بدايات هذا الطرح، أول ما ظهرت، في كتابي “مهارب المبدعين: قراءة في السير والنصوص السودانية”، الذي صدر عن دار مدارك للنشر، في الخرطوم، عام 2010. كما ظهرت في أوراقٍ أكاديميةٍ متناثرة، نشرتها، في السنوات الأخيرة. ومما ورد في كتاب، “مهارب المبدعين”،مما له صلة بهذه المقالات، هو زعمي أن انقلابًا حدثفي العقل والوجدان السوداني. فقد سبق أن قلت فيذلك الكتاب، إن سبب ذلك الانقلابهو دخول المؤسسة الدينية الرسمية الخديوية العثمانية إلى الساحة السودانية، في بداية الغزو الخديوي للسودان. بعبارةٍ أخرى، حدث ذلك الانقلاب العقلي والوجداني، عندما أصبح للدين مؤسسة حكومية، رسمية، مهمتها أنتكون ذراعًا تستخدمه السلطة في السودان، لتكريس الاستبداد الفكري والديني، والسياسي. ولستبغافلٍ عن ضرورة تقديم بعضٍ من الاحتراز هنا؛ فبيوت التصوف السودانية، كانت، هي الأخرى،تعتمد الفقه في جانبٍ من ممارستها التعليمية التربوية.غير أن تركيزها كان على التربية والتهذيب،بأكثر مما كان على استظهار المتون وحفظها، من غير أن يكون لما يُحفظ من نصوص تأثيرٌ يذكر على الأخلاق، كما هو الحال لدى الفقهاء. قامت بعض بيوت التصوف في الحقبة السنارية، بتدريس “مختصر خليل” و”الرسالة”، لأبي زيد القيرواني، وغيرها من كتب الفقه. ومع ذلك، بقي المتصوفة مدركين أن دراسة الفقه القائمة على الحفظ والاستظهار، قاصرة عن تحقيق مراد الدين، وهو التربية والترشيد. وعلى سبيل المثال، رُوي عن الشيخ حمد ود الترابي، الذي بدأ حياته الدينيةبتدريس مختصر خليل، أنه حين نوى بدء نهج التصوفوالرياضات الروحية، ودخول الخلوة، رمى بمختصر خليل جانبًا، وقال: “تركناك يا خليل ومسكنا درب الجليل”.وكما هو معروف فإن محمد ود ضيف الله، صاحب كتاب الطبقات كان يذكر في مقدمة سيرة من يورد من الأولياء، أنه أخذ العلم على فلان؛ أي تفقّه عليه، وأخذ التصوف وتبع طريق القوم، على يد فلان. (راجع أبو سليم، بحوث في تاريخ السودان).

    أحضرالخديويون عند بدء غزوهم للسودان عام 1821، ثلاثة من الفقها؛ شافعي، وحنفي، ومالكي. ومن هنا أخذ التدين المؤسسي يأخذ وضعهفي السودان. في تلك النقطة في الربع الأول من القرن التاسع عشر جاءنا التدين العثماني، الأزهري، المظهري، الداعم للاستبداد، ولأحادية التفكير، وللطهرانية. وبطبيعة الحال كان السودانيون، في الحقبة السنارية، يذهبون لتلقي العلوم الدينية في رواق السنارية في الأزهر، لكنهم كانوا يعودون ليعلِّموا الناس الفقه الضروري، الذي لا تصح العبادة إلا به. وعمومًا، كان المهتمون بالدين، من السودانيين آنذاك، قليلين، وكانوا ملتفين حول بقاع التصوف. أما بوادي السودان المحيطة بمجرى النيل فقد بقيت صلتها بالدين، ضعيفة جدًا. وتاريخ سلطنة سنار يحكي عن ذلك أفضل حكاية.بعبارةٍ أخرى، لم يكن الفقه سوى أرضية استخدمها المتصوفة لتعريف الناس بالعبادة الصحيحة، في هيئتها المظهرية، أما تركيزهم الأساس فقدكان منصبًا على التربية، والترشيد، وتعليم أصول الأخلاق.فالفقه يُبقي البدو على بداوتهم، أما التصوف فيهذب، ويعلم عبر ما يسميه المتصوفة “السلوك” قواعد الأخلاق.

    بدخول الخديوية بدأ التضييق على التصوف، (راجع: أبو سليم، بحوث في تاريخ السودان، ص 33). والتضييق على التصوف ظاهرة وسمت كل التاريخ الإسلامي، كما سلفت الإشارة. فالتصوف كما يقول هادي العلوي مثّل، في عدد من منعطفات التاريخ الإسلامي، القوة الاجتماعية الناقدة لتجاوزات الحكام وفسادهم، والتذكير بما كان عليه النبي وكبار الأصحاب من الزهد والاستقامة. والفقه المدرسي، الذي يظنه الناس اليوم دينًا،ليس سوى مؤسسةً سلطانية، صنعها حكام فاسدين ومفسدين، فارقوا جوهر الرسالة، واستخدموا قوة الفتوى وفرمانات التكفير في مواجهة معارضات المتصوفة، وغيرهم من الفرق المعارضة.ومن هنا كانت ظاهرة قتل المتصوفة، وغيرهم، منهؤلاء المعارضين،سمة بارزة من سمات التاريخ الإسلامي. ومن ينظر إلى علماء الأزهر، وإلى فتاوى علماء السودان، طيلة فترة حكم الانقاذ الحالية، يمكنه أن يلاحظ انحياز هذه المؤسسة الثابت للسلطة. باختصارٍ شديد، لم يكن السودان جزءًا من المنظومة العربية المشرقية السنية، بصورتها المؤسسية السلطوية، إلا بعد وصول الخديويين. بدخول الخديوية تهمّش التصوف، وجرى إدخالنا، قسرًا، في السيرورة التاريخية العربية المشرقية،وسرديتها الممتدة منذ عصر الأمويين، إلى عصر العثمانيين. ويمثل هذا المدى الزمني، في جملته، الإطار الذي ضم حكم المستبدين، الذين جعلوا من الدين، في صيغته الفقهية المدرسية، ومن رجال الدين أداةً لترسيخ الاستبداد وحراسته.

    كان ذلك، ما تضمنه كتابي مهارب المبدعين، الذي جرى نشره قبل ست سنوات. ولكن،ما بين صدور مهارب المبدعين، وما أثاره من جدل، استجدّ جديدٌ في تفكيري. فلقد واصلت البحث والقراءة، في كل الأمور المتعلقة بما طرحته في “مهارب المبدعين”، خاصةً الجوانب التاريخية.واتضح لي أن الانقلاب في الفكر والوجدان السوداني، ومن ثم في الهوية السودانية،جرى على مرحلتين. بدأت المرحلة الأولى،حين قضى الأعراب الرعاة الذين قدموا من الشمال، من مصر، في موجاتٍ متتابعة،عبر بضع قرون، على مملكة المقرة في القرن الرابع عشر، ثم على مملكة علوة في بداية القرن السادس عشر.في تلك المرحلةجرى هدم قيم الاستقرار التي رسختها الحضارة النوبية الكوشية الممتدة من كرمة ونبتة ومروي إلى فترة الممالك المسيحية، وهي قيم الانصياع لحكم القانون، واحترام ملكيات الغير، والقبول بمنظومة الدولة كجهاز منظم للعلاقات بين الناس. يقول ويليام آدمز، “خلافا للعرب الحقيقيين ما كان النوبيون أبدًا شعبًا بدويًّا، ومنذ الزمن الذي تقلدوا فيه حضارة الفراعنة، حتى مجي العرب، لم يكونوا شعبًا قبليا. كان مبدأ القرابة لديهم قد فتح الطريق زمنًا طويلا لمبدأ الإذعان للحكومات المركزية. بيد أنهم حين احتضنوا نظام العصبية العربي، من أجل هوية إسلامية، احتضنوا إلى جانب ذلك، بالضرورة، نظام العصبية القبلية”، (ويليام آدمز، النوبة رواق إفريقيا، ترجمة ، محدوب التجاني، (بدون اسم ناشر)، القاهرة، 2010، ص 497).

    بسلب الأعراب مُلك النوبة جرى التحول في منظومة القيم؛ من الانسية النسبية المتوارثة من التراث الكوشي القديم، إلى التوحش،أو قل إلى “البربرية”، أو إلى حالة من حالاتها. وهو ما يمكن أن نصفه بنزعة عدم الانصياع للنظم، وإهمال العقد الاجتماعي، والتعاطي مع الدولة والسلطة كـموردٍيمكن احتكاره، ومالٍ سائبٍ، يمكن وسرقته.فتحالف الفونجوالعبدلاب، لم يكن، في حقيقة أمره، سوى تحالفٍ رعوي قح، تأسس لنهب ثروات سوبا، وانتزاع الملك من ملوكها، وهذا ثابتٌ تاريخيًا. ورغم أن الإسلام كان حاضرًا في ذلك الصراع، الذي انتهى بخراب سوبا، إلا أن حضوره كان حضورًا مساعدًا فقط، ولغرض الحشد، والتعبئة، وإثارة الكراهية، وليس حضورًا قيميًا جوهريًا. استخدمالعبدلابوالفونج الإسلام لتجييش الرعاة المحيطين بوادي النيل، من أجل الهجوم على مملكةسوبا،خاصة بعد أن تكاثروا حولها وتفوقوا عليها، عددًا، وعدة، ومن ثم، الاستيلاء على ثرواتها الكبيرة التي كانت أعين هؤلاء الأعراب أصلا مصوبة عليها، منذ مدة ليست بالقصيرة.

    يطرح هذا المبحث النقدي مقترحًا بضرورة إعادة النظر في السلطنة الزرقاء، وموضعتها، بناءً على حقيقة أمرها، في السيرورة التاريخية السودانية الكبرى، الممتدة منذ العصور الكوشية، لا على ما أفاء عليها به مخيال بعض المعاصرين منا. كما يقترح أيضًا، مراجعة الحقبة المهدوية، نقديا. فهؤلاء الذين جاءوا في القرن العشرين، ألصقوا الاسلام الصاقًا بذلك التحولالسناري، من منطلقٍ استعاديٍّ، رغبوي، في محاولةٍ لخلق سردية متماسكة تصبح مرتكزاً لهويتنا. ولربما أمكن القول، إن الإسلام الذي استولى به العبدلابوالفونج على ملك سوبا، لا يختلف،جوهريًا،عن الاسلام الرعوي، الذي استولى به الوهابيون على سائر أرجاء الجزيرة العربية، (راجع: على الوردي، قصة الأشراف وابن سعود، الفرات للنشر، 2007، ص 221-225). كما لا يختلف عن الإسلام الذي حاول به أحمد بن إبراهيم الأعسر، الاستيلاء على الإمبراطورية الحبشية. كما لا يختلف عن الاسلام المهدوي الذي زعم لنفسه الكلمة الخاتمة، في شأن الإسلام، وأعطى نفسه حق حمل السيف، وشن الحرب على مصر وغيرها. اعتمدت كل هذه الحركات، التي انطلقت من البوادي الطرفية في الجزيرة العربية، والقرن الإفريقي، ووادي النيل الأوسط، على قوة عسكريةقوامها خليطٌ من تسطيحٍ تبسيطيٍّ للدين، وشراسةٍ بدوية فالتة، ونفوس وأيدٍيشعل طاقاتها، إلى أقصى مدى، الحصول على المغانم، وتلهب مشاعرهادراما السلب والنهب، الممجدة أصلاًفي أدبياتها.

    لم يكن المتصوفة جزءًا أصيلاً من السلطة السنارية، ولم يكونوا مؤسسة تابعة لها، بالمعنى المؤسسي، وما أكثر ما دار بين المتصوفة وبين سلاطين الفونج، من مواجهات. (راجع: كتاب”الطبقات”: سيرة الشيخ إدريس ود الأرباب اورفضه قبول هدية السلطان السناري له، من أرض المحس المغصوبة. وراجع سيرة الشيخ حمد ود الترابي الذي احتمت به قبائل شرق النيل الأزرق، حين هاجمهمالقائد السناري، ود التُمام، مستهدفًا سلبقطعانهم). عاش المتصوفة في بقع صغيرة، أقرب ما تكون إلى دويلات، بالغة الصغر،متناثرة عبر مساحة السلطنة. وكان المجرمون يحتمون بهذه البقع من العقوبات، لأن سلاطين الفونج كانوالا يلاحقون المجرم الذي يلوذ بشيخ من شيوخ التصوف.

    كانت بقع التصوف جزرًا صغيرة متناثرة، يحيط بها بحرٌ بدويٌّ شاسعٌ، بالغ الشراسة. وقد نجح انتشار الخرافة، والإيمان بالقدرات الخارقة، التي أُشيع أن شيوخ التصوف يمتلكونها، في كبح غلواء الحكام. وهنا تكمن قوة الأسطورة، ويظهر أثرهاالحسن في مجريات التاريخ. ومع ذلك، ظلت الأمور بين سلاطين الفونجوشيوخ التصوف، في شد وجذب، إلى أن أكلت سنار نفسها بنفسها، واجتاحتها الخديوية المصرية. وبدخول الخديويون إلى السودان،بدأت المرحلة الثانية من غياب الوعي بالذات السودانية، وأخذ خرق الابتعاد عن الجذر الكوشي يزداد اتساعًا، فتحول السودان من قطرٍ ذي جذور موغلة في الكوشية، تصل إلى أكثر من ألفي سنة قبل الميلاد، إلى قطر هامشيٍّ، مهملٍ في حواشي المشرق العربي.

    يتحدث الأكاديميون عن ضرورة تفكيك التركة الاستعمارية، أومحو آثار الاستعمار decolonization، ولكن لم نر في السودان عملاً واحدًا تناول بعمق، وبادراك حقيقي،آثار الاستعمار الخديوي للسودان، الذي امتد من 1821 إلى 1885، وتأثيراته الضارة، التي طالت واقعنا حتى اليوم.ولا حتى عملا كبيرًا، شاملا، ناقش حقبة الاستعمار البريطاني. لقد ضرب الخديويون ضربة البداية في تمصير وعي السودانيين.أُنسيالمصريون السودانيين تاريخهم الكوشي العتيد، فأخذوا، يصنعونلأنفسهم، في انقيادأعمى تاريخًا يعود إلى جزيرة العرب. وقد أوضح أحمد ألياس حسين “فبركة” المصريين لعروبة السودان، بما يكفي. خرج المصريون، لكنهم أبقوا مناهج تعليميهم وروايتهم للتاريخ، فبقينا رغم استقلالنا، مستعمرين مصريًا؛ دينيًا وثقافيًا، وسياسيا.

    هذا الاستعمار الثقافي، الاستتباعي، هو ما ظل المصريون يعملون له منذ حكم الأسر في العالم القديم، وأخذ صورًا حداثيةً على يد محمد علي، واستمر كما هو في فترات عبدالناصر والسادات، ومبارك، وإلى اليوم. جرى استتباع النخب السودانية مصريًا، فانغلق الطريق أمام الجمهور السوداني ليعي ذات وتاريخه وثقافته. ولا غرابة إذن، أن أصبحنا منشغلين بقضايا العرب أكثر من انشغالنا بقضايانا. نهتم بآلام ومقاساة غزة، وسوريا، أكثر مما نهتم بآلام ومقاساة دارفور، أو جبال النوبة، أو حتى شرق السودان. فنحن نعيش حالة فصامٍ معيبة، لها جذور تاريخية لم تناقش بعد. ولكن كثيرين منا، لا يرون الفيل “البمبي” في الغرفة.

    انطلقت هذه المحاولة البحثية النقدية من مراقبة الواقع السوداني الذي استعصى على التمدين، وقدمت في ذلك شواهد أولية. فالعقلية التي جعلتنا نفقد حتى التحديث القليل الذي انجزه البريطانيون، وننحدر لنصبح في ذيل دول العالم في كل شيء، هي ذات العقلية السنارية، التي لم تترك، رغم بقاءها في الحكم، لثلاثة قرون، ثقافة عينيةأو معنوية، تذكر. فالثقافة العينية هي ما تتركه الحضارات المقتدرة، عادة، وتتمثل في الفنون الحرفيةالمختلفة، artifacts. لم تترك سنار عمرانًا يذكر، ولا فنونًا بصرية، ولا فنونًا حرفية، ولا زيًا، ولا طعامًا مميزًا، ولا فكرًا ولا أدبًا ذا قيمة. ولو قارنا ما انجزته سنار بما أنجزته نبتة، أومروي، أو حتى سوبا، في كل ما تقدم ذكره، لاتضح لنا الفرق. ومن يرد أن يتيقن من هذا، فما عليه سوى زيارة متاحفنا، ومتاحف العالم، ليرى أين هي سنار، من نبتة، ومروي، وسوبا. لقد انتكسنا، دون أدنى ريب، من حالة حضارية، لها آثارها العينية، الماثلة إلى الآن،إلى حالة رعوية، تسبب فيها الاستعراب الذي فشا فينا، فسطا قبيل منا، أقل تحضرا، على قبيل من أكثر تحضرًا، باسم الاسلام، فخرَّب حضارته وسوى، ما استطاعتسويته منها، بالأرض.فواقعنا الماثل اليوم، هو امتداد لرعوية الحقبتين السنارية والمهدوية، فهو منبت الصلة بحضارتنا الكوشية الباذخة.

    سؤالي المركزي في هذا المبحث، هو: كيف ولماذا انتكسنا حضاريًا، وكيف ولماذا عجزنا عن الإمساك بأسباب الحداثة، مثل بقية الأمم؟ والتساؤل حول إمساك البداوة ببنية العقل العربي، والحؤول بينه وبين الامساك بجوهر الحداثة، ليس جديدًا. فالسؤال الشهير: “لماذا تقدموا، وتخلفنا؟”، سؤالٌ قديمٌ ظل يُطرح منذ بدايات ما سُمي بـ “النهضة العربية”. يقول عالم الاجتماع، على الوردي، إن المجتمع العربي هو أكبر مَعينٍ للبداوة في العالم، وإن التناقض بين الحضارة والبداوة كبير؛ فإما أن نكون متحضرين، أو نعود إلى الصحراء. فلا انتقاء، ولا توافق، ولا انسجام بين قيم الحضارة والبداوة. فسمات البداوة هي القبيلة – الغزو – التَّفضُّل، (الذي يشمل الكرم والسخاء والنخوة وغيرها). أما الحضارة فهي على العكس من ذلك تمامًا، فهي الدولة، والعمل اليدوي، وعدم الاعتماد على قيم التفضُّل. فعلى الرغم من  تزايد المدن وعدد سكانها، ظلت قيم البداوة تعيش في دواخلنا، إلى حدٍّ كبير. (من مقدمةماجد شبر لترجمة كتاب المستشرق الألماني أوبنهايم، البدو، دار الوراق للنشر، لندن، 2007، ص 11).

    إن مشكلتنا في السودان، كما في غيره من الدول المشابهة لنا، مشكلة “سياسات”policies، وليست مشكلة “سياسة”politics. نحن نعتقد أن السياسة سوف تحل مشاكلنا، فننخرط بكثرة في الناشطية السياسية، ونهمل التفكير، ونغرق في النزاع غير المنتج. وقد ظللنا نمارس هذهالناشطية السياسية منذ الاستقلال. لكن،لم يمر علينا، على الاطلاق، يومٌ كان أفضل من سابقه، منذ الاستقلال. ورغم هذه الحقيقية الصادمة، لا نتوقف لنفكر، أو لنعيد النظر في تاريخنا المكتوب، أو لننظر لحالتنا من حيث قلة الكسب، وقلة القدرة على الحفاظ على ما تحقق في مضمار الاستقرار، والبناء، والتقدم، والتمدن، والصقل، والتهذيب. فحالتنا من حيث التراجع المضطرد، حالة نادرة، بل وربما منعدمة الشبيه،ولابد أن وراءها علة. وهذا الطرح يمثل في مرحلته هذه مجرد عصفٍ ذهنيٍّ لتلمس جذر الأزمة.

    لكي نخطط لتعليمٍ جديد، مفيد، وحافز للتطور، لابد أن ننظر في تاريخنا على خلاف ما درسونا. فالنتائج الكارثية لما جرى تدريسه لنا، تتحدث عن نفسها. نحن بحاجة لمعرفة أصل العلل الاجتماعية، والنفسية، المُقعدة، التي نود معالجتها. هذه المعرفة هي التي تحدد كيف نرسم مناهجنا الدراسية، وكيف نصوغ رسالتنا الإعلامية، وكيف نوظف خطابنا الديني، وغير ذلك من وسائط التثقيف والتهذيب. فالأمم لا تهبط في صورة موائد تنزل من السماء، وإنما تُبنى لبنةً، لبنة،بالفكر الحر، وبرسم السياسات الصحيحة، وإتباعها بالتطبيق الحرفي اليقظ، وحراستها من ارتدادات الرعوية. والشعوب تتعلم، حين تجد أمامها قادةً معلِّمين ملهمين؛ مثال: غاندي، ونهرو، ومانديلا، ومهاتير، وغيرهم.نحن بحاجة إلى انقلاب فكري، تتبعه ثورة ثقافية، ولسنا بحاجة لتجريب المجرّب، مرة أخرى. بهذا أنهي هذا الطرح الابتدائي، وإلى اللقاء مع الطرح المكتملفي الكتاب الموسع الذي سأنشره تحت العنوان الأصلي،الذي بدأت به هذه المقالات، مع إضافة صغيرة، ولسوف يكون:”التغيير وقيد العقل الرعوي: حالة السودان”.

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    تعليق واحد على “النص الكامل لمقال د. النور حمد : تشريح بنية العقل الرعوي”

    1. عبد ﺍﻟﻤﻮﻟﻲ في February 17th, 2017 6:00 am

      بكل احترام و عرفان لجهدكم و عدم مقدرتي لاكمال الكتابات الطويلة المملة ، الناصحة، التنظيرية، الفوقية و المنمقة لمفهوم يمكن تناوله بعلمية و تطور عصري كما فعل ادباء عصر النهضة الاوربية…لا زال اكاديمي السودان رهائن وهم تفوقي و ادعاء عبقريقة وفرها لهم امتياز احتكاكهم بالحضارات الغربية الراقية..لقد عاصرنا طه حسين و احتكاكه بالسوربون و شعره الجاهلي.و عبد الله الطيب .و الطيب صالح.و علي المك و اخيرا د. النور حمد.و القاسم ﺍﻟﻤﺸﺘﺮﻙ الاعظم صراع ثقافات واضح و صراع عقائدي خفي يفسد المقصد.
      لابد من مواجهة الخرافة و تحييد القناعات الروحية.و نبذ التعليم التلقيني و الديني..و التاكيد علي التعليم و حرية التفكير و لا وصاية لمتعلم علي الاخرين و ادعاء ﻓﻮﻗﻴﺔ و تأطيرهم في منهج روحي او عقائدي لا يخضع لتجارب علمية تؤكد او تنفي صلاحة… يشكر الجميع علي الاجتهاد و تبقي قناعاتنا رهينة تفكير علمي يخضع تجارب و اراء الاخرين لمصادر جديدة جعلت راديو المحولجي في عداد الاموات.
      التقدير و الاحترام

    لا تتردد في ترك التعليق...