الإثنين  27  مارس  2017
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • داعشيات … امال قرامى

    December 21, 2015  

     امال قرامى
    تُلقى محاضرة فى موضوع من المواضيع ذات صلة بالسياسة أو الاجتماع أو الدين أو الاقتصاد فتواجَه بوابل من الأسئلة حول داعش… تُدرّس مسألة فى التاريخ أو الرياضيات أو الفيزياء فيسألك التلاميذ عن داعش… تُحاور طلبة فى فضاء ثقافى حول استشراف المستقبل فيطرحون عليك أسئلة حول تنظيم داعش… تَجمع أوراق اختبار فى مادة ذات صلة بالأنتربولوجيا أو علم الأديان المقارنة أو القانون فتكتشف أنّ الموضوع الرئيس تَحوّل إلى تحليل أنشطة داعش…تُشاهد برنامجا سياسيا فتفاجأ باتهام بعضهم بأنّهم صاروا داعشيى الهوى والتفكير.
    دعش فى علاقة بدعس، والدعس لغة حَشْوُ الوِعَاءِ، وهذا ينطبق على عقول أبنائنا التى شكّلت على غير المتوقع، والدعس أيضا الوطء الشديد، والدوس وهو كالدَّحْسِ فى السَّلْخِ، أَى سَلخِ الشاةِ، والدَعْسُ الطعن، وقد يُكْنَى به عن الجِماع،. أمّا الدغش فهو الظلمة، ودغشَه: هجم عليه فى الظلام ،… وهى دلالات ذات صلة بكلّ أشكال العنف المادى والنفسى والرمزى.
    داعش تتسلّل إلى لغتنا فتفرض نفسها من خلال سلسلة من الاشتقاقات فيتساءل البعض: هل أنت دعشوشى؟ ويقول البعض الآخر: ها قد تدعششت… ويكتب بعضهم: ها قد امتد حبل «الدعششة» ويتساءل محلل: من دعشش أمتنا؟ وينتقد آخر «الدغششة» التى يمارسها تنظيم داعش… وتغدو داعش حاضرة فى تعاليقنا الفيسبوكية: دعشش دعشش أنت البطل…: اللهم دعشش البلاد، دعشش يدعشش تدعشيشا…
    داعش تحضر فى إبداعنا من خلال الكاريكاتور، ومقاطع السخرية فى اليوتيوب: داعشيات (فتاوى داعشية…)، وعلى خشبة المسرح، وفى الأفلام، والشعر والأدب، والسياسة والدين…بل إنّ داعش تسلّلت إلى صلواتنا، ودعائنا فبات البعض يتفنّن فى ابتكار الدعوات الداعشية: فيدعو على من ظلمه: دعشش الله عيونك ، ويدعو البعض الآخر قائلا: لا دعشش الله عقولنا … وصار الخطباء يختمون دعواتهم بـ اللهم قنا عذاب داعش و احفظ بلادنا من خطر داعش …
    داعش تهيمن على مؤتمراتنا، وندواتنا فتدفعنا إلى التحليل، والتفكيك، وتطبيق مختلف المناهج والمقاربات، وتحفزنا على تنويع آليات الفهم والنقد… فيترك البعض اختصاصه الذى أفنى عمره فى الانشغال به ويرتمى فى دراسات الإرهاب، والعنف، والأصوليات بحثا عن قراءات تسدّ الثغرات، وتثرى منظومة المعرفة… ويضحّى البعض بمشاريعه البحثية، و يعلّق طموحه العلمى إلى حين القضاء على داعش وينكبّ على دراسة الظاهرة، والبحث عن سرّ الانجذاب، وسحر الافتتان…
    أخبار داعش حاضرة فى إعلامنا بشدّة تحتلّ الصدارة فنمرّر الصور، ونعلّق على أحداث القتل، والصلب، والاغتصاب، والرجم،… ونحلّل النوايا، ونتقصّى عن المبررات فى كتب الدين، والتراث، ونبحث عن الأهداف ونسعى إلى رصد الاستراتيجيات، ونستقصى أسرار الخلافة، فنتعجّب من صكّ العملة، وتعيين الولاة، وتغيير السياسات….
    داعش وجع، ألم، رعشة، قشعريرة، وخز، طعنة، همّ، دمعة،… داعش استولى على مشاعرنا وهيكل عواطفنا، ودفعنا إلى التفكير فى مدى توحّش البشر، وجعلنا نطرح سؤال الهوية من جديد، ونقلّب فى الدفاتر القديمة علّنا نعثر على الأجوبة المريحة.
    داعش داء لابدّ منه نتعايش معه ونقبل أن يهيمن على متلفظنا، ومتخيلنا، وأشكال تواصلنا نسمح له بأن يحضر بقّوة فى مواقع التواصل الاجتماعى: فى الفيسبوك والتغريداتhashtagTwitter ،… نتبادل الصور، والفيديوهات، والبيانات، والأخبار، ونتعامل مع التهديدات بكلّ جدّ حتى وإن كانت أضغاث أحلام، وقريبا جدّا سنجدّد برامجنا التعليمية فندرج مادة تحليل الداعشيات .
    وبعد أن صرنا طيلة سنوات نعيش بالسياسية، وفى السياسة ها قد باتت داعش تُسيطر على مختلف اهتماماتنا، وتستحوذ على أفق تفكيرنا ومشاعرنا. فما هذا الهوس بداعش؟ أيعود الأمر إلى ولعنا المتأصّل بالغريب والعجيب أم إلى قدرتنا على استحضار صور الغول، والمارد فى كل زمن أم إلى مخاوف تهيمن علينا فتجعلنا منشغلين بأخبار صعود داعش؟
    مع كلّ يوم تبلغنا أخبار انضمام هذا الشاب أو ذاك إلى تنظيم استحوذ على عقول فئة من الشباب فانتزعهم من أسرهم، وقطع أواصرهم، وفصلهم عن الأهل والأحباب… ونعجز عن فهم أسرار هذا الانبهار، والهوس والجنون…
    يبدو أنّ أجهزة المناعة قد تخلخلت وأربكت وما عادت قادرة على حمايتنا فهل بإمكاننا أن نعالج أصل الداء؟

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...