الإثنين  20  أكتوبر  2014
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • إضاءة أخيرة ( الثالثة ) عن مدينة الأحلام ودمدني

    April 7, 2013  

    بقلم صلاح الباشا..
    [email protected]

    عبق التاريخ وصدي الذكريات..

    ويتواصل حديثنا الذي نختتمه اليوم عن ام المدائن ومدينة الأحلام ودمدني الجميلة   لأنها حقا هي تمثل عبق التاريخ وصدي الذكريات ، لكننا نعد المتابعين بأن الجهد سيتواصل مستقبلا متي ما جادت الذاكرة بأحداث تستحق السرد ، وهنا لابد من القول بأن نشر هذه الحلقات قد وجد تفاعلا كبيرا من أهل الجزيرة خارج الوطن ، وقد إتضح لنا ذلك من خلال الرسائل الإلكترونية التي اطالعها في بريدي كل صباح من شتي بلدان المهاجر وبمداخلات الفيس بوك ، من هذا العالم والذي كما قلنا من قبل قد قطعه السودانيون طولا وعرضا وإرتفاعا ( من براري كندا وحتي نيوزيلندا ) ، البعيدة منها والقربية ، ولا نملك إلا أن نغني مع الراحل عثمان خالد والأستاذ حمد الريح ( حليلو قال سايب البلد – يا حليلو.. حليلو كيفن يبتعد .. كيفن نسيبو يروح بعيد .. في رحلة مجهولة الأمد يا حليلو .. يا حليلو  )  فهل كان الشاعر الراحل عثمان خالد الذي رحل مبكرا في عنفوان شبابه – عليه الرحمة – هل كان يستقريء الأحداث منذ ستينات القرن الماضي حين كتب هذا الكلام ؟ . نعم ياحليلكم كلكم بعد أن كانت بلادكم تستوعب كل أحلامكم وتطلعاتكم ، وايضا         ( شقاوتكم ) ،،،
    ( 1 )
    وكيف ننسي أهل الجزيرة عموما وأهل ودمدني وما حولها داخل الوطن في تفاعلهم العجيب مع المذكرات من خلال جهود صحيفة القرار في نشر هذه الحلقات في صباح كل يوم جمعة بكل إخراجها وصورها الجميلة .. وهاهي الذاكرة تخرج ما تكتنزه من وقت لآخر عن ودمدني التي كانت تجسد الوطن كله حين كان مشروع الجزيرة وإمتداد المناقل يحتفظ في جوفه بغالب كفاءات أهل السودان من الخفير وحتي المدير ، حين كانت أمنية كل متعلم أو مهني يبحث عن فرصة العمل بمشروع الجزيرة الذي كان يحمل علي عاتقه إقتصاد البلاد كلها ولمدة ثمانين عاما دون توقف إلي أن أتت الهجمة الشرسة عليه بكل عنف ولم تسترح الهجمة إلا بعد أن قضت عليه تماما وبلا مبررات حتي اللحظة وأصبحنا وكأننا نعيش في حلم من أحلام اليقظة  ، فتركت الصحافة السودانية علي إطلاقها امر مشروع الجزيرة الجريح وإنشغلت ببيع خط هيثرو . وهنا أقول كما قالها المك نمر ( نحن في شنو والحسانية في شنو ؟؟) ، أي صحافة هذه التي لا يقرؤها إلا خمسمائة ألف شخص فقط من سكان البلاد البالغ  عددهم بعد انفصال الجنوب  35 مليون نسمة حسب إحصائية نشرها مجلس الصحافة مؤخراً لكل أصناف الصحف ( سياسية ورياضية وإجتماعية ) فتأمل !!!!

    فهل يا تري تستطيع الأجيال القادمة إعادة تحديث وتشغيل مشروع الجزيرة لنري تارة أخري الحقول الخضراء تزدهر ، فنعيد وبكل فخر ترديد غناءنا الجميل الذي سطر مفرداته في سن باكرة الشاب الخريج وقتها السفير والشاعر محمد المكي ابراهيم وتغني به في زمان باكر ايضا إمبراطور الغناء الأفريقي كله محمد وردي ، والذي يقول ( بإسمك الأخضر يا اكتوبر الأرض تغني … والحقول إشتعلت قمحاً ووعداً وتمني ) هل نستطيع أن نفرح بمثل هذا  الغناء الفاخر جداً .. تارة اخري ؟؟؟
    إذن فلنعود إلي ودمدني الثانوية قبل أن نغادرها ونغادر المدينة كلها إلي عاصمة البلاد علي امل العودة بعد إستكمال تعليمنا الجامعي في العام 1970م  ، فإذا بظروف الوطن تعصف بنا منذ زمان الرئيس نميري وحتي اللحظة في دوامة إغتراب ليس لها من آخر إلا ( اللحد ) .

      وقد إستعرضنا اسماء أساتذتنا الأجلاء بمدني الثانوية في الحلقات الماضية ، ولكن كيف لنا أن ننسي الأستاذ الفكاهي جدا والمحبوب جدا ( العباسي ) عليه الرحمة أستاذ اللغة العربية وهو والد زميلاتنا الإعلاميات المهاجرات بأمريكا رجاء وراوية  العباسي  ، وهنا أتذكر ايضا أستاذ الفنون وإبن ودمدني ( التوم صبير ) والذي تفرغ لاحقا لادارة متجر العائلة في سوق الذهب بودمدني ، وقد إشتريت منه لزوجتي قبل عدة سنوات شوية ذهب ، وذكرته بإسمي ، فلم يتذكر بإعتبار أن الطلاب كانوا علي قفا من يشيل ، لكنه قال لي ( مش إنت كنت بتغني في المدرسة ) فأجبته بنعم – فأردف قائلا : أيوااااا إنت أخو الفنان حسن الباشا، تذكرتك ، ثم أضاف : الله يرحم حسن الباشا ، فشكرته وقلت في نفسي فعلا أن المرحوم حسن الباشا كان من أبرز علامات ودمدني ومشروع الجزيرة كموظف ، فهو ذو علاقات إجتماعية متعددة بمجتمع الجزيرة ، فبكته ودمدني كلها حين إنتقل إلي الرفيق العلي في 14 مايو 1997م        حيث لم يتجاوز عمره الستين عاما بكثير ( يرحمه الله ويجعل نزله الجنة .)
    وهنا لابد لنا من ذكر بعض رموز المدرسة لا تزال بصمتها واضحة المعالم في بعض خريجيها ، فمن كانت رغبته من طلابها هي الكلية الحربية فإن العم الصول ( عبدالعاطي ) والصول ( حسين ) كان لهم دور مفصلي في التدريب العسكري للراغبين فيه والذي نطلق عليه  ( الكديت ) حيث كانت المدرسة تصرف الزي العسكري كاملا للذين ينضمون للتدريب وقد كان ثلاثة ايام في الإسبوع بالعصر في الميدان الواقع جنوب مدني الثانوية . بمثلما كان الموسيقار عازف الكمان المعلم ( محمد مليجي ) هو صول الموسيقي بالمدرسة ، فكم كانت لنا أيام معه في حجرة الموسيقي بالعصاري بالقرب من داخلية المناقل التي تقع بجوار بوابة المدرسة الرئيسية ( الشمالية ) التي تفتح علي ميدان الشهداء سابق الذكر ، وكنا مع الصباح أو عند الإنصراف من اليوم الدراسي نري مئات الدراجات للطلاب تخرج من المدرسة ، وحتي الأحياء البعيدة كان طلابها يأتون بالدراجات مثل جزيرة الفيل ودردق والدباغة والعشير وحي البان جديد والبيان وودكنان . فكان الطلاب يتنافسون في زركشة البسكليت ويهتمون بها – بل ويغسلونها كل إسبوع مثل الملابس تماماً ، وفعلا ( كانت لنا أيام ) فأين زمان البسكليت هذا واين دكان العم حسن خلف الله في رالسوق الكبير ىبجوار شارع الصاغة ، لبيع الدراجات الرالي والفونكس ، وبيع قطع غيارها وزينتها ، مع تحية خاصة لصديقنا خلف الله حسن خلف ( ابو خلف ) الطالب معنا وقتذاك منذ الأهلية وحتي مدني الثانوية .

      ونحن في السنة الأخير ( الرابعة ) بمدني الثانوية ، وفي شهر يوليو 1969م وبعد قيام إنقلاب مايو في ذات السنة ، قرر الرئيس الراحل جعفر نميري إغلاق تلك المدرسة العريقة    ( وادي سيدنا الثانوية )  في شمال ام درمان وتحويلها إلي مقر للكلية الحربية ، وبالتالي فقد قاموا بتوزيع كل طلاب المدرسة من سنة الأولي وحتي الرابعة إلي مدارس أخري بأم درمان خاصة مباني ام درمان الأميرية العامة بسوق أم درمان بجوا ر السينما ، ماعدا الفصول الرابعة فقد نقلوها إلي مدارس ثانوية عريقة نظرا لظروف إمتحانات الشهادة السودانية وبالتالي فقد قسموا طلاب سنة رابعة علي مدرستي جنتوب وومدني الثانوية نظرا لتوافر طاقم التدريس المتمكن ، فضلا علي توافر الداخليات بالمدرستين ، وهنا فقد حدثت طرفة لا بد من ذكرها وهي أن الإدارة في مدرستنا كانت تعقد في صباح كل يوم سبت قبل الحصة الأولي ما يمسي بالإجتماع الإسبوعي للطلاب مع كامل هيئة التدريس والذي يطلق عليه ( The Assembly )
    وكان يقام الاجتماع الاسبوعي الصباحي في ساحة مسرح المدرسة حيث يجلس الأساتذة في مقاعد علي خشبة المسرح والطلاب علي نجيل ساحة المسرح ، حيث يفتتح المدير ( الأستاذ الأمين كعورة ) الإجتماع بكلمة أو إصدار قرارات أو إبداء ملاحظات ، ثم يتحدث أي أستاذ إن كانت له تنويهات حول نشاط طلابي محدد أو جمعية محددة ، كما كان الأستاذ الراحل       ( ريتشارد ما كوبي ) يتحدث كثيرا عن غياب طلاب التدريب العسكري ( الكديت ) ويقرأ أسماءهم دوما ليقابلوه ، فكان إسم صديقنا ( شعبان ابراهيم شعبان ) يتردد في كل إسبوع كغائب عن التدريب العسكري لأنه مسجل فيه برغبته . غير أن الناظر الأمين كعورة قد ذكر ذات مرة بأن الطلاب القادمين من مدرسة وادي سيدنا رفعوا له شكوي من رداءة الأكل وغياب التحلية بالداخلية ويتساءلون عن غياب ( الباسطة واللبن ) من سفرة الأكل . فضحك الجميع لتهكم الأستاذ كعورة حين قال لهم ( ده نوع أكلنا ) واللي ما عاجبو ممكن يشتري باسطة وحليب من السوق .. فإزداد الطلاب ضحكا ، وإزداد أبناء وادي سيدنا حرجاً .

       في فترة الستينيات ظهر مبدعون في مجال فن الغناء في الوسط الطلابي بالمدرسة العربية المصرية بودمدني والتي لاتبعد كثيرا عن مدرستنا ودمدني الثانوية ، فمنهم من توقف ومنهم من واصل المسيرة في دروب الفن ، فقد كان من نجوم الغناء في العربية الفنان الكبير التاج مكي الذي كان يردد غناء محمد الامين وحمد الريح ، فكم طربنا له وهو يغني ( الحب والظروف ) المشهورة تحت مسمي ( قلنا ما ممكن تسافر ) وهي من تأليف الأستاذ الشاعر الصحفي فضل الله محمد ، كما تغني التاج مكي برائعة حمد الريح التي إنتشرت وقتذاك ( إنت كلك زينة وعايمة كالوزينة ويحفظك مولاك ) وقد كانت فرقته الموسيقية تتألف من زملائه بالمدرسة العربية وأذكر منهم عازف الكمان المبدع الذي رحل قبل عدة سنوات ( التهامي خوجلي ) وعازف الإيقاع الشاعر والمحامي الأكثر شهرة فيما بعد الراحل الأستاذ يونس السنوسي ، وقد كان يشرف علي الفرقة الطالب وقتذاك ( تاج الأصفياء عثمان سعد ) . كما كان بالعرية الفنان الطالب عبد العزيز محمد الحسن الذي يؤدي غناء الكابلي ، والصديق العزيز صاحب النكتة الجاهزة ( محمد الحردلو ) وهو أحسن من يجيد غناء الراحل خليل إسماعيل .

       أما الفرقة الموسيقية لودمدني الثانوية والتي كما ذكرنا من قبل يشرف عليها الموسيقار العم ( محمد مليجي ) والذي لايزال يعمل بالمشاهرة بالمدرسة والرجل لم ينساني بعد عندما أقابله بل عندما يزرو أبناءه بالعاصمة ( أولاد مليجي ) فإنه يصت لبي فأذهب له بنادي الفنانين بام درمان حيث أسكن وعائلتي بالخرطوم بحري منذ عودتي من قطر في 2003م  ، كانت تتكون فرقتنا الفنية من صلاح ابراهيم الذي كان يغني غناء ابراهيم عوض ويبدأ فاصله دوما بأغنية   ( يا زمن وقف شوية ) وهناك ملك غناء الحقيبة والشعبي الطالب ( السر ) وقد إشتهرنا وقتها بترديد غناء الفنان عثمان الشفيع الذي أحدث ضجة في ستينيات القرن الماضي ، فما أن يكون للشفيع حفل في مسرح الجزيرة إلا وتمتليء المقاعد من عصر باكر ، وفكن في مسرح المدرسة نررد روائعه التي حفظها الطلاب منا عن ظهر قلب مثل تلك الدرر: ( في الشاطيء يا حبان – الذكريات – الزهور والورد – الفارقت ما لقيتا – خداري المابخلي يا الأخدر لونو زرعي – يا فتاتي – النار ياظالم ظلمتني والله عالم – الليلة وين يا عينيا بيتكم بي وين ياعينا – الشاغل الأفكار- رب الجمال ) والقائمة تطول وتتمدد . لكنني أذتكر ذلك الشاب الجنوبي إبن المجلد وابيي والذي نسبقه بعامين ، كان يأتي للإستماع لنا في غرفة البروفات بالمدرسة حيث كان يسكن بداخلية المناقل المجاورة لحجرة الموسيقي ، إنه القيادي الجنوبي ووزير خارجية السودان بعد إتفاقية السلام وهو ( دينج ألور ) وقد أتي للمدرسة تحت إسم احمد اللار حسب ما سماه به ناظر مدرسته الأولية في الملجد تمشيا مع الأسماء العربية السائدة بالمجلد في ذلك الزمان . وقد قابلته ذات مرة في إحتفالية خاصة بالخرطوم ومعه الأستاذ باقان أموم ( خريج بورتسودان الثانوية ) ، لم يعرفني ألور كشكل ، لكنه يعرف ويتذكر فنان مدني الثانوية ( صلاح الباشا ) وغناء عثمان الشفيع … فالتحية له .

      كتب لي ذات مرة  رسالة إليكترونية  صديقي السفير خضر هارون زميلنا في المدرسة ورئيس إتحاد الطلاب في إحدي الدورات ، والوارد ذكره في حلقة سابقة هنا – حين كان سفيرا للسودان بالعاصمة وشنطن ، وحين كنت أعمل بدولة قطر قبل عدة سنوات وأكتب للصحف السودانية والخليجية ذكريات في التوثيق الفني والتي صدر بعضها في كتاب قبل سنوات ماضية بالقاهرة تحت عنوان ( أهل الإبداع في بلادي ) جزء أول من أصل اربعة أجزاء لم تصدر الثلاثة بعد ، كتب لي خضر هارون حين إطلع علي بعض الصحف السودانية التي تصل إلي السفارة متذكرا أيام ودمدني الثانوية الخوالي يقول ( لاتزال في الشاطيء يا حبان ساهرتو بينا … ترن في أذني ) كما كرر ذات العبارة لي بعد صدور الحلقة المضادية وهو بالسودان بعد أن علمت أنه قد تقاعد إلي المعاش ، فالتحية له ولكل الزملاء الأصدقاء الذين كما قلنا تضمهم الآن مدن المهاجر المتعددة . ولا أنسي زملائي بتلك الفرقة الفنية بمدني الثانوية ( الفنان بشير التوم ) الموسيقار الفاضل السنوسي والموسيقار المبدع الذي رحل مبكرا ( فاروق خضر ) وعازفي الإيقاع الدكتور الرشيد عبداللطيف برئاسة وزارة الصحة السعودية بالرياض ، وزميله في الإيقاع المترجم البارع الرشيد حميدة ، ويسبقهم في الإيقاع الصديق العزيز ( عصام الياس ) ، وهناك ملك الأكورديون الدكتور خالد حجر المحاضر بكلية الإقتصاد بجامعة ام القري بمكة المكرمة حاليا ، وعازف الأكورديون الذي خلفه في الفرقة الصديق العزيز احمد عوض السيد وهو تشكيلي كالراحل فاروق خضر ، والمهندس يحي عبدالحي ، والفنان عبدالعظيم سليمان الأزيرق المهاجر بكندا الآن والذي كان يؤدي غناء الكابلي منذ المرحلة الوسطي  ، وكيف أنسي الطلاب الذين كانوا يساندوننا في الغناء.

    ( 3 )
    كان مجال الطب والتطبيب في الستينات يحتكره أبناء المدينة من الأطباء الذين لا يروق لهم إلا العمل في مدينة الأحلام ، مهما كانت مغريات العاصمة ، وكانوا عمالقة في مجالهم ، كانت هناك عيادة الدكتور أخصائي الأطفال الراحل عثمان محمد عبدالله في القسم ىالأول قبل أن إنشاء مستوصف الخير بجوار الموقف العام للمواصلات الداخلية ، ودكتور عثمان كان من الرموز الإتحادية القريبة من الزعيم إسماعيل الأزهري ، وعندما إحتدمت الحملة الإنتخابية لبرلمان العام 1968م كان هناك قياديين هامين يطلبان الترشيح من الحزب لدائرة ودمدني ، وبالتالي إذا ترشح الإثنين فإن أصوات الإتحادي الديمقراطي بعد عودة توحده تحت المسمي  الحالي في العام 1967م ( الوطني الإتحادي وحزب الشعب الديمقراطي ) فإن جماعة الوطني الإتحادي القديم ستعطي أصواتها للدكتور عثمان محمد عبد الله ، والمرشح المنافس الآخر من ذات الحزب ( ختمي وإبن ختمي ) وهو الأستاذ سيف الدولة خضر عمر المحامي ، وقد كان مرشح حزب الأمة هو الأمير محمد عبد الرحمن نقد الله والذي حتما سيفوز في حالة تشرذم الإتحاديين ، وكان كل مرشح من الإثنين يصر علي عدم الإنسحاب ، فتكهرب الجو الإتحادي ليس في مدني فحسب ، بل في السودان كله لما لودمدني من ثقل سياسي منذ تأسيس مؤتمر الخريجين في العام 1938م والذي إنطلق من ودمدني بقيادة احمد خير المحامي قبل العاصمة الوطنية أم درمان .

           وقد كانت جماهير الإتحادي الديمقراطي تقبض أنفاسها ، وتدخل الأجاويد لإنسحاب أحدهما  حتي لا تذهب الدائرة لغير الحزب الإتحادي ، وبرغم أن للختمية ثقل قوي جدا في المدينة ولا تخطئه العين مطلقا حتي اللحظة ، برغم ذلك ، تدخل حكيم الحزب وراعيه وقتذاك مولانا السيد محمد عثمان الميرغني الذي أرسل وفدا عالي المستوي من خلفاء الطريقة لإقناع الأستاذ سيف الدولة بالإنسحاب حتي ( لا تطير الدائرة ) من أيادي الحزب ، ففعل وبارك لدكتور عثمان وكان رمزه الإنتحابي هو ( البقرة ) والذي فاز بأغلبية ساحقة ، حتي أن أخواننا الفلاتة بالدباغة وهي ذات ثقل سكاني كان يردد مواطنوها بلهجتهم بالرطانة المعروفة ( وننق بقرة  أثمان ) .

         كان بالمدينة الدكتور والرمز الإجتماعي الراحل ( عوض محمد أحمد ) والذي يطلق عليه ( عوض القون ) حيث كان في صغره حارس مرمي خطير ، فإستمر معه  اللقب حتي وفاته ، وقد كانت لدكتور عوض بصمات واضحة في تطوير مستشفي ودمدني التعليمي حين كان حكيمباشي المستشفي وهي تماثل مدير المستشفي اليوم .

      كما كان هناك أخصائيان كالتوأم ، عياداتهما حتي اللحظة بجوار بعض وهي صداقة حميمة ممتدة حتي اللحظة وقد توجاها بتصاهر تاريخي وهما الدكتور الإنسان وإبن البلد الحقيقي وإبن بركات ( د. احمد محمد سعيد ) إستشاري الباطنية المعروف ، والدكتور المهذب ( د. محمد حسين ) إسنشاري التوليد ، حيث تزوج دكتور أحمد من شقيقة دكتور محمد حسين وأنجب منها البنين والبنات والذرية الصالحة إلي ان توفاها الله تعالي في ثمانينات القرن الماضي ، كما صاهر دكتور محمد حسين اهل بركات حيث تزوج أختنا السيدة ( جمالات سليمان فضل الباري ) الذي كان والدها الراحل يعمل كبير الصيارفة بمشروع الجزيرة ، وهو خال أبناء المرحوم عمر الكارب رجل مشروع الجزيرة التاريخي وأحد مؤسسيه الأوائل ،  والتحية لدكتور وأحمد ودكتور محمد حسين بودمدني … والقائمة تطول وتمتد في هذا المجال من الأطباء الأفاضل وعلي رأسهم إبن ودمدني الدكتور الفاضل النور شمس الدين .

       وعلي ذكر مستشفي ودمدني ، فكيف ننسي رجل الخير البر والإحسان العم الراحل ورمز المدينة المشهور العم ( شيخ العرب ) والذي كان له ادوار وأدوار في دعم اعمال الخير بالمستشفي وفي تجهيز الموتي الذين لا أهل لهم حتي تكفينهم ودفنهم بعد إقامة الصلاة عليهم ، وبالتالي فقد خلدوا إسمه بإطلاقه علي أكبر عنبر بالمستشفي  ، فمن من أهل مدينة الأحلام وما جاورها لا يعرف اين يقع (عنبر شيخ العرب ) . الله يرحمه ويحسن إليه .

        وعلي ذكر مشروع الجزيرة عدة مرات في هذه الحلقات ، لابد أن نذكر الشق الآخر لنجاحات المشروع وهو ( وزارة الري بشارع النيل ) هذه الوزارة التي يقع علي عاتقها تنظيم وهندسة وإدارة عمليات الري وصيانة القناطر في كل ترع الجزيرة والمناقل ( بسيستم ) وضعه الإنجليز ، ولم ينهار إلا مؤخرا كباقي الإنهيارات البئيسة بالسودان (وبلا مساءلة حتي اللحظة ) . كيف لا نذكر أولئك الرجال الذين كانوا لا ينامون إلا بعد الإطمئنان بأن المياه تنساب من ( الميجر كنال ) وهي الترعة الرئيسية ، إلي الترع الفرعية والقنوات والجداول ، فتمتليء الحواشات بالمياه الخصبة ( لمان تقول بس ) . فكيف ننسي وكلاء الري الاماجد منذ عهد المهندسين محمود جادين – يحي عبدالمجيد – الطيب عبدالرازق – محمد عبدالكريم عساكر ، والقائمة تطول من مثل هؤلاء المهندسين الأماجد ورفاقهم  في ذلك الزمان الجميل .

      ( 3 )
    أما عن أهم حدث سياسي في ذلك الزمن من حقبة منتصف الستينيات ، كان هو تداعيات حل الحزب الشيوعي السوداني من البرلمان أو بما يسمي وقتها ( الجمعية التأسيسية ) عقب ثورة 21 اكتوبر 1964م حين فاز الشيوعيون واليساريون بعدد 11 مقعدا من دوائر الخريجين البالغة 15 مقعدا علي مستوي القطر كله ، وكانوا هم : حسن الطاهر زروق – عمر مصطفي المكي – فاروق ابوعيسي – محمد ابراهيم نقد – دكتور عز الدين علي عامر- دكتور الطاهر عبدالباسط – الرشيد نايل المحامي . أما الثلاثة الفائزين من اليساريين من خارج قائمة الحزب فكانوا: الأستاذ محجوب محمد صالح – محمد احمد سليمان – والسيدة فاطمة احمد ابراهيم . وكان قرار الحل قد تم تطبيقه علي الثمانية المذكورين فقط حسب لونهم الحزبي في سجل الإنتخابات ، وعن الأربعة الآخرين الذين فازوا فكان هناك الدكتور حسن الترابي نجم ثورة اكتوبر والذي حاز علي أعلي الأصوات ، والأستاذ محمد يوسف محمد المحامي ، ومن الإتحاديين محمد توفيق احمد وصالح محمود اسماعيل .

       وتداعيات حل الحزب الشيوعي أتت بسبب عدم تنفيذ مجلس السيادة لقرار المحكمة الدستورية العليا ببطلان حل الحزب الشيوعي قانونا حين أبعدهم نواب البرلمان من التمثيل فضلا علي قرار الحل وإغلاق دورهم في كل السودان ومنعهم من النشاط السياسي نهائيا ومصادرة صحيفتهم ( الميدان ) ، وقد كان رئيس المحكمة الدستورية هو القاضي صلاح حسن ، وعندها إستقال رئيس القضاء مولانا بابكر عوض الله لعدم إحترام مجلس السيادة لحكم القضاء وقد قبل الزعيم الأزهري رئيس مجلس السيادة الإستقالة ، ولكن عوض الله عاد وإشترك في التخطيط لإنقلاب 25 مايو 1969م بقيادة جعفر نميري ، وليته لم يفعل ذلك وأكتفي بإستقالته من القضاء بذلك الموقف الجدير بالإحترام .

      والشاهد ان حزب الشعب الديمقراطي ( حزب الختمية ) الذي أنقسم من الوطني الإتحادي في نهاية العام 1956م ، ثم عاد مندمجا في العام 1967م تحت مسمي ( الإتحادي الديمقراطي ) والذي إنشطر الآن إلي 5 فصائل إتحادية مسجلة وبلا جماهير قوية وفاعلة ، كان حزب الشعب مساندا للحزب الشيوعي في عدم مشروعية حله وطرد نوابه من البرلمان ، وكان يتصدر المظاهرات في كل مدن السودان مع مجمل تيارات اليسار السوداني.

      وفي ودمدني التي تمثل العاصمة الثانية المؤثرة في الأحداث السودانية ، كانت الجماهير تخرج في شوارع سوق مدني مستنكرة مصادرة الديمقراطية وحل الحزب الشيوعي ، حيث إنفعل أحد الشباب وقام بإشعال النار في نفسه في عز النهار بشارع الجمهورية بودمدني وهو يهتف مطالبا بالديمقراطية واحترام الحريات ، وقد كنت شاهدا علي هذا المشهد الذي إهتز له السودان كله ونقلته وكالات الأنباء والصحف المحلية والعالمية .

     إذن نحن في السودان قد سبقنا بنصف قرن كامل ، ذلك الشاب ( البو عزيزي ) الذي أشعل النار في نفسه وأشعل فتيل الثورة التونسية في العام 2010م ( إنتهت الحلقات)  …

    وهنا نختم القول بالتذكير بأن من فاتته بقية الحلقات ، سيجدها منشورة في صفحتي علي الفيسبوك كالتالي
    وبالله التوفيق  : (  Salah Albash )

    الصورة ) : قبة مؤسس المدينة ( الشيخ محمد مدني السني ) تقف شامخة كأحد معالم المدينة  في تاقطع شارع القبة مع شارع بانت العشير

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...