الجمعة  28  نوفمبر  2014
  • من نحن
  • راسلنا
  • اعلن معنا
  • ادعمنا
  • الوجـه الآخر لـ ( السائحـون )

    March 9, 2013  

    عبد العزيز حسين الصاوي..

    نُشرت في 8 فبراير الماضي وثيقة صادرة عن مجموعة المجاهدين الذين اختاروا لانفسهم مصطلح ” سائحون ” ، بعنوان ” مذكرة الاصلاح والنهضة ” . هذه الملاحظات السريعة تأمل في إثارة اهتمام بهذه المذكرة يتجاوز التعليقات العابرة التي صدرت عنها حتي الان مقتصرة علي مغزاها فيما يتعلق بتطورات الكيان الاسلامي من الناحيتين السياسية والتنظيمية. وحده التفارق الصارخ بين إيحاءات مصطلح ” سائحون ” في استخدامه الدارج وإيحاءات الصفة الجهادية للمجموعة مايلفت النظر استثناء ولكن هناك أيضا فقرات تستحق النظر التحليلي المعمق بما يتناسب مع ماتختزنه من إحتمال تطورات أكثر اهمية تتعلق بالطبيعة الجوهرية لذلك الكيان.

    الفقرات الافتتاحية للمذكرة تؤكد صحة هذا الانطباع حول الاحتمالات ف : ” المشتركات العامة بين المبادرين والتي تعبر عن روح مبادرتهم مقاصدها وأبعادها ، أساسها الدعوة الي تجديد الفكر وتحسين طرائق التفكير “. توجهُ المذكرة، أو بالاحري جزء منها كما سنوضح لاحقا، نحو المعالجة العميقة للموضوع يشي به مايمكن استنتاجه من هذه الفقرة من ان الامر يتجاوز تجديد الفكر الى تجديد وسيلة او كيفية انتاج الافكار نفسها، مايشير الى إطلاع علي هذا المبحث المستجد نسبيا في الفكر العربي ذاهبا الي الحفر في ماهية المعرفة وكيفية تحصيلها.

    مع العودة للتأكيد علي الاهمية المفصلية للتطوير الفكري للحركة الاسلامية بهذا العمق المزدوج في توجهات المجموعة، تتضمن الفقرات التفصيلية اللاحقة في المذكرة عنصرا تعميقيا اخر يتصل بالعلاقة بين الفرد والجماعة يمكن التقاطه من الفقرة التالية : ” باعتبار إن سائر المشكلات الدينية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية ونحوها, هي في الأساس مشكلات فكرية فانه لن يستقيم المسعى ( … ) في سياق الإصلاح المجتمعي الشامل، إلا بإصلاح البني الفكرية للفرد والمجتمع “. سنلاحظ في مجمل المذكرة ان تقديم الفرد علي الجماعة في هذه الفقرة بداية لتكرار استخدام الاول في غالب الفقرات بدلا عن مصطلح ” الجماعة “. ولهذا الامر دلالة فكرية معينة لكونه خروجا بيناً عن السمة المشتركة بين اصحاب الايديولوجيات الشمولية المنحي حيث يشكل تغليب الجماعة علي الفرد مدخلا لسلب الحقوق الديموقراطية بحجة أولوية حقوق الجماعة، التي هي الامة الإسلامية و / أو العربية عند الاسلاميين و القوميين و الطبقة لدي الشيوعيين، أو الشعب عند جميع هؤلاء واخرين. وتتواصل إشارات الانفلات عن مكامن العقائد الشمولية التقليدية التي يمثلها هذا الخروج عن ممارسات إدغام الفرد في الجماعة، في الفقرات اللاحقة، مقترنة بعنصر يحمل نفس المغزي الايجابي. يتصل المغزي هذه المرة بالتفاعل مع المستجدات العصرية كمصدر للتغيير المنشود الذي يتناول ، وهذه نقطة إضافية هامة في حد ذاتها، مجمل المنظومة الفكرية وليس أجزاء منها. تقول الوثيقة : ” فلا بد إذن من تجديد المنظومة الفكرية التي يعمد من خلالها الفرد السوداني في بناء التصورات وتوليد الأحكام وتوضيح القيم بعد أن عادت منظومته الموروثة في عاداته وتقاليده مجرد منظومة جامدة قديمة المعاني والقيم، لا تتجاوب مكوناتها مع معطيات الواقع المعاصر المعقد كلياً، بعد أن فقدت صلتها بالحاضر وأصبحت غير قادرة على استيعاب مستجداته الراهنة.” هذه نقطة لها دلالتها ايضا إذ تعيد للذهن الاشارة في الفقرة الاولي الى ضرورة الارتقاء بعملية التجديد من الافكار نفسها الى الطريقة التي تتولد بها، الى أسلوب التفكير وطرائقه وميكانيزماته بما يوحي بالدعوة للتخلي عن اسلوب النقل والاجترار من المرويات والسرديات العتيقة بعد انسداد الاجتهاد الاسلامي، إلى المشاركة في جهود إبداع تفسيرات عصرية.

    تتجاوز ملاحظات هذا المقال حول إشارات واحتمالات التطور والتطوير الفكري في الوثيقة، منطقة التخمين مقتربة من منطقة التحليل المقبول إذا تأملنا الفقرات اولا وثانيا التاليتين في المذكرة تحت عنوان ” المرجعية الاسلامية ” اللتان تعتبران، لهذا السبب، المفتاح الرئيسي للولوج الي العالم الجديد الذي ترتاده المجموعة. الجزء الاول من الفقرة الاولي يبدو جامعا لعناصر متناقضة بمعيار التمييز بين التقليدي والتجديدي في تقييم الوثيقة، إذ تقول : ” أولاً: الانطلاق ابتداءً من المرجعية الإسلامية كمرجعية عليا لمشروع الإصلاح المنشود في السودان بوصفها تقدم دائماً وباستمرار إمكانية متجددة من الهداية والحقيقة، بما يوجه المستجدات والمتغيرات المجتمعية في الواقع الظرفي السوداني في صوره المتجددة, لكونها المصدر الخالد والمطلق في التوجيه والهداية”. غير ان الجزء الثاني من الفقرة، وهو الاكبر، يترجح فيه وزن عناصر التجديد بصورة واضحة . فالتركيز في هذا الجزء هو علي القيم والمثل الاسلامية بما يمكن تأويله كنزوع نحو فهم متسع ومنفتح للمرجعية الاسلامية لكون هذه القيم والمثل مشتركة مع كافة الاديان وحتي العقائد الوضعية. يؤكد سلامة هذا التأويل ان مصطلح ” الشريعة ” يغيب ذكره في الوثيقة كلية إلا مرة واحدة وفي سياق شرح تفصيلي لفلسفة ومقومات النظام القضائي والقانوني المطلوب بحيث يبدو وجوده عابرا، علما بأن الفقرات المعنية تتمشي عموما، لغة وافكارا، مع المفاهيم الديموقراطية الحديثة وعلي رأسها استقلال القضاء بالمقارنة بفقرات اخري في المذكرة كما ان قائمة الاصلاح المطلوب تشمل قانوني الامن الوطني والمنظمات التطوعية بخصوصيتهما المعروفة فيما يتعلق بطبيعة النظام القائم ف : ” المرجعية الإسلامية تقدم نفسها كمشروع للحياة، بما يمد الفرد السوداني بمنظومة القيم العليا في الحياة الإنسانية, كالحرية والعدالة وقضاء الحقوق ورفع الظلم, والمساواة, والكرامة الإنسانية, فضلاً عن قدرتها على تفسير الوجود وتحديد السلوك الراشد وشرح السنن والقوانين الاجتماعية التي تحكم تحديات الحياة. فتضع الفرد السوداني تحت طائلة المسئولية الأخلاقية, وترشيد النزوع الإنساني نحو الاعتدال والاستقامة وعدم التعدي والحب الجامح للخير وأعماله.”

    الفقرة ثانيا لاتحتاج الى تحليل لاكتشاف رؤيتها لموضوع المرجعية الاسلامية مرتكزة علي مقومي العقلانية والنسبية، بما يؤسسس لا نقطاع معرفي حاسم مع الفهم التقليدي والحرفي للدين السائد في أوساط الاسلاميين جاعلا منه أداة للاستبداد السياسي والتطرف. فالفهم القائم علي استقصاء الاوجه المختلفة للنصوص القرانية كما تومي إليه مقولة علي بن ابي طالب ( القران حمال أوجه ) بالوسائل التي يتيحها تقدم المعرفة البشرية، يجعل منها مجالا لاختلاف منتج وموضوعي وتاليا غير قابلة للاستخدام بعكس مقاصد الاسلام وقيمه. كما أن حصر الدين في فضاء المطلقات بعيدا عن النسبي الزماني والمكاني ( والمذكرة تحدده سودانيا )، يسّهل إستخدامه سلبيا إذ تصبح التصرفات المسوغة دينيا غير قابلة للقياس بالمرئي والمشاهد والمحسوس. نص الفقرة كالاتي : ” ثانياً: إن التأسيس المرجعي, يتضمن بالضرورة الاهتداء بالعقل والخبرة الإنسانية, باعتباره فاعلية إنسانية, لها القدرة على التقدير الجيد للقيمة الموضعية للأشياء، فيكون البحث من خلالها على فهم أصول الإصلاح المجتمعي التي تؤسس الظواهر الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والقانونية المختلفة في المجتمع، والتي تمكن من الوصول إلى النهضة المنشودة، بواسطة إقرار الطرق العقلية الراشدة في المبادئ وفي الأساليب التي تقرب من الحقيقة ، ومن ثم تقرير ذلك الفهم في سياقات علمية عقلانية تمتلك صفة الموضوعية والنسبية المناسبة لأحوال المجتمع السوداني المتداخلة. وبهذا يكون مفهوم الإصلاح، هو ذلك الاجتهاد العقلي الصحيح المنظم والسليم للأفكار الموضوعية؛ من أجل الكشف عن الحقائق المجتمعية المجهولة، أو البرهنة عليها ومن ثم إصلاحها واعمارها.”

    تخطو الفقرة ثالثا خطوة أخري بنفس اتجاه تفكيك الفهم الجامد للاسلام بالربط المباشر بالحداثة، لفظا ومعني، ماضية الى تعريف جوهر الحداثة في الحرية وإعلاء شأن الارادة الانسانية، عندما تقول : ” ضرورة انطلاق البنية الفكرية لمشروع الإصلاح من النظرة التكاملية ( ….. ) بالاستفادة من أدوات البناء الروحي والمادي للإنسان السوداني في تفاعله مع قيم الإسلام وايجابيات الحداثة في تأكيد حرية الذات الإنسانية بما يضمن تطوير الدافع الأسمى للفرد في المجتمع. ” وفي المحور الخاص بالاصلاح الثقافي ترد الجملة التالية التي يمكن اعتبارها تعريفا سليما لمفهومي الحداثة والتنوير : ضرورة إشاعة أجواء الحرية الثقافية المسئولة ( …….) مما يفرز مناخاً يصنع الفرد المبدع والمجتمع القائد، عندما يشحذ همم الأفراد ويحرضهم على الإبداع وتحمل المسئولية وحب العمل واحترام الوقت ومحبة المعرفة، والسعي للاكتشاف وابتكار وتجريب الحلول الجديدة “.

    لاينبغي لهذه الملاحظات التحليلية السريعة ان تترك القارئ بأنطباع أن المذكرة المكونة من 23 صفحة كومبيوترية متسقة كلية بالاتجاه الذي استخلصته الملاحظات، فالواقع ان فقرات كثيرة أخري، ابتداء من صفحة 15، تفيض بأصداء ولغة وافكار الاسلاميين التقليديين. وليس في هذا مايدعو الى الدهشة لان انعدام تقاليد ومؤسسات التفاعل المفتوح داخل هذه النوعية من الاحزاب القائمة علي الانضباط الفكري والتنظيمي يعني إستحالة نمو تيار إصلاحي موحد فكريا. مايدعو الي الدهشة حقا هو صدور هذا النوع من التفكير التجديدي المتميز من أكثر مكونات الحركة الاسلامية بعدا عن ان تكون مصدرا لها، وفق الصورة التي تتبادر الي الذهن من صفة المجاهدين التي يحملها ” السائحون “. نماذج الكتابات النقدية وسط الاسلاميين التي افتتحها علنا منذ سنوات عبد الوهاب الافندي والطيب زين العابدين تتعدد وتتكثف بتسارع ملموس مؤخرا ولكن صدورها وبهذا المستوي من التبلور، من عناصر تنتمي الى فصيلة المقاتلين حيث الكلمة تعبوية ومتعصبة هو الجديد في الامر . صاحب هذاالمقال كان خلال عام 2008 خاض نقاشا مع اثنين من أقربائه الفكريين والسياسيين ( كتاب ديموقراطية بلا إستنارة ، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي ) اعترضا علي فكرة طرحها مؤداها إن احتمالات ظهور بؤر استنارية وسط الاسلاميين السودانيين أكثر من اوساط غير الاسلاميين وذلك بمقدار الفارق بين توفر شروط التفتح العقلي بين الوسطين. إذا افترضنا إن هذه الشروط هي التعليم الجيد والمهن الحديثة والبراح الذهني والنفسي فأن توفرها في اوساط شباب الاسلاميين اكثر من شباب الاخرين امر بديهي لان هذه الشروط تكون حيث تكون الثروة، فالانغلاق العقلي ليس خاصية وراثية لايمكن تغييرها. قد يصلح هذا التخريج لتفسير جزئي علي الاقل ل( تنويرية ) أحد مكونات ” السائحون ” ولكن المهم حقا في الامر هو ان الباحثين عن تغيير حقيقي يضع البلاد علي سكة النهضة معتبرا بتجارب الماضي حين سقطت الانظمة الدكتاتورية وبقيت بنيتها التحتية، قد يجدون في المجموعة التي تقف الفقرات المعنية في المذكرة محاورا حقيقيا.

    Share

    التعليقات

    ( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

    لا تتردد في ترك التعليق...